صَبِيَّةٌ
في وجهِها البدرُ ائتلَقْ..
في ليلِ عينَيْها..
يسبّحُ الأفُقْ !
وموجُ شعرِها على..
أهدابِها..
يهوِي وينزلِقْ:
ما العطرُ مُنْسَكِبًا؟!
ما السّوْسَنُ العَبِقْ ؟!
تُعيدُه بِكَفّها..
يا كفَّها مِنْ مَرْمَرٍ!
تعيدُه..
وراءَ أُذْنٍ بَضَّةٍ
فيلمعُ الحَلَقْ !
وثغرُها
حبّاتُ ثلجٍ فوقَها النّيرانُ تنطبِقْ !
يا ويحَها تلكَ القلوبُ حولَها
تشقى وتحترِقْ !!
صَبِيَّةٌ
تسابِقُ العيونُ خَطْوَها،
وتستبِقْ !
فتعتلِيها حُمْرَةٌ
وتعترِيها رَعْشَةٌ
وينثرُ العرقْ..
على محيّاها الوضيءْ
حَبًّا مِن البِلَّوْرِ يأتلِقْ !
وينثني مِن الحياءِ رأسُها
فلا ترى غيرَ الرَّصيفْ..
وبعضَ أشباحٍ تمرُّ كالخريفْ!
وتَبْعُدُ الطُّرُقْ!
يا ويلَها إن تاهَتِ الطُّرُقْ!!
وعندَ منزلٍ أنيقْ..
في آخرِ الطّريقْ..
توقّفَتْ هُنيهةً.
تلفّتَتْ..وأطرقَتْ
وقد بدا بوجهِها القلَقْ!
وامتدّ كفّها الجميلْ
برعشةٍ وربكَةٍ
يدقّ فوقَ البابْ..
فجاءها الجوابْ :
" - أهلاً مُنَى! "
تقولُ في تَرْحابْ
صَديقةٌ في عيدِها
تجمّعَ الأصحابْ
ليطفئوا الشموعْ
بعد الأصيلْ :
إذا دنا الغسَقْ..
رأتْهُ مُذْ قالتْ لها:
" - أهلاً مُنَى!"
وعرّفتْها بالجميعْ
وأرسلَتْ بكفِّها الجميلْ
يَضُمُّهُ في كفِّهِ الجَرِيءْ
وكانَ في عينيْهْ
شيءٌ يَضُمُّها إليْهْ !!
ووَسْطَ ناظريْهْ
وادٍ سَحيقْ
يغورُ في السَّوادْ!
كأنَّهُ النَّفَقْ!!
ومِثْلَ شاعرٍ رَقيقْ
يُداعِبُ المِدادْ
فَتَرْقُصُ الحروفْ
في راحَتَيْهْ
ويَطْرَبُ الوَرَقْ
دَنَا لِيَهْمِسَ السُّؤالْ:
-" ألا تُحِبِّيَن القمَرْ ؟"
-" بَلى، وأعشقُ السَّهَرْ
في ضوئِه وأعشقُ السَّمَرْ
وكم حَلَمْتُ أنَّني
فراشةٌ تطيرُ في السّماءْ
تعانِقُ الضِّياءْ
وتَصْحَبُ الزَّهَرْ
في غابةٍ بعيدةٍ عن البشَرْ!!"
- " مِن غيرِ ما صَدِيقْ ؟!"
- " إلاّ بمَنْ أثِقْ ؟"
في الشرفةِ البعيدَهْ
تَفَرَّدَ الذّئبُ القذِرْ
بالغادةِ الحسناءْ..
ضعيفةً وحيدَهْ !!
وغَرَّها حديثُهُ اللَّبِقْ !
ولم يَدُرْ في رأسِها الصَّغيرْ
أنَ الذِّئابْ
قد ترتَدِي أحلَى الثِّيابْ !!
حتّى صَحَتْ مِن حُلْمِهَا
مِن بَعْدِ أَنْ تَفَجَّرَ الشَّبَقْ
مِن مُقْلَتَيْهْ !!
ومُزِّقَتْ ثيابُها بِمِخْلَبَيْهْ !!
ثمّ انثنى كيْ يذبحَ الأحلامْ
في رأسِها الصَّغيرْ
وصورةَ القمَرْ
وغابةَ الزّهَرْ !!
صاحَتْ بِيَأسِ المُحْتَضَرْ
وهَدَّهَا الفَرَقْ !
فاستسلمَتْ ، والرُّوحُ تَنْسَحِقْ ،
للذِّئْبِ يمتصُّ الدِّماءْ !!
لكنّما السّماءْ
أجابتِ الدُّعاءْ!
وفجأةً .. توقَّفَ الجبانْ !
مُضَرَّجًا هَوَى..
وأبصرَتْ شقيقَها.. يدورُ حولَها
يَلُفُّهَا بِسُتْرَتِهْ..
وأَذْرُعِ الحنانْ ..
فأدرَكَتْ أنّ القَدَرْ
قد ساقَهُ لِيُنْقِذَ الشَّرَفْ
في ليلِ جيلٍ مُنْحَرِفْ..
أتخمَهُ طَعْمُ التَّرَفْ!!
فليلُهُ أَرَقْ ..وعُمْرُهُ رَهَقْ!!