عـودة للخلف   منتديات البدو > المنتديات العامه > منتدى التعليم والجامعات


ابحاث اجتماعية

السلام عليكم حبيت اضع بين ايدكم بعض من الابحاث الاجتماعية لبعض المتخصصين العرب اولا الدكتور سـامـر جميـل رضـــوان قسم الصحة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
 
                 
                 
               
 

الافتراضي ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 08:20 مساءً

 



السلام عليكم
حبيت اضع بين ايدكم بعض من الابحاث الاجتماعية لبعض المتخصصين العرب

اولا

الدكتور سـامـر جميـل رضـــوان

قسم الصحة النفسية

كلـيـــة التربــيــة

جامعـــــة دمشــق


توقعـات الكـفاءة الذاتـيّـة
" البناء النظري والقياس"
مـقدمة
تعتبر توقعات الكفاءة الذاتية من البناءات النظرية التي تقوم على نظرية التعلم الاجتماعي المعرفي لباندورا والتي باتت تحظى في السنوات الأخيرة بأهمية متزايدة في مجال علم نفس الصحة Health Psychology لإسهامها كعامل وسيط في تعديل السلوك. وقد عزا باندورا ( Bandura, 1977 ) أيضا الكفاءة الذاتية Self-efficacy أهمية مركزية وقصد بها معرفيات (استعرافات)

قائمة حول الذات تحتوي على توقعات ذاتية حول قدرة الشخص في التغلب على مواقف ومهمات مختلفة بصورة ناجحة أمّـا شفارتسر ( Schwarzer, 1994) فينظر لتوقعات الكفاءة الذاتية أيضا أنها عبارة عن بعد ثابت من أبعاد الشخصية، تتمثل في قناعات ذاتية في القدرة على التغلب على المتطلبات والمشكلات الصعبة التي تواجه الفرد من خلال التصرفات الذاتية. و ينسب كلا الباحثين أيضا توقعات الكفاءة الذاتية وظيفة مـوجِهة للسلوك تقوم على التحضير أو الإعداد للتصرف وضبطه والتخطيط الواقعي له.

ويرتبط التصنيف النظري لتوقعات الكفاءة الذاتية بنظرية الـعزو Attribution-theory بصورة وثيقة & Foerterling , 1993; Weiner, 1975 Meyer؛ الخطيب، 1990؛ ويجنر و فالتشر، 1988). من ناحية أخرى تعتبر توقعات الكفاءة الذاتية ذات أهمية بالنسبة للسيرورات الدافعية ولطور الإرادة في تصرف ما( شفارتسر, 1996Schwarzer, 1995 ; ) ففي طور الدافع تقوم توقعات الكفاءة الذاتية بتوجيه اختيار المتطلبات والقرارات فيما يتعلق باستراتيجيات التغلب وفي طور الإرادة تؤثر توقعات الكفاءة الذاتية على الجهود المبذولة ومدى الاستهلاك المادي والمعنوي الذي سيبذله الفرد ومدى التحمل عند التغلب على مشكلة ما.

وتشير نتائج الدراسات المجراة على توقعات الكفاءة الذاتية أيضا أهمية هذا البناء فيما يتعلق بالمسائل النفسية الصحية كاستهلاك السجائر واللياقة البدنية والتغذية الصحية والوزن الزائد والسلوك الجنسي الخطر وكذلك فيما يتعلق بالتنبؤ بنجاح العلاج النفسي وفي تفسير الإقدام على السلوك الصحي والمحافظة عليه( عبد الخالق,1991؛ شلبي،1991؛ جابر،1986؛Lawrance,1985; Bandura, 1977 Schwarzer, 1993 a, b; Schwarzer and Fuchs,1996.

وتنبع أهمية توقعات الكفاءة الذاتية بالنسبة للممارسة التربوية والعيادية النفسية والنفسية الصحية ، لأنها تؤثر على الكيفية التي يشعر ويفكر بها الناس، فهي ترتبط على المستوى الانفعالي بصورة سلبية مع مشاعر القلق والاكتئاب والقيمة الذاتية المنخفضة وعلى المستوى المعرفي ترتبط مع الميول التشاؤمية ومع التقليل من قيمة الذات( Schwarzer, 1990a, 1994) .



تقوم توقعات الكفاءة الذاتية على " فرضيات الفرد حول إمكانات تحقيق خيارات سلوكية معينة " (Krampen,1987:35) . وبالتالي فهي تتمثل في الإدراك والتقدير الفرديين لحجم القدرات الذاتية من أجل التمكن من تنفيذ سلوك معين بصورة ناجحة (Bandura, 1979) . وتؤثر هذه الكفاءة التي يقدِرها الفرد نفسه على نوع التصرف المنجز وعلى الاستهلاك والتحمل عند تنفيذ هذا السلوك.

وتنجم فرضيات الفرد حول كفاءاته الذاتية عن خبرات التعلم وملاحظة الذات( جابر, 1986؛ شلبي, 1991 ). ويرى لوهاوس(1993 Lohaus, أن فرضيات الكفاءة الذاتية تقوم فيما يتعلق بالمسائل الصحية على القناعة بقدرة الشخص على القيام بسلوك صحي حيث يتحدد في الوقت نفسه نوع ومقدار ومدة القيام بهذا السلوك. ومن ثم فإن فرضيات توقعات الكفاءة الذاتية تعد كاشفا لمقدار الإدراك الذاتي الراهن للكفاءة الذاتية، ويمكنها في الوقت نفسه، أن تكون كاشفا ممكنا للقيام بسلوك صحي ما. و يمكن استنتاج أهمية امتلاك هذه المتغيرة بالنسبة لإجراءات التأثير الوقائية و لإجراءات تقويم مدى نجاح هذه الإجراءات. والفرضية الكامنة خلف ذلك تتمثل في أنه عندما يتوقع المرء امتلاكه للكفاءة اللازمة فسوف يرتفع احتمال قيامه بسلوك معين( Lohaus, 1993 ) .وعادة ما يتم التفريق بين توقعات الكفاءة الذاتية المرتبطة بعلاقة وثيقة مع التصرفات الصحية بصورة خاصة وبين توقعات النتيجة outcome expectancies التي يعبر عنها عادة من خلال مصطلح قناعات الضبط أيضا. وقناعات الضبط تقوم على التوقعات العامة للشخص حول المقدار الذي يعتبر فيه تصرفاته الذاتية مسؤولة عن حدوث حدث ما. وقد انبثق البناء " قناعات الضبط" كمفهوم مستقل عن نظرية التعلم الاجتماعي لروتر(Rotter,1966) وقام كرامبين(Krampen, 1989) بدمجه في نموذج القيمة - التوقع، حيث تشكل قناعات الضبط ( توقعات النتيجة) في هذا النموذج مقطعا من خط تصرف مركب وتمثل داخل سلسلة الحدث المتمثل في " الموقف - السلوك - النتيجة - العواقب " الحلقة الرابطة بين السلوك وعواقبه . فموضوع قناعات الضبط هو تعلق النتيجة أو العاقبة بالسلوك في حين أن موضوع توقعات الكفاءة هو تعلق السلوك بالشخص (Schwarzer , 1993 a )

وتستخدم المراجع المتخصصة مفاهيم " توقعات الكفاءةCompetency expectancies” و " تقدير توقعات الكفاءة" Self efficacy assessment و " توقعات الكفاءة الذاتية " Self efficacy expectancies الذي يعود أيضا نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا ( Bandura, 1977) في السياق نفسه ( شفارتسر ،1994( Krampen, 1989; .

الخلفية النظرية لتوقعات الكفاءة الذاتية وتحديد المفاهيم
يشكل كل من الأهداف أو المخططات ومفهوم الذات إحدى التصورات المهمة ضمن نظرية التعلم الاجتماعي. ويحاول تصور الأهداف تفسير أنماط السلوك التي تستمر لفترة طويلة على الرغم من عدم وجود مبررات خارجية لهذا الاستمرار. ويشتمل هذا التصور على تنظيم لسيرورات الشخصية أيضا، أي أن أهدافنا أو مخططاتنا تساعدنا على وضع الأولويات وعلى الاختيار بين السلوكات التي تبدو في العادة على الدرجة نفسها من الأهمية ( Pervin, 1987 ) .

وتعتبر الإدراكات الذاتية وآليات التنظيم الذاتي ذات أهمية من أجل فهم الآليات التي تجري بين المثيرات البيئية والسلوك الناجم عن ذلك . ففي مجرى النمو الفردي يقوم الفرد باستخدام سيرورات الضبط الذاتي Self-control وسيرورات التنظيم الذاتيSelf-organization . ويرى ميشيل (Mischel, 1977) أن مفهوم الذات هذا أو التصور حول الذات لا يشتمل على " جزء إضافي داخل الشخص يسبب، بصورة ما، سلوكاً معيناً ويوجد بصورة مستقلة عن العضوية التي يستقر بها "( عن Pervin,1987: 436) فالذات تقوم هنا على سيرورات هي بالأصل جزء من الوظائف النفسية ومن ثم فان الشخص لا يمتلك بنية يمكن تسميتها (( الـذات ))، وإنما هناك معرفيات تقوم على الذات. وإدراك الذات وضبط الذات عبارة عن متغيرتين تتحولان مع الزمن والمواقف (Bandura, 1986, 1988, 1992a) .

ويهتم باندورا بمظهر خاص من الإدراك الذاتي بشكل خاص يتمثل في فاعلية السلوك الذاتي أو في تصور الكفاءة الذاتية(Bandura, 1977) ، الذي يشكل المكون الرئيسي في منظومة مفهوم الذات ( شلبي ، 1991) حيث أثبتت دراسات تجريبية وعيا دية أهمية هذا البناء بالنسبة للخبرة والسلوك الإنساني . والمقصود بالكفاءة الذاتية أو توقعات الكفاءة الذاتية " توقع الفرد بأنه قادر على أداء السلوك الذي يحقق نتائج مرغوب فيها في أي موقف معين " ( جابر، 1986: 442)، وهذا يعني انه عندما تواجه الفرد مشكلة ما أو موقف يتطلب الحل فإن الفرد، قبل أن يقوم بسلوك ما ، يعزو لنفسه القدرة على القيام بهذا السلوك ، وهذا ما يشكل الشق الأول من الكفاءة الذاتية ، في حين يشكل إدراك هذه القدرة الشق الثاني من الكفاءة الذاتية، أي على الفرد أن يكون مقتنعاً على أساس من المعرفة والقدرة …الخ بأنه يمتلك بالفعل الكفاءة اللازمة للقيام بسلوك ما بصورة ناجحة ( Schwarzer, 1990a,b, 1993a) وقناعة الفرد بإمكانية التأثير على نفسه والبيئة المحيطة تجعل مواجهة متطلبات الحياة أكثر سـهولة ( Bandura, 1986)

" فكلما ازداد اعتقاد الإنسان بامتلاكه إمكانات سلوك توافقية من أجل التمكن من حل مشكلة ما بصورة عملية، كان أكثر اندفاعا لتحويل هذه القناعات أيضا سلوك فاعل "( Schwarzer, 1994:105 ).

و تؤثر توقعات الكفاءة الذاتية على ثلاثة مستويات من السلوك ، هي: أولاً :اختيار الموقف، ثانيا :الجهد الذي يبذله الفرد وثالثا: المثابرة في السعي للتغلب على الموقف:

المستوى الأول: يمكن للمواقف التي يمر بها الفرد أن تكون مواقف اختيارية أو لاتكون كذلك. فإذا ما كان الموقف واقعاً ضمن إمكانات حرية الفرد في الاختيار فإن اختياره للموقف يتعلق بدرجة كفاءته الذاتية ، أي أنه سيختار المواقف التي يستطيع فيها السيطرة على مشكلاتها ومتطلباتها ويتجنب المواقف التي تحمل له الصعوبات في طياتها . فطالب الصف العاشر من المرحلة الثانوية الذي عليه الاختيار بين الفرع العلمي أو الأدبي في الصف الحادي عشر يختار الفرع الذي يتوقع فيه لنفسه تحقيق النجاح- بمقدار ما تتوفر له حرية الاختيار- بعد أن جرّب في السنوات السابقة قدراته في المواد العلمية والأدبية المختلفة وتعرّف على نقاط ضعفه وقوته . وهذا ما يسميه شفارتسر( Schwarzer, 1992a) بالدافعية التي تقوم على اختيار المواقف وتفضيل نشاطات معينة وتشكيل نية سلوك واختيار أسلوب السلوك .

المستوى الثاني والثالث : تحدد درجة الكفاءة الذاتية شدة المساعي والمثابرة المبذولة في أثناء حل مشكلة ما . فالشخص الذي يشعر بدرجة عالية من الكفاءة الذاتية سوف يبذل من الجهد والمثابرة أكثر من ذلك الذي يشعر بدرجة أقل من الكفاءة الذاتية . فالتقدير المسبق المرتفع للكفاءة الذاتية سيعطي الفرد الثقة بأن، مساعيه سوف تقود ه أيضا النجاح بغض، النظر عن صعوبتها ، في حين أن التقدير المنخفض للكفاءة الذاتية سيدفع الفرد أيضا بذل القليل من الجهد والمثابرة . وهذا ما يطلق عليه شفارتسر تسمية الإرادة التي تقوم على تحويل نية سلوك ما أيضا سلوك فعلي ، وعلى المحافظة على استمرارية هذا السلوك أمام العقبات التي تواجهه.

وتشكل كل من الخبرات المباشرة ( نجاح المرء في التغلب على مشكلة ما وإدراكه وتفسيره للعلاقة بين جهوده والنتائج) وغيـر المباشـرة ( التعلم بالملاحظة أو وفق النموذج) والخبرات الرمزية ( الإقناع الخارجي للشخص بقدرته على القيام بسلوك معين ) والخبرات الانفعالية أو الإرجاع الانفعالي ( التبدلات الجسدية المدركة ذات الصبغة القلقية وتفسيرها نتيجة للنقص في الكفاءة الذاتية) تشكل مصادر توقعات الكفاءة الذاتية( جابر، 1986؛ Bandura, 1977,1986,1992a) . ويرى شفارتسر أن الأمر لا يتعلق هنا " بقدرة واقعية في التلاؤم مع الإرهاقات وإنما يتعلق الأمر بما يعتقده الشخص حول الكيفية التي يتعامل بها مع المتطلبات المدركة . فتوقع الكفاءة يقوم على الامتلاك الذاتي لكفاءات التغلب بدون أن يتطابق ذلك مع موارد السلوك الموضوعية بالضرورة " (Schwarzer, 1992a:18) . وبالتالي فان حقيقة التغلب الناجح على الموقف الحرج بنجاح لا تعني أن التغلب الناجح يؤكد أو يعزز توقعات الكفاءة بل الأمر مرهون في النهاية بالكيفية التي يتم فيها تفسير هذه النتائج، بكلمات أخرى بالأسباب التي تعزى لنتائج هذا السلوك . ثم إن الإخفاق بحد ذاته لا يقود أيضا تخفيض توقعات الكفاءة و إنما عـزو الشخص أسباب الإخفاق إلى قدراته غير الكافية بدلاً من عزوها إلى أسباب خارجية . وتلعب العلاقة بين القدرة المخمنة والجهد المبذول دوراً جوهرياً في رفع أو خفض مقدار توقعات الكفاءة الذاتية. فتحقيق النجاح بمقدار ضئيل من الجهد يعزز الميل نحو عزو النجاح للقدرة الذاتية وبالتالي أيضا رفع الكفاءة الذاتية . كما وأن تقدير مدى صعوبة مشكلة ما يؤثر على عزو الأسباب وعلى توقعات الكفاءة الذاتية. فحل المشكلات البسيطة لا يقدم معلومات جديدة لتعديل الكفاءة الذاتية، أمّا التغلب على المهمات التي تثير التحدي بالمقابل فهو يعطي الشعور بتوسيع الكفاءة ، في حين تشكل المهمات المتوسطة الشدة مصدراً جيداً من المعلومات حول الكفاءة الذاتية. إلاّ أن تأثير هذه المعلومات لايتم بصورة مباشرة، وإنما من خلال السيرورات المعرفيّـة (Bandura, 1988; Jerusalem, 1990) .

ويتم التفريق في المراجع المتخصصة بين الكفاءة الذاتية العامة والكفاءة الذاتية الموقفية أو الخاصة (Bandura, 1986, 1988; Jerusalem, 1990 ; Schwarzer, 1990b, 1992a,b,c, 1993a, 1993b ; Schwarzer & Jerusalem,1989)، على الرغم من أن باندورا لم يقم بالتفريق بين توقعات الكفاءة الذاتية العامة والخاصة عندما قدّم البناء للمرة الأولى و وإنما قام بالتعيير الإجرائي لتوقعات الكفاءة الذاتية الخاصة مستخدما لوصف كلا الشكلين من توقعات الكفاءة الذاتية مصطلح ((الكفاءة الذاتية المدركة)) Perceived self-efficacy “ . والفرضية الكامنة وراء ذلك تتمثل في أنه في مجرى الحياة تكتسب قناعات الضبط الذاتية صفة سمات الشخصية ، حيث تتغاير مرونتها وثباتها بصورة مختلفة في مواقف المتطلبات المختلفة.غير أن وجود أشخاص يحملون كفاءة خاصة بالنسبة لمجموعة كبيرة من القضايا دفعت أيضا افتراض إمكانية جمع عدد كبير من هذه الكفاءات الخاصة في بناء عام وثابت ( Schwarzer, 1994). وتشتمل توقعات الكفاءة الذاتية العامة على المواقف العامة التي يمكن لكل شخص أن يمر بها، في حين تشتمل توقعات الكفاءة الذاتية الخاصة على مجالات خاصة من المشكلات التي يمكن أن تواجه أشخاصا محددين أو مجموعات خاصة كالمدخنين وذوي الوزن الزائد …الخ .

و يميز شفارتسر (Schwarzer, 1993a; 1994) بين " توقعات الكفاءة الذاتية " و "التفاؤلية" ويرى أن باندورا قد استخدم مصطلح " القناعات الذاتية التفاؤلية optimistic self beliefs “ " عوضا عن " الكفاءة الذاتية المدركة " ، ويرى أن هذا البناء الذي اقترحه باندورا في عام 1977 لتوقعات الكفاءة يعبر عن " تفاؤلية وظيفية تحتل فيها الموارد الإيجابية مركز الاهتمام " ( (Schwarzer, 1994 :109 وتشكل جزءا ضروريا من توقعات الكفاءة . وهو يختلف عن " التفاؤلية " Dispositional Optimism النزوعية التي تقوم عليها توقعات النتائج العامة لشاير وكارفير ( Scheier & Carver, 1985`) التي تعرضت لانتقادات متعددة (Schwarzer, 1993a) فالاعتقاد بأن، أمور الحياة ستسير بصورة جيدة من تلقاء نفسها عبارة عن توقعات عامة تختلف عن الثقة بالإمكانات الذاتية وبقدرة المرء على القيام بسلوك معين . ويقترح شفارتسر (Schwarzer, 1994) مفهوماً دقيقاً يرى نفسه بأنه معقد وغير عملي يتمثل في " توقعات الكفاءة الذاتية التفاؤلية المعممة النزوعية" للفصل بين توقعات الكفاءة الذاتية والتفاؤلية النزوعية عند شرير وكارفير.



قياس توقعات الكفاءة الذاتية
يرى باندورا (Bandura,1977) أنه يمكن قياس توقعات الكفاءة المدركة ذاتياً وفق ثلاث سمات هي : 1- مستواها 2 - عموميتها 3- ثباتها.

