القـنـيـنة المسحورة
هذه قصة قرأتها في أحد المواقع وأعجبتني
وهي قصة جميلة لا تخلو من وحي الخيال , وسوف اقوم بإنزالها على عدة أجزاء .
أرجو ان تنال القصة رضاكم
{قصة أيرلندية}
يحكى أن فلاحاً يدعى "ميك بورسيل" استأجر بعض أكرات من أرض بور بالقرب من ديـر
شهير في قرية "مورن" التي كانت تبعد نحو ثلاثة عشر ميلاً عن مدينة "كورك" . كان
لـ "ميك" زوجة وعائلة .. كانوا يفعلون كل ما يستطيعون من أجل ميك الفقير الذي لم تكن
له ذرية يستطيع الاعتماد عليها في العمل .. وكل ما كانت تستطيع زوجته الفقيرة أن تفعله
هي رعاية صغاره وحلب بقرته الوحيدة و كانت تسلق البطاطس .. وتحمل البيض إلى الدكان
حيث يشتريه منها البقال "مالو" . ولكن رغم كل ما كانوا يبذلونه من جهد .. لم يكن يأتيهم
من الدخل ما يكفي ليسددوا إيجار الأرض. على أية حال كانوا يبذلون جهداً مشكوراً حتى
جاء عام تلف فيه محصول الشوفان .. ونفقت الدجاجات ... وأصبح "ميك" الفقير لا يقدر
حتى على دفع نصف قيمة الإيجار عندما حان موعد الدفع . سأل "ميك" زوجته يائساً :
لماذا يا "مولي" ؟ ماذا سنفعل فيما أصابنا ؟ قالت : اذهب الى سوق "كورك" وبع بقرتنا ..
أنت تعلم أن موعد السوق غداً الاثنين .. فلابد لهذه البقرة المسكينة أن تستريح عند أناس
آخرين أقدر على رعايتها . سألها "ميك" بأسى : وماذا سنفعل عندما تذهب بقرتنا ؟
فأجابته : لا أعلم يا "ميك" على الإطلاق ولكن بالتأكيد لن ينسانا ربنا .. وأنت على ثقة من
أنه كان دوماً رحيماً بنا .. فعندما مرض "بيلي" لم يكن معنا أي مال لنعالجه .. وعندها كم
كان مفاجئاً أن يأتينا ذاك الطبيب العطوف ماشياً على قدميه يسألنا عن شربة من حليب
مقابل شلنين .. كما كان عطوفاً عندما أرسل زجاجات دواء لطفلنا .. وقدم لي وجبة افطار
عندما ذهبت لأسأله عن حالة صغيرنا .. ولم يدعنا أبداً بل بقي يتابع حالته ويطمئن عليه
حتى شفي تماماً . قال "ميك" وقد أعجبته كلماتها : أنت دائماً يا "مولي" ترين الجانب
المضيء للأشياء .. وأنا أثق فيما تقولين لذلك لن أندم على بيع بقرتنا في الغد .
وطمأنته "مولي" بأن كل شيء سيكون على ما يرام . وفي الثانية عشرة من ظهر اليوم
التالي غادر "ميك" إلى السوق واعداً إياها أن لا يبيع البقرة إلا بأعلى سعر .
