جناحا الذبابة
ليتنا نعرف ما هو الداء في أحد جناحي الذبابة، وما هو الدواء الذي في الجناح الآخر، وهل الدواء الذي في أحد الجناحين يلغي تأثير الداء الذي في الجناح الآخر؟ هذا السؤال لم يفكر به أحد من قبل رغم أننا جميعاً نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وندرك أن الذبابة تقتات من النفايات المليئة بالميكروبات مما لو أكل منه ثور لأصيب بالمرض ومات، ومع ذلك فإنها تقاوم وتعيش، فكيف يحدث ذلك؟ قضية الذبابة وقدرتها الفائقة على المقاومة لفتت نظر عدد من العلماء من كبار المختصين في علم الحشرات في جامعة بطرسبرج في روسيا سمعوا الحديث من زملائهم المسلمين فأجروا بحوثا كشفت أن جهاز المناعة في الذبابة، وفي مملكة الحشرات بشكل عام، أكثر تطوراً بعشرات المرات من جهاز المناعة لدى الإنسان، وأن هذا الجهاز الذي تملكه مخلوقات ضعيفة غير قادرة على حماية نفسها تمكن عبر ملايين السنين من حياة الحشرات على الأرض من تطوير آلية غريبة للتعرف إلى البكتيريا المسببة للمرض والقضاء عليها. وآلية جهاز المناعة لدى الحشرات تختلف تماما عن آليته لدى الإنسان، فالحشرة تتعرف إلى البكتيريا المسببة للمرض بواسطة جزيئات مستقبلة خاصة في جسمها، وهذه المستقبلات تحفز جهاز المناعة على إفراز مركبات زلالية خاصة قادرة على تدمير أي ميكروب في الطبيعة، ويقول العلماء إن لدى الحشرات خلايا يطلق عليها اسم “الجسم الشحمي” وعملها شبيه بعمل الكبد في جسم الإنسان، وعندما تصاب الحشرة بأي تلوث تفرز الخلايا الشحمية 15 عصارة تتفاعل مع بعضها البعض لتنتج مضاداً حيوياً ذا فاعلية مذهلة يقضي على التلوث على الفور. وإذا لاحظت الذبابة أثناء الطيران أو الحركة على الأرض، فإنك تجد أنها تفرك أحد جناحيها بالآخر بين حين وحين، ربما لكي تنقل الدواء من هذا الجناح أو ذاك إلى الجناح المصاب بالدواء. والعلماء الروس يتبصرون الآن بحديث قاله خاتم الأنبياء والمرسلين قبل ما يزيد على 1400 سنة ويحاولون ابتكار عائلة جديدة من المضادات الحيوية تحاكي جهاز المناعة لدى الذباب في عمله، وقد قطعت تجاربهم شوطاً كبيراً، وإذا تمكنوا من السير إلى نهاية الشوط فإن المضادات الحيوية التي يتوصلون إليها ستكون أهم ثورة في تاريخ الطب. ويقول الباحث سيرجي شيرنيش: “يكفي أن لتوضيح مدى فاعلية هذه المضادات أن نقول إن الجنود الفرنسيين الذين كانوا يصابون بجروح أثناء حروب نابليون الأوروبية كانوا يموتون بعد فترة، أما الجنود الذين يظهر دود في جروحهم فإنهم كانوا ينجون، وقد بحثنا هذا الأمر فاكتشفنا أن الدود الذي يظهر على الجرح يأكل الأنسجة التالفة ويفرز مواد تساعد على شفاء الجرح وتساعد جهاز المناعة لدى المصاب على مكافحة الفيروسات، ومن الصعب تطبيق ذلك في المستشفيات حاليا بسبب صعوبة تربية هذا النوع من الدود في المختبرات، ولكنه قيد الاستعمال على نطاق محدود وبدافع التجربة في المستشفيات الأمريكية والسويسرية الكبيرة”. ولكي يتمكن العلماء الروس من ابتكار المضاد الحيوي الجديد الذي يمنع البكتيريا من التكاثر، ينبغي عليهم دراسة الجهاز المناعي لدى الحشرات ومعرفة المواد التي يفرزها. وقبل ما يزيد على أربعة عشر قرنا تحدث رسولنا الكريم عن جناحي الذبابة وقال وهو الصادق الأمين إن في أحد الجناحين داء، وفي الآخر دواء، وكان من المفروض أن يحث هذا الحديث الشريف علماءنا على البحث، لا أن ينتظروا العلماء الروس لكي يسمعوا الحديث من زملائهم المسلمين ويجروا بحوثا عليه. العنف التلفزيوني
في إحدى القصص، يذكر كاتب ألماني بارز أن النازيين عندما دخلوا فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية أرادوا أن يعوّدوا الناس على مشهد القتل والذبح والتنكيل، فلجأوا إلى جمع مجموعات من الكلاب يطلقونها بين الحين والآخر في الشارع ويطلقون النار عليها على مرأى من الناس ويتركونها تسبح في دمائها. في المرة الأولى، استنكر الناس المشهد وتحدثوا في ما بينهم عن “النازيين البرابرة الذين يرتكبون مذابح ضد الكلاب من دون مبرر، وفي المرة الثانية قال الناس: “يا حرام”، وتوقفوا عند هذه الكلمة، وفي المرة الثالثة صار المشهد طبيعياً وبات الناس بمرون به دون أن يستلفت انتباههم. وفي المرة الرابعة كان النازيون يقتحمون البيوت ويبطشون بسكانها ويطلقون النار على الناس في الشوارع من دون أن يهتز جفن فرنسي واحد. فقد أصبحت مشاهد القتل من النوع المألوف الذي لا يثير اهتمام الناس لسبب بسيط هو: إن منظر الكلب وهو يتعرض لإطلاق النار أمام الناس بلا مبرر أدى إلى حدوث اضطراب سلوكي جعلهم يتصورون أن القتل شيء ممكن للإنسان تجاوزه من دون حدوث اختلال في حياته. وعندما أشاهد مناظر العنف والقتل والدماء التي يعرضها التلفزيون في الأفلام الأجنبية يخطر لي أحيانا أن أتساءل: هل كانت كل المذابح التي تحدث في هذا المكان أو ذاك من العالم تمر من دون ردود فعل لولا تلك الدروس؟ بل هل كانت مشاهد الإذلال والتعذيب في جوانتانامو وأبو غريب تمر لولا مشاهد العنف التي شاهدها الذين يرتكبونها على التلفزيون عندما كانوا أطفالا. لا يختلف اثنان على أن التلفزيون يعرض من مشاهد العنف ما لا ينبغي لأي طفل أن يشاهده، وفي الولايات المتحدة هنالك ما يزيد على 3000 دراسة تشير إلى وجود علاقة بين أعمال العنف التي يرتكبها الشباب “والأطفال في الآونة الأخيرة” وبين ما يشاهدونه على شاشات التلفزيون..وقبل مدة، مثلاً، اعتقلت الشرطة في إحدى المدارس الأمريكية طالباً في السنة الخامسة من عمره دخل إلى المدرسة وهو يحمل مسدساً محشواً بالرصاص بهدف الانتقام من إحدى المدرسات لأنها وبخته أمام الطلاب، ولولا أن عمر تلك المدرسة أطول من مزاج تلميذها قليلا، لسقطت مضرجة بدمائها في باحة المدرسة، كما سقط مدرس، ومن قبله مدير مدرسة، ولكن أحد الطلاب لاحظ وجود المسدس مع الطالب وعرف هدفه، فأبلغ المدرسة التي اتصلت بدورها بالشرطة. ويقول جون ويندهوسن أحد كبار الخبراء في لجنة الإعلام والاتصال في الكونغرس إن طبيعة العلاقة بين العنف في البرامج التلفزيونية وميل الشباب إلى العنف غير معروفة، ولكنها موجودة قطعاً، ويشير إلى مئات الدراسات التي تثبت ذلك، وطبيعة العلاقة التي يبحث عنها خبراء الكونجرس نجدها في تجربة الفرنسيين عندما كان النازيون يقتلون الكلاب أمامهم.. فرؤية الدماء.. تجعل إسالة الدماء مسألة سهلة. والخطير في البرامج التلفزيونية أن المشاهد ينظر إليها باعتبارها مشاهد طبيعية، ولكنه لا يخضعها للتحليل كما يفعل في حياته العادية، فعندما يشاهد أحدنا حادث سيارة في الشارع، فإن الجانب الأيمن من دماغه يستقبل المعلومات ويحللها ويتقبلها إذا كانت منطقية، ويرفضها إذا كانت غير ذلك. أما بالنسبة لبرامج التلفزيون وأفلام السينما، فإن الجانب الأيسر من الدماغ هو الذي يتحرك، وهذا الجانب لا يتعامل بالمنطق، إنه يقبل الأشياء كما هي، على علاتها، وعندما يشاهد الطفل مشهد ممثل يحمل المسدس ويطلق النار على خصمة يترسخ في ذهنه أن إطلاق النار هو الحل الذي ينبغي أن يلجأ له إذا تعرض لمشاكل، وعندما يتابع مسلسلاً أو فيلماً تلفزيونياً يلجأ البطل إلى التخلص من خصومه بتدبير المكائد لهم أو قتلهم، ينشأ وهو يشعر أن هذه هي الوسيلة التي ينبغي أن يتعامل فيها مع الخصوم. ولا يسأل هل ذلك منطقي أو أخلاقي أو لا، لأن الجانب الأيسر من الدماغ لا يتعامل مع الخبر من حيث هو منطقي أو أخلاقي. وقبل مدة، كتب أحد دعاة الأخلاق مقالا بعنوان: “أيها الآباء راقبوا أولادكم”، ولكن يبدو أن مراقبة الأولاد لا تكفي، إذ ينبغي على الآباء مراقبة أنفسهم أولاً. لعبة الشبيه
من طريف ما يرويه شارلي شابلن في مذكراته أن مسابقة أجريت في إحدى العواصم الأوروبية لاختيار أفضل شبيه له، ومن باب الدعابة قرر الممثل العبقري المشاركة في المسابقة، دون أن يكشف للجنة المشرفة عليها شخصيته الحقيقية. وفي الموعد المحدد، وقف المتسابقون أمام اللجنة الفاحصة والجمهور، وفوجئ شابلن أن اللجنة استبعدته من التصفيات النهائية، وعندما أعلنت النتائج لم يكن هو بين الفائزين الثلاثة الأكثر شبها به. ولم يعترض شابلن على النتيجة، وإنما قدم نفسه للجنة الفاحصة، وألقى كلمة في الجمهور قال فيها: “الآن أدركت أن هنالك من يشبهني أكثر مني”.. وأضاف: “ليس من الإنصاف توجيه اللوم إلى اللجنة التي استبعدتني من التصفيات، فأنا أتصرف بحياتي بتلقائية وعفوية، ولا أقلد أحدا، ولكنني، أمام اللجنة، كنت أحاول تقليد ذلك النموذج الذي هو شارلي شابلن، في اللبس والشكل والحركة والمشية والابتسامة وتلك العصا الغبية، والأصل غير التقليد بالطبع، وأعترف أن هنالك من يقلدني أحسن مني، واللجنة كانت على حق في اختيارها”. والذين يشبهون المشاهير في الشكل كثيرون، وفي الماضي كانوا يقولون: “يخلق من الشبه أربعين”، وإحدى الأربعين من شبيهات الأميرة ديانا مثلت عام 1997 فيلما إباحيا أثار ضجة كبيرة في بريطانيا، وكانت ديانا هي الوحيدة التي عرفت أن الشخصية التي تظهر في الفيلم ليست شخصيتها، ولم تعرف ذلك من فروقات في الشكل وإنما لأن البطلة تلبس إسورة لم تلبسها هي على الإطلاق، ولذلك قالت: “الفتاة التي تظهر في الفيلم ليست ديانا سبنسر”. والذين يشبهون ملك الروك الراحل ألفيس بريسلي ويظهرون على المسارح يقلدونه يعدون بالمئات، وفي ولاية فيلادلفيا الأمريكية شخص يدعى مايكل ويليس يشبه ليوناردو دو كابريو، بطل فيلم التيتانيك، تماما، وبعد النجاح المذهل الذي حققه الفيلم أصبحت الحياة لا تطاق بالنسبة له، إذ أصبح الناس يتجمعون حوله حيثما ذهب. وبعد وصول الرئيس بوش الابن إلى الحكم، ازدهرت في الولايات المتحدة تجارة اسمها “شبيه الرئيس بوش” حيث يقدم العشرات ممن يشبهون بوش عروضا كوميدية على المسارح، يقلدون