أسرار الجمال
من عهد هيلين، ملكة طروادة التي أشعلت حربا راح ضحيتها مئات الألوف من أجل جمالها، إلى كليوباترا التي فتنت يوليوس قيصر ومارك أنطونيو ودفعتهما إلى وضع تاج الامبراطورية الرومانية على رأسها، إلى عهد فاتنات هوليوود، تبدي المرأة، مهما كانت جميلة، اهتماما كبيرا بالحفاظ على نضارة بشرتها، لكي تظل مشرقة، ويقال إن أبقراط، أبو الطب، ابتكر كريما لجعل البشرة أكثر صفاء ونقاء وجمالا، كانت تستخدمه كل الجميلات في أثينا، ومن هنا بدأت شهرته.
وكانت نفرتيتي، زوجة أخناتون الجميلة، طويلة العنق، ولذلك كانت تصرف جل اهتمامها إلى الاعتناء بعنقها، ويقال إنها كانت تستخدم دهونا نادرا للعناية به. وفي المآدب والحفلات التي كانت تقيمها، كانت تصر على أن يضع كل مدعو عقدا من زهرات اللوتس حول عنقه، وأن يجلب معه باقة من الورود وكمية من الزعفران لنثر البتلات على المائدة والأرائك، فقد كانت نفرتيتي تحب رائحة الورد.
وعندما ذهبت كليوباترا لمقابلة مارك انطونيو في عرض البحر استحمت ببتلات الورد، ويقول المؤرخ بلوتارك إنها كانت تستحم يوميا بالحليب لكي يصبح جلدها أكثر نعومة.
ومارلين مونرو، أجمل جميلات هوليوود في الخمسينات، كانت تعتقد أن الرجال يميلون إلى الشقراوات، ولذلك صبغت شعرها من اللون البني (وهو لونه الطبيعي) إلى اللون الأشقر، وكانت تتعطر بشانيل 5 في المناسبات، أما اليزابيث تايلور فهي تعتقد أن عينيها أجمل ما فيها، ولذلك فإنها توليهما عناية خاصة، وتظلل جفنها الأسفل بلون بنفسجي مميز.
وعندما تظهر كاترين زيتا جونز في مناسبة عامة، تحرص على الابتسام لإظهار جمال أسنانها وبياضها، وهي تقول إنها تحافظ على بياضها ولمعانها بفركها مرة في الأسبوع بمزيج خاص ترفض الكشف عن تركيبته.
وعلى الطبيعة، يبدو وجه كاميرون دياز مليئا بحب الشباب، وقد راجعت أطباء التجميل فنصحوها بعدم إجراء عملية تقشير للجلد، ولذلك فإنها تخفي البثور بالماكياج، وتفرك وجهها يومياً بمسحوق الحليب ليصبح أكثر نعومة.
ونعومي كامبل تؤمن أن البن المسحوق يساهم في ترميم الانسجة التالفة في الجسم، ولذلك فإنها تفرك جسمها بمسحوق البن مرة في الأسبوع على الأقل ثم تلف الجسم بالسولوفان ليسخن، أما كريستينا أجيليرا فإنها تفرك وجهها يوميا بحبة طماطم ثم تأخذ حماما شمسيا. وصوفيا لورين تضيف إلى الطماطم العسل وزيت الزيتون، وتترك القناع على الوجه لمدة ساعة قبل إزالته بالماء.
وجولدي هاون لا يظهر عليها الكبر مهما تقدم بها العمر، والسبب إنها اكتشفت وصفة “سحرية لشباب الوجه الدائم”، فقد سمعت أن المرهم الذي يستخدم لمعالجة البواسير يشد العضلات المترهلة التي توجد عليها هذه البواسير، ولذلك فإنها تدهن وجهها به وخصوصا تحت العينين، لمحاربة الانتفاخ.
وقبل أن تذهب سيندي كراوفورد للمشاركة في أية مناسبة عامة تفرك جفنيها بحبة بطاطا، وتقول إن البطاطا تكافح التجاعيد والهالات السوداء تحت العينين، وأوميلا موتي تستخدم قناعا يتألف من ثمار الكيوي والعسل واللبن، تخلطه جيدا وتضعه على وجهها لمدة 20 دقيقة، وساندرا بولوك تستخدم قناعا من التفاح.
وكل الجميلات يستخدمن هذه الوسيلة أو تلك للعناية بالبشرة، والجهد الذي يبذلنه من أجل ذلك يفوق بكثير الجهد الذي يبذلنه في تثقيف أنفسهن.
تقشير البصل
يسخر الروائي الألماني غانثر جراس، الحائز على جائزة نوبل، من الكتّاب الذين يكتبون سيرهم الذاتية، ويقول: “معظم هؤلاء يكتبون، في محاولة لإقناع القارىء بأن أمرا ما حدث على هذا النحو، وليس بطريقة أخرى.” وفي سيرته الذاتية التي ستصدر قريبا بعنوان “تقشير البصل” لا يحاول جراس تبرير أي موقف في حياته والتمني لو أنه حدث بطريقة أخرى، وإنما يقدم ما يصفه بأنه “طريق إضافية مفتوحة للقارىء” يعبر من خلالها إلى عالمه، ليقرأ ويفسر.
وتقشير البصل يدمع العينين، وقد بدأت عينا جراس تدمعان حتى قبل صدور الكتاب، فقد تحدث في الكتاب عن فترة من حياته كانت مجهولة لقرائه حتى الآن، هي: إنه انضم في مطلع شبابه إلى فرقة “أس أس” التي تضم نخبة الشباب النازي، ويذكر الألمان أن هذه الفرقة كانت تشرف على معسكرات الإبادة الجماعية، واعتراف جراس بأنه كان أحد أعضائها يعني أنه كان يتعاطف مع النازية، أولا، وأنه شارك في العديد من جرائم الحرب التي حدثت في هذه المعسكرات ثانيا. وتهمة من هذا النوع شديدة الخطورة، إذ إنها ستحرك كل أعشاش الدبابير في الأوساط الصهيونية ضد صاحبها، وعندما حامت شبهات حول كورت فالدهايم سكرتير هيئة الأمم المتحدة السابق، كادت تقضي على مستقبله السياسي، وتبعده عن منصبه كرئيس منتخب للنمسا. ولذلك فإننا نتفهم قلق المحرر في صحيفة الباييس الإسبانية عندما قال لجراس معلقا على الصفحات التي يتحدث فيها عن تجربته مع “الأس أس” في الكتاب: “ما كان عليك كتابة ذلك، وما كان لأحد أن يجبرك على القيام به أصلا” ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية كان جراس يجسد ضمير الشعب الألماني، وفي روايته “ثلاثية دانزيج” يصف الحقبة النازية بأنها “من أكثر الحقبات ظلاما في التاريخ الألماني”، ويصف جيل ما بعد الحرب في ألمانيا بأنه “جيل مضطرب مصدوم، فقد الإحساس بالاتجاه، وخرج من الحرب منهارا لا مستسلما دون قيد أو شرط، وكانت الظلمة تطبق على بلاده بأسرها”، ولكنه في رواية “طبل الصفيح” يرفض الصورة التي روجتها أجهزة الإعلام الغربية عن شباب المانيا بعد الحرب ويقول: “كان يتم التصرف كما لو أن الشعب الألماني بأسره فتن بشرذمة من البهلوانات والظلاميين، وذلك غير صحيح، فقد حدث كل شيء بحماس وبروح نهضوية”.
