مع تجليات المعارك الدائرة هناك في الجنوب اللبناني الشامخ والمقاوم يتأكد فشل الأهداف الإسرائيلية وتراجع قدرتها الردعية بنقاط عما كانت عليه قبل التورط في المستنقع اللبناني .
ورغم المجازر الدموية التي ارتكبتها إسرائيل بحق المدنيين العزل ورغم أن مقالتنا تستعجل النصر إلا أنها قد تحدثت عنه منذ اليوم التالي للعدوان في مقالة مطولة ، ولكن ما هو المفيد هنا ليس فقط سقوط النظرية الأمنية الإسرائيلية في مواجهة منظومة منظمة وصاحبة عقيدة وإرادة كحزب الله ، بل إن الأهم من الخسارة الإسرائيلية هو فرز تجليات النصر وانعكاساتها على الصعد الأخرى وبالمناسبة فان حزب الله صاحب النصر سيكون اقل المستفيدين من هذا النصر لاعتبارات الساحة اللبنانية القائمة على التقسيم الطائفي ، إلا أن هذا لا يعني انه لن ينال قوة وشرعية هي اقوي من ذي قبل خاصة أن العدوان الإسرائيلي كما هو واضح يسير بدون هدى ولا حساب للعواقب فيتورط في حرب عصابات خير من يتقنه حزب الله الذي له ظهير سوري وإيراني لا يبخل عنه بالسلاح فضلاً عن المال والمساندة والحماية .... وهذا لا يعيب حزب الله أن يستفيد بشرف النصر ويكون درعاً في حماية لبنان وسوريا من التفت وإيران من ضرب مفاعلها النووي .
ولكن اكبر الرابحين في النهاية ستكون المقاومة الفلسطينية ، لان كل المعادلات العربية والإقليمية والدولية المختلفة والمتفقة تدور حول القضية الفلسطينية تصفية أو مدافعة ... وهذه لحظة مهمة على المقاومة الفلسطينية التقاطها جيداً .. فلقد استفادت منها في انطلاق انتفاضة الأقصى فتكلمت الضفة وغزة باللبنانية بعد أن غرقت كثيرا بالأوهام الأميركية والإسرائيلية ، فتحقق على أثرها الخروج الناقص من قطاع غزة ... واليوم وبعد ان جربت الهدنة ووصلت تجربة تغيير السلطة إلى أوجها سيكون الباب مفتوحا أمام انتفاضة فلسطينية ثالثة ستنقل المقاومة من طور الفعل ورد الفعل إلى محور الفاعلية المبادرة .
وستشحذ الانتفاضة بأربعة أضلاع هي النصر في الجنوب اللبناني ، وفي ضرورات تطوير النخب والحركات الإسلامية والقومية لادائها الجماهيري ولاسيما بعد أن خسرت الأنظمة العربية الغشاء الوطني الرقيق الذي تختبئ خلفه فتضامنت علناً مع إسرائيل وتبرمت من المقاومة ولم يدر في خلدها أنها تراهن على جواد عجوز وورقة خاسرة ، وهذا سيفتح الباب على مصراعيه أمام النخب والحركات القوية لتغييرات جوهرية في البنى والهياكل العربية ستستفيد منه المقاومة الفلسطينية في كل الأحوال .
في الضلع الثالث سيزيد مشهد الفشل في لبنان واقع تخبط الإدارة الأميركية في العراق وسيفضح منهجها الانتقائي في الإصلاح وهذا سيؤثر على الخطط الأوسطية الأميركية وسيعيدها إما للانكفاء والهروب إلى الخلف أو الاندفاع نحو خطوات وحلول ترقيعية للقضية الفلسطينية بتحالفات إقليمية ودولية هشة وكلاهما لن ينقذ هيبة الولايات المتحدة ولن يعيد عقارب الساعة للوراء .
في الضلع الرابع سيضعف نصر لبنان الأصوات الفلسطينية التي تسمع بين الفينة والأخرى مطالبة تارة بالتنازلات وتارة أخرى بالهدن المجانية ، وسيتاح لحماس هامش مهم لاكتساب شرعية تطبيق مقاومة على جبهات مختلفة حيث السلطة تمانع والمقاومة تضرب .
في الضلع الخامس ستؤدي الهزيمة الإسرائيلية في لبنان إلى اضطرار إسرائيل إلى التقدم في الضفة نحو التقليل من آثار هزيمتها بالخروج الجزئي من مزارع شبعا والضفة وربما الجولان ... وهذا لن يؤدي إلى انخداع فلسطيني أو سوري أو لبناني بل هو دافع للجميع في التقدم خطوة أخرى نحو إحقاق الحقوق .
بالعموم من المهم أن تستغل المقاومة الفلسطينية مفاعيل النصر في لبنان لصالحها لإحقاق حقوقها والتقدم نحو أهدافها وإغراء الجميع للالتحام مع برنامجها ، وسيكون العدوان المتعاظم في قطاع غزة بحق الأطفال والنساء الدافع الكبير نحو انجاز معادلة المقاومة الجديدة ونقلها من استحقاقات وثيقة الأسرى واعتبارات التواجد في السلطة إلى تفعيل كل المكونات المختزنة في الردع والردع المقابل .. أي من اعتبارات الدفاع والانكفاء إلى معاول الهجوم والتقدم ... أي نحو انتفاضة ثالثة .