فيها حركاته وطريقته في الكلام، وبعض هؤلاء له موقع على الانترنت، وقال أحدهم انه يشعر بالحرج للشبه بينه وبين رئيس صنعته الحرب. وفي ولاية كاليفورنيا شخص يدعى كولين دونكين شديد الشبه بالمغني البريطاني ألتون جون، وعندما زار متنزه عالم البحار التابع لمدينة الألعاب ديزني لاند في فلوريدا، كان أشبه ب “شمعة في مهب الريح” بسبب الشبه الكبير بينه وبين ألتون الذي غنى تلك الأغنية المشهورة عن ديانا، وهو يقول: تجمع حولي ما يزيد على 600 شخص من مختلف الأعمار من رواد المتنزه، فاضطررت للاختباء في غرفة الاستراحة لمدة تزيد على الساعة، إلى أن جاء رجال الأمن وأبعدوا الناس عني. وعندنا في الدول العربية شبيهون للممثلين، ولكننا نتعامل معهم بطريقة مختلفة، وفي منتصف الثمانينات التي شهدت تألق وتوهج عادل إمام، ظهر ممثل شاب نسبة الشبه بينه وبين عادل إمام مرتفعة جدا، فاستغل بعض منتجي أفلام المقاولات والمسرح السياحي هذا الشبه وأسندوا للممثل الشاب العديد من الأدوار، مما أحدث ضجة كبيرة وسبب ضيقا للفنان عادل أمام، خصوصا أن الممثل الشاب انتهز الفرصة وراح يقلد نفس حركات عادل إمام وطريقته في الكلام على المسرح، إلى درجة أن جماهير الدرجة الثالثة انخدعت به، فما كان من عادل إمام إلا أن فاجأ الممثل والجماهير في إحدى المسرحيات التي يشارك فيها شبيهه، وصعد إلى المسرح وعنف الشبيه، وقال له: كن نفسك، إذا أردت النجاح.. ومنذ ذلك الحين انطفأ وهج ذلك الممثل المغمور. أطفال الهالة النيلية
إذا استيقظ طفلك في الصباح وقال لك إنه قام بجولة عبر المجرات بجسده الأثيري، شملت مجرة أندروميدا ودرب التبانة وبرشاوس، ثم بدأ يحصي النجوم التي زارها ويصف لك طبيعتها فلا تضع يدك على قلبك وتقول إن الولد فقد عقله، أو إن كلامه مجرد “خيال أطفال”، وإذا شاهدته يمر عبر الجدران الفاصلة بين غرف المنزل بدلا من المرور عبر الباب مثل باقي الناس، ويخترق الاسمنت بجسده ويظهر من الجهة الأخرى فلا تظنن أن روحا شريرة قد تلبسته، فالعملية ستكون طبيعية بالنسبة له لأنه من نوع جديد من البشر يطلق العلماء عليهم اسم “ذوي الهالة النيلية” نسبة إلى هالة من الضوء نيلية اللون تحيط بأجسامهم، ظهرت لدى تصويرهم بأجهزة أشعة بالغة التطور. وظاهرة “أطفال الهالة النيلية” تحير العلماء بالفعل، وبعضهم ظهر في الهند، وبعضهم ظهر في روسيا، والجمهوريات السوفييتية السابقة، والولايات المتحدة. ولو بحثت في الانترنت عن هؤلاء في محركات البحث باسم indigo children لقرأت العجب العجاب عنهم، ويقول العلماء إن جهاز المناعة لدى أطفال الهالة النيلية أقوى بعشرات المرات من جهاز المناعة لدى الإنسان العادي إلى درجة أن جرثومة الإيدز لا تؤثر بهم، وهم يتمتعون بقدرات ذهنية وروحية فائقة، تظهر لديهم في السنوات الأولى من أعمارهم، ومن هؤلاء طفلة في الخامسة من العمر في جمهورية لاتفيا تقول لوالديها، بكل براءة، إنها تسافر بجسدها الأثيري ليلا إلى المجرات الكونية البعيدة، خارج مجرة “درب التبانة” التي تقع فيها مجموعتنا الشمسية. وطفل من مدينة فولسكي في منطقة فولجوجراد الروسية والدته طبيبة أطفال، بدأ الكلام في الشهر الثامن من عمره بجمل كاملة وواضحة ومفهومة وليس بتأتآت “امبو وأبّا وأما”، وفي السنة الثانية من عمره بدأ يرسم رسوما تجريدية درسها العلماء فاكتشفوا أنها محاولات لرسم الهالة الأثيرية التي تحيط بأجسام الذين يرسمهم، لأنه يرى هذه الهالة بوضوح، بينما لا يراها الآخرون، وفي الرابعة كان يعرف أسماء كل المجرات ونجومها وأقمارها، ويتحدث عن حضارة كانت على كوكب المريخ وأبيدت بسبب تغير خطير في البيئة. وأطفال الهالة النيلية يعيشون في عالم خماسي الأبعاد، وفي مقابلة تلفزيونية أجريت مع الطفلة اللاتفية ووالديها، قال الوالد إن ابنته كثيراً ما تأتي إليه عندما تجده يحاول تصليح عطل ميكانيكي في سيارته القديمة وتقول له: “العطل في مكان كذا”، وبالفعل يفحص الوالد المكان الذي تتحدث عنه فيكتشف صحة كلامها. وظاهرة أطفال الهالة النيلية بدأت في أوائل التسعينات من القرن الماضي، ويقول العلماء إن الأعضاء الداخلية لدى هؤلاء الأطفال، مثل الكبد والغدد والرئتين والمعدة والأمعاء، تعمل بطريقة أكثر كفاءة من الطريقة المتعارف عليها، كما أن الجينات لديهم تحوي جينات خامدة غير معروفة لدى العلماء حتى الآن سببها رد فعل معين على التوترات العاطفية والعقلية التي مر بها الإنسان عبر العصور. والطريف أن حكماء الأنكا تحدثوا عن هذه الظاهرة قبل ما يقرب من خمسة قرون، وأطلقوا عليها اسم “ظاهرة التحول الكبير”، وجاء في آثارهم: يعتبر عام 2012 ذا أهمية غير عادية للبشرية، إذ إن الشمس والأرض ستكونان على خط مستقيم مع مركز مجرة درب التبانة، وهذا الوضع سيتيح للذين نشّطوا أدمغتهم ووسعوا آفاقهم العيش في عالم خماسي الأبعاد. ويقول العلماء إن نسبة كبيرة من الأطفال الذين ولدوا في العالم بعد عام 1994 هم من اطفال الهالة النيلية، وهؤلاء هم الذين سيجلبون الامن والسلام والخلاص للعالم . وإذاكان العالم يعاني من الكثير من المشاكل والحروب هذه الأيام فلأن الذين يحكمونه ولدوا قبل عام 1994 . وثن التمر