ومعظم الصحف الألمانية لامت جراس لأنه انتظر طويلا لإعلان هذا الجانب الخفي من حياته، وتساءلت صحيفة سوديتش زايتونج: “لماذا انتظر كل هذه المدة، ولماذا لم يعلن ذلك من قبل؟ وما كان ينبغي له أن يصمت، وكشفه هذا الجانب من حياته في الماضي ما كان ليفقده مصداقيته، بل ربما عززها، أما الآن فإنه فقد هذه المصداقية”. ووصفته صحيفة كولنز ستات شنزايجر بالجبن، وقالت: “لو أنه كشف هذه الحقيقة في الماضي فربما وجد بعض التفهم من جانب الجماهير، أما الآن، فإن تصرفه لا يمكن أن يوصف إلا بالجبن”.
وطالبت بعض الصحف الألمانية بسحب جائزة نوبل منه، وقالت: “لم يعد من حق هذا الرجل إعطاؤنا مواعظ أخلاقية”. أما صحيفة الفايناينشال تايمز دوتشلاند فقد قالت: لا أحد يتهم جراس، ولا أحد يشكك بقدراته الأدبية، ولكن السلطة السياسية والأخلاقية التي كان يتمتع بها فقدت مصداقيتها، خصوصا وإنه انتقد المستشار الألماني هيلموت كول والرئيس الأمريكي رونالد ريجان لأنهما زارا مقبرة لضحايا الحرب العالمية الثانية من الألمان دفن فيها بعض عناصر فرقة “الأس أس”، وكان الأولى به انتهاز الفرصة في ذلك الحين للاعتذار عن ماضيه”.
أفكار مستعصية
في مقدمته لأحد كتبه، يقول أبو الفرج الأصفهاني: “إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً”، إلا قال في غده: “لو غير هذا المكان لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل”.. ويعلل الأصفهاني ذلك بهيمنة الإحساس بالنقص على الذات البشرية، باعتبار أن الكمال لله وحده، أما صموئيل بيكيت، رائد اللامعقول في هذا العصر اللامعقول، فإنه يعلل ذلك بقوله: إن اللغة فقدت جزءا كبيرا من وظيفتها كوسيلة للتواصل.
وإلى جانب هيمنة الإحساس بالنقص على الذات البشرية، هناك معركة الكاتب اليومية في التعبير عن نفسه، وفي هذه المعركة، يخرج الكاتب خاسرا معظم الأحيان، وفي كل مرة ينتهي فيها من كتابة مقال، يلحظ وجود فارق هائل بين الصورة التي كانت في ذهنه قبل الكتابة، والصورة التي ترتسم في ذهنه عندما يقرأ ما كتب.. كقارئ.. فيحس أن أفكاره تعرضت لعملية تشويه مؤسية، وأن القارئ حصل منه على نصف مقال، أو ربع مقال، وربما أقل من ذلك.
وفوق ذلك كله، هنالك رغبة الكاتب القوية للاعتصام بالصمت، بسبب إحساسه بلا جدوى ما يكتبه، وأن “العرب لا يقرأون”.، إضافة إلى عدم فاعلية الكلمة، في عصر خرجت فيه شريعة الغاب من الغاب، وتحولت إلى أساس للتعامل حتى بين الدول الكبرى.
وطاغور، شاعر الهند الأكبر الذي كان ينصح الفقراء ببيع رغيف خبزهم وشراء وردة بثمنه، يقول: إن كل شيء يتحقق يفقد قيمته، حتى الحب يفقد قيمته عندما يتحقق، وفي إحدى قصائده يقول: إن أجمل الأيام هي تلك التي لم أعشها بعد، وأجمل القصائد هي تلك التي لم أكتبها بعد. وإذا كان برنارد شو يقول: إن الكلمة الانجليزية يتغير معناها عندما تعبر قناة السويس فإن الكاتب والشاعر محمد الأسعد يقول: إن الكلمة يتغير معناها بمجرد عبورها الشفتين، وأن القصائد والمقالات التي كتبها ليست بأكثر من عملية تشويه خطيرة مارسها ضد نفسه، وأنه من خلالها عرض نفسه للقراء جسدا من دون رأس، أو من دون ذراعين، لأنه لم يتمكن من التعبير عما في داخله بصورة صحيحة.
واذكر أني سألت أحد الكتاب الكبار عن الأسباب التي دفعته إلى إصدار أحد كتبه فقال لي: “كانت ملفاتي مزدحمة بقصاصات الأوراق، أنقلها من مكان إلى مكان، وأجد صعوبة في جمعها، وحفظها، فرأيت أن في جمعها في كتاب يسهل علي أمر حفظها”، بمعنى: إن الكتاب كان مجرد ملف شخصي له. وهذا ما يفعله روجيه جارودي، فكل الكتب التي أصدرها في الآونة الأخيرة هي مجموعة قصاصات من مصادر مختلفة حول موضوع معين.
وتقول غادة سلمان: إن أفضل كتبها هو الكتاب الذي ستنشره ذات يوم ويضم مجموعة من المقالات التي لم تجد طريقها إلى النشر، لسبب أو لآخر، ومن بين هذه الأسباب إن المقالات لم تنشر لأنها لم تكتب أساسا، فهي لا تزال مجرد أفكار في ذهن هذه الكاتبة الملهمة. وعندما سألوا الشاعر إقبال عن جديده في الفكر والشعر والفلسفة قال: “في رأسي فكرة لو قدر لها أن تتحول إلى كلمات لكانت أجمل ما كتبت”.. ومات إقبال من دون أن يحول هذه الفكرة إلى كلمات، رغم أنه خلف وراءه عشرات الكتب والقصائد والأفكار الفلسفية.