ويتعلق المستوى بتعقد وصعوبة المشكلة ، فالإنسان يستطيع أن يجمع خبرة كفاءته الذاتية تجاه المشكلات البسيطة والشديدة ، بينما تقوم سمة العمومية على شيوع المواقف ، أي يمكن لتوقعات الكفاءة أن تكون خاصة أو يمكن تعميمها على مجموعة كاملة من المواقف . ويقصد بسمة القوة الثبات حتى عند وجود خبرات متناقضة، فتوقعات الكفاءة الذاتية القوية تظل أكثر قدرة على المقاومة على الرغم من وجود مجموعة من الخبرات المتناقضة ، في حين أن التوقعات الضعيفة يمكن أن تنطفىْ بسهولة من خلال القدرات المتناقضة . وقد استخدم باندورا ( Bandura, 1977) هذه الوجوه في سياق العلاج السلوكي من أجل ضبطها إجرائيا (( Jerusalem, 1990; Schwarzer, 1992a, 1993a . وتشكل دراساته على مرضى برهاب الأفاعي مثالاً جيداً حول ذلك . فقد سئل المرضى، على سبيل المثال، فيما إذا كان باستطاعتهم في الجلسة العلاجية اللاحقة ملامسة أفعى محددة ( المستوى) وفيما إذا كان باستطاعتهم كذلك لمس أفاعي أخرى ( درجة العمومية) وأيضا أي درجة هم واثقون منى ذلك ( الثبات).



دراسات تجريبية حول الأهمية السلوكية لتوقعات الكفاءة الذاتية

يحظى مفهوم الذات أو المعرفيات المتمركزة حول الذات بأهمية مضطردة باعتباره عامل تأثير مهم على النواحي الانفعالية والسلوكية وعلى للسلوك الصحي بصورة خاصة ( شلبي ، 1991؛ تاوش، 1995 ؛ Scwarzer, 1994 ؛

Bandura, 1986 ). وتشير نتائج الدراسات التي أجريت على" توقعات الكفاءة الذاتية " أيضا صلاحية هذا البناء في تعديل السلوك والتنبؤ به في مجالات مختلفة كالإنجاز المدرسي والترقي المهني والاضطرابات الانفعالية والصحة النفسية والجسدية (جابر1986(Schwarzer,1993a, 1994; Jerusalem & Schwarzer1989; . فاكتساب الإتجاهات التفاؤلية نحو القدرات والإمكانات الذاتية يقود أيضا إلى مضاعفة الجهود وازدياد القدرة على التحمل وبالتالي أيضاإلى رفع نتائج الإنجاز وعدم الاستسلام واليأس. وفي دراستين لباندورا وادامز في عام 1977 و باندورا في عام 1978على مرضى يعانون من رهاب الأفاعي وجد معامل ترابط مرتفع بين انخفاض القلق وارتفاع توقعات الكفاءة الذاتية مقداره (0.77) وحصل على النتائج نفسها باندورا وآخرون على مرضى يعانون من رهاب الأماكن العامة ، إذ بلغ معامل الترابط بين توقعات الكفاءة الذاتية والتغلب على الموقف(0.70) ( Bandura, 1988).

وأظهرت مجموعة من الدراسات وجود علاقة بين الإجهاد واستراتيجيات التغلب على الإجهاد أو المشقة وتوقعات الكفاءة، حيث تعتبر توقعات الكفاءة جزء من موارد التغلب التي يمتلكها شخص ما. كما وان التقدير المعرفي للإجهاد أو المشقة يرتبط بموارد التغلب هذه. و أمكن إثبات أنه كلما كانت توقعات الكفاءة الذاتية أعلى كانت ارتكاسات الإجهاد أو المشقة اضعف ( Schwarzer & Jerusalem, 1989; Jerusalem, 1990).

و استنتج باندورا أن تنمية توقعات الكفاءة الذاتية تقود أيضا إلى رفع قوى المناعة وأيضا إلى تحسين استراتيجيات التغلب . فبناء القناعات التفاؤلية يمكن أن يعوض الضعف الحاصل في جهاز المناعة الناجم عن الإجهاد(Bandura, 1992). وتشير نتائج مينينغ ورايت ( Manning & Writ, 1983) إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون توقع كفاءة مرتفع يستطيعون تحمل مقدار أعلى من الألم وبالتالي يحتاجون أيضا إلى كميات أقل من الأدوية المسكنة للألم من أولئك الذين يمتلكون توقع كفاءة منخفض. وتشكل الدراسات المتعلقة بالتغلب على الألم قبل الولادة مثالاً حول ذلك، حيث بلغ الترابط بين تحمل الألم وتوقع الكفاءة(0.42 ) ( مقتبس عن شفارتسر، 1994).

وإلى جانب الأمثلة المذكورة أعلاه هناك مجموعة من الأمثلة الأخرى حول توقعات الكفاءة وتعديل السلوك في مجالات مثل النشاطات الرياضية والسلوك الجنسي والعدوى وضبط الوزن والاكتئاب والتغذية الصحية والتوقف عن التدخين واستخدام الوا قي لدى الذكر في الممارسة الجنسية الصحية; Schwarzer & Leppin,1990; Schwarzer , 1994) شفارتسر، 1994) التي تبرهن فاعلية توقعات الكفاءة الذاتية في السلوك الصحي، الأمر الذي قاد تصور توقعات الكفاءة الذاتية ليصبح نموذجاً أساسيا في إطار علم نفس الصحة Health Psychology إلى جانب النماذج الأخرى التي تسعى إلى تفسير السلوك الصحي والسلوك الخطر عند الناس كنموذج القناعات الصحية Health-Belief-Model ونظرية السلوك المخطط ونظرية دوافع الحماية ونظرية الإرادة( Reschke, 1993; Schwarzer, 1990a,1990b, 1992a, 1992b, 1992 c) .



القياس التشخيصي لتوقعات الكفاءة الذاتية

تشير المراجع المتخصصة حول القياس التشخيصي لتوقعات الكفاءة الذاتية إلى وجود صعوبة في التفسير الواضح لهذا البناء من ناحية القياس النفسي له. وتنبع هذه الصعوبة من كون الأمر يتعلق بقناعات فردية ذاتية وليس هناك من وسيلة ملائمة لذلك سوى الاستبانة (Schwarzer, 1992a, 1993a, 1993b). ومنذ عام 1981 يعمل شفارتسر ومجموعته في جامعة برلين الحرة في ألمانيا على تطوير أداة تشخيصية لقياس الكفاءة الذاتية لتتلاءم مع مجموعة كبيرة من المواقف على عكس باندورا الذي قصر هذا البناء على مواقف خاصة فقط. وقد اشتملت هذه الأداة على توقعات الكفاءة الذاتية العامة والنزوعية dispositional ، بالإضافة إلى ذلك فقد طور شفارتسر وزملاؤه ستة سلالم خاصة لقياس الكفاءة الذاتية تجاه التغذية الصحية وإغراء التدخين وسلوك الوقاية من السرطان ومساعدة الآخرين.

ويشير شفارتسر و جيروزيليم (Schwarzer & Jerusalem, 1989)إلى أن سلم توقعات الكفاءة الذاتية العامة يقيس قناعات إمكانات الضبط الذاتي أو توقعات الكفاءة في مواقف المتطلبات الاجتماعية ومواقف الإنجاز ، بتعبير آخر يقيس السلم مسألة التقدير الذاتي الذي يقوم به شخص ما حول رؤيته لنفسه قادرً على التغلب على عدد كبير من مشكلات الحياة.

احتوى السلم المطوّر في عام 1981 على 20 بنداً تم تخفيضها في عام 1986 إلى عشرة بنود فقط وسمي " توقعات الكفاءة الذاتية العامة " وعلى الرغم من أن صيغة العشرة بنود تعتبر اقتصادية ، إلا أنه أفقد الاستبانة جزءا من ثباتها وموثوقيتها كما يرى معدا الاستبانة ( Jerusalem & Schwarzer, 1986).

وقد ترجمت هذه الصيغة المختصرة إلى أكثر من 15 لغة كالإنجليزية والفرنسية والهنجارية والتركية والتشيكية والسلوفاكية والعبرية والصينية واليابانية والكورية . وموثوقيتها عالية ، إذ يتراوح معامل الارتباط ألفا (Alpha = 0.74 - 0.93) في قياس الثبات ( Schwarzer, 1990b, 1992a,1993a, 1993b, Jerusalem, 1990).

ويترابط السلم مع متغيرات عديدة ترابطات إيجابية وسلبية ، فمعامل الترابط مع الانبساط (0.49) والانطواء ( _ 0. 64) والعصابية (_ 0. 42) والأمل بالنجاح (0.46) والخوف من الفشل ( _ 0.54) ومع مشاعر القيمة الذاتية ( 0.52) والقلق العام ( _ 0.54) ومع قلق الإنجاز ( _ 0.42) ومع الخجل (_ 0.58) والفضول (0.44) وقناعات الضبط الداخلية ( 0.4O) . وتشير موثوقية القياس عند إعادة تطبيقه إلى معامل مختلف وفق الجنس ، فقد بلغ (0.47) لدى الرجال

و (0.63) عند النساء ( Schwarzer, 1994) وهذا يدل على تباين واضح وفق الجنس إلاّ أن دراسة لشرودر

( Schroeder, 1992) تشير إلى عدم وجود فروق بين الذكور والإناث فيما يتعلق بتوقعات الكفاءة الذاتية العامة. إذ بلغ متوسط الذكور (28.46) ومتوسط الإناث (29,13) .

وينصح معدا الاستبانة باستخدامها لدراسة متغيرات تتعلق بتوقعات الكفاءة الذاتية العامة في مجالات البحث المختلفة لأنها تتسم بصفات العمومية والتفسير والتنبؤ بأنماط السلوك والخبرة الممكنة مثل سلوك التعلم والإنجاز المدرسي و سلوك العمل والإنجاز المهني و السلوك الصحي واللياقة البدنية والصحة النفسية( Jerusalem & Schwarzer, 1986).



الدراسة العربية لتوقع الكفاءة الذاتية العامة

أهداف الدراسة وأهميتها

تهدف هذه الدراسة إلى:

n إعداد استبانة لقياس توقعات الكفاءة الذاتية العامة في اللغة العربية

n اختبار صدق وموثوقية هذه الاستبانة على عينة عربية كخطوة أولى

n استخراج معايير خاصة بمجتمع الدراسة بغية استخدامها كأداة تشخيصية موثوقة

n إجراء مقارنة عير ثقافات مختلفة للنتائج ووفق متغير الجنس.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها الدراسة الأولى حول هذا البناء في اللغة العربية وفي إطار علم نفس الصحة بالتحديد Health Psychology ، هذا الفرع الحديث إلى حد ما من فروع علم النفس، الأمر الذي يتيح إمكان إجراء مقارنات عبر ثقافات متعددة لأن الاستبانة معيرة على مجموعة كبيرة من المجتمعات المختلفة . وستقود هذه الخطوة فيما بعد إلى إجراء دراسات أشمل لتوقعات الكفاءة الذاتية العامة والخاصة وفق متغيرات أخرى مثل العمر وذوي الحاجات الخاصة والذين يحملون خطرا خاصا كالمدخنين ومدمني المخدرات والمرضى بأمراض جسدية مختلفة.



أسئلة البحث

تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية :

n هل تمتلك استبانة توقع الكفاءة الذاتية العامة في صيغتها المعربة درجة كافية من معايير الصدق الإحصائي والموثوقية تجعلها قابلة للاستخدام في دراسات نفسية عربية مختلفة ؟

n هل توجد فروق بين الجنسين في توقعات الكفاءة الذاتية العامة تجعل من الضروري وضع معايير مختلفة فيما يتعلق بالجنسين ؟



فرضيات البحث

في ضوء أسئلة البحث والإطار النظري يمكن صياغة الفروض التالية :

n تحقق استبانة الكفاءة الذاتية العامة لجيروزيليم شفارتسر في صيغتها المعربة الشروط القياسية ( السيكوميترية) للاختبارات النفسية الصادقة مما يجعل الاستبانة صالحة للاستخدام في البيئة العربية .

n لا توجد فروق بين الجنسين فيما يتعلق بتوقعات الكفاءة الذاتية العامة وفق الاستبانة .



المنهج والإجراءات

العينة الأساسية : تكونت عينة الدراسة الأساسية [بلا1] من (530) مفحوصا اختيروا بطريقة الصدفة ( الشربيني، 1990) بواقع (222) ذكراً بمتوسط أعمار مقداره ( 28,8) وانحراف معياري مقداره (6,48) و ( 308) أنثى بمتوسط أعمار 26, 6)) وانحراف معياري مقداره ( 5,87) .

وهم طلاب جامعيين من كليات مختلفة من جامعة دمشق(70%) خلال الأعوام 1995-1996 في حين تألفت النسبة الباقية (30%) من بعض أعضاء هيئة التدريس في كلية التربية بجامعة دمشق وموظفين في بعض الدوائر الحكومية وأهالي الطلاب الذين تطوعوا للإجابة عن بنود الاستبانة.

العينات الفرعية: تم اختيار مجموعتين فرعيتين من المجموعة الأساسية كانوا جميعهم طلاب الدراسات العليا في كلية التربية بجامعة دمشق والطلاب المداومين في زمرتين من زمر حلقات البحث في السنة الرابعة الإجازة في علم النفس، و بلغ عدد أفراد المجموعة الأولى ( 37) شخص (17 ذكر و20 )أنثى طبقت عليها الاستبانة في فترتين زمنيتين مختلفتين وبلغ عدد أفراد المجموعة الثانية (109) بواقع ( 14 ذكر و 68 أنثى) طبق عليها اختبار بيرنروتر للشخصية بالإضافة إلى استبانة توقع الكفاءة الذاتية العامة.





أدوات الدراسة : استخدم في هذه الدراسة :

1- استبانة توقع الكفاءة الذاتية العامة لجيروزيليم و شفارتسر ( Jerusalem and Schwarzer, 1986) في صيغتها المعربة

2- اختبار بيرنروتر للشخصية المعير على البيئة السورية ( عــز ، 1990) .

1- الأداة الأولى :

n استبانة توقع الكفاءة الذاتية العامة

قام الباحث يأخذ موافقة مطوري الاستبانة على إعداد نسخة باللغة العربية منها واختبارها على عينة سورية بعد ذلك قام الباحث بترجمة البنود العشرة التي تتضمنها الاستبانة عن اللغة الألمانية إلى اللغة العربية ،وترجمت الصيغة الإنجليزية من الاستبانة نفسها من قبل متخصص في اللغة الإنجليزية بهدف إجراء مقارنة بين ترجمتين من لغتين مختلفتين واستيضاح مدى دقة الترجمة واستيفائها للمعنى، حيث تم بنتيجة ذلك إجراء بعض التعديلات الطفيفة في بعض العبارات أو الكلمات. بعد ذلك عرضت الاستبانة على مجموعة من المتخصصين وغير المتخصصين الذين ابدوا رأيهم من حيث الصياغة وفهم المعنى وإمكانية التطبيق . ولم تجر بنتيجة ذلك تعديلات جوهرية تذكر حيث أجمعت الآراء على صلاحية الاستبانة ( صدق المحتوى)، ويقترح مؤلفا الاستبانة عدم الترجمة الحرفية لبنود الاستبانة إلى البيئات الأخرى ،وإلى عدم الاقتصار على المعنى السطحي له، وإنما أخذ الاعتبارات النفسية للثقافات المختلفة بعين الاعتبار وإعطاء المعنى الجوهري المتناسب مع كل ثقافة على حده (Schwarzer, 1994).

n وصف الاستبانة: تتألف الاستبانة في صيغتها الأصلية من عشرة بنود يطلب فيها من المفحوص اختيار إمكانية الإجابة وفق متدّرج يبدأ من (لا ، نادرا ، غالبا ، دائما ) ( انظر الملحق) . ويتراوح المجموع العام للدرجات بين 10 و 40، حيث تشير الدرجة المنخفضة إلى انخفاض توقعات الكفاءة الذاتية العامة والدرجة العالية إلى ارتفاع في توقعات الكفاءة الذاتية العامة.تتراوح مدة التطبيق بين ( 3- 7 ) دقائق ويمكن إجراء التطبيق بصورة فردية أو جمعية .

n ثبات الاستبانة :لبيان مدى ثبات الاستبانة تم تطبيق الاستبانة في فترتين مختلفتين يفصل بينهما (6) أسابيع

على عينة مكونة من (37) مفحوص بواقع (20) أنثى و(17) ذكرا .و أسفر حساب معامل الارتباط بين درجات التطبيقين عن معامل ثبات مقداره (0.71).

n صدق الاستبانة:تم حساب صدق المقياس بطريقتين:1- طريقة الاتساق الداخلي، 2- طريقة الصدق الخارجي بحساب درجة الارتباط بين بيانات الاستبانه ومحك خارجي هو اختبار بيرنروتر للشخصية.





2- الأداة الثانية:

n اختبار بيرنروتر للشخصية :

أعدت هذا الاختبار إيمان عز عن الاختبار الأمريكي الأصل المنشور في عام ( 1958) للاستخدام في سوريا بهدف قياس سمات الشخصية عند الأفراد بدءا من سن 15 فما فوق . ويشتمل هذا الاختبار على ( 125) بنداً يقيس ستة سمات من الشخصية (1) العصابية - الاتزان الانفعالي(2) الاكتفاء الذاتي (3) الانبساط\ الانطواء (4) السيطرة \ الخضوع (5)الثقة بالنفس (6) المشاركة الاجتماعية .وتحسب الدرجة الكلية لكل سمة من السمات على حدة وبالتالي يمكن استخدام الاختبار في جميع هذه المقاييس الستة أو في بعضها منفردة . وقد أخذت من الاختبار المقاييس الأربعة الأساسية فقط المتمثلة في العصابية والاكتفاء الذاتي والانطواء والسيطرة . ويمتلك الاختبار معاملات ثبات جيدة تجعل منه أداة مناسبة للاستخدام كمحك خارجي في قياس صدق الاختبار. فقيم الصدق الذاتي تتراوح بين 0.8O و 0.94 للمقاييس المختلفة أما معاملات موثوقية الاختبار فكانت بطريقة التجزئة النصفية بين 0.59 و 0.89 و بطريقة إعادة الاختبار بين 0.65 و 0.88 ( عـز ، 1990).

ويتراوح مدى الدرجات الخام في مقياس العصابية بين 338 و -382 بمدى مقداره 720 وفي مقياس الاكتفاء الذاتي بين 290و-312 بمدى مقداره 602 وفي مقياس الانطواء\ الانبساط بين258 و -261 بمدى مقداره 591 وفي مقياس السيطرة بين 276 و -344 بمدى مقداره 620 .

تطبيق الاستبانة: طبقت الاستبانة الرئيسية في مواقف قياس جماعية وفردية ، حسب مقتضيات الظروف الموضوعية للتطبيق عبر فترة زمنية امتدت من النصف الثاني لعام 1995 وحتى النصف الأول من عام 1996 .وقد جرى التطبيق في أماكن وجود الأفراد( مكان الدراسة أو العمل ..الخ) حيث تم توزيع 650 استبانة أعيد منها 607 واستبعد منها 77 استبانة بسبب عدم الإجابة بصورة كاملة عن البنود أو عدم ذكر الجنس أو السن. وقد بلغ عدد الاستبانات الصالحة 530 استبانة أدخلت في المعالجة الإحصائية النهائية. أما استبيانات العينات الفرعية فقد جرى تطبيقها في مواقف اختبار جماعية في كلية التربية بجامعة دمشق.