ومضى "ميك"على جانب الطريق ساحباً خلفه البقرة عابراً بها الجدول الضحل الذي كان
يتدفق تحت افريز الدير .. كان الطقس ذاك الصباح رائعاً .. أشعة الشمس كانت أكثر
اشراقاً .. وانعكس ضياؤها على أسوار الدير .. وتسلل شعاع بنجمات ذهبية فوق مياه
الجدول المتدفقة أسفل افريز الدير . عبر "ميك" في طريقه إلى السوق منطقة جبلية وبعد
ستة أميال قطعها وصل إلى قمة التل عندما ظهر له فجأة رجل هناك . قال له الرجل : صباح
الخير .. فأجابه صباح الخير . تأمل "ميك" الرجل الغريب الذي كان قصيراً بشكل ملفت
للنظر .. تستطيع حتى أن تعتبره قزماً .. كان القزم يمسك بغصن شجرة .. وجهه شاحب
كالقرنبيط .. وأنفه حاد صغير .. وعيناه حمراوان .. وشعره أبيض .. لكن شفتيه لم تكونا
حمراوين .. فوجهه كله كان له نفس اللون . كان شكله غريباً .. ولكن الأغرب من كل هذا
أن كل ما كان يراه "ميك" في هذه المنطقة اصطبغ فجأة باللون الأحمر . لكنه كلما نظر إلى
ذاك القزم كان يشعر بارتياح وسكينة . في الواقع لم يسترح "ميك" لصحبة ذاك الرجل
القزم .. والغريب أنه لم يستطع رؤية ساقيه ولا جسده .. فرغم دفء الطقس .. كان القزم
يرتدي معطفاً طويلاً يخفي جسده.
قاد "ميك" بقرته وهو يجدُ السير ويسرع على أمل أن يتخلص من صحبة القزم .. لكن
الأخير بقي يسير بجواره .. لم يعرف "ميك" كيف كان القزم يمشي .. بل إنه خاف حتى أن
ينظر إليه .. داخله شعور بأن القزم المسن لا يمشي مثل سائر البشر .. فلا تسبق إحدى
قدميه القدم الأخرى .. بل بدا كأنه ينزلق فوق الطريق الوعرة .. وكأنه ظل .. بلا جهد ولا
جلبة . بدأ قلب "ميك" يضطرب هلعاً من القزم الغريب .. وأخذ يذكر الله ويدعوه في سره ..
آملاً لو أنه لم يخرج إلى السوق في ذلك اليوم .. أو أنه لم يذهب إلى ذاك السوق اللعين ..
بل تمنى حتى لو لم يكن عنده بقرة ليعبأ بشأنها .. وإلا لكان قطع الطريق الموحش ركضاً
ليفر من ذاك الشيء المرعب .
وبينما هو غارق في مخاوفه .. إذ طرق سمعه صوت القزم الغريب متسائلاً : أين تذهب
بهذه البقرة أيها الرجل الشريف "ميك" ؟ قال : إلى سوق "كورك" .. فسأله القزم بصوت
عالٍ وحاد : هل ستذهب لبيعها ؟ فأجابه ببساطة : وماذا أمامي لأفعل إن لم أبعها ؟ فسأله
القزم : هل تقبل أن تبيعني إياها ؟ لكن "ميك" كان يشعر بالخوف يجمده من طريقة القزم
في الحديث كما أنه لم يكن مستعداً ليتجرأ ويرفض عرضه . لكن القزم لم يمهله طويلاً ليفكر
بل قال : سأعطيك هذه القنينة في مقابل بقرتك . وأخرج له على الفور قنينة زجاجية من
تحت معطفه . نظر "ميك" له وللقنينة مراراً .. ورغم خوفه الشديد لم يستطع أن يمنع نفسه
من أن يطلق ضحكة مجلجلة . لكن القزم استطرد : اضحك كما تشاء .. لكنني أود أن أخبرك
بأن هذه القنينة خير لك من أي شيء سواها .. ما ستحصل عليه من بيع بقرتك لا يمثل
سوى عشر ما ستجنيه من امتلاكك لهذه القنينة . ستحصل عليه من بيع بقرتك لا يمثل
سوى عشر ما ستجنيه من امتلاكك لهذه القنينة .