غرائب الرقم 7
في معظم ميثيولوجيات العالم، يعتبر الرقم “7” هو رقم الحظ، ومن الأفلام السينمائية الناجحة فيلم “السبعة الرائعون”، الذي انتج عام ،1960 بطولة يول براينر وتشارلز برونسون، وقد حقق الفيلم نجاحاً غير عادي، رغم أنه عادي في كل شيء، ويعتقد منتجو الفيلم أن وجود الرقم 7 في اسمه هو السبب.
ويلعب الرقم 7 دوراً مهماً في حياة البعض، ومثال على ذلك سيدة من مدينة نيويورك ماتت عام 1985 وخلفت ثروة كبيرة أوصت بها للجمعيات الخيرية، وهذه المرأة من مواليد اليوم السابع من الشهر السابع يوليو/ تموز عام ،1907 بمعنى أن الرقم 7 يتكرر في يوم ميلادها، وفي الشهر الذي ولدت فيه، وفي السنة أيضاً، ولم تقف عجائب الرقم 7 عند هذا الحد، إذ ان هذه المرأة تزوجت من رجل التحق بالبحرية الأمريكية في بداية نشوب الحرب العالمية الثانية، وكانت سفينته ترابط في المحيط الباسيفيكي ورقمها 777 يتكرر فيها الرقم 7 ثلاث مرات، وطوال سنوات الحرب لم يتعرض هو أو السفينة التي يعمل بها لأذى رغم غارات الكاميكاز اليابانية التي لم توفر شيئا، ورغم الأعاصير الخطرة في المحيط. وبعد انتهاء الحرب عمل في التجارة وجمع ثروة طائلة تركها لزوجته، وماتت زوجته وهي في السابعة والسبعين من العمر أي في عمر يتكرر رقم 7 فيه مرتين.
وعجائب الدنيا سبع، والمعادن سبع، والحجارة سبع، والكواكب سبع، وقد قال ابن أبي حصينة في ممدوحة مشيرا إلى ذلك: “هي سبعة زهر خصصت بها / وكذا الطوالع سبعة زهر” ووصف ابن معتقد حبيبته بقوله: “ذات حسن لو تحسن النطق يوما / سبعة اشهب أقسمت بسناها” وبعض الناس سبعاويون، أي ولدوا أثناء الشهر السابع من الحمل، ومعدل ذكاء هؤلاء أعلى من معدل ذكاء الناس العاديين مع العلم أن المفروض أن يكون العكس هو الصحيح، وتقول الأساطير إن حياة الإنسان تمر بسبع مراحل، وهنالك دروة فلكية تعرف باسم “دورة السنوات السبع” ولكن الخبراء بالأرقام يقولون إن رقم 7 له جانب مظلم أيضا، ومثال على ذلك فإن عملية نسف قطارات الأنفاق في لندن حدثت في اليوم “السابع” من الشهر “السابع” عام 2005 (مجموع أرقام العام 7 أيضا) وأول انفجار حدث في السابعة، والثاني في 51:8 صباحا (مجموع الساعة والدقائق ،14 أي 7 x 2) وبين الانفجار الأول والأخير 56 دقيقة (7 x 8) وحافلة المترو المستهدفة تحمل الرقم 17758 وفيه يتكرر رقم 7 مرتين، ومجموعه ،28 أي 7 x 4.
ولم يكن الشهر السابع سعيداً بالنسبة لماري سورات، ففي عام 1865 دخلت هذه المرأة التاريخ باعتبارها أول امرأة ينفذ فيها حكم الإعدام شنقا في الولايات المتحدة لدورها في اغتيال ابراهام لينكولن، رغم أن كل الشواهد كانت تشير إلى أنها بريئة من التهمة.
والحرب العالمية الثانية التي ذهب ضحيتها الملايين بدأت بالفعل في 7 يوليو/ تموز عام 1937 بغزو ياباني للصين، وتقول الأساطير ان الابن السابع غالبا ما يكون ناجحاً في أي عمل يقوم به، كما أنه يمتلك حاسة سادسة قوية، وقد كان نوستردا موس أشهر عراف في التاريخ، الابن السابع للابن السابع، ويعتقد سكان الدول الاسكندنافية أن كسر المرآة نذير بسبع سنوات من سوء الحظ، ولكن هذا الاعتقاد لم يرد في أساطيرهم القديمة، ويبدو أنه مستحدث وهدفه تعويد أنفسهم وتعويد أولادهم على الحرص على المرآة، لكي لا يضطروا إلى شراء غيرها إذا انكسرت.
ورقم 7 ورد على ألسنة الشعراء أكثر من أي رقم آخر، فمحمد سعيد الحموي ضرب وراء الصبر سبعة أسداد بعد وفاة ممدوحه، ويخبرنا مصطفى وهبي التل: “بالأمس عن روح الفقيد لقد / أكلوا شواء وأرغفا سبعة” ومن جميل ما قيل في المدح ما قاله محمد الهمداني: “فلو قام داع خلف سبعة أبحر / دعا دعوة يا فضل.. يا فضل لباه”.
لغة الأطباء
يشتهر الأطباء برداءة الخط، إلى درجة أن رداة خط الطبيب أصبحت مضربا للمثل. وكنت أعتقد أن السبب في ذلك هو أن الطبيب يكتب الوصفة على عجل، أو ربما هي محاولة للتميز، ولكنني اكتشفت أن السبب ليس هذا ولا ذاك، وقد كشف لي أحد الصيادلة سببا آخر فقال: إن أسماء الأدوية تتشابه في بعض الأحيان، وتختلف كتابتها في حرف أو اكثر، ومثال على ذلك: سوبرام، وهو عقار يستخدم لمعالجة أحد الأمراض النفسية، وسوبراك، وهو مضاد حيوي، وعقار الكلينداسين والكلينداميل، وفي كثير من الأحيان، لا يعرف الطبيب التهجئة الصحيحة لاسم الدواء، فيكتبه بطريقة تصعب قراءتها ويترك الباقي للصيدلي. بمعنى: إن رداءة خط الطبيب عملية مقصودة هدفها التهرب من كتابة التهجئة الصحيحة لاسم الدواء التي غالبا لا يعرفها الطبيب. ويتساوى في ذلك أطباء الولايات المتحدة، وأوروبا وأطباء العالم الثالث.