قضية الرسومات الدنماركية لا يجوز النظر إليها من زاوية “الحرية”، فالحرية في المجتمعات الغربية أصبحت مثل وثن التمر، يصنعه صاحبه، ويعبده، ويقيم له الطقوس التي تحيطه بهالة من الإجلال، وعندما يجوع يأكله. وها هي الدول الغربية التي تحتجز الشخص الذي يرفع صوت المسجل أو جهاز التلفزيون لأنه ضايق جيرانه، تضيق بقطعة صغيرة من القماش تضعها امرأة مسلمة على رأسها لتغطية شعرها، وتغض الطرف عن إقدام مواطنيها على تدنيس القرآن الكريم وحرقه، وفي الوقت الذي تتسع فيه الحرية في الغرب لتبيح الشذوذ والانحرافات بكل أنواعها، بما في ذلك تحويل جسد المرأة إلى سلعة، فإنها تضيق بكلمة انتقاد توجه لدولة العصابات الصهيونية، وتتهم من يتفوه بها باللاسامية، وتقدمه إلى المحاكمة. قضية الرسوم الدنماركية ليست قضية حرية صحافة، وإنما نقلة خطيرة واستفزاز مع سبق الإصرار والترصد للمسلمين. وتحاول الآلة الإعلامية الغربية حاليا أن توحي بأن الإسلام هو “الطفل الذي يهدد عرش الفرعون”، وها هو الرئيس الأمريكي جورج بوش يعلن إطلاق الحملة الجديدة ويقول، في أوضح تصريح له عن الأبعاد الحقيقية لمعركته ضد الإرهاب: “إن المسلمين يسعون إلى إقامة إمبراطورية توتاليتارية مسلمة من اندونيسيا إلى إسبانيا”، ونائبه تشيني يقول: “إذا لم نغير من نمط حياة المسلمين، فإنهم سيغيرون نمط حياتنا”. وواضح من التصريحين أن المعركة ليست حرباً ضد الإرهاب، وإنما مواجهة مع الإسلام “الذي يحاول إقامة إمبراطورية تشمل أوروبا، كما يزعمون. وفي تعليقها على ردود الفعل على الرسوم الدنماركية، تتحدث أجهزة الإعلام الأمريكية عن “فاشية إسلامية جديدة” فقد ربطت شبكة فوكس التلفزيونية بين المظاهرات التي سارت ضد الدنمارك في بعض الدول الإسلامية، وبين العمليات التي شهدتها اسبانيا ولندن، والعنف في فرنسا، وحثت أوروبا على مشاركة الولايات المتحدة بصورة أكثر جدية في حربها ضد الإرهاب الإسلامي. وفي مقابلة أجراها برنامج “عالمك مع نيل كافيتو” مع الإعلامي البارز راش ليمبو، ذكر ليمبو المشاهدين بأحداث سبتمبر/أيلول وما سبقها من هجوم على برجي مركز التجارة العالمي عام ،1993 وقال: “لا أعتقد بأن هنالك وسيلة لجعل هؤلاء الناس يعيشون في مجتمع مسالم”. وفي الواشنطن تايمز كتب كال ثوماس مقالا بعنوان “كاريكاتير الحرب”، وإلى جانب الايحاءات التي يعيطها العنوان جاء في المقال: “إن الفاشية الإسلامية تهدف إلى التحكم بحرية التعبير لتجعل الصحف تعرض ما يتفق مع معتقدات هؤلاء المتطرفين، واستعان الكاتب بمقولة رسام الكاريكاتير الفرنسي الذي علق على الاضطرابات التي حدثت في فرنسا قائلا: “ما نراه الآن هو البداية فقط”. وفي صحيفة “يو أس إي توداي” كتبت كاثلين باركر مقالا بعنوان “التهدئة المخزية” قالت فيه: “إن الأيام الماضية أظهرت للعالم أجمع ما يواجهه الغرب بسبب تعاليم العقيدة الإسلامية”، وأضافت: “إن الغرب والشرق ليسا مختلفي الثقافات فحسب، بل إنهما يعيشان في عصور مختلفة” معتبرة أن بعض العناصر في العالم الإسلامي تحاول إعادة الغرب إلى عصور الظلام”. ولا أعتقد بأن هنالك تحريضا أكثر صراحة وفاعلية من هذا التحريض. نهاية العالم كمونيا
ليست نبؤة فلكية، ولا كلام مشعوذين من الذين كذبوا ولو صدقوا، ولكنها نظرية علمية حديثة جرى طرحها في المؤتمر العلمي الذي عقد في جلاسكو في بريطانيا أخيراً، وفيها أن الكون بأكمله يسير نحو نهايته الحتمية بسرعة تزيد على سرعة الضوء، ولكنه لن ينتهي بانفجار، كما كان متوقعاً وإنما بتذبذب كمونيّ. وصاحب النظرية عالم من علماء فيزياء الكم هو بنيامين ألاناخ مدير المختبر الأوروبي للجزيئات، وهو يقول: إن “سحابة نهاية الكون” تتحرك الآن بسرعة هائلة في الفضاء، وفي طريقها تحطم المواد الموجودة في كل مكان تمر فيه وتخلف وراءها جزيئات مستحلبة معتمة لا أثر للحياة فيها. وعلماء الفيزياء الكمية يجدون صعوبة في شرح نظرياتهم لبعضهم بعضا فكيف بشرحها لغيرهم، فهم يحدثونك عن وجود الإلكترون في أكثر من موقع في الوقت ذاته، ويقولون لك إن الإنسان يمكن أن يكون في مكتبه، وفي منزله، وفي سيارته على الطريق في الوقت ذاته، وإذا اعترضت وقلت إن هذا الكلام غير منطقي يقولون لك إن قوانين فيزياء الكم تحتاج إلى منطق غير المنطق الذي تعرفه، وإلى بنية عقلية تختلف عن بنية العقل البشري الحالية. ونظرية نهاية الكون نشأت من نظرية أخرى تحمل اسم “التناسق السوبر”، وهي نظرية “المادة” التي يرى العلماء فيها المرحلة المقبلة من فهم الطبيعة الكونية التي تعمل فيها