التحليلات الإحصائية: جرى اختيار التحليلات الإحصائية طبقا لسمات العينة وفرضيات الدراسة. وقد تم التحليل الإحصائي بمساعدة برنامج SPSS + PC في جامعة ليبزغ بألمانيا(2) واشتملت التحليلات على ما يلي:

n حساب معاملات الثبات بطريقة إعادة الاختبار والصدق بطريقة الاتساق الداخلي وحساب درجة الارتباط بين بيانات الاستبانة ومحك خارجي ( محمد سعيد، 1987).

n حساب المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية للعينة ككل ومجموعات الذكور والإناث كل على حدة واستخدام اختبار ست ودنت وتحليل التباين Nova لبيان دلالة الفروق بين الجنسين.

n حساب معاملات الترابط الإحصائية في العينات الفرعية بين زمني قياس مختلفين وحساب ترابط قيم الاستبانة مع متغيرات اختبار بيرنروتر.

n حساب القيم المعيارية ( المؤقتة) في صيغة قيم (T).



نتائج الدراسة:

n حساب المتوسطات : بلغ المتوسط الحسابي للعينة ككل (ن.= 530) (م = ( 28.68 وانحراف معياري مقداره (ع = 5.36 ). أما متوسط مجموعة الذكور(ن= 222) فقد بلغ (28,17) بانحراف معياري مقداره (5,40) وبلغت قيمة متوسط مجموعة الإناث (28,65) بانحراف معياري مقداره (5,33).



. ( الجــــدول (1) هنــــــــــــا)



ويتبين من جدول (1) عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين عينة الذكور و الإناث في توقعات الكفاءة الذاتية العامة.

فسواء قيم (ت) المحسوبة أم قيم (ف) اصغر من قيم (ت) و (ف) النظرية عند مستويات دلالة (0.05) أو (5%)

و (0.017) أو (1%).





n الاتساق الداخلي: تم حساب الاتساق الداخلي internal Consistency وذلك بحساب معامل الارتباط بين الدرجة على كل عبارة من العبارات العشرة للاستبيان والدرجة الكلية لدى العينة. ويبين الجدول (2) نتائج تحليل الصدق بطريقة الاتساق الداخلي.

( الجـــــــدول (2) هـنـــــــــــا)

ويتضح من الجدول (2) أن جميع قيم معامل الارتباط ( Alpha) للتحقق من موثوقية الاستبانة أعلى من (0.80) الأمر الذي لا يبرر حذف أي بند من البنود العشرة . أما معامل الارتباط العام (Alpha) فقد بلغ (0.85). في حين تراوحت قيم حدة الفصل أو الترابط الكلي للبند بين (0.65 - 0.46).

n الترابط بين الاستبانة واختبار بيرنروتر للشخصية : يبين الجدول (3) قيم الترابطات المختلفة ودلالاتها بين توقع الكفاءة الذاتية وأبعاد اختبار بيرنروتر الأساسية الأربعة التي استخدمت في هذه الدراسة. وقد تم هنا الاستغناء عن عرض نتائج الترابطات في عينة الذكور والإناث كل على حدة لكون النتائج تبدي الاتجاه نفسه في هذا المجال ونتيجة لعدم ظهور فروق جوهرية بين الذكور والإناث في توقع الكفاءة الذاتية العامة في العينة الأساسية.

( الجــــــدول (3) هنـــــــــــا)

ويشير الاتجاه السلبي للدرجة الخام في اختبار بيرنروتر للشخصية إلى الاستقرار الانفعالي بالنسبة لمتغير العصابية وإلى الاعتماد على الآخرين في متغير الاكتفاء الذاتي وإلى الانبساطية في متغير الانطواء\ الانبساط وإلى الخضوع والإذعان في متغير السيطرة والخضوع ، أما الاتجاه الإيجابي للدرجة الخام فيشير إلى عكس ذلك. وهذا يعني أن الدرجة السلبية تشير في بعض المتغيرات إلى السواء أو إلى مقدار الاقتراب منه في حين تشير الدرجة الموجبة إلى مقدار الاقتراب من الاضطراب.



ويتضح من الجدول (3) وجود ترابطات سلبية بين توقعات الكفاءة الذاتية العامة وبعد العصابية

والانطوائية . كما وتظهر ترابطات إيجابية بين توقع الكفاءة الذاتية العامة والشعور بالسيطرة والاكتفاء الذاتي.



n حساب الدرجات المعيارية المقابلة للقيم الخام ومقارنتها بالدرجات المعيارية لعينات مختلفة: في الخطوة الأخيرة تم تحويل القيم الخام إلى قيم (ت) المعيارية( T - Transformation) المعروضة في الجدول (4) الذي يتضمن في الوقت نفسه القيم المعيارية التي تم الحصول عليها من عينات من ثقافات مختلفة جمعت بطريقة إحصائية مع بعضها بناء على نتائج اختبار الصدق وعدم وجود فروق عمريه وبين الجنسين في النتائج.علماً أن المتوسط الموزون هنا weighted mean يساوي ( M = 29.28) و التباين الموزون variance weighted يساوي25.91)=( s² وبلغ عدد أفراد العينة الكلية (1660) (Schwarzer, 1993).

(الجـــــدول (4) هنــــــا)





تفسير النتائج ومناقشتها:

كان الهدف من إجراء هذه الدراسة هو محاولة الإجابة عن التساؤل حول مدى تحقيق استبانة توقعات الكفاءة الذاتية العامة التي طورهها كل من جيروزيليم وشفارتسر في عام (1986) في صيغتها المعربة معايير الصدق والثبات الإحصائية التي تجعل منها قابلة للاستخدام في الأبحاث والدراسات العربية في مجالات علم النفس عموماً وعلم نفس الصحة خصوصاً. فالبناء النظري " توقعات الكفاءة الذاتية العامة " - كما تشير الدراسات - يمتلك أهمية كبيرة فيما يتعلق بالسلوك الصحي والإنجاز والعلاج النفسي وبالتالي فيما يتعلق بإجراءات الوقاية الأولية والثانوية وإعادة التأهيل. إذ أن هذا البناء يمكن أن يسهم كمتغيرة وسيطة كامنة بين الرسالة التربوية أو الوقائية الصحية والهدف النهائي في تفسير تحقيق الإجراءات التربوية أو الوقائية لأهدافها أو عدمه بالإضافة إلى إسهامه بالتنبؤ بمدى نجاح هذه الإجراءات الصحية منها أو التربوية .

كان يمكن استناداً إلى الأطر النظرية التي يقوم عليها البناء النظري لتوقعات الكفاءة الذاتية صياغة بنود استبانة خاصة تختلف كثيراً أو قليلاً عن الصيغة الأصلية للإستبانة الألمانية ، إلا أن توفر مجموعة كبيرة من الدراسات عبر الثقافية حول هذه الاستبانة دفعت إلى تفضيل الترجمة ، التي تسهل وتبرر منهجياً إجراء مقارنات بين نتائج الدراسات المختلفة حول هذا البناء.مع الإشارة في هذا المجال إلى عدم إغفال التأثيرات الثقافية الخاصة بكل ثقافة من الثقافات التي يمكن أن تؤثر في القياس حتى عند استخدام الأداة نفسها بترجمات لغوية مختلفة عبر ثقافات متعددة. فالتأثيرات الثقافية، أي الكيفية التي يتم فيها التمثل المعرفي للبند يمكن أن تؤثر على الطريقة التي يستجيب بها المفحوص للاختبار . إلاّ أن عمومية هذا البناء ، من ناحية أخرى، يمكن أن تقيد من أثر هذا التأثير.

وتشير النتائج الخاصة التي تم الحصول عليها في هذه الدراسة إلى الإمكانية المبدئية لاستخدام هذه الاستبانة لقياس درجة " توقع الكفاءة الذاتية العامة" لدى فئات مختلفة من السكان ، مع التنويه إلى ضرورة إجراء دراسات صدق وموثوقية أخرى في أماكن مختلفة ولدى مجموعات مختلفة من المرضى بأمراض جسدية وجسدية نفسية ونفسية قبل أن يتم ترسيخه في الممارسة التشخيصية.

توقعت الدراسة بناء على الدراسات المجراة في ثقافات أخرى عدم وجود فروق ذات دلالة بين الجنسين في توقعات الكفاءة الذاتية العامة وبالتالي فقد تم قبول فرضية الصفر القائلة بعدم وجود فروق بين الجنسين فيما يتعلق بتوقعات الكفاءة الذاتية العامة ، وبهذا تكون الفرضية الثانية قد تحققت.وقد قادت هذه النتيجة إلى الاستغناء عن اختبار الصدق والموثوقية فيما يتعلق بالذكور والإناث كل على حدة الأمر الذي يعني صلاحية استخدام الاستبانة مع الجنسين . وتتفق هذه النتيجة مع النتائج التي توصلت إليها دراسات أخرى حول عدم وجود فروق بين الجنسين فيما يتعلق بتوقعات الكفاءة الذاتية العامة كدراسة شرود ( Schroeder, 1992 ) التي أشرنا إليها ودراسات شفارتسر وجيروزيلم المختلفة ( Schwarzer & Jerusalem, 1989) وشفارتسر Schwarzer, 1992a,b,1993b, 1994)).

وقد تعود هذه النتيجة كون الاستبانة تقيس كفاءات استعرافية عامة غير مرتبطة بموقف محدد، إذ أن وجود فروق في الأنماط التربوية النفسية - الاجتماعية للذكور والإناث في مجتمعنا وانعكاس ذلك على نسق التوقعات المعرفية وتصورات الذات عند الجنسين تدفع إلى افتراض معالجة الأمر بصورة تفريقية وتوقع وجود بعض الفروق. كما ويمكن أن تعود هذه النتيجة إلى خصائص مرتبطة باختيار العينة بحد ذاتها، وبالمستوى الثقافي بالتحديد المتمثل في كون غالبية أفراد العينة من المستويات الجامعية. والإجابة عن مثل هذا الأمر يمكن الحصول عليها من نتائج الدراسات اللاحقة حول توقعات الكفاءة الذاتية في مواقف محددة كالتغذية الصحية وضبط الوزن والامتناع عن التدخين وعدم الخضوع لإغراءاته ..الخ، ومن الدراسات التي تأخذ المستويات الثقافية والعمرية والاقتصادية بعين الاعتبار.

وتناولت الفرضية الأولى توقع تحقيق استبانة توقع الكفاءة الذاتية العامة في صيغتها المعربة الشروط القياسية أو السيكوميترية ( معايير الصدق والثبات ) للاختبارات النفسية . وللتحقق من هذه الفرضية قام الباحث بإخضاع الاستبانة لعدة محكات منها صدق المحتوى أو صدق المحكمين في طور الإعداد الأولى حيث قادت هذه الخطوة إلى إجراء بعض التعديلات في بعض التعبيرات مع الاحتفاظ الأساسي بصيغة الترجمة .

و تحقق ثبات الاستبانة عبر فترة زمنية معينة من خلال حساب معامل الترابط بين فترتي القياس الأولى والثانية، حيث بلغ ( 0.71) وهو يعبر عن ثبات مقبول .

وكذلك أظهرت دراسة ثبات الاستبانة بطريقة الاتساق الداخلي لبنود الاستبانة للتحقق من موثوقيتها ( الجدول 2) تمتع الاستبانة بدرجة عالية إلى حد ما من الصدق إذ بلغت جميع قيم معامل الثبات للبنود منفردة أعلى من ( 0.80) وهذا يعني الإبقاء على البنود العشرة للصيغة الأصلية للاستبيانة وعدم حذف أي بند منها. أما معامل الترابط ( معامل الصدق ) العام للبنود كلها فقد بلغ ( Alpha =0. 85)) وهي قيمة مقبولة وفق المعايير المتعارف عليها، حيث يرى كل من لينيرت وراتس ( Lienert & Raatz, 1994) وجوب وقوع معامل ألفا فوق ( 0.60) حتى يحقق معايير الصلاحية والصدق للاستخدام في التشخيص الفردي، أما إذا وقعت قيمة ألفا تحت ( 0.60) فلا يكون صالحاً إلاّ للتفريق بين المجموعات. ووفق النتيجة التي تم التوصل إليها هنا يمكن اعتبار الاستبانة وسيلة تشخيص فردية وجماعية في الوقت نفسه.

أما الترابط الكلي للبند فتعني الترابط ما بين البند منفرداً والاستبانة ككل. وبما أن جميع الترابطات تتراوح بين (0.65 - 0.46) فهي تحقق المعايير الإحصائية المتعلقة بقبول البند والتي تقضي برفض البند إذا ما كان واقعاً تحت 0.30) ) ( Guthke, 1990).

وتتفق النتائج التي تم التوصل إليها في هذا السياق مع نتائج الدراسات المجراة في بيئات ثقافية مختلفة ، إذ تشير هذه النتائج إلى معاملات ترابط متقاربة لألفا فهي ( 0.85) في عينة هونغ كونغ و (0.80) في عينة إندونيسيا و ( 0.91) في عينة اليابان و ( 0.88) في عينة كوريا . أما في عينات مختلفة من ألمانيا فقد تراوحت بين (0.93- 0.74) Schwarzer et al. ,1996 Schwarzer, 1994; Schwarzer ,1993b). وتؤيد هذه النتيجة صلاحية الاستبانة للاستخدام في الدراسات والبحوث في المجتمع العربي وصلاحيتها في الدراسات عبر الثقافية.

وكانت الخطوة الأخيرة اختبار الصدق من خلال اختبار ترابط معطيات الاستبانة مع اختبار بيرنروتر للشخصية حيث قادت النتائج في هذا الخصوص إلى نتائج متساوقة مع الاعتبارات النظرية لبناء توقع الكفاءة الذاتية ومع نتائج الدراسات التي تم الحصول عليها على عينات أخرى من خلال متغيرات شبيهة. علماً أنه كان من المحبذ هنا استخدام المتغيرات نفسها التي استخدمت في العينات الأخرى بهدف تسهيل عملية المقارنة. إلا أن عدم تمكن الباحث من الحصول على نسخة معيرة على البيئة السورية من هذه المتغيرات لأسباب إدارية، دفع إلى الاقتصار على المتغيرات الأساسية الأربعة لاختبار بيرنروتر المعير على البيئة السورية ( عز، 1991).

وكما يتضح من الجدول (3) تترابط توقعات الكفاءة الذاتية العامة مع ثلاثة مقاييس من المقاييس الأربعة لاختبار بيرنروتر . فهناك ارتباط مرتفع بين توقعات الكفاءة الذاتية العامة وبعد العصابية - الاتزان. وبما أن قيمة الترابط سلبية ولأن القيمة السلبية على المقياس هي مؤشر التوازن الانفعالي والسواء فإنه يمكن القول بأن الترابط بين توقعات الكفاءة الذاتية العامة والاتزان الانفعالي هو ارتباط إيجابي . فالأشخاص ذوو الدرجة المرتفعة من توقعات الكفاءة الذاتية العامة هم أشخاص يتسمون بقلة الحساسية الذاتية وحسن التكيف والشعور بالارتياح والبعد عن مشاعر القلق واليأس….الخ.وهناك ارتباط فعلي إيجابي مرتفع مع مقياس الاكتفاء الذاتي ( فيما لو تم تدوير الأرقام العشرية للقيمة الفعلية والنظرية تصبح القيمة الأولى 0,2 والثانية 0,12 ) فالأشخاص ذوو توقعات الكفاءة الذاتية العامة هم أشخاص يعتمدون على أنفسهم ويتحملون مسؤولياتهم بأنفسهم ويخططون أعمالهم بشكل جيد.

وتظهر ترابطات إيجابية ومرتفعة بين توقعات الكفاءة الذاتية العامة والسيطرة. ومن مقارنة القيمة الفعلية والنظرية يلاحظ أن القيمة الفعلية أكبر بشكل واضح من القيمة النظرية وهذا مؤشر إلى قوة ارتباط عالية. فالأشخاص الذين حصلوا على درجات مرتفعة في توقعات الكفاءة الذاتية العامة هم أشخاص يطالبون بحقوقهم ويميلون إلى الخداع والمحاورة ويميلون إلى السيطرة على الآخرين…الخ. وتشير الدرجة الموجبة المرتفعة في مقياس السيطرة\ الخضوع إلى مؤشر السيطرة وليس للخضوع.

أما الترابط بين توقعات الكفاءة الذاتية العامة الانطواء فهي غير دالة إحصائياً وهنا لابد من التنويه إلى إمكانية الوقوع بالخطأ من النوع الأول ، أي نرفض فرضاً صحيحاً كان من اللازم قبوله خاصة وأن الدراسة الفعلية لاختبار بيرنروتر دلت وجود ارتباط بين مقياس العصابية\ الاتزان الانفعالي ومقياس الانطواء\ الانبساط ، فالنتائج المنطقية تشير هنا إلى عكس النتائج الفعلية التي تم الحصول عليها في هذا المقياس. وبناء على هذه النتائج الترابطية يمكن القول أن اتجاهات الترابط تتطابق مع اتجاه الترابطات التي يذكرها شفارتسر ( Schwarzer, 1992a,b,c,1993a,b,1994) فيما يتعلق بمتغيرات شخصية شبيهة كالانبساط والعصابية التي قيست بوساطة اختبار فرايبورغ للشخصية (FPI) وهو اختبار ألماني مبني على أساس من اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية (MMPI) و منظومات اختبارات لآيزينك وكاتيل ويقيس 9 أبعاد من الشخصية بالإضافة إلى أبعاد العصابية والانطوائية والذكورية.

وتشير النتائج التي تم التوصل إليها في هذه الدراسة إلى عدم اختلاف النتائج عن النتائج التي تم التوصل إليها في الدراسات عبر الثقافية الأخرى بصورة جوهرية. وبناء على ذلك يمكن بصورة عامة اعتبار أن الاستبانة بالصيغة العربية تحقق الشروط السيكوميتربة التي تجعل منها صالحة للاستخدام الفردي والجمعي وبهذا تتحقق صحة الفرضية الأولى. علماً انه يمكن اعتماد توزع الدرجات الخام في التطبيق الجمعي المخصص لأغراض البحث أو الاعتماد على تحويل القيم إلى قيم معيارية في التطبيق الفردي من أجل تسهيل عملية تحديد موقع الفرد بالنسبة لغيره من الأفراد .والتحفظات الوحيدة في هذا المجال تتمثل في طبيعة اختيار العينة التي كانت بطريقة الصدفة حيث لم يتمكن الباحث من الحصول على عينة عشوائية بسبب وجود صعوبات موضوعية في الحصول على عينة عشوائية. إلاّ أن هذا لا يضعف من القيمة التنبئية للإستبانة ولا من دلالة النتائج المبدئية .

وتظهر النتائج التي حصل عليها الباحث وجود اتساق منطقي في خصائص عناصر الأداتين المستخدمتين، وإن ظهرت في تحليلات الترابط بين الأداتين بعض الملامح التي تشير إلى ضرورة إجراء مزيد من دراسات الترابط للوصول إلى وثوقية أكبر في التفسير. وقد ترجع هذه الملامح إلى الخصائص القياسية للأداتين المستخدمتين أو إلى طبيعة العينة المستخدمة في الدراسة ، أكثر من كونها ترجع إلى الأسس النظرية التي تقوم عليها هذه الأدوات.