لكن "ميك" استمر في الضحك .. وقال : هل تظنني أحمقاً كي أعطيك بقرتي مقابل قنينة ؟
وليتها مليئة بل إنها فارغة حتى .. لا أظنني بحاجة إلى عرضك . فأجابه القزم سريعاً :
يحسن بك أن تبادلني البقرة بالقنينة ولن تندم . فأجابه "ميك" قائلاً : ولكن لماذا ؟ وماذا
سأقول لزوجتي "مولي" ؟ ومن أين لي بتسديد قيمة الإيجار ؟ لكن "ميك" سأل نفسه
سراً : من أين عرف هذا الرجل باسمي ؟ ولشد ما كانت دهشة "ميك" عندما بادره القزم
بقوله : ميك بورسيل .. إنني أعرفك جيداً .. بل واحترمك أيضاً .. لذلك ثق في كلامي ونفذ ما
أمرتك به .. وإلا ستندم . ثم استطرد يسأله : من أدراك أن بقرتك لن تموت حتى قبل أن
تصل إلى سوق كورك ؟ عندها قال "ميك" : لا قدر الله . لكن القزم استطرد في اقناعه ..
وكان على استعداد لقول أي شيء يمكن أن يثنيه عن ما هو عازم عليه .. سأله : ثم إنك قد
تجد في السوق ماشية كثيرة ومن ثم تحصل على ثمن بخس لبقرتك .. وربما سطا عليك
أحدهم في طريق عودتك إلى منزلك .. ولكن كما تشاء .. لقد حاولت أن أدعك تنال حظك
لكنك تصر على إضاعته .. يا ميك بورسيل
وما أن سمع "ميك" كلمات القزم الغريب حتى فكر فيها سريعاً ثم قال له : لا يا سيدي لم
أكن لأضيع حظي أبداً .. ولو أنني تأكدت من أن تلك القنينة هي أفضل لي كما أخبرتني لما
ترددت في أن أعطيك بقرتي في المقابل .. خاصة وأن القنينة فارغة وليس فيها حتى ما
يمكنني أن أشربه في طريقي إن شعرت بالظمأ .. فبحق الـــ ... عندها قاطعه القزم قائلاً :
اعطني البقرة الآن .. وتأكد أنني لا أكذب عليك .. وخذ القنينة وعندما تصل إلى منزلك افعل
ما سأقوله لك الآن . وتردد "ميك" كثيراً ولم يعرف ما يجب أن يفعل .. لكن القزم قطع حبل
أفكاره وتردده قائلاً : حسناً .. إلى اللقاء .. سأبقى غير بعيد .. سأقولها لآخر مرة .. خذ هذه
القنينة .. وعش غنياً .. أو ارفضها وابق متسولاً بقية حياتك .. وتحسَّر لرؤية صغارك وهم
يحيون في فقر مدقع .. وزوجتك تموت من العوز .. هذا ما سيحدث لك تماماً يا ميك
بورسيل . قال القزم ما قال وهو يبتسم ابتسامة خبيثة جعلته يبدو أكثر قبحاً بمقدار عشرة
أضعاف ما هو عليه . عندها أجابه "ميك" : قد يبدو أن تلك هي الحقيقة . وبقي "ميك"
متردداً .. لا يعرف ماذا عليه أن يفعل .. وشعر بالأسى يحاصره .. وفي لحظة يأس .. أمسك
بالقنينة وقال للقزم : حسناً .. خذ البقرة .. ولكن إن كنت تكذب علي .. فستحل عليك لعنة
الفقر . فأجابه القزم : لتعلم أنني لا أعبأ بلعناتك ولا مباركاتك .. لقد صدقتك القول يا ميك
بورسيل .. وستتأكد الليلة مما أقول إن فعلت ما سأخبرك بفعله . فسأله "ميك" بسرعة :
وما ذاك الشيء الذي تريدني أن أفعله ؟ قال القزم : عندما تعود إلا منزلك لا تشغل بالك
بغضب زوجتك .. بل عليك بالهدوء .. واجعلها تكنس أرض الغرفة جيداً .. واجعل المنضدة
إلى اليمين وافرش عليها رداء نظيفاً .. ثم ضع القنينة فوق المنضدة .. وقل .. أيتها القنينة
هل أنت مستعدة .. وعندئذٍ سوف ترى النتيجة . فسأله "ميك" وهل هذا هو كل شيء ؟ قال
القزم : نعم .. لا تحتاج لفعل المزيد يا ميك بورسيل .. والآن .. وداعاً أيها الرجل الغني .