المخلوقات الحية، وتقول هذه النظرية إن كل جزيء موجود في هذا الكون له نسخة أخرى في الكون يطلق عليها اسم “الشريك السوبر”، ووجود الشركاء السوبر يمكن أن يغير خصائص الكون بطريقة غير متوقعة. وأشياء كثيرة لا يقبلها المنطق العادي يقولها علماء فيزياء الكم من أنصار “مدرسة كوبنهاجن” التي أمضى اينشتاين سنوات طويلة من عمره في محاولة ضحدها، ومن ذلك انتفاء السببية “هاينزبيرج” ونظرية القطة الميتة-الحية التي يطلق عليها اسم “نظرية قطة شودينجر”، ونظرية بيتر هيجز التي تقول ان مكونات الذرة، من البروتون إلى النيوترون إلى الكوارك إلى غيرها، لها كتلة، ليس لأن لها كتلة بالفعل وإنما لوجود مكونات لم يكتشفها العلماء حتى الآن تحول الفراغ بين البروتونات والنيوترونات إلى ما يشبه المادة الهلامية وقد أطلق العلماء على هذه المكونات اسم “جزيء هيجز”، والمقاومة التي تتعرض لها مكونات الذرة أثناء تحركها في جزيء هيجز هي التي يفسرها الناس بأنها كتلة. وما ينطبق على الميكرو ينطبق على المايكرو، وكما في الكون المتناهي في الصغر (الذرة) كذلك في الكون المتناهي في الكبر “الكون بكل مجراته” والخطر الذي يواجهه هذا الكون هو: أن يحدث تحول يجعل جزيء هيجز السوبر يحل محل جزيء هيجز العادي، إذ إن جزيئات ستتحول إلى مادة أكثر استقرارا وتتمدد إلى ما لانهاية مخلفة وراءها، حيثما تمددت، جزيئات مستحلبة داكنه لا أثر للحياة فيها. من الناحية الفيزيائية التقليدية، كل هذا الكلام عن المادة الهلامية وجزيء هيجز والجزيئات المستحلبة الداكنة لا معنى له، ولا ينسجم مع المنطق العلمي، ومع ذلك فإن علماء الفيزياء الكمية يشغلون أنفسهم به، ويعقدون المؤتمرات العلمية لمناقشته، رغم أنه مجرد افتراضات نظرية. ومما يبعث على الطمأنينة أن هؤلاء العلماء يقولون ان الكون لن يتعرض للتدمير قبل 11 مليار سنة، وإن امكانية تدميره قبل ذلك لا تتعدى واحداً في 169 ألف تريليون، أي أكثر بأربع مرات من فرصة تنازل بيل جيتس عن ثروته لي شخصياً. من يحرك الموجة؟
قبل مدة، نشرت إحدى الصحف البريطانية شكوى من محام شاب في الثلاثينات من عمره يقول فيها: “لست متزمتاً ولا متطرفاً، وأكثر ما يثير غضبي هو تلك العظات المملة التي يلقيها دعاة الأخلاق علينا، ويجعلون تعاليمهم فيها كحد الموسى يقطع كل ما يتعداه، وفي كثير من الأحيان يبيحون لأنفسهم حرية نزع صفة الأخلاق عن غيرهم. ولكن يبدو أنني كنت مخطئاً في تصوراتي، فقد دفعني الفضول قبل أيام إلى تصفح المجلات التي تقرأها ابنتي التي لا يزيد عمرها على تسع سنوات، وهي مجلات أطفال بالمناسبة، ومن المفروض أن تكون موجهة للأطفال دون الرابعة عشرة من العمر، فماذا وجدت؟ موضوع الغلاف في إحداها بعنوان: “لا استطيع مقاومة استاذي”، وهو يتحدث عن علاقة مشينة وغير مشروعة بين استاذ وتلميذته الطفلة، وموضوع الغلاف في مجلة أخرى عن فتيات دون الثالثة عشرة يمارسن علاقات غير مشروعة مع أصحاب محلات تجارية في مقابل استعارة فساتين من محلاتهم يظهرن فيها بمظهر لائق أمام زميلاتهن. وفي بريد القراء رسالة من طفلة في الثامنة تقول إنها ضبطت صوراً غير محتشمة لوالدتها في شنطتها، ورزمة من الرسائل العاطفية، وتسأل: كيف أتصرف؟ إلى آخر ما هنالك من مواضيع هي في الواقع للكبار فقط، ولا يجوز أن يطلع عليها الأطفال. ويسأل المحامي الشاب في رسالته:إلى أين؟ وهل تسير الحضارة الأوروبية إلى المصير نفسه الذي آلت إليه الحضارة الرومانية القديمة عندما انتشرت الإباحية في كل الأوساط، ونخرت مجتمعاتها من الداخل، وأسقطتها قبل أن تسقطها جحافل الغزاة؟ وأثارت رسالة المحامي الشاب ردود فعل واسعة بين القراء، فانهالت الرسائل على الصحيفة، كما تلقى المحامي مئات المكالمات الهاتفية في منزله، وأجرت محطة “أم تي في” التلفزيونية مقابلة معه مهدت لها باستطلاع موسع عن الإباحية في المجتمعات الغربية، جاء فيه أن التحريضات التي تنشرها أجهزة الإعلام البريطانية والفضائيات العالمية جعلت معدل تعرف الفتاة البريطانية إلى الجنس يهبط إلى 13 سنة، وأن هنالك 130 ألف فتاة في بريطانيا دون الخامسة عشرة يراجعن المراكز المختصة ويطلبن النصيحة حول أمور جنسية، وهذا المعدل يزيد ثلاثة أضعاف على مثيله قبل عشر سنوات. وجاء في التحقيق أن المجلات الخاصة بالأطفال والمراهقين في الغرب بدأت تلجأ إلى المواضيع الجنسية لضمان الرواج، ومثال على ذلك فإن مجلة اسمها “بليس” وصلت مبيعاتها إلى 322 ألف نسخة رغم أنه لم يمض على صدورها سوى السنتين، بسبب نشرها مواضيع من النوع الذي يعترض عليه المحامي الشاب، ومنها موضوع موجه للفتيات عنوانه: “أنت في أوج جاذبيتك بين الثانية عشرة والخامسة عشرة”، و”اعطه الحب الحقيقي، واضمني بقاءه إلى جانبك”، و”ما ترغبين في التحدث عنه أكثر من أي شيء آخر، سواء جربته أم لا”، و”عرفت 40 صبياً خلال ثلاثة