وينتظر هنا من دراسات لاحقة على الإستبانة أن تتوجه بصورة أكثر تميزية إلى عينات مقسمة وفق مجموعات عمرية وثقافية واجتماعية مختلفة ومجموعات تحمل خطراً مرتفعاً خاصاً كمجموعات مرضى القلب والسرطان والمدخنين والذين يتناولون مواداً مسببة للتعود والإدمان ..الخ لبيان فيما إذا كانت توقعات الكفاءة الذاتية تتباين بصورة مختلفة مما يمكِن من استخلاص تضمينات حول توقعات الكفاءة الذاتية لدى المجموعات المختلفة في البيئة السورية( والعربية). ومثل هذه التضمينات يمكن أن تقود إلى تطبيقات عملية واسعة وخصوصا فيما يتعلق بإجراءات الوقاية الأولية وبرامج التدريب وإعادة التأهيل . إذ أن معرفة مدى توقعات الكفاءة الذاتية العامة والخاصة تعطي دلالات هامة حول النقطة التي يجب أن تنطلق منها هذه الإجراءات والبرامج وتعطي في الوقت نفسه مؤشرا على التنبؤ بمدى نجاح هذه الإجراءات وتحقيق أهدافها.





الهوامش:

(1) استخدم الباحث مصطلحات معرفي ومعرفياتي بالمعنى نفسه للدلالة على المصطلح الأجنبي Cognition وذلك حسب ضرورة السياق .

(2) يشكر الباحث السيد الدكتور ماثياس رور M. Roehr والسيد الدكتور كونراد ريشكة K. Reschke من معهد علم النفس في جامعة ليبزغ بألمانيا اللذين قدما الدعم للباحث في إجراء التحليلات الإحصائية بوساطة برنامج SPSS+ PC وللمناقشات المستفيضة في هذا المجال .كما ويشكر الأستاذ الدكتور رالف شفارتسر من جامعة برلين الحرة لإجازته تعيير الإستبانة ولتزويد الباحث بالمراجع المتعلقة بالموضوع، وكذلك الدكتورة إيمان عز لما أبدته من ملاحظات علمية حول نتائج تحليل التراب







ملحـــق(1)

استبانة توقعات الكفاءة الذاتية العامة

مقياس توقعات الكفاءة الذاتية العامة General Self-Efficiency-Scale

Bay: Ralf Schwarzer Translator in Arabic: Samer Rudwan

السن:……………..عاماً الجنس:……………………………

العمل: (إذا كنت تعمل)………………….الدراسة والسنة الدراسية إذا كنت طالباً


تعليمات: أمامك عدد من العبارات التي يمكن أن تصف أي شخص، اقرأ كل عبارة، وحدد مدى انطباقها عليك بوجه عام، وذلك بوضع دائرة حول كلمة واحدة فقط مما يلي كل عبارة منها وهي:لا، نادراً، غالباً، دائماً.

ليس هناك إجابة صحيحة وإجابة خاطئة، وليست هناك عبارات خادعة. أجب بسرعة ولا تفكر كثيراً بالمعنى الدقيق لكل عبارة. ولا تترك أي عبارة دون إجابة.



العبارة
لا
نادراً
غالباً
دائما

1
عندما يقف شخص ما في طريق تحقيق هدف أسعى إليه فإني قادر على إيجاد الوسائل المناسبة لتحقيق مبتغاي.


2
إذا ما بذلت من الجهد كفاية، فإني سأنجح في حل المشكلات الصعبة.


3
من السهل علي تحقيق أهدافي ونواياي.



4
أعرف كيف أتصرف مع المواقف غير المتوقعة.


5
اعتقد بأني قادر على التعامل مع الأحداث حتى لو كانت هذه مفاجئة لي.


6
أتعامل مع الصعوبات بهدوء لأني أستطيع دائما الاعتماد على قدراتي الذاتية.

7
مهما يحدث فإني أستطيع التعامل مع ذلك.


8
أجد حلا لكل مشكلة تواجهني.

9
إذا ما واجهني أمر جديد فإني أعرف كيفية التعامل معه.

10
أمتلك أفكارا متنوعة حول كيفية التعامل مع المشكلات التي تواجهني.




المراجع العربية

تـاوش، ر.

1995 (( علاقة الانفعالات بالمعرفيات وأهميتها بالنسبة للعلاج النفسي المتمركز حول الشخص))

ترجمة سامر رضوان. مجلة الثقافة النفسية، مركز الدراسات النفسية والنفسية الجسدية، طرابلس-

المجلد 6،العدد 23، 56-65.

جابر، جابر عبد الحميد

1986 الشخصية: البناء، الديناميات، النمو ،طرق البحث، التقويم. القاهرة: دار النهضة العربية

الخطيب، جمال

1990 تعديل السلوك : القوانين والإجراءات. الرياض: مكتبة الصحافة الذهبية.





. الشربيني، زكريا

1990 الإحصاء اللاّباراميتري في العلوم النفسية والتربوية والاجتماعية . القاهرة : مكتبة الانجلومصرية.

شفارتسر، رالف

1994 (( التفاؤلية الدفاعية والوظيفية كشرطين للسلوك الصحي)) . ترجمة سامر رضوان.

مجلة الثقافة النفسية، مركز الدراسات النفسية والنفسية الجسدية، طرابلس- لبنان . المجلد 5، العدد 18، 75-93.

شفارتسر، رالف

1996 (( نظرية الإرادة في التربية الصحية)). ترجمة سامر رضوان .

مجلة الثقافة النفسية، مركز الدراسات النفسية والنفسية الجسدية، طرابلس- لبنان .

المجلد 7 ، العدد 26، 57-6.



شلبي، أحمد محمد

1991 النسبية النفسية : منحى معرفي- فردي في دراسة الشخصية. القاهرة.الناشر المؤلف نفسه.

عبد الخالق، أحمد محمد

1991 أسس علم النفس. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.





عـز، إيمان

1991 اختبار بيرنروتر في الشخصية. دراسة الاختبار وتعييره في القطر العربي السوري. رسالة ماجستير غير

منشورة . كلية التربية، جامعة دمشق.



محمد سعيد، أبو طالب

1987 (( الاستبيان في البحوث التربوية والنفسية : بناؤه، تقنينه، حدوده، كفاءته)). المجلة العربية

للبحوث التربوية ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، المجلد السابع العدد 1،27-55.



ويجنر ، دانيل و فالتشر، روبين

1988 علم النفس الضمني. ترجمة عبد المجيد نشواتي. دمشق. وزارة الثقافة



المراجع الأجنبية





Bandura, A.

1977 Self-efficacy: Toward a unifying theory of behavioral change.

Psychological Review. 84, 191-215



Bandura, A.

1979 Sozial-kognitive Lerntheorie. Stuttgart. Klett.



Bandura, A.

1986 Social foundations of thought and action, Englewood Cliffs, NJ; Prentice

Hall.

Bandura, A.

1988 Self efficacy conception of anxiety, Anxiety Research. An International

Jurnal,1(2).



Bandura, A.

1992a

Exercise of personal agency thought the self-efficacy mechanism. In R. Schwarzer (ed.), Self- efficacy, Thought control of action.(3-38) Washington DC, Hemisphere.



Bandura, A.

1992b Self-efficacy mechanism in psychobiologic functioning. In R. Schwarzer

(ed.),Self- efficacy, Throught control of action.(355-394).

Washington DC,Hemisphere.

.

Guthke, J.

1990 Grundzuege der Testkonstruktion und Testauswertung. In J. Guthke,

u. a. (Hrsg.) . Psychodiagnostik. Band I., Berlin: Deutscher Verlag der Wissenschaften.

Hall, C. & Lindzey, G.

1979 Theorie der Persoenlichkeit. Band I u. II Muenchen, Beck-Verlag



Jerusalem,M.

1990 Persoenliche Ressourcen, Vulnerabilitaet und Stresserleben. Goettingen:

Hogrefe.

Jerusalem,M. & Schwarzer, R.

1986 Selbstwirksamkeit. In R. Schwarzer (Hrsg), Skalen zur Befindlichkeit d Persoenlichkeit, 15-28. Berlin: Institut fuer Psychologie, Freie Universitaet Berlin.

Jerusalem,M. & Schwarzer, R.

1989 Selbstkonzept und Aengstlichkeit als Einflussgroessen fuer Stresserleben

und Bewaeltigungstendenzen. Zeitschrift fuer Entwiklungspsychologie &Paedagogische Psychologie, 21(4), 307- 324.

Krampen, G.

1989 Diagnostik von Attributionen und Kontrollueberzeugungen. Goettingen.

Hogrefe.

Lawrance,L.K.

1985 Self-efficacy as a predictor of smoking behavior in yung

adolescents. Dissertations Abstracts International, 46, 2499.



Lienert G. & Raatz, U.

1994 Testaufbau und Testanlyse. Weinheim: Beltz\ Psychologie .Verlag

Union.

Lohaus, A.

1993 Gesundheutsfoerderung und Krankheitspraevention im Kindes- und

jugendalter. Goettingen. Hogrefe.

Meyer, W.- u. & Foerterling, F.

1993 Die Attributionstheorie. In D. Frey und M. Irle (Hrsg.), Theorien der

Sozialpsychologie. Band I : Kognitive Theorie. Bern: Huber, 2 Auflage.

Pervin,L. A.

1987 Persoenlichkeitstheorien. Muenchen. Basel: E. Reinhardt.

Reschke, K.

1993 Konzepte, Probleme und Ergebnisse gesundheitspsychologischer

Forschung - empirische Untersuchungen am Beispiel des.

Gesundheitsverhaltens von Studenten und im Kontext der

Zahnheilkunde. Unveroef. Habilitationsschrift, Universitaet Leipzig.

Rotter, J.B.

1966 Generalized expectancies of international versus extenal control of

reinforcement. Psychological Monographs, 80,Nr. 609.



Scheier, M.F. & Carver, C.S.

1985 Optimism, Coping, and Health. Assessment and Implications of

Generalized Outcome Expectancies. Health Psychology, 4,219-247.

Schwarzer, R. (Hrsg.):

1990a Gesundheitspsychologie. Goettingen: Hogrefe.



Schwarzer, R.

1990b Gesundheitspsychologie: Einfuehrung in das Theam. In R. Schwarzer

(Hrsg.), Gesundheitspsychologie, 3-23. Goettingen: Hogrefe.

Schwarzer, R.

1992a Psychologie des Gesundheitsverhaltens. Goettingen: Hogrefe.

Schwarzer, R. (Hrsg.)

1992b Self-efficacy: Thought control of action. Washington ,

DC; Hemisphere.

Schwarzer, R.

1992c Self-efficacy in the adoption and maintenance of health behaviors:

Theoretical approaches and a new model. In R. Schwarzer (Hrsg.),

Self-efficacy: Thought control of action. Washington ,

DC; Hemisphere.



Schwarzer, R.

1993a Stress, Angst und Handlungsregulation. Stuttgart: Kohlhammer,



Schwarzer, R.

1993b Measurement of Perceived Self-Efficacy: Psychometric Scales for Cross-

Cultural Research. Berlin: Freie Universitaet Berlin. Institut fuer

Psychologie



Schwarzer, R.

1995 A Window on the self: Reconstructing Thought processes to understand

human action. Psychology and Health. 10, 285-289.





Schwarzer, R. & Fuchs, R.

1996 Self-Efficacy and Health Behaviours. In Conner, M. and Norman,

(edit.) Predicting Health Bahaviours. Research and Practice with social

cognition models. 163-196. Open University Press. Buckingham .

Philadelphia



Schwarzer, R. & Jerusalem, M.

1989 Erfassung leistungsbezogener und allgemeiner Kontroll- und

Kompetenzerwartung. In G. Krampen (Hrsg.), Diagnostik von.

Attributionen und Kontrollueberzeugung. Gottingen: Hogrefe.

Psychologie

Schwarzer, R.

1994 Optimistische Kompetenzerwartung: zur Erfassung einer

personellen Bewaeltigungsressource. Dignostika. Heft 2, 40, 1o5-123

Goettingen.



Schwarzer, R. & Leppin, A.

(1990) Sozialerrueckhalt, Krankheit und Gesundheitsverhalten. In

Gesundheitspsychologie, Goettingen: Hogrefe.



Schwarzer, R. Born, Saburo Iwawaki, Lee,Schroeder, Xiadong,

(1996) The Assesment of Optemistic Self-Beliefs: Comparsion of the Chinese,

Indonesian, Japanese, and Korean Version of the General Self-

Efficacy Scale. Submitted for puplication: juni 1996. Berlin: Freie Universitaet Institut fuer Psychologie.

Schroeder, K.

1992 Probleme der Begriffsbildung in der Handlungskontroll-Theorien von

K. Kuhl: Versuch einer Neuinterpretation und Operationalisierung des

Konstrukts “ Handlungs und Lageorientierung” .

Berlin: Freie Universitaet Institut fuer Psychologie.

Weiner, B.

1994 Motivationspsychologie. Weinheim: Psychologie Verlag Union.+




توقيع ابو ساجد الصوفى

\\\\\\\\\\\\\\\\\\
الشهيد القائد في كتائب القسام طارق ابو الحصين ابن قبيلة الترابين المجاهدة على ارض فلسطين

الرد باقتباس




صورة ابو ساجد الصوفى الرمزية

مشرف سابق

الجنس :  : male

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: أكتوبر 2005

البلد: فلسطين ( غزة هاشم)

المشاركات : 4,765

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 7,761,583
تبرع


الهـدايـا





ابو ساجد الصوفى غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 08:33 مساءً

 



ثانيا

العصابات

"دراسة وصفية في الاضطرابات العصابية"

الأستاذ الدكتور: سامر جميل رضوان

مقدمة:

تحت تسمية العصابات كان يقصد في السابق الاضطرابات النفسية التي تعبر عن نفسها من خلال المخاوف المبالغ بها، والتي يعتقد أن العوامل النفسية التاريخ حياتية كامنة خلفها. وقد اعتبرت العصابات الوجه المعاكس للذهانات، التي كان يعتقد أنها ترجع لعوامل جسدية.

ولكن في هذه الأثناء تم التخلي عن استخدام مصطلح العصابات لصالح تقسيم تمايزي تفريقي ضمن مجموعات مختلفة من الاضطرابات. ويرجع سبب هذا التقسيم التفريقي إلى محاولة توضيح أفضل للمجموعات المختلفة من الاضطرابات وفهمها من ناحية، ومن ناحية أخرى، كون الفرضية الكامنة خلف استخدام مصطلح العصابات، الجسدي مقابل النفسي، لا يمكن تبريرها وبرهانها أبداً.

ومع ذلك قلما نجد مصطلحاً نفسياً أكثر منه استخداماً في الحياة اليومية. فعندما يستجيب شخص ما بصورة غير معتادة ومألوفة فسرعانما يتم تقويمه بالسلوك العصابي. أما في العلم كما أشرنا فلم يعد هذا المصطلح مستخدماً كوحدة تصنيفية. ذلك أن الاضطرابات النفسية التي كانت تصنف تحت المفهوم العام للعصابات تختلف فيما بينها من حيث الأسباب والمنشأ والتطور والاستجابة للعلاج.

ومن الناحية التاريخية نشأ المصطلح بداية في الطب العصبي بمعني "المرض العقلي" أو "المرض العصبي". غير أن استخدامه قد شاع في الطب النفسي بمعان مختلفة وغامضة على الأغلب ودون تحديد دقيق لمعناه.

ويعد التحليل النفسي أبو علم العصابات. وقد نشأت في مدرسة التحليل النفسي بدءاً من فرويد نظريات عدة حول العصابات. والسمة العامة للعصابات وفق نظرية التحليل النفسي تمثلت في اعتبار أن العوامل النفسية وبشكل خلص كبت المخاوف والصعوبات الجنسية السبب الكامن خلف نشوء العصابات. ووفقاً لهذه الرؤية فإن الاضطرابات في النمو الطفلي المبكر تظل في اللاشعور "كمركب" وتسبب ردود فعل عصابية مختلفة، وذلك حسب نوع الاضطراب وتمثله. وفي المراجع العلمية التشخيصية تم استخدام مصطلح "العصابات" كمفهوم عام لمجموعة من الاضطرابات التي تعبر عن نفسها من خلال المخاوف المفرطة. وعليه تم تصنيف القلق والقسر والهستيريا وتوهم المرض…الخ تحت مصطلح العصابات. وقد استخدم مصطلح الذهانات باعتباره الوجه المعاكس للعصابات، حيث تتصف الذهانات بالانسحاب والعزلة من الواقع. واعتبرت العوامل الجسدية هي العامل الذي يسهم في نشوء الذهانات على عكس العصابات. وهناك من اعتقد خطأ أن العصابات والذهانات عبارة عن قطبين على متصل وأن العصاب يتطور إلى ذهان.

وقد تخلت منظومات التصنيف العالمية عن استخدام مصطلح العصابات، بدءاً من الدليل الإحصائي والتشخيصي الأمريكي الثالث في عام 1980. فقد ظهر من جهة أن الاضطرابات المصنفة تحت هذه الفئة التصنيفية تعبر عن نفسها بأشكال مختلفة، إذ يظهر المرضى بالقسر أو بتوهم المرض (المرقية) أعراضاً مختلفة جداً ويستجيبون إلى أشكال مختلفة جداً من العلاج. ومن ثم فقد تم التخلي عن الفئة العامة "العصابات" لصالح تقسيم فرعي تمايزي تفريقي في مجموعات فرعية متنوعة. ومن جهة أخرى كان الهدف كذلك تجنب استخدام مفاهيم ومصطلحات ترتبط بشكل وثيق مع فرضيات نظرية معينة –التحليل النفسي بالتحديد- حول نشوء الاضطراب .

بالإضافة إلى ذلك يذهب المتخصصون النفسيون اليوم من أن فرضية التسبيب النفسي للاضطراب والتسبيب الجسدي للمرض لا يمكن الاعتماد عليها، بل أنه توجد تفاعلات تشابكية بين العوامل النفسية والجسدية، على نحو العوامل الوراثية بالتوليف مع مواقف الحياة المرهقة، تسهم في نشوء الاضطراب النفسي.



1- حول منشأ الاضطرابات النفسية

" مدخل عام "

ظهرت التصورات العلمطبيعية حول منشأ الاضطرابات النفسية في منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، وما زالت حتى اليوم تستخدم في إطار علم النفس التطبيقي باعتبارها منهج طبي تقليدي. وعلى النقيض من هذا الاتجاه ظهرت ضمن الطب النفسي وعلم النفس المرضي نماذج تفسير نفسية إلا أنها جميعها كانت تشترك في تحديد الشروط الأساسية لنشوء الأعراض المرضية النفسية والسلوك المضطرب في البيئة الداخلية للفرد المعزول عن الشروط الخارجية لمدى بعيد. وبالمقابل فقد تطورت نماذج علمية اجتماعية تراعي البعد الاجتماعي للاضطرابات النفسية وقد جلب كل من الاتجاه النفسي والاتجاه الاجتماعي رؤى أساسية في الأسباب المرضية للاضطرابات النفسية، الأمر الذي يبرز أهمية التعاون بين هذه الاتجاهات.

واستنادا إلى ذلك يعتبر الفرد وحدة بيولوجية–نفسية محددا في نشاطه الحياتي بالظروف الاجتماعية وبالبيئة. والوجود الإنساني مرتبط أساسا بالتناقضات بين الفرد والمحيط. ففي كل مرحلة من مراحل النمو الإنسان وتطوره تواجه الفرد متطلبات نوعية جديدة.

ووفقا لقوانين التطور الجدلية فإن هذه التناقضات بين الإنسان وبيئته قابلة للموازنة والتعويض دون أية عواقب سلبية إلا أنه عند فشل تحقيق عملية التوازن من خلال ظروف داخلية / وخارجية وعندما تقود محاولات إعادة استقرار الجهاز إلى إرهاق Stress قدرة التكيف والتصرف عند الإنسان فإن هذه التناقضات تقود إلى اضطراب العلاقة بين الإنسان والمحيط وهذا يقود إلى تعويضات بنيوية ووظيفية.