ولكن الأكثر خطورة من رداءة خط الأطباء هو ضعفهم في اللغة، وضعف أساليبهم في التعبير إلى درجة أن بعض التقارير الطبية التي يكتبونها عن المرضى الذين يترددون على عياداتهم تأتي في بعض الأحيان مثيرة للضحك. وخلال السنوات الماضية، قام الأديب البريطاني ريتشارد ليدار بجمع أمثلة عن الأخطاء التعبيرية التي يقع فيها الأطباء ونشرها في كتاب بعنوان “اللغة الإنجليزية الأكثر إثارة للغضب”. ويقول المؤلف في بداية كتابه انه جمع مادة الكتاب من الاطلاع المباشر على التقارير التي يكتبها الاطباء، بمساعدة الممرضات، ويستطيع القول إنه ليس هنالك أي طبيب لم يقع في خطأ تعبيري في حياته المهنية. ومن الأمثلة التي أوردها ليدار في كتابه:
* “تعاني المريضة من آلام شديدة إذا نامت على جانبها الأيمن لمدة سنة”، والمقصود بالطبع إنها تعاني من هذه الآلام منذ سنة.
* “وقع المريض، ويبدو أن ساقيه سارتا في اتجاهين منفصلين في ديسمبر”. وهو تصوير طريف لما يحدث عندما يتزحلق الإنسان ويقع على الأرض.
* “المريض ليس له تاريخ في الانتحار”. والمقصود محاولات الانتحار، لأن الانتحار يحدث مرة واحدة.
* “يعاني المريض من كآبة شديدة منذ بدأ بالتردد على عيادتي عام 1983”. بما يفيد أن سبب الكآبة هو التردد على العيادة.
* “كشفت الفحوصات أن المريضة حامل، بواسطة خبير السونار”. والمقصود أن الفحوصات التي أجراها خبير السونار كشفت أن المريضة حامل. * “المريضة سيدة في الحادية والسبعين وقد أصيبت بكسر في إصبع يدها عندما أكلت قطعة من الكيك”. والمقصود أن الكسر حدث أثناء تناول الكيك وليس لأنها أكلت الكيك.
* “يعاني المريض من ألم شديد في بطنه يسير بسرعة إلى قدميه”. وهذه صيغة غريبة لوصف ألم يمتد من البطن إلى القدمين.
وإلى جانب ذلك، هنالك مئات العبارات التي تثير الضحك، ولا نقول الغضب، من المستوى اللغوي لدى الأطباء.
وهنالك نكتة عن العبارة الشائعة لدى أطباء الولادة، عندما يولد الطفل ميتا، حيث يقولون: “لقد ضحينا بالطفل من أجل إنقاذ حياة الأم”، وتقول النكتة: “خرج الطبيب من غرفة العمليات ويداه ملوثتان بالدم، وقال لأهل المريضة الذين ينتظرون في الخارج: لقد اضطررنا للتضحية بحياة الطفل، والأم، من أجل إنقاذ حياة الزوج”.
انهيار القيم العائلية
الفراغ الروحي الذي تعيشه المجتمعات الغربية، لم يؤد إلى ضياع الشباب فقط، وإنما كبار السن أيضا. وفي دراسة أجراها البروفيسور مايرز مالفالد، أستاذ العلاج النفسي في كلية العلوم الصحية في جامعة نيويورك وشملت ما يزيد على 1100 شخص ممن تعدوا الستين من العمر، تبين أن 29،9% منهم غير مخلصين في علاقاتهم العائلية، لأن كل واحد منهم يرتبط بعلاقة آثمة. والطريف أن الدراسة شملت الناس العاديين الذين يفترض أنهم أكثر تمسكا بالقيم العائلية من الأثرياء، ولو أنها شملت أصحاب المال الذين تملأ فضائحهم الصحف لقفزت النسبة إلى ما يقرب من 100%. وقد علق البروفيسور مايرز على الدراسة قائلا: “جاءت النتائج مذهلة بالنسبة لي، فالذين شاركوا فيها متقدمون في العمر وليسوا مراهقين، ويفترض أن يكون لديهم الحد الأدنى من الاتزان والأخلاق، ولكنهم يتصرفون كالمراهقين تماما، وقد اعترف 29،5% منهم أنهم يمارسون الخيانة الزوجية، وهؤلاء اعترفوا بملء إراداتهم، وبعضهم رفض الاعتراف واعتبر القضية شخصية لا يجوز الحديث عنها، ولو اعترف الجميع لارتفعت النسبة إلى ما يزيد على 50%.
وأطول علاقة في الحالات التي درسها البروفيسور مايرز مستمرة منذ 35 سنة، وطرفاها رجل في الواحدة والثمانين من العمر، وامرأة في التاسعة والسبعين، وأقصر علاقة عمرها ثلاث سنوات، وكل الذين يرتبطون بعلاقات متزوجون منذ عقود، ولديهم أحفاد، ولم يحاول أحدهم طلب الطلاق، بل إنهم يرفضون فكرة الطلاق جملة وتفصيلا، والطلاق ليس خيارا بالنسبة لهم.
ويقول البروفيسور مايرز: إن العشاق الكهول يلتقون من مرة واحدة إلى ثلاث مرات في الأسبوع، واللقاءات تتم في الفنادق، أو على الشاطئ، أو في جولة في السيارة، ولكنهم لا يلتقون في منازلهم.
والدراسة التي أعدها الدكتور مايرز ذكرتني بحادثة طائرة ركاب تعرضت في منتصف الثمانينات، لخلل بعد إقلاعها متوجهة إلى هاواي بفترة وجيزة، واضطرت للعودة، وقد أطلقت الصحف الأمريكية على تلك الطائرة اسم “طائرة العلاقات غير المشروعة”، وذكرت أن بين ركابها رجلاً في الخامسة والستين من العمر قال لزوجته إنه مضطر للسفر من نيويورك إلى لوس انجلوس في رحلة تتعلق بعمله، فإذا به يسافر مع صديقته التي يقل عمرها عن عمر ابنته إلى هاواي لتمضية عطلة نهاية الأسبوع فيها، وراكبا آخر كشفت التحقيقات عن أن صديقته سبقته إلى هاواي، فلحق بها، ولكن الخلل الذي حدث في الطائرة حال دون لقائهما، ورجل أعمال أبلغ زوجته أنه مضطر للسفر إلى أوروبا لأمور تتعلق بأعماله وشركاته، ولكنه اختصر الطريق وصحب سكرتيرته الجميلة في رحلة إلى هاواي لتمضية إجازة فيها، وكثيرة هي القصص التي أسرفت الصحف الأمريكية في الحديث عنها في ذلك الحين إلى درجة أن القارىء يكاد يصل إلى نتيجة أن الركاب الوحيدين الذين كشفوا عن وجهة سفرهم الحقيقية هم الركاب غير المتزوجين، أو الركاب من سكان جزيرة هاواي الذين أمضوا أياما في الولايات المتحدة وحجزوا تذاكر للعودة إلى جزيرتهم.