أشهر”. وفي المقابلة التي أجرتها “أم تي في” مع ناشري هذه المجلات قال آلي أوليفر، من مجلة “بليس”: “إننا نتعامل مع فئة من العمر محاصرة بالحديث عن الجنس في كل أجهزة الإعلام: وعندما تطرق الحديث إلى دور المجلات الموجهة إلى الأطفال والشباب في خلق النموذج الأخلاقي الذي ينبغي أن يتخذه القراء قدوة لهم، والدفاع عن هذا النموذج، وتجميله في عيون الناس، قال ناشر مجلة “شوجار”، التي توزع 367 ألف نسخة أسبوعيا: “لن نتمكن من تسويق هذا النموذج للشباب، لأننا إن فعلنا ذلك خسرنا القراء، ولن يتيسر لأحد الاطلاع على صورة النموذج الذي ندافع عنه”. وانتهت الندوة إلى لا شيء، وبقيت صرخات الآباء والمربين مجرد صرخات على أعمدة الصحف انتحار الأفكار
الإنجازات العظيمة تأتي من الأفكار العظيمة، ولكن الأفكار العظيمة بحاجة لمن يدفعها إلى النور، وإذا بقيت مجرد أفكار في رؤوس أصحابها فإنها تذبل وتموت، وإذا لم تفعل ذلك بشكل طبيعي فإنها تنتحر. ولو لم يجد اسحق نيوتن من يستمع إليه عندما تحدث عن التفاحة التي سقطت فوق رأسه، لما عرفنا قانون الجاذبية، ولو أن أصحاب المؤسسات الصناعية سخروا من ويليام جراهام بيل عندما قال لهم: إن لديه “فكرة” تجعل الشخص الذي يجلس في منزله في لندن يسمع الكلام الذي يقوله شخص يجلس في مكتبه في بكين، ويتحدث الاثنان إلى بعضهما البعض وكأنهما يجلسان في غرفة واحدة، لما عرفنا التليفون، ولما اكتشفنا عبقرية مجمع اللغة العربية في الاشتقاق، عندما أطلق على التليفون اسم الأرزيز، ولما عرفنا كل المخترعات الأخرى التي أوحى بها ذلك الأرزيز، ولما شهدت حركة التجارة العالمية ذلك الازدهار الذي تنعم به في الوقت الحاضر. وكل المخترعات الحديثة كانت أفكاراً في رؤوس أصحابها، وجدت رجالاً عظاماً دفعوها إلى النور، ولا أغالي إذا قلت إن مدير الشركة الذي وقع عقدا مع مخترع التلفزيون لاستثمار اختراعه لا يقل عبقرية عن مخترع التلفزيون نفسه، والناشر الذي قرأ مسودة الكتاب الأول الذي كتبه ارنيست همينجواي وأعطى الموافقة على نشره لا يقل أهمية، على صعيد الثقافة الإنسانية، من همينجواي نفسه، إذ لولا هذا وذاك، لظل التلفزيون وروائع همينجواي مجرد أفكار في رؤوس أصحابها. ولو أن فرديناند وايزابيلا سخرا من كريستوفر كولومبوس عندما عرض عليهما مشروع رحلته الاستكشافية، لكان الناس يجهلون حتى الآن أن هنالك منطقة شاسعة من الأرض خلف المحيط الأطلسي اسمها أمريكا. وهناك من يتمنى لو أن التلفزيون بقي مجرد فكرة في رأس صاحبها، ولو أن فرديناند وإيزابيلا طردا كولومبوس من مجلسهما عندما حدثهما عن مشروعه لاكتشاف طريق جديد إلى كنوز الشرق وثرواته، فالتلفزيون هو الذي روج أغاني الفيديو كليب، وهو الذي حوّل الضفادع إلى شخصيات مشهورة، تغني، وتتحدث عن فلسفتها في الحياة، ورأيها بشكسبير، وأدلر، وشوبنهور، وأمريكا التي ولدت بلا تاريخ، على أيدي المغامرين والمجرمين وخريجي السجون قبل قرنين من الزمن هي التي قتلت الحضارة والتاريخ، وطرحت، في كل أسواق العالم، حضارة الجينز والهمبورجر، ولكن الذين يقولون هذا الكلام إنما يقولونه مجرد “فشة خلق”، وبدافع الغضب من سوء استخدام التلفزيون، ومن سوء التوجهات الأمريكية. ومشكلتنا نحن أن الأفكار العظيمة تموت عندنا في رؤوس أصحابها، ولا تجد من يدفعها إلى النور، فنحن نخاف، أحيانا، من الأفكار الجديدة، وأحيانا نرفضها، وأحيانا نقاومها، وأحيانا يقول الواحد منا: طالما أن هذه الفكرة لم تنطلق مني، فإنها لا تساوي شيئا على الإطلاق، ولو كانت تساوي شيئا بالفعل، لخطرت على بالي، أو طالما أن تنفيذ هذه الفكرة يبدو مستحيلا في نظري، فإن أحدا في الكرة الأرضية لا يستطيع تنفيذها. إنه الغرور، والضحالة القاتلة، وهما كافيان لتدمير أية حضارة. كلمات لا تقال بكلمات
حتى الآن، لا يزال الإنسان يتعامل بالإشارة، رغم المشوار الطويل الذي قطعه مع اللغة. وعندما يتحدث اثنان إلى بعضهما بعضا، يطرحان الكثير من الكلام الذي يقولانه جانبا، ويبحثان عن “الكلام الأكثر صدقا” الذي يخفيه كل منهما، فتكشفه عيناه، وايماءاته وحركات يديه. وفي لغة العشاق، من القلب إلى القلب رسول، فهم عندما يلتقون تهرب اللغة، وتضيع الكلمات، وما أروع ذلك الشاعر الذي عبر عن مشاعره لحبيبته بقوله إنه عاجز عن الكلام، ولذلك تولى خفقان قلبه، واضطراب جوانحه، وشحوب لونه، وانعقاد لسانه التعبير نيابة عنه بما يحسه تجاهها . وأدباء اللامعقول يقولون إن اللغة وسيلة سيئة لنقل الفكر، ولذلك لا حاجة للناس بها، وإذا كان جورج برنارد شو يقول ان الكلمة الانجليزية تفقد معناها عندما تعبر قناة السويس، فإن مواطنه صموئيل بيكيت يقول إن الكلمة، مهما كانت اللغة التي تنتمي إليها، تفقد معناها بمجرد خروجها من الشفتين، وإن ما يقوله الناس لنا لا يمثل الواقع، ولا يعبر عن حقيقة مشاعرهم، وعندما يقول الناس لنا