عموما يمكن النظر للاضطرابات النفسية على أنها عواقب المواجهة الفردية مع شروط الوجود المتناقضة، وذلك عندما لا يتمكن الفرد من حل التناقضات بصورة فعالة أو لا يستطيع حلها إطلاقا.

وبهذا المعنى يمكن النظر للعصابات على أنها اضطرابات في الشخصية ناشئة عن صراع الإنسان مع الواقع المحيط وعن الصراعات التي تحطم الروابط الاجتماعية وتعزله.

منطلق الصراع الأساسي هو عدم التوافق بين متطلبات الحياة وشروط السلوك الفردي في مرحلة محددة من تاريخ الحياة على الأغلب. وعدم توافق هذا ينشأ نتيجة لتبدل متطلبات النشاط أو نتيجة لأحداث الحياة القدرية أو لتبدل في قدرات الإنجاز عند الإنسان، ويمكن أن يلاحظ على شكل " أزمة توجه حياتيه موضوعية " (Schroeder, 1981)

وتظهر هذه التناقضات بين الفرد وشروط الواقع الاجتماعي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وعلى أساس هذه التناقضات يمكن أن تتشكل الأعراض النفسية والجسدية في المواقف المشحونة ذاتيا بالصراع والتي يمكن اعتبارها " ظواهر تنظيم " Regulations Phenomena

والمخطط التالي المقتبس عن شرودر Schroeder, 1981, S22 يقدم نموذجا للمراحل المختلفة بدءا بالمعارضة حتى بناء الارتكاس النفسي الإعاشي على شكل اضطراب نفسي.



جدول (1): مراحل تذليل المتطلبات مترافقة بازدياد شدة اللاستقرارية

Schroeder,

I
II
III
IV

توازن معرفي

تمثيلassimilation

تكييف Accommodation
تنشيط التصرف من خلال انفعالات سلبية وإدراكات تهديد
إرهاق Stress، كمتلازمة تلاؤم طويل المدى
بناء العرض النفسي الإعاشي

معرفة
إدراك التهديد

قلق
إدراك التهديد

قلق

إرهاق Stress

متطلبات
استراتيجيات حماية ودفاع اضطرابات إعاشية








نقطة الانطلاق هي في التفاعل الفعال للشخصية مع محيطها. ففي المرحلة الأولى للتوازن المعرفي يتم تمثل الخبرات الجديدة وإدراجها ضمن مفهوم المحيط دون إشكالية، فالفرد السليم نفسيا وجسديا يتفاعل بصورة ناجحة مع محيطه. في مرحلة تنشيط السلوك وفي حالة عدم كفاية قدرات السلوك الراهنة يتم حشد كل الموارد الاجتماعية والمادية، وهنا تحتل القدرات الفردية للشخصية مكان الصدارة. ومن أجل مواجهة مثل هذه الحالة من الإرهاق Stress الحاد يتطلب الأمر هنا تنشيط محيط دعم اجتماعي. وفي مثل هذه المرحلة يكمن أن يتشكل التهديد والقلق المعرفيين كنتيجة للتناقض مع معطيات المحيط وحين يصبح إشباع الحاجات الأساسية والثانوية مهددا وفي حال فشل الحل المعرفي للصراع الناشئ.

وفي مرحلة الإرهاق Stress المزمن (المرحلة الثالثة)، الناجمة عن فشل حل الموقف المشكل يظهر سلوك غير فعال وغير هادف متأثر بقرارات عارضة، وغالبا ما يتم تغيير استراتيجيات السلوك. ومن خلال رفع مستوى الإثارة تميل الشخصية إلى زيادة النكوص للأنا، وفي هذه المرحلة يظهر إلى جانب القلق والتهديد المعرفيين إرهاق متطلبات. وبهذه الطريقة تتشكل مواقف صراع ذات أهمية مرضية. هذه الحالة ومركباتها النباتية متعلفة بالجملة العصبية الإعاشية Vegetative Nerves System تذكر عادة في أبحاث الإرهاق Stress عند سيلي Selyتحت مصطلح " متلازمة التلاؤم " Adaptation Syndrome

أما الانتقال إلى ظهور الاستجابة النفسية -الإعاشية فيتصف بأزمة التوجه ويظهر هنا نوع جديد من مواجهة الموقف إذ تتشكل استراتيجيات حماية ودفاع وكذلك اضطرابات إعاشية. وحسب رؤية بعض المتخصصين في المجال النفسي الجسدي فإن اختيار العضو المعني يتم وفق اللاستقرارية النفسية لهذا العضو (أنظر لاحقا) وفي هذا الطور تؤثر آليات يمكن أن تقود في المجال الإعاشي إلى حالة الاستنفار. ويمكن أن لمراقبة الذات أن تتفاقم لتصل إلى التوهم المرضي (المراق Hypochondria. وتؤثر إلى جانب سمات المتطلبات كفاءات الشخصية النوعية في مواجهة الموقف.



2- لمحة تاريخية عن تطور مفهوم العصاب

كان أول من استخدم مفهوم العصاب الطبيب الاسكوتلندي كولينCullen عام 1776 للإشارة إلى كل الأمراض غير الالتهابية للجهاز العصبي والنفسي ومنذ ذلك الحين تضيق مفهوم العصاب بصورة مضطردة، ففي البدء تم فصل مفهوم العصاب عن الأمراض العصبية العضوية، وبهذا فصل أيضا عن الذهانات العضوية.

وفي مرحلة لاحقة، ونتيجة التحسن المتزايد للوسائل والطرق التشخيصية تم فصل اضطرابات النمو النفسي في الأمراض الجسدية (مثل تضررات الدماغ والأمراض الغدية) عن العصابات وهذه المرحلة تمدد حتى الوقت الراهن.

والخطوة التالية، والتي اختلف عليها لفترة طويلة، غير أنها كانت من الناحية العيادية ضرورية وهي فصل العصابات عن الذهانات داخلية المنشأ: فالذهانات يمكن فهمها في أعراضها وظهورها بشكل محدود جدا وتتطور ضمن قوانين خاصة فيها ويساهم المحيط في تكونها مساهمة جزئية، وتترافق مع تعقيدات دائمة للشخصية، وفي حين أن.... العصابات قابلة للتحديد من الناحية النفسية ويمكن فهمها في إعراضها وتطورها.

عدا عن ذلك فقد تم مجرى الوقت فصل الاستجابات الصراعية (ردود الفعل الناتجة عن الصراعات والتطورات النفسية ذات المنشأ المرضي) عن الاضطرابات العصابية وقد أكد علم النفس المرضي والمجرى والأسباب والطرق المختلفة في المعالجة على صحة هذا الفصل.

في العقود الأخيرة حصل التوسع لمفهوم العصابات حيث استخدام غالبا لكل الاضطرابات وأنماط الاستجابات غير الذهانية.

ويمكن تحديد أطوار دراسة وبحث العصابات في أربع مراحل :

- المرحلة الأولى بدأت ببناء المفهوم الإغريقي للهستيريا، وامتدت حتى شاركوت الذي تمكن بواسطة التنويم التغلب على الهستيريا ومعالجتها.

- المرحلة الثانية كانت مساعي فرويد لبناء نظرية في العصابات ومرحلة قيام العصاب التجريبي من قبل بافلوف.

- المرحلة الثالثة تتصف بالتحليل النفسي الذي قام به فرويد واستمرار الاتجاه التجريبي في العصابات.

- المرحلة الرابعة وتمتد حتى الوقت الراهن، وتتصف بمحاولة الدخول إلى الآليات الأساسية للعصابات على أساس المرحلة السابقة... بوساطة طرق حديثة (كيمياء بيولوجية كيمياء النسج........الخ).

من الناحية التشخيصية هناك صعوبات في تشخيص العصابات ناتجة من أن العصابات عبارة عن مفهوم شامل يضم مجموعة من صور الأمراض النفسية المختلفة، والتي لا يجمع بينها منشأ سببي واحد.

تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى إن حوالي 15% من السكان مصابيين بأحد أشكال العصابات في البلدان الصناعية واستنادا للإحصائيات العالمية فإن عدد النساء العصابات في جميع أنحاء العالم أكثر عدد من الرجال العصابيين.

ويترافق الاضطراب العصابي مع تضرر بالغ في القدرة على الإنجاز أو في الشعور بالسعادة في الحياة، مما يؤدي إلى إعاقة الإنتاجية وبالتالي لا تعتبر ضرورة إنشاء العيادات النفسية ضرورة صحية فحسب بل ضرورة اجتماعية أيضا.



3- وصف عام للعصابات

إن من يتعامل مع مفهوم العصابات وتشخيصها عليه معرفة موضوع تحليله بصورة دقيقة. وليس هذا مجرد مغامرة بسيطة في مجال العصابات.

النقاط التالية المقتبسة عن كرايكر ( Kraiker) تقدم وصفا عاما لموضوع التحليل :

العصابات هي شذوذات سلوكية أو عادات مستمرة طويلا شديدة الأثر تشتمل على اضطرابات القدرة على البناء الفعال للعلاقة المتبادلة بين الشخص ومحيطه.

العصابات لا تنشأ عن طريق الأضرار البنيوية أو العضوية الوظيفية مباشرة بل من خلال الخبرة.

إنها تنشأ في مجرى تطور أو نمو إنسان ما من خلال خبرات معينة (عمليات تعلم – خبرات -) فالمنشأ النفسي هنا هو سمة أساسية من الناحية التشخيصية التقريقية.

الرؤية المرضية عند الشخص المعني تكون موجودة حتى لو كانت محدودة جدا أي أن هناك إدراك للاضطرابات عند الشخص المعني. ولو كان هذا الإدراك هشا نوعا ما.



أسباب الاضطراب

تكون بالنسبة للشخص المعني لا شعورية أو شعورية جزئيا.

لا يستطيع الشخص المعني ضبط أنماط السلوك العصابي لديه ويصوره كافية وبالتالي لا يستطيع تجنبها.

تنتج العصابات عند الشخص المعني شعورا بالمعاناة.

العصابات هي اضطرابات ناتجة عن الخبرة ومن هنا يتم فصلها عن الاضطرابات المشروطة بالخبرة مثل ردود فعل الإرهاق الحادة وعن الاضطرابات التي تساهم فيها الخبرة بدرجة كبيرة مثل الذهانات والإدمانات، والانحرافات الجنسية، وذلك من حيث المنشأ ومن ناحية شكل التطور والأعراض المرضية النفسية.

4- تعريف العصابات في الاتجاهات المختلفة

تتصف النظريات والتطبيقات العلمية الراهنة للعصابات النفسية باستنادها على العديد من النماذج العلمنفسشخصية. كما أن هناك أنواع خاصة من النماذج النفسية التي تستند على رؤى محددة حول الشخصية.

فالكثير من محاولات التفسير النفسية العصابية تقوم على مبادئ التعلم، وتصنف تحت النموذج النفسي لنظرية التعلم.

أما النموذج النفسي الأول من الناحية العلمية، والذي ما يزال مستخدما حتى اليوم فهو نموذج التحليل النفسي.

وهناك ثالثا النموذج الإحصائي لعلم نفس الشخصية الذي يقوم على نظام من المفاهيم الوصفية للأشخاص مستنتجة من " تشخيصات الشخصية ".

وعموما فأن طريقة تعريف العصابات تتعلق بدرجة كبيرة بوجهة نظر الملاحظ أو الباحث، والنقاط التالية تتناول تعاريف العصابات وتوضيح المقصود منها :

1- العصابات هي اضطرابات نفسية، دون أي أساس عضوي قابل للبرهان يمكن للمريض فيها أن يملك رؤى (أراء أو وجهات نظر) مشوهة. ولك إدراك الواقع يكون غير مضطرب لديه ولا يخلط عموما بين خبراته الذاتية والمرضية وخيالاته مع العالم الخارجي أما السلوك فيمكن أن يكون متضررا بشدة رغم أنه يبقى عموما ضمن حدود مقبولة اجتماعيا وتبقى الشخصية محافظة على ذاتها أما الأعراض الأساسية فهي تشتمل على قلق واضح واكتئاباتICD-8

هذه المقولات تقوم على محاولة تحديد تعريف وضعي جامع للعصابات يتم من خلاله تفريقها عن الذهانات والاضطرابات العضوية ويصبح هذا التعريف أكثر تمايزا من خلال تعداد الأعراض.

2- العصاب هو اضطراب محدد عند شخص يكون فيما يكون فيما عدا ذلك سويا، يملك تواصلا مع المحيط، ومتلائم بصورة كافية باستثناء مجالات معينة، الأشخاص العصابيون يملكون مشاعر قلق وأفكار أو دوافع، أو يقومون بتصرفات يشعرون أنها غريبة عن الأنا، () ورغم ذلك، يجدون أنفسهم مجبرين على التفكير والإحساس والقيام بها، الأعراض العصابية تبدو أنها غريبة غير مسببة عضويا، أنها محددة، وغريبة عن الأنا ويمكن التفريق بصورة واضحة بين الأعراض العصابية وسمات الشخصية الأخرى في خبرة الشخص.

يشبه هذا التعريف السابق أعلاه، إلا أنه يتضمن إضافة إلى ذلك مفاهيم ديناميكية مثل غرابة الأعراض عن الأنا.........

3-العصابات هي محاولات تحويل أو محاولات حل فاشلة لصراعات لا شعورية، طفولية من حيث المنشأ ـ تم تتشيطها من خلال مواقف حالة (من وجهة نظر التحليل النفسي).

يتضمن هذا التعريف فرضية ديناميكية حول منشأ وسبب العصابات.

4- السلوك العصابي هو :

أ‌- سلوك متعلم

ب‌- سوء تكيف

بناء المنعكسات الشرطية يشارك في أغلبية الأعراض العصابية ( Eysenck,1960 )

هذا التعريف القائم على أساس نظرية التعلم. يعرض مقوله عن منشأ العصابات ويتجنب وضع نظرية تصنيفية مرضية ( nosological Theory) ويحدد المنشأ من خلال سوء تكيف السلوك



5- القيمة المرضية للاضطرابات العصابية
تتحدد رؤية القيمة المرضية للعصابات بوجهة نظر الباحث، فقد ناقش ك. زيدان (Seidel) مفهوم المرض في الطب النفسي وأشار إلى أن طبيعة مفاهيم "الصحة" و "المرض" تصبح أكثر وضوحا عند مراعاة علاقة الفرد بالمجتمع." على ما يبدو يتعلق الأمر في تحديد مفهوم المرض بإيجاد معيار يراعي العلاقة الجدلية بين البعد البيولوجي للإنسان وظروفه الاجتماعية، من ناحية ويحدد من ناحية أخرى أسباب وتأثيرات الحوادث المرضية النابعة من العضوية والشروط والنتائج الاجتماعية للمرض. وبذلك يمكن الحديث عن الصحة عندما يكون الفرد حسب الشروط المباشرة الخاضع لها – أي حسب تطوره الشخصي والمهني وحسب مكانته في المجتمع – في وضع يحقق فيه التلاؤم الأمثل ومع الشروط الملموسة (المباشرة) القائمة وفي حالة من الإحساس بالصحة النفسية والجسدية، أما المرض فيكون موجودا عندما ينعدم التلاؤم الأمثل على أساس وظائف الاضطراب في وظائف الجسد أو على أساس تضرر كفاءة الإنجاز النفسية والتغلب النفسي على مواقف الحياة المباشرة. وعلى هذا الأساس يمكن تحديد مجموعة من الشروط التي يجب توافرها من أجل تسمية اضطراب معين على أنه "عصاب"، ويمكن تحديد الصورة المرضية وفق الإجراءات التشخيصية المعتادة بالطريقة التالية (Klumbies)

1- ينبغي وجود اضطرابات في القدرة على البناء الفعال للعلاقة المتبادلة بين الشخصية ومتطلبات الواقع الموضوعية مع تقيد في إحساسها الجسدي والنفسي والاجتماعي بالعافية، أي يجب وجود اضطراب في الصحة.

2- يجب توافر أعراض نفسية و/ أو جسدية أو وجود آلام غير قائمة على أساس تبدلات عضوية مرضية قابلة للبرهان.

3- يجب أن يتعلق الأمر باضطرابات شروط بالخبرة، وبهذا يجب استبعاد وجود أمراض أخرى مكتسبة مثل : اضطرابات تسممية، صدمات دماغيه، التهابات، حساسية....الخ.

4- يجب استبعاد وجود اضطرابات أخرى أو مشروطة جزئيا أو بشكل كبير بالخبرة والتي تتصف بأعراض مرضية مثل الذهانات والتسممات والانحرافات الجنسية.

5- يجب أن يتعلق الأمر باضطرابات ذات تأثير شديد ومستمر مع قيمة مرضية، وهنا يتم فصل العصابات عن استجابات الصدمة واستجابات الألم والقلق العابر (أنظر الشكل 1)









ويؤكد توله (Toelle, 1981) أن المظهر العيادي لمشكلة العصابات يكتسب أهمية متزايدة، فمن ناحية عيادية يجب القول: أن العصابات هي أمراض،وحسب رأيه فأن مفهوم "المرض" قد عرف حتى الآن من جانب أحادي، ألا وهو المنشأ المرضي العضوي أو الجانب العضوي فقط، ومن المهم مراعاة البعد النفسي والاجتماعي، ويجب اعتبار العصابات مرضا دون أن يتطلب ذلك توسيع لمفهوم المرض بالضرورة.

ويذكر توله الأسباب التالية :

الأول: المظهر الظواهري (Phenomenological Aspect) فالعصابات هي اضطرابات نفسية و / أو جسدية في الصحة، وبذلك يكون هناك عرض عيادي، وفيما يتعلق بدرجة الشدة، فإن مجال الاضطرابات واسع جدا، إضافة إلى أن الأشكال الخفيفة من العصابات يصعب فصلها عن الصحة والسواء. إلا أن ذلك ليس سمة أساسية للعصابات وحدها وإنما يطبق كذلك على أمراض نفسية أخرى.

ثانيا : يمكن التعرف على الطبيعة المرضية للعصابات من خلال المعابر الموجودة بين العصابات النفسية والعصابات العضوية، وبين الذهانات كذلك.

السبب الثالث: هو أن سير العصابات يعلمنا أن العصابات يجب اعتبارها أمراض أيضا، فالعصابات يمكن أن تتطور انتكاسات أو بصورة مزمنة، ويمكن أن تقود إلى إعاقة الشخصية، وغالبا ما تقود إلى الإحالة المبكرة عن العمل، وكما في كل الأعراض النفسية توجد أيضا في العصابات فروقا واضحة في شدتها ومستقبل شفائها.

رابعا : إن منشأ العصابات ليس منشأ نفسيا فقط، بل يجب مراعاة الأرضية الو راثية في منشئها وهناك عوامل دماغية عضوية يجب مراعاتها أيضا.

أن تعريف العصابات على أنها اضطرابات رجعية نفسية أو سوء تنظيم نفسي غير كاف، إن نموذج المنشأ المرضي متعدد الأبعاد للأمراض النفسية الأخرى.

يختلف فقط من ناحية التأكد أو من ناحية إبرازه لوجوه معينه دون أخرى.

وكسبب خامس يجب ذكر علاج العصابات : إن مظاهر وجزئيات الإجراءات في معالجة العصابات تختلف عن الاضطرابات النفسية، ورغم ذلك فإن علاج العصابات هو علاج مرضي.



6- العصابات والأمراض النفسية والجسدية
الفرق بين العصابات واضطرابات الوظائف النفسية–الجسدية بالدرجة بالأعراض، فالعصابات تمتلك أعراضا نفسية، بينما اضطرابات الوظائف والأمراض النفسية الجسدية تمتلك بالمقابل أعراضا جسدية.