والإخلاص في العلاقات العائلية هو أساس العلاقة الزوجية واللبنة الرئيسية في بناء العائلة، وعندما ينهار، يسقط كل شيء، وتنهار العائلة.
وهذه القضية محور اهتمام المختصين في أمريكا، وقبل مدة صدر كتاب فريد لأستاذة علم النفس المعروفة ماري بيبر بعنوان: “أن يكون الواحد منا ملجأ للآخر، إعادة بناء لعائلاتنا”. ويقول الكتاب: إن المفاهيم الزائفة عن الحرية الشخصية، وضياع القيم، والخواء الروحي أيقظت في المجتمعات الغربية الوحوش الكامنة فيها، وسينتهي الأمر بهذه المجتمعات بالعودة إلى شريعة الغاب، حيث لا يأبه الإنسان إلا بنفسه، ولا يسأل إلا عن نفسه.
جهل خطير جداً
قبل مدة، نشر أستاذ للتاريخ في إحدى المدارس الأمريكية مقالاً عرض فيه بعض أجوبة طلابه عن اسئلة الامتحان الذي أجراه لهم في الفصل الأخير من العام الدراسي، وقال الأستاذ إنه يحتفظ بأوراق الإجابات لديه برسم أي مسؤول أمريكي يرغب في الاطلاع على المستوى الذي وصلت إليه الدراسة في المدارس الأمريكية. وأجوبة الطلاب تثير الدهشة بالفعل وتكشف جهلهم حتى في المعلومات التي يفترض أن يعرفها شخص لم ينل من التعليم حظا، ومن هذه الأجوبة: “بناة الأهرامات هم المومياءات، وكانت المومياءات تعيش في منطقة صحراوية، والمنطقة الصحراوية صعبة، إلى درجة أن شعوبها تهجرها وتعيش في مكان آخر. وقد بنت المومياءات الأهرامات على شكل مكعب مثلث الشكل”. وذكر أحد الطلاب أن “الاهرامات سلسلة من الجبال بين فرنسا واسبانيا”. وفي جواب عن سؤال آخر: “كان سقراط أستاذا يونانيا، وكان يلف على الناس كل يوم ويقدم لهم النصائح، ولكنه مات بسبب جرعة أفيون زائدة.. وهو يدرس كتب الإلياذة، ولكن هنالك من يقول إن شخصا آخر غير هوميروس، ولكنه يحمل اسما مشابها لاسمه، هو الذي كتب الإلياذة”.
وطلاب أمريكا يعرفون ان كريستوفر كولمبوس هو الذي اكتشف قارتهم، ولكنهم يقولون إنه اكتشفها عندما كان يتنزه على شواطئ الأطلسي، ويضيفون: “ان البريطانيين استعمروا أمريكا بعد ذلك، وقتلوا الهنود الحمر”، وقد حدثت الثورة الأمريكية “لأن المستعمرين البريطانيين كانوا يرسلون الطرود البريدية دون أن يضعوا عليها طوابع”. ومن أجوبة الطلاب الغريبة: “ذهب فرانكلين روزفلت الى بوسطن وهو يحمل كل ملابسه في جيبه، ويضع رغيفين تحت إبطيه ثم اخترع الكهرباء عن طريق فرك شعر قطتين ببعضه بعضا.. وقال: إن الحصان المقسوم إلى نصفين لا يستطيع الوقوف.. ومات عام 1790 ولا يزال ميتا حتى الآن”. وفي أوروبا، “بدأ عصر التنوير عندما اخترع فولتير الكهرباء وكان فولتير يتقن صناعة الحلوى ويحب الناس الحلوى التي يصنعها، ولذلك كتب كتابا بعنوان “كاندي” (وكاندي تعني بالإنجليزية الحلوى). و”في عصر التنوير اخترع اسحق نيوتن الجاذبية، والجاذبية تنتشر على نطاق واسع في الخريف حيث يكثر تساقط التفاح عن الأشجار”. و”في عصر النهضة انتشرت الموسيقا، وقد كتب بتهوفن موسيقا رغم انه أطرش، وكان اطرش إلى حد كبير، والى درجة انه كتب موسيقا صاخبة جدا”.
وربما شعرت مجلة “ناشيونال جيوجرافيك” بأن مقال أستاذ التاريخ مبالغ به، فقررت إجراء دراسة لكي تتأكد بالفعل لا بالقول، من مستوى طلاب أمريكا، فوضعت مجموعة من الأسئلة حول مواقع بعض القارات والدول والمحيطات على الخريطة، وأي الدول تحوي أكبر عدد من السكان، وأي الديانات أكثر انتشارا، إلى جانب بعض أسئلة المعلومات العامة التي يفترض أن يعرفها أي طالب في مدرسة ابتدائية، لا ثانوية، وكشفت الدراسة التي نشرتها المجلة على موقعها في الانترنت أن 30% من الطلاب الذين شاركوا فيها لا يعرفون موقع المحيط الأطلسي على الخارطة، و50% لا يعرفون موقع الهند، و11% لا يعرفون موقع الولايات المتحدة، وطنهم، و80% يجهلون موقع “إسرائيل” التي تغدق حكومتهم عليها مساعدات تفوق التصور، و69% لم يتمكنوا من التعرف إلى موقع بريطانيا حليفتهم الوحيدة في العالم، و80% لم يتمكنوا من تسمية 4 دول تمتلك أسلحة نووية و75% لا يعرفون الدول التي يزيد عدد سكانها على مليار نسمة. وايطاليا على الخارطة أشبه بالساق ذات الحذاء برقبة، ومع ذلك فإن 50% من الطلاب المشاركين لم يتعرفوا إليها على الخارطة. وقد وصفت المجلة نتائج دراستها بأنها تثير الرعب بالفعل، فطلاب اليوم هم قادة الغد، وهم الذين سيحكمون العالم، وطبيعي أنهم لن يستطيعوا ذلك، ماداموا لا يعرفون موقع بلدهم على الخارطة.