شيئا نفهمه نحن كما نريد، لا كما هو في واقعه. خذ هذه الجملة مثلا: “أمضيت عطلة نهاية الأسبوع على الشاطئ”. هذه جملة مفيدة تحمل معنى، ولكن المعنى يفهمه كل شخص على هواه، فقد يفهم البعض هذه الجملة على أنها إشارة إلى ممارسة رياضة صيد السمك، ويفهما آخر على أنها إشارة إلى ممارسة رياضة السباحة والاسترخاء على الشاطئ، ومتابعة السابحات الأوروبيات الفاتنات، ويفهمها ثالث على أنها جلسة على الرمال على شاطئ يغص بالعائلات والمحتشمات، لمراقبة أمواج الخليج، كما كان يفعل ذلك الغريب على الخليج بدر شاكر السياب في الخمسينات. وهكذا فإن الجملة الواحدة يفهمها كل واحد على مزاجه، وهذا يعني، في رأي أدباء اللامعقول، أن التواصل بيننا وبين الآخرين مقطوع. شيء بهذا المعنى قدمته إحدى محطاتنا الفضائية قبل انضمامها إلى الركب الفضائي الحضاري وتوجيه اهتمامها شبه الكامل لبرامج المسابقات والمنوعات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فقد قدمت هذه المحطة فقرة عن “التفاهم بالإشارة” قالت سيدة فيها إن اللغة بين أفراد عائلتها تفقد وظيفتها بوجود الآخرين، وتتحول إلى لغة مجاملات لا تعكس فيها الكلمات حقيقة ما تريد أن تقوله، وأضافت: “عندما أكون في محل تجاري ويعجبني شيء، أنظر إلى عيني زوجي، ومن دون أن أتفوه بكلمة واحدة أعرف ما يجول في خاطره، فإذا شعرت أنه يوافقني الرأي، اشتريها، وإلا فإنني أخترع أي عيب فيها لتبرير رفضي لها، كأن أقول إن اللون لا يعجبني”. وقالت سيدة أخرى: “في المنزل، عندما يزورنا أحد الأصدقاء، يكون الحديث بيني وبين أفراد عائلتي بلغة الإشارات: نظرة تحدد المكان الذي ينبغي أن يجلس فيه كل فرد، ونظرة ثانية تحدد موعد الشاي، ونظرة ثالثة تقول إن الموضوع الذي تناقشه ابنتي لا يجوز طرحه بوجود أحد، فيتغير الموضوع على الفور”. وقبل مدة أجرت إحدى الصحف البريطانية تحقيقاً طريفاً تناول الكلمات التي لا نقولها بكلمات، بينما هي الكلمات التي نقصد قولها. ومثال ذلك، عندما تسألك الفتاة: “هل أنت متزوج؟” بينما كل أجهزة الاستشعار لديها تؤكد لها أنك أعزب، فإنها لا تقصد الاستفسار عن وضعك العائلي، وإنما تريد أن تقول لك: “سلامة نظرك، تعال اخطبني من بابا”، وعندما يقول صاحب المنزل لضيفة: “البيت بيتك، خذ راحتك”، فإنه يقصد: “لقد زودتها كثيراً، وأنا على استعداد لشرائه منك، بشرط ألا تترك فيه مسمار جحا، وأن تخرج منه، ولا تعود أبدا”. هروب إلى القراءة ومنها
العرب لا يقرأون، وهنالك الملايين من المخطوطات العربية النادرة في الدول الآسيوية التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي تنتظر من يكشف كنوزها ومعاهد الأبحاث العربية هي الوحيدة في العالم التي لا تأبه بها، ومخطوطات ايبلا التي تؤرخ لأول حضارة عرفها البشر لم يحقق الدارسون العرب إلا جزءا بسيطا منها، رغم أنها اكتشفت قبل عقود. وعشية حرب الأيام الستة أجرت إحدى الصحف الغربية مقابلة مع موشيه دايان الذي كان يشغل منصب وزير الحرب في “إسرائيل”، وسألته: “كيف ستتصرف “إسرائيل” في مواجهة كل هذه الجيوش العربية التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم”؟ فقال: “سنوجه ضربة مفاجئة إلى مطاراتهم وندمر سلاحهم الجوي بينما الطائرات جاثمة على الارض، وبذلك نحقق السيطرة على الأجواء ونحسم الحرب لصالحنا”. وفوجىء العالم أن هذه هي الخطة عينها التي اتبعها دايان في الحرب، وعندما هدأ غبار المعارك باحتلال الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان سأله أحد الصحافيين: “كيف تجرؤ على كشف خطتك العسكرية قبل الحرب؟” فأجاب: “ومن قال لك إن العرب يقرأون”؟ والفرد العربي ينفق الكثير على وسائل رفاهيته، ونادراً ما يشتري ولو كتابا واحدا في السنة يقرأه، ومنازلنا فيها كل شيء إلا المكتبة، وأسطح المنازل فيها “دش” يلتقط كل الفضائيات ويتتبع كل الأقمار الاصطناعية والأقمار التي تظهر على شاشات التلفزيون على مدار الساعة، وربما يكلفنا الدش ما يعادل 100 درهم شهريا، ومع ذلك فإننا نبخل ببضعة دريهمات ندفعها ثمنا لكتاب. وحتى الذين كانوا يقرأون تركوا هذه العادة. وذكرت دراسة استرالية أن البريطانيين الذين اعتادوا على احتلال المرتبة الأولى في العالم في القراءة ينفق الواحد منهم ما يعادل 180 دولارا في العام على شراء الكتب، ولكن الهدف من الانفاق لا يتعلق بالثقافة والفن وتوسيع الذهن، وإنما قتل الوقت ومحاربة الضجر. وتقول الدراسة إن ورثة شكسبير النهمين جدا إلى القراءة إنما يفعلون ذلك لأنهم نادرا ما يخرجون من منازلهم، وإذا خرجوا فلكي يقعوا تحت رحمة وسائل المواصلات البطيئة، وخصوصا قطار الأنفاق. والأدهى من ذلك أن الدراسة تتهم البريطانيين بضعف نشاطهم العاطفي، الأمر الذي يصرفهم إلى القراءات السطحية، فيصبح الكتاب بالنسبة لهم مجرد وسيلة هروب بدلا من أن