غير أن العصابات تترافق أيضا بآلام جسدية، فالمريض يشكو على سبيل المثال من الأرق، وآلام الرأس والبطن، إلا أن المرض الأساسي هو نفسي : القلق، الهيستيريا، القسر، القلق المراقي، الرهاب، التحويل....الخ. وهذه تشكل حالة معاناة. إن تحديد العصابات وفصلها عن اضطرابات الوظائف النفسية الجسدية ليس دقيقا غالبا ما تلاحظ إلى جانب العرض الجسدي الأساسي أعراضا نفسية.

ويؤكد بوركله وشاد (Buerkle & Schad) أن علم العصابات العام والخاص والتابع للمجال النفسي الجسدي (Psychosomatic) وللاضطرابات النفسية الجسدية ولأساليب المعالجة النفسية، فالاضطرابات النفسية العصابية والنفسية الجسدية، متشابهة من حيث المنشأ، ولا يستطيع المرء الاستغناء عن تشخيص عصابي نفسي في معالجة جسدية مفيدة. ومنذ الثلاثينات من القرن العشرين تم التفريق بين اضطرابات الوظائف النفسية والجسدية والأمراض النفسية الجسدية، غير أن الحدود لم توضع بينهما بدقة إطلاقا. فالأمراض الجسدية والأمراض النفسية هي أمراض جسدية ساهم منشئها المرضي، وفي التبدلات التشريحية التي تظهر في مجرى المرض غالبا ما تلاحظ هذه الأمراض في مجال الطب الداخلي وتعتبر غير قابلة للتفسير نشوئيا وعلاجها الدوائي غير مضمون (Schaeffer, 1986)

في الثلاثينات من القرن العشرين نشأ الطب النفسي الجسدي من خلال الارتباط بين المحللين النفسيين الألمان المهاجرين إلى أمريكا وبين الطب النفسي الأمريكي.

وقد قام الطب النفسي الجسدي ببحث العلاقات النفسية الجسدية بطرق تحليلية نفسية، وقد تم ذلك في البدء على الحالات الفردية من خلال المقابلة والمجرى السيروري والمحاولات الفيزيونفسية، وقد اتجه البحث نحو خصوصية سمات الشخصية. وقد احتل السؤال التالي مركز الصدارة في الأبحاث الجاريه: هل هناك بنية شخصية خاصة يملكها كل مرضى الربو، كل مرضى القلب، كل مرضى الكولون، كل مرضى القرحة....الخ ؟

واشتهرت في هذا المجال ف. دنبار ( F. Dunbar,1943 ) التي أرادت بحث شخصية مرضى الذبحة الصدرية فغي أربعينيات القرن العشرين، فاكتشفت الشخصية ذات الاستعداد العالي للحوادث، وبرز أيضا غلاتسيل (Glatzel, 1945) الذي صمم نموذج شخصية القرحة، الذي ما زال تأثيره حتى اليوم.

وتيمان (Thieman,1985) بطرحه لشخصية الربو الشعبي. إلا أن الحدود بين بنى الشخصية تلك لم تكن واضحة حتى أن فرضية خصوصية الشخصية لم تستطيع الصمود، فقد كانت جامدة بطرحها، لدرجة أنها لم تستطيع الصمود أمام ملاحظات تبدل المرض على سبيل المثال. ومن هنا اتجه اهتمام البحث النفسي الجسدي إلى مواقف الصراع النوعية فيما يتعلق بنشوء الأمراض النفسية الجسدية. فقد درست مراحل نمو الشخصية التي طورها التحليل النفسي (الفمية والشرجية والقضيبية) في علاقتها بمنظومة العضو المصاب، وهنا تم بحث التثبيت في هذه المراحل أو الكنوص إليها، وهنا وجد المرء أن جهاز الهضم مثلا على علاقة بوظائف التقبل /الرفض وبوظائف الإخراج/ الإبقاء، وقد طرح السؤال التالي إلى أي مدى يمكن أن يتعلق المرض النفسي الجسدي المعني بالتثبيت أو بالنكوص إلى مجالات الوظائف هذه وبعمليات تحرير أو إطلاق الدافع هذه؟ إلا أن هذه الجهود حول خصوصية الصراعات بقيت دون نجاح أيضاً.

وقد حاول ألكسندر (Alexander, 1951) تفسير خصوصية الصراع من خلال طابعي العدوانية/الحاجة للتعلق والنموذج الأساسي الإعاشي الودى / نظير الودى في علاقتهما بأمراض نفسية جسدية محدده، وتعتبر هذه المحاولة ذات قيمة كبيرة وهي قريبة جدا من تصوراتنا الراهنة رغم كل التبسيط.

إن مشكلة اختيار العضو،ة أي لماذا يعرض هذا العضو بالذات عند هذا المريض بالذات ؟ لم تزل غير مفسره لمدى بعيد، أكثر مما هو الحال قبل نصف قرن، والمعروف هنا أن عوامل وراثية وأضرار تشريحية واضطرابات وظيفية وحوادث إشراط تساهم في ذلك دون تحديد دقيق لمدى المساهمة المنفردة. وفي الحالات الفريدة يعتقد المرء بوجود مكان قليل المقاومة (استعداد سبق للعضو) ( Locus minoris resitentiate) أو مكان شديد الإثارة ( Locus majoris irritapilation) إن البحوث الجارية في الوقت الراهن حول التكتم[1] (Alexethemy) وحول مشكلة فقدان الموضوع وعمليات التعلم الاجتماعية من جهة وعلاقتها بالمجريات الفيزيولوجية التي تجرى في أبحاث النواقل العصبية والأبحاث المناعية من جهة أخرى تبشر بنتائج واعده في هذا المجال.



7- عوامل التطور العصابي

العصاب هو عبارة عن توسيع لمفهوم المرض، الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر والذي كان يرى المرض كمفهوم جسدي خالص، وفي الاضطرابات العصابية يظهر المرض على شكل صراع داخلي واضطرابات في تطور الشخصية، حيث تتصف بتقييد العلاقات الانفعالية والبين– إنسانية. وتتجلى الاضطرابات العصابية من خلال التغيرات في النمو الاجتماعي والداخلي للإنسان، حيث تقود فيه مخلفات الطفولة الباقية مع متطلبات النمو في سن المراهقة وسن الرشد إلى مواقف الصراع التي تتجلى حينئذ في أعراض نفسية أو جسمية.

1-7- النشوء العصابي من وجهة نظر التحليل النفسي

أما فيما يتعلق بنشوء العصابات فلا بد من البدء مع فرويد، فهو لم يقدم تصورات النموذج النظرية فحسب، وإنما قدم في مقالاته مثيرات ما تزال مؤثرة حتى اليوم، فقد افترض فرويد أن سبب العصابات هو صدمات معينة وفسر الاضطرابات من خلال نموذج دافعي – ديناميكي فعال. فمن خلال الصدمات يحصل الجهاز النفسي على كمية كبيرة جدا من الإثارة حيث تقود هذه الصدمات إلى حشد انفعالي.

وإلى جانب الصوره الدافعية الديناميكية الفعال قدم فرويد نموذجا نفسيا لنشوء العصابات فقد عزا إلى مخلفات الذكريات والتصورات من الماضي "الذكريات (Reminiscence) " التي لم تخمد، وما تزال مؤثرة، المسؤولية عن الاضطرابات العصابية.

وهنا نكون قد حددنا البعد الأهم للتحليل النفسي، ألا وهو الخبرات التاريخية للفرد. وفي مرحلة لاحقه تخلص فرويد من مقوله السبب الصادم للهستريا الذي أرجعه في البدء إلى الأغراء الجنسي للطفل من خلال الوالدين، وذلك عندما حدد الإغراء على أنه واقع داخلي وتشكيل فعال، وعلى أنه نموذج خيالي، وعزا نشوء العصاب إلى حتمية دافعية مستقلة نسبيا عن المحيط.

وقد حدد فرويد العلاقة بين الأنا والمحيط من الناحية المفاهيمية على النحو التالي :

عندما نذهب إلى أن كل إدراك -حتى كل إدراك للطفل من الوالدين أيضا-، هو عبارة عن إنجاز فعال وانتقائي وبناء مع تركيبات خاصة للمعنى، ضمن حدود معينة، تحول فيه الحوادث الخارجية إلى خبرة وارتباطات معنى نوعية، فإن تشكيل الخبرات التاريخي هذا قلما يكون قابلاً للتحديد من خلال مفهوم سببي أو من خلال نموذج مثير –استجابة. إن ما يتحول إلى نموذج تصور كما أسماه فرويد، أو خبره نموذجية، هو استخلاص خاص للمعنى. إن ما يعتبر مثير أو إرهاق أو صدمة يكون مقررا في المشروطية التاريخية لعالم الخبرة (Modality) وليس العكس في الحدث الخارجي للواقع.

ومن أجل فهم الاضطرابات العصابية يمكن هنا الاستنتاج أن استخلاص المعنى يكمن أن يتشكل بصوره ما من خلال إضفاء المعنى الشخصي، وإضفاء المعنى هذا يمكن أن يؤدي ضمن شروط متطرفة (عزله، انفصال، متلازمة كاسبر-هاوزر [2]Kasper-Hauser Syndrome) إلى الإجبار على استخلاص معنى سلبي، من نحو قسر الوحدة الداخلية، قسر الشك أو قسر النكوص إلى الأنا الخاصة....الخ.

من ناحية أخرى من المحتمل أن تتسبب الحاجة عند طفل يسعى للتقرب الإنساني في محيط من الدفء والحماية والعلاقة الدائمة، والسريع التأثر بالإحباط والصراعات، بمثل هذا النوع من الإجبار على استخلاص المعنى السلبي.

على أية حال فقد تحدث فرويد بلغته الخاصة عن استثارات الليبدو الطفولي غير المناسب الذي يمكن أن يؤدي (استثارات وطمع الليبدو) إلى سيادة الإحباطات والميول المزدوجة. ومن هنا يوصف – من وجهة نظر شروط التنشئة الاجتماعية الغربية– التباعد بين الحاجات الطفلية والمعطيات الخارجية، ولا تطرح مسالة نشوء العصابات، وإنما مسالة لماذا لا يمرض أغلب الناس عصابيا ؟ (Braeutigeam, 1987 ) و على ما يبدو فإن لا عتبة المثير الداخلي لتأثيرات المحيط عند الإنسان منخفضة جداً، ولا الشروط الصادمة في المجتمع الغربي (عزله... انفصاله...الخ) كثيرة كفاية ليظهر عصاب عند كل شخص.

ومن المهم أيضا في هذا السياق الإشارة إلى مراحل التطور المختلفة لبناء الخبرات وذلك بمعنى النموذج التخلقي (مراحل النمو) Epigenetic لإيركسون (1971).

ففيما يتعلق بالتطور التارخحياتي يجب ألا يتم الانطلاق من مسافة زمنية حيادية ومتوازنة وإنما من مراحل مختلفة للنضج النفسي والجسدي في سنوات العمر المختلفة المرتبطة بمهمات مختلفة لكل مرحلة، وبتأثير متبادل فعال للشخص مع محيطه، هذا يعني أن هناك نقاطا حديثة في التطور تمثل لحظات حرجة للخبرات النموذجية والتي لا تكون قابلة للإعادة وللتعويض حسب الرغبة.



2-7- النشوء العصابي من وجهة نظر نظرية التعلم

ككل سلوك آخر، يعتبر السلوك العصابي، من وجهة نظرية التعلم، سلوكا متعلماً أيضا ويعتبر التعلم هنا كل تشكيل أو تعديل دائم لأنماط السلوك الخارجية والداخلية (الاستنباهيه الداخلية والخارجية Intro-Extroceptive ) التي تظهر كنتيجة للتدريب أو الخبرة. والتعلم يتم في إطار النموذج البافلوفي للإشراط الإجرائي، مثال التعلم من خلال النجاح، أي من خلال الشروط الخارجية التي تقوى أو تكبح نمط استجابة معينة، وبوساطة الثواب أو السلوك المقبول، أو بوساطة عقاب سلوك ما يمكن تقوية استجابة سلبية أو إيجابية.

وكمثال على الاضطرابات العصابية غالبا ما تذكر نظرية التعلم، الرهابات مثل رهاب الحيوان والأعراض القسرية. وتعتبر الرهابات استجابات متعلمة لمثيرات مسببة للخوف والتي لا تختفي في العادة وإنما تستمر لأنها ترتبط بمثيرات مسببة للخوف (إشراط إجرائي) وهكذا ترتبط المشاهدة الأولى لكلب أو عنكبوت أو أفعى... الخ تقريبا مع الموقف المثير للخوف مع فيض استثارة من خلال المثيرات على كل المجالات أو من خلال مثيرات غير قابلة للتطابق مع بعضها في اتجاهاتها الدافعية أو تنافرها (Dissonance ) المعرفي.

وبهذا تتوفر الشروط التي تحافظ علىاستجابة الخوف كسلوك رهابي. ولعل قوة نظرية التعلم تكمن في معطياتها التجريبية، المكتسبة من خلال التجارب على الحيوانات والتي غالبا ما تجرى على الكلاب أو القطط أو الفئران.

وتعتبر مشكلة تعميم الحياة الطبيعية مسالة ليست سهلة الحل. إن أغلب الأعمال والمراجع العلمية تعتمد على شروحات أساسية لنظرية التعلم وعلى المعطيات التجريبية على الحيوان أكثر من اعتمادها على أمثلة عيادية. وعندما يتمسك المرء بمبادئ نظرية التعلم، أي عندما يعتبر فقط أن ما يكون قابلا لأن يجعل إجرائياً وما يمكن اختباره تجريبيا هو الأكيد، فلن يتقدم بالمعرفة التجريبية حول أسباب الاضطرابات العصابية.

وغالبا ما يتم التأكيد على ردود الفعل (الاستجابات) الثانوية على العصابات مثل التجنب العام للرهابي واكتساب المرض الثانوي لاضطراب القسر كسبب للعصابات. وتبدو إحدى صعوبات التفسيرات النظرية التعلمية في أن نمط السلوك العصابي، الذي لا يمكن إرجاعه إلى اكتساب ثانوي للمرض، يعداستجابة غير توافقية وغير متناسبة مع الموقف، ويظهر تقييداً محدوداً للقدرة على التعلم في مواقف جديدة ملائمة. هذا يعني أن تفسير الاضطرابات الرهابية، وكذلك أيضا كل الظواهر المرضية النفسية، لا يمكن أن يتم من خلال آليات التعلم وحدها.

وهنا يفترض أن محددات متعددة وتأثير عوامل غير معروفة من المحيط تكون من المسببات في نشوء الاضطرابات العصابية.



8- التصنيف
1-8 إشكالية التصنيف في علم النفس المرضي

تعد الوظيفة التواصلية هي الوظيفية الأساسية للتصنيف، وهي تهدف إلى تقديم معلومات حول المنشأ والتطور المرضي etio-pathogenesis والتنبؤ و دواعي Indications المعالجة. ومن هنا ينبغي للتصنيف أن يكمن من ترتيب المرضى في فئات تشخيصية، واستخلاص علاقات ترابطية حول أسباب الاضطرابات النفسية، إضافة إلى الوظيفة الاستطبابيه Indications للتصنيف، أي طريقة المعالجة التي تقدم نتائج إيجابية.

وتعتبر التصنيفات في مجال علم النفس المرضي من أكثر التصنيفات المختلف عليها وذلك بسبب الرؤى المختلفة حول طبيعة الأمراض والاضطرابات النفسية، وتواجه منظومات التصنيف النفيسة المرضية القائمة حاليا الكثير من الاعتراضات، على الرغم من التقدم فيها الذي انعكس بشكل كبير على تفتيت مفهوم العصابات كوحدة تصنيفية في منظومات التصنيف العالمية ICD-10 و DSM-III-R و DSM--IVويمكن اختصار إشكالية التصنيف في مجال علم النفس المرضي بالنقاط التالية :

1. لا يمكن للتصنيفات أن تحقق وظيفتها التواصلية إلا إذا كانت الفئات التشخيصية متمايزة وموضوعية و موثوقة وصادقة من ناحية ومن جهة أخرى يعد التوافق غير الكافي بين المشخصين ونقص الثبات بين التشخيصين الأول والثاني لشخص ما دون أن يكون بين التشخيص الأول والثاني أية معالجة نفسية تعيق تحقيق الوظيفة.

2. الفائدة المحدود جدا للتصنيفات الطبنفسية بالنسبة للمعالجة: إن تطور أبحاث التصنيف يتم بصورة مستقلة غالبا عن المعالجة وخصوصا عن أبحاث المعالجة النفسية وغالبا ما تتم المعالجة وفق التوجه النظري للمعالج وليس طبقا للتشخيص.

3. لا ترتبط منظومات التصنيف النفسية المرضية المستخدمة بمعيار محدد، ويتعلق التشخيص بالأساس النظري والقدرات التشخيصية والعمليه للشخص وبعوامل الزمن وبالعلاقة بين المتعالج بالمعالج وبعوامل أخرى كثيرة. مع العلم من وجود معايير تشخيصية محددة بدقة كبيرة ومجربة على المستوى العالمي في إطار منظومات التشخيص العالمية، إلا أن استخدامها وتطبيقها على الأغلب يتم لاعتبارات متعلقة بالتأمين الصحي.

إضافة إلى وجود عدد كبير من منظومات التصنيف التي تصعب مقارنتها وتوحيدها مع بعضها. وأخيرا لا بد من الإشارة على أن أغلب منظومات التصنيف النفسية القائمة (باستثناء التطورات الأخيرة في DSM-III, DSM-III-R, DSM-IV وفي ICD-10) تقوم على نموذج المرض لكريبلين والتي تنطلق من أن ضرر مرضي معين يؤدي إلى إثارة سيرورة مرضية وهذه السيرورة تقود على أعراض وقانونيات تطور مرضية محدد وواضحة.



2-8- تصنيف الاضطرابات العصابية

1-2-8 تصنيف العصابات حسب العرض الغالب.

ويمكن للتصنيف أن يتم وفقا للمنشأ المرضي أو حسب العرض الرئيس الغالب في الاضطراب. وتصنيف منظمة الصحة العلمية يتبع مبدأ الأعراض. ويقدم جدول (2)

تقدم عرضا لصور الأعراض العصابية، الذي كان متبعا في التشخيص العالمي للاضطرابات النفسية. الطبعة التاسعة ICD-9 المصنف ضمن مجموعة التشخيص رقم (300). و الهدف من هذا العرض على سبيل المقارنة، وإعطاء لمحة عن التطور الحاصل.

الكود
التشخيص
الكود
التشخيص

300
العصابات
300-4
الاكتئاب العصابي

300-0
عصاب القلق
300-5
النيوراستانيا

300-1
الهستيريا
300-6
متلازمة الاغتراب العصابية

300-2
الرهاب Phobia
300-7
توهم المرض

300-3
العصاب القسري








ويقدم جدول (3) عرضا لمجموعة مختارة الاضطرابات العصابية واضطرابات الإرهاق، والاضطرابات العصابية ذات الشكل الجسدي مقتبسا عن الطبعة العاشرة من التصنيف العالمي للاضطرابات النفسية – الطبعة الألمانية – ICD-10والمدرجة ضمن مجموعة التشخيصية F.4 والهدف من وراء ذلك هو تقديم عرض يمكن القارئ من المقارنة في التحول الذي طرأ على تصنيف الاضطرابات النفسية في مجال العصابات (أنظر أيضا فقرة اتجاهات ورؤى مستقبلية).