فقال "ميك" : فليباركها الله وذهب القزم بالبقرة .. واستدار "ميك" عائداً إلى بيته .. لكنه
حين التفت إلى الخلف ليلقي نظرة على بقرته ومن اشتراها وجدهما اختفيا تماماً .
فقال "ميك" محدثاً نفسه : باعد الله بيننا وبين كل شر .. ثم أردف : لا يمكن أن يكون هذا
الرجل من بني البشر .. ولكن أين البقرة ؟ لقد اختفت هي الأخرى . شعر "ميك" بالخوف
يحاصره .. فأخذ يتلو الأدعية والصلوات في طريق عودته إلى منزله وهو قابض جيداً على
قنينته . وتساءل : ماذا سأفعل إن كسرت هذه القنينة ؟ أوه .. يا للهول .. ولكني سأحافظ
عليها جيداً . ووضع "ميك" القنينة في الجيب الداخلي لمعطفه . ومضى والفضول يلتهمه ..
كان يتعطش لإثبات ما قاله القزم له . لكنه كان منزعجاً من ردة فعل زوجته .. مهموماً من
الكيفية التي سيقابلها بها .. محاولاً موازنة قلقه بتوقعاته .. ومخاوفه بأمنياته . وأخيراً
وصل إلى بيته في المساء .. وفاجأ زوجته التي كانت جالسة تغذي النيران في الموقد بقطع
من الخشب . وما أن رأته زوجته حتى قالت : أووه "ميك" هل عدت ؟ مؤكد أنك لم تذهب
إلى "كورك" .. ماذا حدث لك ؟ وأين البقرة ؟ هل بعتها ؟ وكم قبضت ثمناً لها ؟ احك لي كل
\
شيء . أجابها : دعيني أولاً ألتقط أنفاسي يا "مولي" وسأحكي لك كل شيء بالتفصيل ..
فإذا كنتي تريدين معرفة أين البقرة .. فليس "ميك" هو من يمكن أن يجيبك .. لأنه هو نفسه
لا يعلم أين ذهبت البقرة . فقالت : إذن فقد بعتها .. ولكن أين النقود ؟ فأجابها مستمهلاً
إياها : توقفي قليلاً عن تساؤلاتك وسأحكي لك الحكاية .
لكنها لم تكف ولفت نظرها شيء يخفيه داخل معطفه فتساءلت : ولكن ما هذه القنينة
التي تحملها داخل معطفك ؟ ومدت "مولي" رأسها تحاول رؤية القنينة بشكل أوضح .
فقال لها : لماذا لا تهدأي قليلاً حتى أخبرك بكل شيء ؟ ثم وضع القنينة على
المنضدة .. وقال : هذا كل ما أخذته من ثمن في مقابل البقرة . ألجمت الصدمة الزوجة
البائسة .. وتساءلت مندهشة : هل قلت أن هذه القنينة هي كل ما حصلت عليه مقابل
البقرة ؟ وما قيمة هذه القنينة يا "ميك" ؟ أووه يا "ميك" لم أتوقع أن تصبح بهذه
الحماقة يا رجل .. وماذا ترانا فاعلين لسداد قيمة الإيجار ؟ أجابها : الآن يا "مولي"
لماذا لا تهدأي لتسمعي سبب قبولي بهذه الصفقة ؟ لقد كان الشاري قزماً مسناً .. التقاني
بينما كنت في طريقي إلى كورك .. لا .. في الواقع لم يلتقيني .. لكنه على أية حال كان
موجوداً هناك .. فوق التل الكبير .. لقد اشترى البقرة مقابل هذه القنينة التي أعطانيها ..