لقد كان مارتن لوثر يقول: “ليس هنالك ما هو أكثر خطورة من الجهل”، والجهل هو آفة المجتمع الأمريكي في هذا العصر.
روبنسون كروزو
العلاقات بين الاسكوتلنديين والانجليز، ليست سمنا على عسل، ويقول البعض: إن السبب في ذلك هو غيرة الإنجليز على لغتهم، فالاسكوتلنديون يأكلون نصف الحروف عند نطقها ويستبدلون الحرف الأخير من كل كلمة بهمزة، إضافة إلى أن البريطانيين ينظرون إلى الشعوب الأخرى في المملكة المتحدة (مثل الإيرلنديين والاسكوتلنديين) باستعلاء، ويصفون الإيرلنديين بالغباء، والاسكوتلنديين بالبخل، ويطلقون عليهم الكثير من التشنيعات، ومن ذلك تلك النكتة التي تقول: إن أحد الاسكوتلنديين شعر بالغضب لأن صحيفة التايمز البريطانية دأبت على وصف أبناء شعبه بالبخل، فكتب إلى الصحيفة رسالة يقول فيها: “إذا لم توقفوا هجومكم الظالم على الاسكوتلنديين فإنني سأقاطعكم، وسأتوقف عن استعارة جريدتكم من جاري لقراءتها”.
وفي الآونة الأخيرة، أضاف بحث نشرته إحدى دوريات جامعة أوكسفورد مصدرا جديدا للتوتر بين الاسكوتلنديين والبريطانيين، عندما ذكر أن روبنسون كروزو ليس “شخصا سكوتلنديا” ورد ذكره في قصة للكاتب الاسكوتلندي الكسندر سيلكيرك، كما كان يعتقد، وإنما طبيب جراح بريطاني اسمه هنري بتمان ارتكب جريمة وصدر حكم بنفيه إلى جزيرة صحراوية في البحر الكاريبي. وفي البحث، يقول تيم سيفيرين، وهو مختص في أدب الرحلات: إن المذكرات التي خلفها بتمان كانت هي المصدر الذي استلهم منه دانيال ديفو قصة روبنسون كروزو.
ويقول تيم سيفيرين: إنه توصل إلى هذا الاستنتاج بعد عثوره، بمحض الصدفة، على دلائل في المكتبة البريطانية، تشير إلى وجود علاقة شخصية بين الطبيب الجراح المنفي، هنري بتمان، وكاتب قصة روبنسون كروزو دانيال ديفو. وقد كشف سيفيرين هذه الدلائل في كتاب صدر عن دار مكميلان للنشر في بريطانيا بعنوان “البحث عن روبنسون كروزو”. وعلقت جريدة التايمز البريطانية على الكتاب والاكتشاف بالقول:”لا شك أن الخبر سيقع موقع الصاعقة على الاسكوتلنديين الذين لا يزالون يعتقدون بأن “اسكوتلنديا” يدعى الكسندر سيلكيرك اعتاد على لبس ملابس من جلد الماعز هو الذي أوحى بقصة روبنسون كروزو لكاتبها، وفي المتحف الملكي في أدنبره، لوحة بارزة تذكر بذلك”.
وقصة سيلكيرك تتحدث عن شخص عاش وحيدا في جزيرة تقع على مسافة 400 ميل إلى الغرب من فالباريسو في تشيلي، ما يزيد على أربع سنوات، يأكل السمك ولحم الماعز، وربما استعان دانيال ديفو بهذه القصة لتوفير بعض مادة قصته عن روبنسون كروزو، ولكن سيفيرين يرفض الفكرة القائلة: إن سيلكيرك هو الشخصية الحقيقية لروبنسون كروزو التي ألهبت خيال الناس طوال القرون الثلاثة الماضية. ويذكر في كتابه أن دانيال ديفو وهنري بتمان صديقان حميمان شاركا في ثورة دوق منموث الفاشلة ضد الملك جيمس الثاني عام 1685. وقد تمكن ديفو بما لديه من مال من الحصول على العفو، أما بتمان فقد صدر حكم بنفيه إلى بربادوس. وفي عام 1689 نشر بتمان كتابا من30 صفحة عن تجاربه في الجزيرة بعنوان “علاقة معاناة الجراح هنري بتمان ومغامراته العجيبة” وقد صدر الكتاب قبل ثلاثين سنة من نشر قصة روبنسون كروزو. ويقول سيفيرين: هنالك تشابه يصل إلى حد التطابق بين تجارب بتمان الواقعية، وتجارب روبنسون كروزو الخيالية.
ويقول المختصون بأدب الكاتب دانيال ديفو: إن الاكتشاف الذي توصل إليه سيفيرين مهم جد. ويبقى أن يقتنع السكوتلنديون الذين يصرون على أن رجلهم الكسندر سيلكيرك هو روبنسون كروزو الحقيقي، وبالطبع فإنهم لن يقتنعوا، وسيعتبرون العملية مؤامرة إنجليزية.
أينشتاين كما لا يعرفه الناس
الشهرة التي حققها البرت اينشتاين قبل وفاته عام 1955 جعلته أشبه بنجوم السينما، يعرف الناس عن “صورته الرومانسية” في أذهانهم أكثر بكثير مما يعرفون عن صاحب الصورة، فعبد الحليم حافظ “عندليب أسمر”، ولكنه ليس عندليبا اسمر في حياته الخاصة، فقد ظل المرض يأكله قطعة قطعة، حتى قضى عليه تماما، وربما لو خيّر بين الصوت الجميل والصحة لاختار الصحة حتى لو عاش غفلا منسيا لا يعرفه أحد، وصباح ليست شحرورة، وإنما إنسانة معذبة ظلت طوال حياتها تصارع الحياة والناس والظروف، وها هي في شيخوختها تعيش وحيدة لا تملك من الماضي إلا الذكريات التي تتحول إلى كوابيس عندما تجري مقارنة أضواء الماضي بظلام الحاضر، وسعاد حسني انتحرت عندما شاهدت نفسها في أحد الأفلام، ثم وقفت أمام المرآة لتكتشف أن الأيام حولتها إلى كتلة ضخمة من الشحم لا تستهوي أحدا.