يكون وسيلة لاكتشاف التجارب الإنسانية والتفاعل معها. وفي السويد قابلت الشاعر موسى صرداوي الذي يحاول منذ ما يزيد على ثلاثة عقود إقامة جسور ثقافية بين الدول العربية وأحفاد الفايكنج بترجمة إنتاج العديد من الشعراء العرب إلى السويدية. ولفت نظري أن السويديين مغرمون بالقراءة: في الحدائق العامة، وفي محطات القطارات، وفي المقاهي، وعلى شاطىء البحر تجد الواحد منهم يمسك بكتاب، وتمنيت لو أن العرب عندنا يمتلكون مثل هذا الحماس للقراءة. وعندما قلت ذلك للشاعر الصديق قال لي: “لو راقبتهم، لوجدت أن الواحد منهم يفتح الكتاب على صفحة، ولا يقلبها أبدا، لأنه لا يقرأ وإنما يتفرج على الصفحة، والكتاب بالنسبة له وسيلة لكي يقول للآخرين: “أرجو أن تتركوني وحدي”. وتقول الدراسة الاسترالية إن الفرد الألماني ينفق 153 دولارا سنويا على شراء الكتب، وهو لا يقرأ لطرد الملل، فالدراسة تقول إن وسائل المواصلات الألمانية جيدة، ونشاط الألمان العاطفي لا غبار عليه، أما الفرنسيون فإن الفرد الواحد منهم ينفق 115 دولارا على شراء الكتب، ولكن ما يحصل عليه هؤلاء من القراءة يضيع وسط التيارات الظلامية التي تهب عليه من كل جانب. أما نحن، فقد أرحنا أنفسنا، وهربنا من القراءة، إلى القنوات الفضائية. مشعوذون
من أنجح البرامج التي يقدمها التلفزيون الأمريكي هذه الأيام برنامج تقدمه المذيعة المعروفة دايان وارويك بعنوان: “حياة واحدة نعيشها”. والمذيعة دايان من أنجح المذيعات في أمريكا، وقد فازت بجائزة جرامي خمس مرات على التوالي، رغم أن برنامجها لا يتناول قضايا مصيرية مهمة، ولا يناقش الأمور السياسية أو الفنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، كما انه لا يتابع حرب بوش ضد الإرهاب، ولا يتجول في حواري نيويورك وشوارعها الخلفية لاصطياد مدمني المخدرات وبائعات البنفسج لإجراء مقابلات معهم، وكاميراته ليست خفية، وهي لا تطارد المشاهير وتتجسس عليهم، وإنما تركز على مناقشة الوسيلة التي استطاعت بواسطتها مجموعة ممن تدعوهم المذيعة دايان بالوسطاء الروحانيين، ومن أدعوهم أنا بالمشعوذين، السيطرة على حياة الملايين من الأمريكيين، وتغيير مجرى حياتهم بزعم فتح أبواب العمل والحب والمال أمامهم. والوسطاء المشعوذون في الولايات المتحدة تجمعهم رابطة تدير شبكة تلفزيونية اسمها “شبكة أصدقاء الوسطاء”، ومن بين الذين يتصلون بهذه الشبكة سياسيون بارزون، وممثلون مشهورون، ورجال أعمال بارزون، وقد كان البيت الأبيض مفتوحا في أيام ريجان للمشعوذين، إلى أن جاء كلينتون ففتحه للمتدربات. وقبل زواج ليزا بريسلي من مايكل جاكسون، ظهر الاثنان في برنامج دايان وارويك، وسألا أحد الوسطاء فيما إذا كان ملك الروك الراحل ألفيس يوافق على زواجهما أم لا، وسمع مشاهدو التلفزيون صوتا لا أستبعد ان يكون صوت أحد العاملين في الاستوديو، وقد استأجره مايكل جاكسون والوسيط لهذه الغاية يقول لليزا: “إنني أوافق على هذا الزواج يا ابنتي” ويقول لمايكل جاكسون: “مبروك.. إنني معجب بأغانيك”، وكما يعرف الذين يتابعون أخبار المشاهير، فإن هذا الزواج انتهى بعد أشهر بصدمة نفسية لليزا دفعتها إلى اعتزال الحياة والناس فترة طويلة في منزل أحد أصدقائها في فلوريدا. وفي الآونة الأخيرة، لفتت ظاهرة الوسطاء أنظار العلماء في الولايات المتحدة، فحاولوا إخضاع هذه الظاهرة للبحث العلمي، وقامت الجامعات العشر الأولى في الولايات المتحدة، ومن بينها هارفارد ويال، بإخضاع بعض الوسطاء للفحوصات المخبرية، وخرج العلماء في هذه الجامعات بنتيجة غريبة هي: أن الوسيط يتمتع بموهبة لا يستطيع العلم، بما توصل إليه حتى الآن، تحديدها، وهذه الموهبة تساعد الوسيط على معرفة أشياء كثيرة عن شخص ما بمجرد سماع صوته، أو رؤيته، أو لمس أي شيء يخصه، من دون الحاجة إلى الاتصال بأية قوى خارجة عن المألوف. وكانت جين ديكسون أشهر وسيطة في الولايات المتحدة، حتى أواخر الثمانينات، أما الآن، فإن الساحة خالية من الأسماء اللامعة، وقبل مدة كشفت وكالة المخابرات المركزية والمخابرات العسكرية في الجيش الأمريكي انهما كانتا تستعينان بجين ديكسون وغيرها من الوسطاء أثناء الحرب الباردة. وفي تحقيق مثير نشرته إحدى الصحف الأمريكية بعنوان: “الظواهر الروحية تجتاح الأمة الأمريكية” قالت: إن شركات الاستثمار وكبار المضاربين في البورصات العالمية يستخدمون “مستشارين سريين” من الوسطاء يكشفون لهم حركة الأسهم والسندات والعملات، كما تستعين بهم شركات النفط للمساعدة في تحديد الأماكن المناسبة للحفر، وشركات التنقيب عن المعادن، وموظفو التحقيقات الفيدرالية لكشف أسرار الجرائم الغامضة، بل إن بعض المستشفيات بدأ يستعين بهم في تشخيص الأمراض. ونحن نأم في الا يكون صانعو السياسة في البيت الابيض من بين زبائن مشعوذي دايان وان كانت سياسة بوش الخارجية توحي بذلك
منقوووووول