قال لي هذا هو الثمن . قالت "مولي" : هذا ليس له تفسير سوى أنك أحمق . وامسكت
بالقنينة غاضبة وهمَّت أن تقذف بها في وجه زوجها .. لكن "ميك" التقطها بسرعة ..
وبهدوء وضعها ثانية في معطفه محاولاً العمل بنصيحة القزم المسن بأن لا يهتم بغضبة
زوجته . وجلست "مولي" البائسة تبكي بحرقة .. بينما يكمل لها "ميك" القصة . لم
تصدقه زوجته .. لكنها كانت تؤمن بالجن لعملها في الكهنوت .. وقامت من مكانها دون
أن تنطق بكلمة واحدة .. لتنفذ ما أمرها به زوجها .. فكنست الأرض جيداً .. ثم أخذت
ترتب كل شيء .. ووضعت المنضدة إلى اليمين من الغرفة .. ثم كستها برداء نظيف ..
ووضع "ميك" القنينة فوق المنضدة ثم تمتم بما أمره به القزم فقال : أيتها القنينة .. هل
أنت مستعدة ؟ وإن هي إلا لحظات حتى صاح ابنهما الأكبر : مامي .. انظري .. انطري
هناك . ثم صرح طفلهما الثاني ذي الخمسة أعوام : مامي .. انظري .. انظري هناك .
واندفع باتجاه أمه يختبيء فيها .. حيث كانت هناك وردتان رقيقتان تتصاعدان من القنينة
كما لو كانتا خلقتا من نور .. وفي لحظة .. غطت الوردتان سطح المنضدة بمجموعة من
الأطباق الذهبية والفضية .. وامتلأت الأطباق من كل ما لذ وطاب من أصناف الطعام
الذي لم يسبق أن رأوه من قبل . وما أن اكتظت المنضدة بأطايب الطعام حتى عادت
الوردتان إلى القنينة مرة أخرى . وبقي "ميك" وزوجته يتأملان ما حدث بدهشة لا
توصف, فلم يسبق أن شاهدا أطباقاً من الذهب أو الفضة , ولا سبق أن صادفا طعاماً
شهياً كهذا سلب المشهد الغريب لبَّهما ..
وشعرا بعدم رغبة في تناول الطعام من فرط دهشتهم .
لكن "مولي" حاولت التماسك وقالت : لتجلس يا "ميك" وحاول أن تتناول من هذا
الطعام الشهي قدر استطاعتك لأنك بالتأكيد جائع بعد هذا المجهود الهائل . قال "ميك" :
إذاً لم يكذب الرجل بشأن القنينة . ثم جلس إلى المائدة بعد أن ساعد صغيريه على
الجلوس على مقعديهما .. وأخذ الجميع يأكل ما تشتهيه عيناه .. وبعد أن امتلأت
البطون .. ولم يكن نصف الأطباق قد فرغ .. قالت "مولي" : والآن .. هل يمكن لهذين
الكائنين الجميلين أن يرفعا هذه الأطباق مرة أخرى ؟ وانتظر الجميع .. لكن أحداً لم
يأت . فقامت "مولي" لترفع الأطباق بحرص زائد .. وهي تقول : يبدو لي أنها لم تكن
كذبة على الإطلاق .. أخيراً ستصبح ثرياً يا ميك بورسيل . وذهبوا جميعاً إلى الفراش ..
لا ليناموا .. وإنما ليفكروا فيما سيبيعونه من أشياء لا يحتاجونها .. وليشتروا مزيداً من الأرض .
فذهب "ميك" إلى مدينة كورك حيث باع طبقه واشترى بثمنه حصاناً وعربة كارو .. وبدأ
يظهر للناس أنه يتاجر ويكسب المال . واجتهدوا جميعاً في إخفاء سرِّ القنينة المسحورة .