وعندما يتذكر الناس أينشتاين يذكرون أنه صاحب نظرية النسبية التي لا يفهمها إلا قلة في العالم، ولكن الكل يذكر أنه كان يستخدم دراجة هوائية في تنقلاته، وأنه كان يرتدي معطفا سميكا حتى في أيام الصيف الحارة، وأنه مد لسانه لأحد المصورين عندما حاول المصور التقاط صورة له، فأصبحت صورة اللسان الممدود أكثر شهرة من نظرية النسبية، كما يذكر الجميع أن سيدة جميلة سألته أن يفسر لها النسبية فقال لها: “عندما تكونين مع حبيبتك، كيف تشعرين بمرور الوقت؟” فقالت له: “الساعة تمر كدقيقة”، فقال لها: “وعندما تكونين وحيدة أو مع شخص مضجر لا يلقى هوى في نفسك؟” فقالت له: “الدقيقة تمر كساعة”، فقال لها: “هذه هي النسبية”، ولكن: هل هذه هي النسبية بالفعل، أم الصورة الرومانسية لها؟
في الولايات المتحدة، أقام متحف التاريخ الطبيعي معرضا لاينشتاين ضم بعض مخطوطاته وأوراقه وحاجياته ورسائله الشخصية، وفي المعرض مخطوط لنظرية النسبية كتبه عام 1916 ورسالة إلى صديقه أرنولد سومرفيلد يصف فيها الجهد الكبير الذي بذله، والإرهاق الذي أحس به، وهو يحاول التوصل إلى نظرية النسبية، ويقول: “كانت تلك فترة من أكثر الفترات إرهاقا في حياتي، فقد كنت أتعرض خلالها لضغوط كثيرة أكاد أفقد معها رشدي”، كما يضم المتحف الرسالة التي كتبها اينشتاين للرئيس الأمريكي تيودور روزفلت يبلغه فيها أن الألمان يسعون إلى إنتاج القنبلة النووية، ورد روزفلت عليها.
ولكن ابرز ما في المعرض مجموعة رسائل شخصية لأينشتاين تكشف أن الإخلاص في الحياة الزوجية كان “نسبيا” بالنسبة له، فقد كان هذا العالم الكبير يرتبط بعلاقات عاطفية مع ما يزيد على عشر نساء، إضافة إلى علاقات عابرة أخرى، وفي رسالة كتبها إلى زوجته الثانية إلسا وابنتها (من زواج سابق) مارجوت، يقول أينشتاين إنه يتعرض لملاحقة إحدى سيدات المجتمع، ويسأل زوجته وابنتها: “ماذا أفعل؟” وفي رسالة أخرى كتب إلى مارجوت يناشدها لفت نظر صديقته مارجريتا بضرورة تجنبه في الحفلات العامة لكي لا تلفت نظر الفضوليين”
ومن النساء اللواتي ارتبط أينشتاين بعلاقات معهن: ستيلا، وإيثيل، وبيتي، وسيدتان تحمل كل منهما اسم توني، وسيدة رمز إليها باسم “السيدة ل” يعتقد أنها الثرية الإلمانية مارجريت لينباخ، وسيدة رمز إليها باسم “السيدة م” هي حتما الثرية الألمانية إيثيل ميخانوفيسكي التي تبعته إلى لندن عندما هاجر من المانيا، ثم تركته وعادت إلى برلين عندما حاول اينشتاين التقرب من إحدى صديقاتها. وقد ظلت هذه الرسائل مجهولة إلى أن كشف عنها متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي في المعرض الذي أقامه عن أينشتاين
لقد كان جورج برنارد شو يقول:كلما اقتربنا من الموهوبين، نكتشف أنهم مجرد أناس عاديين” وربما كان ذلك صحيحا بالنسبة للأمور التي لا تتعلق بموهبتهم.
القمريون
“القمريون: خمسة أصدقاء غيروا العالم”، كتاب صدر عن خمسة من أبرز العلماء في القرن الثامن عشر في أوروبا، من تأليف الباحثة جيني أوغلو. والأصدقاء الخمسة ينتمون إلى مدرسة علمية تحمل اسم “الجمعية القمرية” وهم يحملون لقب “القمريون” لأنهم كانوا يلتقون ليلا، عندما يكون القمر بدرا مكتمل الضياء يملأ نوره الآفاق، لا ليبثوا لواعج أشواقهم ويسألوا الليل وبدره ونجومه أن يجلب لهم من الحبيب كلمة، وإنما لمناقشة أبحاثهم العلمية وتبادل الرأي حول مختلف الأمور العلمية والثقافية، من الفلك إلى علم النبات إلى علم الحيوان. والأصدقاء الخمسة هم: ماثيو بولتون، وهو صناعي بارز وخبير في المعادن والمناجم، وجيمس واط العالم الذي اخترع الآلة البخارية، وإيراسموس داروين، جد تشارلز داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، وجوس ويدجوود الذي أدخل تطويرات كبيرة على الآلة بحيث جعلها عاملا أساسيا في الصناعة، وجوزيف بريستلي، مكتشف الأوكسجين. وكان الخمسة يلتقون في ضوء القمر لأن التنقل في الليالي المظلمة في أوروبا كان ينطوي على الكثير من المغامرة، حيث اللصوص وقطاع الطرق ينتشرون في كل مكان، يترصدون العابرين لسلبهم أموالهم وحاجياتهم، وكان هؤلاء يقتلون كل من يحاول مقاومتهم، ولعل هذا هو السبب الذي جعل تشارلز ديكنز يقول في إحدى قصصه “إن الحياة الاجتماعية في لندن محكومة بأوجه القمر، واللقاءات العائلية كانت تتم في الليالي التي يكون فيها القمر بدرا”.
ولقاءات أعضاء “الجمعية القمرية” كانت تبدأ بتناول العشاء، حيث تتجمع النساء في ساحة المنزل حول مواقد النار لشوي السمك واللحم والدجاج، وحولهن أطفالهن يمرحون ويلعبون، بينما الرجال ينظرون إليهم بسعادة، وبعد العشاء وتناول الفواكه تختفي النساء والأطفال، ويفرد العلماء الخمسة أدواتهم وآلاتهم وأوراقهم، فيشرح ويدجوود نتائج محاولاته لعزل الكوارتز ويقدم لأصدقائه نماذج من هذا المعدن، ويعرض جيمس واط رسوما لنموذج الآلة البخارية التي اخترعها، ويستمر النقاش حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم يعود كل واحد إلى منزله مع زوجته وأولاده، ليقضي ما تبقى من ليالي الشهر مع أبحاثه، وفي التفكير بأبحاث أصدقائه والنتائج التي توصلوا إليها.