الكود
التشخيص
الكود
التشخيص

F.40
الاضطرابات الرهابية
F.44
اضطرابات تفككية (اضطرابات تحويل)

F.40-0
رهابات الأماكن العامة
F.44.0
فقدان ذاكرة تفككية

0.0
دون اضطرابات هلع
F.44.1
الشرود التفككي

0.1
مترافق باضطراب هلع
F.44.2
السبات التفككي

F.40-1
الرهابات الاجتماعية
F.44.3
الغشوة وحالات الاستحواذ

F.40.2
رهبات نوعية منفصلة
F.44.4
اضطرابات الحركة التفككية

F.41
اضطرابات قلق أخرى
F.44.5
نوبات التشنج التفككية

F.41.0
اضطرابات هلع (قلق عَرَضي حاد)
F.44.6
اضطرابات الإحساس والحساسية التفككية

F.41.1
اضطرابات قلق معمم
F.44.7
اضطرابات تفككية (اضطرابات تحويل) مختلطة

F.41.2
اضطرابات قلق واضطرابات اكتئابية أخرى مختلطة
F.44.8
اضطرابات أخرى

F.41.3
اضطرابات قلق مختلطة أخرى
80
متلازمة غانسر

F.41.8
اضطرابات قلق نوعية أخرى
81
الشخصية المركبة

F.42
اضطرابات القسر
82
اضطرابات تفككية عابرة (اضطرابات تحويل) في الطفولة والشباب)

F.42.0
أفكار قسرية وتأملية
F.45
اضطرابات ذات شكل جسدي

F.42.1
تصرفات قسرية
F.45.0
اضطرابات تجسيد

F.42.2
أفكار وتصرفات قسرية
F.45.1
اضطرابات تجسدي غير متمايزة

F.43
استجابات شديدة على الإرهاق واضطرابات التكيف
F.45.2
اضطرابات توهم مرضي (مراق)

F.43.0
استجابات إرهاق حادة
F.45.3
اضطرابات الوظيفة الجسدية المستقل

F.43.1
استجابات إرهاق ما بعد الصدمة
30
اضطرابات جهاز القلب والدورة الدموية

F43.2
اضطرابات تكيف
31
اضطرابات وظيفية في الجهاز المعدي معوي الأعلى

20
استجابات اكتئابية قصيرة
32
اضطرابات وظيفية في الجهاز المعدي المعوي الأسفل

21
استجابات اكتئابية أطول
33
اضطرابات وظيفية في الجهاز التنفسي

22
استجابات قلق واستجابات اكتئابية مختلطة
34
اضطرابات وظيفية في الجهاز البولي

23
مترافقة مع تضرر كبير في المشاعر الأخرى
F.45.4
اضطرابات ألم جسدي الشكل مستمر

24
مترافقة مع اضطراب كبير في السلوك الاجتماعي
F.45.8
اضطرابات أخرى

25
مترافق باضطراب مختلط للمشاعر والسلوك الاجتماعي
F.45.9
اضطرابات غير محددة بدقة

28
اضطرابات توافق خاصة أخرى
F.48
اضطرابات عصابية أخرى

F.43.8
اضطرابات أخرى
F.48.0
نويروستانيا (متلازمة الإنهاك)

F.43..9
اضطرابات غير محددة بدقة
F.48.1
(اضطرابات) متلازمة اغتراب الواقع واغتراب الشخصية






2-2-8 – بعض أشكال أعراض الاضطرابات العصابية

يقوم التصنيف للاضطرابات العصابية على تحديد العرض السائد دون مراعاة المنشأ والتطور ودرجة شدة العرض. وهنا يجب الأخذ بعين الاعتبار أن أعراضا أخرى من الممكن أن تلاحظ على جانب العرض المسيطر. وغالبا ما يلاحظ في الممارسة العيادية وجود أشكال مختلطة. أما من ناحية استخدام المصطلحات المختلفة للدلالة على اضطراب نفسي معين فذلك عائد بالدرجة الأولى للخلفية النظرية للمشخص أو المعالج. وسنقدم فيما يلي عرضا مختصرا لصور بعض الاضطرابات النفسية العصابية الأكثر ملاحظة في الممارسة العيادية.

1-2-2-8- اضطرابات القلق

اضطراب القلق هو تركيبة مختلفة من أعراض القلق الجسمية والنفسية، وهذه الأعراض لا يمكن ردها إلى خطر واقعي، وتظهر على شكل حالات قلق أو على شكل حالة دائمة، وغالبا ما يكون القلق منتشرا، ويمكن أن يمتد ليتحول على هلع، ويمكن على جانب العرض الرئيسي ملاحظة أعراض أخرى مثل أعراض القسر أو أعراض هيستيريه، إلا أنها لا تكون سيطرة على الصوره العيادية على المستوى الظواهري يمكن التمييز بين مستويات ثلاثة :

1- المستوى الجسدي،

2- مستوى الوصف الذاتي،

3- مستوى السلوك،

في المجال الجسدي يبرهن بشكل خاص على وجود القلق من خلال عدم انتظام ضربات القلب والتنفس وارتفاع ضغط الدم الانقباضي وتوتر العضلات ويلاحظ ارتعاش وانقباض العضلات. تزداد إفرازات هرمونات الكظر وحمض البنزويكBenzoic acid .

أما على مستوى الوصف الذاتي فغالبا ما يذكر المرضى الأعراض التالية :

إنهم يشعرون بالتوتر وعدم الهدوء، مدفوعين بمخاوف منتشرة، ويتوقعون أشياء غير قابلة للتحديد، وأحيانا يسيطر " القلق من القلق "، ويذكرون أن القلق هو سبب عدم القدرة على التركيز والنسيان، وقابلية الإثارة والشعور بالانقباض ويعبر المرضى عن خوف من الموت وهذه الأعراض الموصوفة واقعة على مستوى الوصف الذاتي لصورة الحالة المرضية.

أما في مجال السلوك فالقلق يؤدي إلى تبدل النشاط الحركي، فمن ناحية يمكن إثبات عدم الاستقرار والقلق المذكورين من خلال الملاحظة الذاتية، ويلاحظ من جهة أخرى نكوص في إمكانات السلوك – فالمرضى يتراجعون في تمكنهم من إنجاز الأعمال المعتادة، أو أنهم يتخلون عن كثير من الأعمال لأنهم لا يشعرون أنهم في وضع جسدي يسمح لهم بالقيام بها.

ومن الناحية التشخيصية التفريقية هناك صعوبات في تمييز اضطرابات القلق عن الاكتئابات داخلية المنشأ أو الفصام البسيط وعن أعراض الاضطرابات الأخرى مثل اضطرابات توهم المرض، والاضطرابات الوظيفية لأن القلق يعتبر مكونا أساسيا في الأمراض النفسية المنشأ أيضا. عند تشخيص " اضطراب القلق " يشكل القلق غير القابل للإثبات موضوعيا الأساس.

2-2-2-8- الاضطرابات الرهابية

على العكس من اضطرابات القلق فإن الرهابات phobia بأشكالها المختلفة هي عبارة عن قلق – موضوع محدد، أو قلق – موقف محدد، ومن هنا يطلق المرء على هذه الحالة مصطلح الخوف (الرهاب) Phobia ولأن المثير المسبب للخوف قابل للتحديد، فمن المألوف، أن يذكر ذلك في التشخيص العيادي ويتحدث المرء هنا على سبيل المثال عن رهاب الأماكن المغلقة رهاب الأماكن العامة، رهاب الكلاب، رهاب القطط.... رهاب العناكب والأفاعي....رهاب السرطان..... رهاب الإيدز.....الخ.

وتعتبر الرهابات اضطرابات أحاديه العرض، وأغلبها لا تشكل مشكلة بالنسبة للمرضى، لأن المثير المخيف غير موجود دائما في المحيط أو لأنهم يستطيعون تجنب هذا المثير دون أية مضاعفات اجتماعية. وعند تحديد التشخيص ويجب فصل الرهاب فيما يتعلق بالنتائج العلاجية عن اضطراب القلق. وهناك صعوبات تشخيصتفريقية في تحديد الرهابات عن الاضطرابات القسرية، لأن سلوك التجنب الذي يمارسه المريض غالبا ما يأخذ شكل التصرف القسري.



3-2-2-8- الاضطرابات التفككية (الهستريا)

تتصف الهستريا بالصورة المرضية التالية :

غالبا ما يظهر التثبيت في سنوات العمر الباكرة....ففي سوابق المريض يلاحظ وجود أعراض كثيرة، وإقامات متعددة في المستشفيات وعمليات جراحية ويشكو المرضى بطريقة استعراضية من الآلام والأحاسيس أو التهيجات في الأعضاء. كما ويلاحظ إضافة لذلك :

1- قابلية مرتفعة للإيحاء (إيحائية مرتفعة)

2- استعداد عال للتفكك

3-استعداد للتحويل (تحويل الصراعات والتوترات النفسية على أعراض جسمية)، فالمريض يعبر عن الانفعالات والتوترات عموما في المواقف المرهقة بوساطة الأعراض _ مثال، شلل نفسي المنشأ، عمى نفسي المنشأ، صمم نفسي المنشأ، خرس نفسي المنشأ.... حوادث نفسية المنشأ).

4- حشد أنماط استجابة قديمة طفولية (تنشيط آليات دفاع طفولية مثل البكاء.... الصراخ... الهروب للأسرة).

5- الهروب إلى المرض (على شكل حادث تخفيف العبء في موقف نفسي).

6- اشتداد التعبير (مركبات مسرحية قوية السلوك).

7- استناد على المشاهدين " استعراض " (طبيعة موجهة للسلوك).

غالبا ما تنتج مشكلات تشخيصتفريقية في تمييز الهستريا عن الاضطرابات القسرية والاضطرابات العصابية ذات الشكل الجسدي.





4-2-2-8- الاضطرابات القسرية

تتصف الاضطرابات القسرية بمشاعر وأفكار ودوافع للتصرف أو بتصرفات يقول عنها الشخص المعني بأنه لا يستطيع ضبطها أو يستطيع ذلك بصعوبة بالغة. وغالبا ما يشعر المريض أن الأعراض – لا معنى لها وغريبة عنه ومثيرة للقلق وتظهر هذه الأعراض رغم المقاومة الداخلية للمضطرب بالعصاب القسري. وتطلق على تسلط الأفكار تسمية الاستحواذ، بينما تسمية القسر على التصرفات المتكررة غير المرغوبة.

وحسب المحتوى الغالب في " القسر " يمكن التمييز بين قسر الاغتسال أو الغسيل، قسر الكتابة، قسر التكرار، قسر الضبط...الخ ويعيش المريض هذا القسر على أنه معذب جدا ويمكن أن يولد معاناة غير قابلة للوصف وإلى التقييد الشعور بالحياة وإلى تقييد تحقيق مجالات الحياة الأساسية، كما أن يقود على تبدل حاسم لمفهوم الحياة والقدرة على العمل....الخ.



5-2-2-8- الاستجابات الاكتئابية

يمكن تعريف الاستجابات الاكتئابية على أنها اضطرابات تعقب في العادة خبره صادمة قابلة للتحديد، وغالبا ما ينشغل المريض بالصدمة النفسية الماضية مثل فقدان شخص عزيز أو أملاك. ومن ناحية الصوره المرضية لا تختلف الاستجابات الاكتئابية عن الاكتئاب داخلي المنشأ. وهكذا فإن البحث عن الخبرة الصادمة باعتبارها سبب التبدل النفسي للخبرة يعتبر ذو أهمية كبيرة.

وتتصف الصورة المرضية بالسمات التالية :

1- صورة سلبية عن الذات، اتهامات للذات، لوم الذات،

2- رغبة في النكوص ومعاقبة الذات،

3- مزاج حزين....تشاؤم، فتور الشعور، شعور بالوحدة،

4- فقدان المبادأة، وفقدان الاهتمام " شلل الإرادة "،

5- انخفاض مستوى النشاط، تباطؤ اللغة والحركة وفي الحالات النادرة نشاط واهتياج.

6- اضطرابات إعاشية إقياء.... إسهال....اضطرابات جنسية وظيفية....آلام طمثية...الخ،

7- فقدان الليبيدو.

هناك صعوبات تشخيصتفريقية في تمييز الاستجابات الاكتئابية عن الاكتئابات داخلية المنشأ، ويرجع احتمال " تشخيص " الاستجابة الاكتئابية كلما أمكن إرجاع سبب هذا السلوك عند المريض إلى خبره صادمه، وكلما كان المريض محافظا على سياق الواقع، إضافة على أنه قد تنتج صعوبات تشخيصية تفريقية في تمييزه عن توهم المرض والنويراستانيا واضطرابات القلق والوسواس القهري.



6-2-2-8- النويراستانيا (النهك العصبي)

يمكن تعريف النهك العصبي على أنه حالة تتصف بضعف عام وقابلية للاستثارة والصداع والتكدر والأرق وضعف التركيز، وغالبا ما يكون سبب، النويراستانيا اضطرابات انفعالية مستمرة أو أمراض معدية سابقة، إضافة إلى ذلك يغلب ملاحظته في صراعات الإنجاز والإرهاقات الاقتصادية.



7-2-2-8-الاضطرابات المراقية (اضطراب توهم المرضHypochondria )

السمات الملاحظة في هذا العصاب هو الانشغال المفرط بالصحة الذاتية، عموما أو سلامة وظائف أعضاء الجسم متفرقة، وغالبا ما يترافق هذا الانشغال بقلق واكتئاب. ويتصف المرضى المراقيون كذلك بلجوئهم إلى الاعتناء الزائد بصحتهم فأبسط الجهود يتم تقيمها على أنها مسببة للإنهاك الشديد ولفقدان الطاقة، وأنه لا يمكن القيام بها في المستقبل. يعتبر السلوك المراقي جزء من كثير من صور الأمراض العصابية ويعد الانشغال المفرط بالجسد ذو أهمية تشخيصية تفريقيه كبيرة.



8-2-2-8- متلازمة الاغتراب (اغتراب الشخصية واغتراب الواقع De-Realization &De-Personalization )

المقصود هنا حالة غير مرغوبة من الإدراك المضطرب، يعيش فيها المريض المواضيع الخارجية أو أجزاء من الجسد على أنها قد تبدلت في نوعيتها، على أنها غير حقيقية وغريبة عنه، فالمريض يمكن أن يعيش شخصيته على أنها متبدلة وغير حقيقية وبعيده وآلية ويدرك المريض شعوريا الطبيعية الذاتية لهذا التبدل.

ويمكن ملاحظة أعراض الاغتراب في الأمراض الاكتئابية والرهابات واضطرابات القسر. وفي أغلب التصنيفات يتم إهمال متلازمة الاغتراب، وغالبا ما يتم تقويم انطباعات الاغتراب على أنها سمات عصابية نفسية عامة، لهذا يجب تقويم اضطراب ما على أنه متلازمة اغتراب عند وجود الأعراض المذكورة أعلاه دون غيرها.



9-2-2-8- الاضطرابات النفسية الجسدية (الاضطرابات العصابية ذات الشكل الجسدي الاضطرابات الفيزيونفسية وعصابات العضو)

تطلق الاضطرابات الفيزيونفسية لمنظومات الأعضاء تسمية الأمراض النفسجسدية أو عصابات العضو، وتصنف ضمن مجموعة التشخيص F.45 في ICD-10. وسوف نتطرق باختصار إلى الإشكالية الخاصة لهذه الاضطرابات من وجهة تشخيصية تفريقية. فالمفهوم القديم "عصاب العضو" الذي تم استخدامه بداية ينطلق من فرضية أن الأعضاء المختلفة يمكن أن تمرض بصورة عصابية، أي دون سبب عضوي واضح أو أن العوامل النفسية والاجتماعية تلعب دوراً أساسياً في نشوئها وتطورها. وقد حل محله مفهوم الاضطرابات النفسية الجسدية، أو الاضطرابات الفيزيونفسية وذلك لأنه أدق في تحديد مادة الموضوع، غير أن استخدام مفهوم الأمراض النفسية الجسدية أو الفيزيونفسية ليس موحدا على الإطلاق سواء في الممارسة العلمية أو في المراجع العلمية.



أما أهم الاضطرابات النفسية الجسدية المعروفة فهي :

1- أمراض ذات أعراض جسدية، تنشأ أو تقوم على أساس تأثيرات نفسية – اجتماعية.

2- أمراض نفسية جسدية على شكل اضطراب وظيفي دون وجود منشأ مرضي عضوي قابل للتحديد.

3- اضطرابات عضوية وظيفية تستمر بسبب عوامل نفسية.

ولا تحتل هنا درجة تضرر العضو وإمكانية أو ضرورة العلاج الجسدي أهمية كبيرة، إلا أنه لا يمكن أيضا اعتبار فائدة العلاج النفسي كمقياس هنا. عموما يمكن تصنيف الاضطرابات النفسية الجسدية حسب الأعضاء المصابة كالتالي :

1- الاضطرابات النفسية الجسدية للجلد.

2- الاضطرابات النفسية الجسدية للجهاز العضلي.

3- الاضطرابات النفسية الجسدية للتنفس.

4- الاضطرابات النفسية الجسدية للقلب والدودة الدموية.

5- الاضطرابات النفسية الجسدية لجهاز الدم والجهاز اللمفي (حتى الآن ليس هناك شكل محدد ومعروف أدرجت فقط على سبيل الاستيفاء)

6- الاضطرابات النفسية الجسدية للمعدة والأمعاء.

7- الاضطرابات الجسدية للجهاز البولي التناسلي.

8- الاضطرابات النفسية الجسدية الغدية.

9- الاضطرابات النفسية الجسدية النوعية لأعضاء الحس.

ويقدم جدول (4) عرضا لأهم الاضطرابات النفسية الجسدية حسب منظومة العضو المصاب مقتبسة ليبلوف وفيرستل Leblow & Ferstel,1992;P.340:

المرض

الصداع التوتري

الصَّعُر (تشنج الرقبة)

التهاب المفاصل المتعدد المزمن

روماتيزم الأحشاء

مرض باركنسون

نقص التوتر

صرصرة الأسنان Bruxism

الربو الشُعَبي

متلازمة فرط التنفس

فرط التوتر الأساسي

أمراض القلب الوعائية

الشقيقة

اضطرابات التروية الدموية الوظيفية

التهاب الجلد التحسسي

الشّري (الحكاك)

الصدفية Psoriasis

فرط التعرق

تهيج القولون

الإقياء

قرحة المعدة والاثني عشري

مرض كرون Morbus Crohn

(التهاب كل جهاز الهضم من البلعوم حتى الشرج)

تقرح القولون

الإمساك (البراز اللاإرادي) obstipation / Enkopresis




3-2-8- تصنيف الاضطرابات العصابية حسب المنشأ المرضي :

يرى التقسيم الذي يتبع مبدأ المنشأ المرضي، أي البحث عن أسباب الاضطرابات النفسية، بغض النظر عن شكل العرض الذي يظهر فيه الاضطرابات، أن الاضطرابات العصابية هي عبارة عن اضطرابات اكتسبت في مجرى نمو الفرد نتيجة لنقص في تمثل الخبرات، خصوصا مواقف الصراع، والإحباط. وتؤثر هذه الاضطرابات على جميع المجالات الاجتماعية النفسية (الانفعالي، المعرفي والدافعي... الخ) وتعيق الشعور بالسعادة ومواجهة متطلبات الحياة، ويمكن لها أن تظهر لدى كل إنسان وفي أية مرحلة من مراحل الحياة، ومن ثم فإن أسبابها متنوعة (سمات شخصية استعداد مسبق للاستجابة النفسية أو الجسدية، مواقف الصراع...الخ) ومتشابكة. ومن هنا أيضا الاختلاف بين الاتجاهات المختلفة فيما يتعلق برؤية الأسباب. فما يراه هذا الاتجاه على أنه "سبب" لاضطراب معين لا يقر به اتجاه آخر والعكس. والتقسيم المعروض هنا والمقتبس عن هوك وكونج Hoeck & Koenig,1976 وعلى الرغم من قدمه نسبياً، يعتبر بالدرجة الأولى ذو أهمية عملية، يمكن أن يساعد المشخص والمعالج في تحديد واستقصاء الأسباب المتفاعلة بعضها مع بعض، والتي يمكن أن تكون قد ساهمت في نشوء الاضطرابات. ويمكن تقسيم الاستجابات ذات الشكل العصابي إلى أربعة أشكال :

1- استجابات انفعالية شديدة.