لكن مالك الأرض استطاع أن يعرف السر عندما ذهب إليه ذات صباح وسأله : من أين
أتيت بكل هذا المال ؟ مؤكد أنك لم تجنيه من محصول المزرعة . وأخذ يستفزه حتى
اضطر "ميك" في نهاية المطاف إلى الاعتراف بما حدث وروى له قصته مع القنينة .
فعرض عليه مالك الأرض مبلغاً كبيراً من المال ثمناً للقنينة .. لكن "ميك" رفض التفريط
فيها .. واستمر مالك الأرض يساومه حتى عرض عليه في النهاية أن يتنازل له عن
الأرض مقابل أن يعطيه هذه القنينة .. وأخيراً .. قبل "ميك" العرض .. وفرح كثيراً بأنه
أصبح مالك هذه الأرض .. فأعطى الرجل قنينته .. حيث كان واثقاً من أنه أصبح ثرياً ولن يحتاج إليها مرة أخرى
لكن "ميك" أخطأ بما صنع .. فقد أنفقت أسرته كل المال الذي جناه من تلك القنينة ..
وازدادت فقراً على فقر .. لدرجة أنه لم يعد لديهم ما يملكونه سوى بقرة واحدة ..
واضطر "ميك" مرة أخرى لأن يقود بقرته إلى كورك ليبيعها في سوقها .. على أمل أن
يلتقي بالقزم ثانية .. ويبيعه بقرته مقابل قنينة أخرى تنقذه من فقره . كان الفجر يوشك أن
يولد حين أخذ "ميك" يزرع المكان جيئة وذهاباً حتى وصل إلى التل الكبير . كان الضباب
ينام في الحقول كإكليل مجعد من الدخان يحيط بكل شيء .. ولم يمض وقت طويل حتى
بزغت الشمس من مشرقها .. وظهرت له فجأة قنبرة من عشها .. وأخذت تغرد بأهازيج
الصباح .. وهي تطير عالياً في السماء الزرقاء حتى لم تعد سوى مجرد بقعة غير واضحة
المعالم . وأعجبت "ميك" أغنية القنبرة .. فأخذ يدندن بها رغم شعوره العميق بالحزن لعدم
التقائه بالقزم .. وما أن وصل إلى قمة التل حتى طرق سمعه نفس الصوت الذي كان يوماً
نقطة تحول في حياته . لقد ظهر له أخيراً القزم الذي التقاه من قبل .. وقال له : حسناً يا ميك
بورسيل .. لقد أخبرتك أنك ستصبح ثرياً . قاطعه "ميك" سريعاً وهو يقول : نعم يا سيدي ..
بالتأكيد .. لم تكن كذبة .. آسف .. نسيت أن أقول لك صباح الخير .. لكنني الآن يا سيدي لم
أعد ثرياً .. فهل أجد لديك قنينة أخرى ؟ لأنني أحتاجها الآن بشدة .. فإن كنت تمتلك واحدة يا
سيدي فاعطني اياها وإليك هذه البقرة ثمناً لها . قال له القزم : حسناً .. وإليك هذه القنينة .
وابتسم .. ثم أردف : أنت بالطبع تعرف ما ستفعله لتجعلها تعمل . قال له بسرعة : أووه ..