ويذكر جوزيف بريستلي في مذكراته أنه عرض في أحد لقاءات “الجمعية القمرية” على زملائه نتائج أحد أبحاثه، والذي اثبت فيه أن الماء ليس عنصرا، كما يظن العلماء، وإنما هو مزيج من الهيدروجين والأوكسجين، ولم يدرك زملاؤه أهمية هذا الاكتشاف، إلى أن سمع به أنكوان لافوازييه عام 1783 فأعد بحثا مهما عنه. وتعلق جيني أوغلو على ذلك بالقول: “إن تطور هذا الاكتشاف العلمي الخاص بالماء شبيه بتدفق الماء نفسه، إنه يتجمع، ويسيل في قنوات عدة، وإذا صادفه حاجز فإنه يجرفه في طريقه”، والمعرفة الإنسانية تتجمع، وبفعل التراكم تتحول إلى قوة، ثم تتدفق في قنوات عدة، وإذا اعترضت الانماط التقليدية سبيلها فإنها تجرفها في طريقها، كما يجرف السيل السدود”.
وكم يبدو طريفا أن نتابع الآن الطريقة التي كان يعمل بها أولئك العباقرة الذين صنعوا النهضة الإنسانية ونقلوا البشر من عصور الظلام إلى النور، إلى عصر بات فيه “الاكتشاف المذهل” بأن الماء يتكون من الأوكسجين والهيدروجين معروفا حتى لدى طلاب المدارس الابتدائية في مدارسنا، وإلى عصر يسألك ابنك فيه، عندما تحدثه عن الآلة البخارية التي مهدت للصناعة الحديثة: “ما هي الآلة البخارية” لأن الآلات التي تعمل بالبخار تجاوزها الزمن بكثير.
أرنولد شوارزينجر
المنظمات الصهيونية لا تترك أي فرصة تمر لابتزاز السياسيين والكتاب والمشاهير في العالم إلا وتحاول استثمارها، هكذا فعلت مع كورت فالدهايم، الرئيس النمساوي السابق، وأمين عام الأمم المتحدة السابق، وهكذا فعلت أيضاً مع الكاتب الألماني جونثر جراس، عندما اتهمتهما بالتعاون مع النازية، وهي ترى في الممثل الأمريكي ارنولد شوارزينجر، حاكم كاليفورنيا شخصية سياسية واعدة ربما تصل إلى البيت الأبيض، خصوصا أن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان دخل البيت الأبيض من بوابة هوليوود وحاكمية كاليفورنيا، ولذلك فإنها ضمته إلى قائمة الابتزاز.
وشوارزينجر ممثل من أصل نمساوي، نجح في السينما، وتحول إلى العمل السياسي وفاز بمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا، وهو ينتمي إلى الحزب الجمهوري الذي أوصل بوش إلى الحكم، ولكن سياسة كبار الشخصيات في هذا الحزب مثيرة للجدل ولا تقابل بالارتياح من جانب الجمهور، وليس من المستبعد أن يلجأ الحزب لشخصية كاريزمية مثل شوارزينجر في معركة انتخابات الرئاسة المقبلة عام ،2008 ولذلك بدأت المنظمات الصهيونية منذ الآن بالبحث عن ماضي عائلة شوارزينجر، والتجاوزات التي ارتكبها والده أثناء الحرب عندما كان عضوا في الحزب النازي.
وشوارزينجر يعلم بماضي والده الذي كان مديرا للشرطة في إحدى القرى النمساوية أثناء الحرب، وقد انتقد في عدة مناسبات والده بسبب عضويته في الحزب النازي، ولكن الوثائق الجديدة التي تعتزم المنظمات اليهودية كشفها للجمهور لا تقتصر على عضوية الحزب فقط، وإنما تكشف أن والده كان عضوا في قوات العاصفة، أكثر القوات كفاءة وشجاعة في جهاز الأمن النازي، وكان أعضاؤها يعرفون باسم “ذوي القمصان البنية”. وقال المسؤولون في مركز سايمون فيزنثال الصهيوني إنهم سيدرسون المعلومات التي حصلوا عليها، ويقدمون تقريرا عنها لشوارزينجر، ثم يكشفونها للجمهور إذا اقتضى الأمر.
ولم يعلق شوارزينجر على ذلك، ولكن مستشاره الصحافي قال: “ليس من العدل أن نحمّل الابن مسؤولية أخطاء ارتكبها والده، خصوصاً أن شوارزينجر كان في السنة الثانية من العمر عندما انتهت الحرب”. فرد عليه زعماء المنظمات اليهودية والصهيونية بالقول: “إن التوراة تقول إن الأبناء يتحملون أخطاء الآباء حتى الجيل السادس”.
وكشفت البحوث التي أجراها مركز فيزنثال، ومقره لوس أنجلوس، أن جوستاف والد شوارزينجر، انضم إلى الحزب النازي عام ،1938 وحارب مع القوات الألمانية على الجبهة الروسية، ولكن المركز لم يجد أي جرائم عسكرية ترتبط باسمه، ومع ذلك فإن ابنه ارنولد حاول أن يشعر اللوبي “الإسرائيلي” في الولايات المتحدة بأنه يختلف عن والده، فتبرع بما يزيد على 750 ألف دولار للمركز، وسخر معظم وقت فراغه لدعمه.
وفي السنة الماضية، بدأت كاتبة أمريكية تدعى “ويندي لي” بإعداد كتاب عن قصة حياة أرنولد شوارزينجر، وسافرت إلى النمسا لتتبع نشأته، واطلعت على الوثائق التي أفرجت عنها الحكومة النمساوية بمناسبة مرور 30 سنة على وفاة والده جوستاف، فاكتشفت أنه كان عضوا في “العاصفة” التي أنشأها الحراس الشخصيون لهتلر. وتقول ويندي لي إن أرنولد شعر بالرعب عندما علم بهذا السر، وعندما توفي والده في النمسا عام 1972 لم يسافر للمشاركة في تشييع جنازته، ومع ذلك فإن المنظمات الصهيونية أعادت فتح هذا الملف واتخذته وسيلة لابتزازه.
والمنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة لا تترك شيئا للظروف، ولذلك فإنها تعد ملفا كاملا عن كل سياسي يبرز إلى دائرة الضوء لاستخدامه في ابتزازه، ولكن.. هل إثارة قضية شوارزينجر في هذا الوقت بالذات سببها أن المنظمات الصهيونية تشعر بأنها ابتزت الجمهوريين خلال فترة حكم إدارة بوش إلى الحد الأقصى، ولم يعد هنالك من زيادة لمستزيد؟ هذا ما ستكشفه الأيام.
see ya