بالتأكيد ..أنا الآن أعرف ما سأفعله . قال القزم : حسناً يا ميك بورسيل .. إلى الوداع .. لقد
أخبرتك من قبل أنك ستصبح ثرياً . فأجابه "ميك" : إلى اللقاء يا سيدي . وانطلق "ميك"
عائداً إلى بيته .. يكاد يطير من الفرحة .. كان في غاية العجلة من أمره .. ولم يحتاج لأن
يلقي نظرة مثلما فعل أول مرة على البقرة والقزم ذي الشعر الأبيض .. كل همَّه كان أن
يصل بالقنينة إلى بيته
وأخيراً وصل بأمان .. وصاح فرحاً عندما رأى زوجته : أووه .. لقد حصلت على قنينة
أخرى . فقالت : يا لك من رجل محظوظ يا ميك بورسيل .. هذا أنت فعلاً . وفي لحظة .. رتبت
كل شيء مثلما فعلت أول مرة .. ووضع "ميك" القنينة فوق المنضدة ونظر إليها ثم قال :
هل أنت مستعدة ؟
عندها .. لاحظ الجميع ماردين بدينين يخرجان من القنينة .. يحمل كل منهما عصا
غليظة .. لدرجة أثارت دهشتهما بشدة .. وتساءل كل منهم في داخله : كيف احتوت قنينة
صغيرة جداً على عملاقين بضخامة هذين ؟ وإن هي إلا لحظات حتى انقض كلاهما
على "ميك" المسكين وزوجته وصغيريهما .. وأخذا يضربانهم بشدة حتى طرحوهم أرضاً
قبل أن يعودا من حيث أتيا . وبعد أن افاق "ميك" من هول المفاجأة .. أخذ ينظر بذهول إلى
نفسه وزوجته والصغيرين .. وأخذ يفكر ويفكر .. وأخيراً .. اضطر إلى أن يأخذ زوجته
وطفليه ليعالجهم من الإصابات الشديدة التي لحقت بهم . ثم ذهب بها إلى مالك الأرض حاملاً
معه القنينة .. وكان قد أصبح ثرياً جداً .. حاول "ميك" عبثاً أن يلتقيه .. لكنه تهرب منه ..
وأخيراً خرج لمقابلته .. سأله مالك الأرض : والآن ماذا تريد ؟ فأجابه "ميك" : لا شيء
سيدي .. سوى أن لدي قنينة أخرى لك . فانشرح صدر مالك الأرض لقوله .. وأجابه : أووه
هووو .. وهل هي جيدة مثل الأولى ؟ فقال : نعم يا سيدي بل أفضل .. فلو شئت سأريك إياها
أمام كل ضيوفك من النساء والرجال . فقال الرجل : أرنيها إذاً . وتم احضار "ميك" إلى
وسط بهو القصر .. وبينما وقف "ميك" مستعداً لاطلاق مارديه .. لمح قنينته الأولى
مستقرة فوق أحد الرفوف .. فقال لنفسه : آه هااا .. ربما استعدتك مرة أخرى يا قنينتي .
وعندها .. قال مالك الأرض : والآن دعني أرى كيف تعمل قنينتك . ووضعها "ميك" على
الأرض ..وتمتم بكلماته المعهودة .. وفي لحظة .. كان مالك الأرض يتعرض لضرب مبرح
من الماردين البدينين اللذين خرجا من القنينة .. ولم يكن هو وحده من تعرض لضرب .. بل
كل الضيوف رجالاً ونساء وخدماً .. الجميع أخذ يجري ويجري .. بينما يتعرضون للضرب
والرفس والركل والقرص (تخيلوا عاد انتوا المشهد ههههههه). وتحطمت الأطباق
والكؤوس .. وأخذ مالك الأرض يصرخ : أوقف هذين الرجلين يا ميك بورسيل وإلا شنقتك ..
لكن "ميك" قال : لن يتوقفا حتى تعيد لي قنينتي الأولى التي على الرف هناك . وصرخ
مالك الأرض قائلاً لخدمه : اعطوه قنينته .. اعطوه اياها قبل أن يقتلنا هؤلاء المجانين
حمل "ميك" قنينته الأولى معه إلى منزله وأعاد الماردين إلى القنينة . بالطبع لم
يعد "ميك" ثرياً كما كان في السابق فقط .. بل كبر ولداه وتزوجا من ابنتي مالك الأرض
الوحيدتين .. ولم تأته المنية هو وزوجته إلا بعد أن عاشا سنوات مديدة وبلغا من العمر
أرذله .. ولكن ما أن علم الخدم بموتهما حتى أخذوا يتصارعون لسرقة القنينة .. مما تسبب
في سقوطها .. فانكسرت ولم يستطع أحد أن ينعم بسحرها مرة أخرى.
تمت