2- استجابات مثبتة وظيفيا.

3- شذوذات أولية.

4- شذوذات ثانوية.



1-3-2-8- الاستجابات الانفعالية الشديدة :

ويتم تقييم أنماط الاستجابة هذه على أنها اضطرابات نفسية عصابية عندما تتسبب مواقف صراع شديدة بالاستجابات الانفعالية المذكورة.

وبناء على ذلك يجب توفر النواحي التالية :

1- يجب أن يكون هناك إرهاق موضوعي فوق المتوسط، أي إرهاق متسبب من خلال المحيط لمدى بعيد،

2- يجب أن تكون الاستجابة الانفعالية قابلة للعزو إلى هذا الموقف،

3- يجب أن يكون موقف الصراع والاستجابة الانفعالية شعوريا إلى حد كبير.

4- هناك ارتباط زماني–مكاني بين موقف الصراع والأعراض، أي أن الأعراض تظهر مباشرة بعد موقف الصراع،

5- نوع العرض يستمر بعد ظهور العرض.

6- لا يظهر تحول في الأعراض بشكل عام،

7- النمو الطفولي ومجرى الحياة اللاحق لم يكن شاذا حتى ظهور الأعراض (أو ملفتا للنظر)

8- هناك استعداد بنيوي مسبق Construct Disposition يسهل ظهور هذا الشكل من العصابات،

9- عند اختفاء الإرهاقات تلاحظ نسبة شفاء عفوية عالية. وعموما تحتل مؤثرات المحيط في هذا النوع من الاستجابات موقعا مهما في نشوء الاضطراب، وهذا الشكل هو أكثر أنواع الاضطرابات ذات الشكل العصابي ملاحظة، وأكثرها تحقيقا للنجاح العلاجي.

ويتكون العلاج من علاج متمركز حول الصراع، وجلسات من الاسترخاء الذاتي (التصحيح الارتجاعي الحيوي) Autogenes Training ، وعلاج استعرافي.



2-3-2-8- عصابات في شكل استجابات مثبته وظيفيا :

يقوم هذا الشكل من الاضطرابات على تصورات نموذج الارتباط–الإشراطي – الانعكاسي ويتميز هذا النوع بالسمات التالية :

1- يظهر العرض عموما بعد الالتقاء المتكرر لمثيرات الإثارة والمثير غير الإشراطي، ويلاحظ هنا وجود توتر انفعالي استمر لفترة زمنية طويلة،

2- تكون تركيبة الموقف الأساسي مركبة بحيث يشعر المريض تجاهه بأنه دون حماية ومغلوب على أمره ومفاجأة به ويشعر كذلك بالاستسلام،

3- لا تختفي الأعراض عند تذليل موقف الصراع الأساسي إذ تحافظ المثيرات غير المهمة بالأصل على الأعراض (تعميم).

4- تسهل التصورات الإستباقية (قلق إستباقي) ظهور الأعراض أو تثيرها مباشرة،

5- مجرى الحياة عند المريض يكون خاليا من الانحرافات، وتكون المواقف الحديه (البلوغ،المراهقة، الدخول للمدرسة، المهنة، الزواج، سن اليأس) قد سارت دون استجابات وأمراض شاذه،

6- يغلب الشفاء العفوي نسبيا،

عموما يتم تثبيت العرض المثار طبقا لاستجابة انفعالية إعاشية، من خلال ارتباط إشراطي إنعكاسي وغالبا ما نجد هنا رهابات موقفية ورهابات موضوع، وهذا الشكل هو أندر ظهورا من الأشكال الأخرى، أما العلاج فيتكون من إجراءات خفض الحساسية المنتظم. وتمارين الاسترخاء الذاتي (التصحيح الارتجاعي الحيوي).



3-3-2-8- اضطرابات على أساس شذوذ ثانوي :

ويتصف هذا الشكل من الاضطرابات بما يلي:

1- غالبا ما تكون الاضطرابات القائمة على أساس شذوذ ثانوي عبارة عن استجابات عصابية مثبته، مزمنة، لهذا غالبا ما نلاحظ أن الأعراض تظهر مباشرة بعد موقف الصراع أو بعد توتر انفعالي شديد،

2- يتغير تطور حياة المريض منذ ظهور العرض بشكل واضح (انكسار في خط الحياة).

3- يمكن إثبات نمط الاستجابة المتبدلة في ثلاثة مجالات :

· موقف خاطئ من العرض (قلق استباقي).

· موقف خاطئ من المرض (اكتساب المرض).

· موقف خاطئ من الحياة (تكيف عصابي)

4- غالبا ما تكون الشروط المثيرة شعورية إلا أنها غالبا تكون في الخلفية، بينما يكون القلق والتوقعات (الاستباقيات) هما المحددان للخبرة.

5- التطور الطفولي سار عند هؤلاء المرضى بصورة سوية.

6- تحتل العوامل البنيوية في هذا الشكل من الاضطرابات وزنا واضحا.

7- يغلب في هذا الشكل ظهور تبدل في الأعراض.

8- يندر أن يتحقق الشفاء العفوي.

9- يحتل الإزمان الطبي المنشأ أهمية كبيرة في هذا الشكل من الاضطرابات.

عموما تتصف الاضطرابات الناشئة على أساس شذوذ ثانوي بتأثير متبادل لسمات استعدادية ولتبدل في العوامل الاجتماعية والبيولوجية. أما العلاج فيتكون من جلسات علاجية متمركزة حول العرض وحول الشخصية.



4-3-2-8 اضطرابات ناشئة على أساس شذوذ أولي:

ينبغي التركيز في هذا النوع من الاضطرابات على:

1- من ناحية المنشأ المرضي يهمنا بالدرجة الأولى ظروف الحياة والصراعات والصعوبات التي عانى منها المريض قبل ظهور الاضطرابات، وغالبا ما يظهر أن الأمر يتعلق هنا بمواقف عامة، يقيمها ويعيشها المريض على أنها مواقف صراع ذات خصوصية شخصية.

2- يمكن إرجاع الموقف الشاذ، وأنماط السلوك غير الملائمة إلى تأثيرات الطفولة المبكرة.

3- يرى علم الاضطرابات العصابية الحديث أن سوء التلاؤم يتكون من تأثير تبادل لعوامل بنيوية واستعدادية ومن تأثير عوامل المحيط، علما أن التربية والتنشئة الاجتماعية لهما أهمية كبيرة وهنا يجب إيضاح سيرورة تكون سوء التلاؤم التشخيصية بصورة وافية.

4- يجب في هذا السياق تحديد شكل التربية السائد في الأسرة، وهنا يجب التحقق من وجود تأثير مستمر لتأثيرات تربوية خاطئة على شكل صدمات صغيرة ويمكن من البحث في الوضع الراهن واستنتاج أن تأثيرات عنيفة جدا ذات أهمية كبيرة قد ساهمت في تشكيل هذا النوع من الاضطرابات.

5- تسهل عوامل بنيوية مثل فرط الحركة وعدم الاستقرار الإعاشي -عواقب أضرار الدماغ الطفولية الباكرة تشكل التطورات الأولية الشاذ، وتبدو الحساسية الفردية، أي الحساسية الانفعالية لمثيرات المحيط، ذات أهمية أساسية في نشوئها.

6- إلى جانب الشروط الأولية يجب البحث عن الشروط المثبتة للمواقف غير السوية والسلوك غير السوي، في هذا الإطار يجب الاستقصاء فيما إذا كانت مواقف المحيط غير الملائمة قد كانت موجودة في سن المدرسة والمراهقة والشباب أيضا، وتحتل المواقف الحدية أهمية خاصة وتظهر الشذوذات الأولية من خلال أن المواقف الحدودية لم تسر دون مشكلات،وخصوصا بعد المراهقة، حيث يمكن هنا إيجاد تثبيت لمثل ومعايير وأنماط سلوك أولية غير ملائمة.

7- بنية الدوافع عند هؤلاء المرضى تكون مشوهة فبدلاً من وجود موقف واثق ومستقل قائم على المحيط نجد موقف غير واثق ومتعلق بمحيط ومتمركز حول الأنا.

عموما، يتصف هذا النوع من الاضطرابات العصابية بأنه قد أثير من خلال الصراعات والإرهاقات، التي يستطيع أغلب الناس حلها دون صعوبات كبيرة.

وتظهر دراسة تاريخ الحياة وجود استجابات وأعراض شاذة ومتكررة خصوصا في المواقف الحدودية (الدخول للمدرسة، المراهقة، اختيار المهنة، الشريك) ويلاحظ أيضا في الطفولة الباكرة ميول طفولية شاذة مثل (سلس البول، تبرز لا إرادي، التأتأة، اضطرابات تكيف) في سن ما قبل المدرسة (من 1-5 سنوات).

كما تلاحظ في هذا النوع من الاضطرابات وجود مقاومة لا شعورية تجاه محاولات التفسير. و لا يحدث في هذا الشكل من الاضطرابات الشفاء العفوي، إلا أنه في حالة توفر ظروف حياتية ملائمة نلاحظ التكيف الجزئي أو حدوث تعويض مفرط.

ويتطلب هذا النوع من الاضطرابات النفسية مهارات ومعارف علاجية حاذقة، ويتألف بصورة أساسية من طرق المعالجة المتمركزة حول الشخصية، ويغلب على العلاج أن يكون طويل الأمد.



9- اتجاهات ونظرة مستقبلية
من تتبع التطور في علم العصابات وأبحاث المعالجة النفسية في السنوا الخمس عشر الأخيرة نستنتج بعض الاتجاهات الواضحة.

يقدر هوفمن Hofmann,1987أن الجزء الأكبر من المقالات الصادرة حديثا في مجال علم الاضطرابات النفسية يستند إلى المعالجة، أما المساهمات التي تعالج الديناميكية النفسية للعصابات والمنشأ المرضي والنفسي وتصنيفات العصابات فهي بالمقابل أقل. وقد عانى تصنيف العصابات من انهيار متسارع. فمنذ عام (1980) قام في الولايات المتحدة الأمريكية ما يشبه النهضة الكريبلينية، والتي أثرت بالدرجة الأولى على تصنيف الاضطرابات العصابية، فبدءاً من الطبعة الثالثة من المرجع التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الأمريكي DSM-III وكذلك الطبعة المعدلة منه والتي تعرف ب DSM-IV-Rوصولاً إلى DSM-IV و تصنيف منظمة الصحة العالمية CD-10 تم في هذا الميدان تحقيق تقدم كبير باتجاه الظاهرة الوصفية. فقد تم إهمال كل المعارف النفسية الديناميكية دون استثناء، كما ألغي فيها مفهوم " العصاب " كوحدة تصنيفية. و استخدم ما يسمى ب " االتوراة " الأمريكية للتشخيص معايير إجرائية وصفية للتشخيص النفسي، وتم إتباع اتجاه وصفي في تحديد الأعراض النفسية، حيث يتم تحديد الأعراض الموصوفة من قبل المريض وتحديد أي هذه الأعراض (أو كم عرض) يجب أن يتوفر لفترة زمنية معينة حتى يمكن تسمية تشخيص محدد. ويتبع DSM مبدأ التشخيص متعدد المحاور، يتكون من خمس محاور، يهدف إلى التحديد المستقل لمجالات المعلومات المختلفة، التي تعتبر ذات أهمية من أجل المعالجة والتنبؤ. فالمحور الأول يهدف إلى تحديد الاضطراب النفسي الراهن (تشخيص أعراض)، والثاني يهدف إلى تحديد اضطراب الشخصية، أما المحور الثالث فهو يهدف إلى توثيق الأمراض الجسدية المهمة بالنسبة للمنشأ المرضي أو بالنسبة لمعالجة الاضطرابات النفسية المحددة لكلا المحورين الأول والثاني، والمحور الرابع يهدف إلى تقويم الحالات الموقفية (أحداث الحياة) التي أثارت المرض النفسي الراهن، فيما يتعلق بنوع وشدة الإرهاق Stress، أما المحور الخامس فهو يهدف إلى تقييم أعلى درجة من التلاؤم الاجتماعي في السنة السابقة للمرض النفسي الراهن. إن الهدف من ذلك هو تحقيق تشخيص للمريض غني بالمعلومات قدر الإمكان حيث يتم تحديد الوجوه المتفرقة، المهمة بصورة منفصلة بهدف رفع الموثوقية التشخيصية من جهة، والتعرف في حالة الضرورة على علاقات جديدة بين الوجوه المتفرقة من ناحية أخرى.

أما الطبعة العاشرة من التصنيف العالمي للاضطرابات النفسية الصادر عن منظمة الصحة العالمية ICD-10 فقد تضمنت تعديلات جوهرية متطابقة مع مستوى المعرفة النظرية والتجريبية في أدوات التشخيص والتصنيف في مختلف الاضطرابات النفسية. وقد حاولت هذه الطبعة الاستغناء جزئيا عن مفاهيم مثل (العصاب) والاستعاضة بتصنيف وصفي قائم على معايير تشخيصية. وما كان في الطبعة التاسعة ICD-9 مدرج تحت مفهوم العصابات أعيد تقسيمه بناء على ذلك (أنظر جدول 2و3).

إن انزياح وضع الاهتمام هذا قد ساهم جوهريا، رغم بعض العيوب، في تطهير مجالات معينة مثال : ويمكن تحديد القانونية التي تتأكد باطراد كالتالي :

هناك حتمية وراثية جديرة بالاهتمام للنوعية التي نمرض وفقها، في حين إنه لماذا نمرض تتحدد من خلال عمليات التمثل النفسية. بالإضافة إلى أن المعرفة حول الجائحة المرضية قد ازدادت في السنوات الأخيرة بصورة جوهرية. فحسب معطيات منظمة الصحة العلمية فإن حوالي من 10% إلى 20% من السكان بحاجة على المعالجة النفسية، واستنادا لأبحاث شيبانك Schepank و ديلنغ Dilling فإن ربع سكان ألمانيا يعانون من آلام عصابية ونحو نصف هذه المجموعة، أي حوالي 12% هم بحاجة إلى المعالجة وعلى أساس الأبحاث الجائحية فإن حوالي من 12-20% من السكان مرضى عصابيون، علما أنه قد وجدت نسب أعلى في المدن الكبرى، وضمن بعض المجموعات المهنية.وحتى عندما يقال أن كل هذه الاضطرابات ليست ذات قيمة مرضية، إلا أنها ترتبط غالبا باضطرابات شديدة في قدرة الإنجاز ويتضرر لنوعية الحياة على الأقل.

أما الاختلاف الاصطلاحي (اختلاف استخدام المصطلحات في تحديد اضطراب ما) والذي يعتبر عدم وجوده شرط أساسي لتقدم المعارف وتقاربها في المجال العالمي فسوف يبقى لفترة طويلة نسبيا، نظرا لرسوخه في الخلفية النظرية لهذا الباحث أو ذاك، وليس في هذا ضرر طالما أدرك المرء الوجوه المختلفة لمادة موضوعه، وطالما بقي هذا الخلاف الاصطلاحي في الخلفية ولم يتصدر النقاشات العلمية.

أما الأهمية الصحية – السياسة لهذا الاضطرابات فتتجلى في الحاجات المتنامية إلى الناس في تحسين الخدمات في هذا المجال عالميا وفي ازدياد عدد الأشخاص الذين يراجعون بأنفسهم متخصصا نفسيا في المعالجة النفسية.

و ما يزال هذا النوع من الأبحاث والدراسات في الوطن العربي نادرا نوعا ما، كندرة المعارف الجائحية، حول مدى توزع وانتشار الاضطرابات النفسية العصابية والنفسية الجسدية، وخصوصا تلك القائمة على أساس تحليل البنى والعلاقات الاجتماعية السائدة، والتوزع الديمغرافي، والظروف البيئية الاقتصادية وتحديد مدى مساهمتها في تحديد مدى انتشار وتوزع الاضطرابات النفسية والنفسية الجسدية، على الرغم من الأهمية التي تحتلها مثل هذه الدراسات في تحديد السياسة الصحية والاقتصادية – الاجتماعية، على المدى القريب والبعيد.

بالإضافة على ندرة العيادات النفسية التي تقدم الخدمات النفسية على المستوى الرسمي أو الخاص نتيجة لعدم إدراك أهمية مثل تلك العيادات على المستوى الحكومي في أكثر الدول العربية، الأمر الذي يعيق سن القوانين الخاصة لتنظيم ممارسو المهنة.

إن ازدياد انتشار الاضطرابات النفسية والنفسية الجسدية ضمن فئات واسعة من السكان في البلاد العربية، والذي يمكن استنتاجه من خلال كثرة عدد الأشخاص المصابين بأمراض جسدية نفسية، مثل ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والسكري، وأعراض القلق والتوتر، ومن خلال الارتفاع الكبير استهلاك الأدوية والذي يشير إلى مدى الأهمية الكبيرة في توجيه طاقات البحث والدعم المادي إلى هذا المجال، الذي لا يقل عن أهمية أي مجال آخر.





المراجع

ALEXA1TDER. P.
(1951):Psychosomatische Medizin. Berlin: W. de Gruyter. American Psychiatric Association (APA)

(1987)-. Diagnostic and statistical manual of mental disorders, 3rd Ed. rev. DSM-III-R. Washington, D.C..

BRAETIGAM, W.
(1985); Reaktionen - Neurosen - Abnorme Persoenlichkeit. Stuttgart, New-York; Thieme.

BUERKLE,A. und SCHAD, W.
(1984): Psychosomatik, Neurosenlehre. Neckarsulm: Jungjohann.

DEGWITZ, R., HELMCCHEN, H., KOCKOTT, G. & MOMBOUR,W.(Hrg.)
(1975): Diagnoseschlussel und Glossar psychiatrischer Krsnkheiten. Deutsche Ausgabe. der Internationalen Klassifikation der WHO (ICD). 8. Rev. Berlin; Springer.

DEGWITZ, R., HELMCCHEN, H., KOCKOTT, G. & MOMBOUR,W.(Hrg.)
(1980). Diagnoseschlussel und Glossar psychischer Krankheiten. Deutsche Ausgabe der Internalionalen Klassifikation der WHO (ICD).9. Rev. Berlin: Springer.



DILLING, H.. MOMBOUR,W., SCHMlDT, H. (Herg,.)
1992) :Internationale Klassifikation psychischer Stoerungen. ICD-10-WHO- Kapitel V (F) . Bern Goettingen Toronto.

DILLING, H., WEYRER, S., CASTEL, R. (Herg.)
(1984): Psychische Erkrankungen in der Bevoelkerung. Stuttgart / Enke.

DUNBAR,F.
(1943): psychosomatic Diagnosis. Neu York: Hoeber.

ERNST, K.
(198o): Verlaufstendenzen der "Neurosen" . In: C.W. SCHMMELPENNING (Herg.); Psychiatrische Verlaufsforschung. Bern, Stuttgart.

EYSENCK,H. J., RACHMAN, S.
(1967): Neurosen und Heilmethoden. Berlin.

GLATZEL, H.
(1076): Neurosenlehre- Persoenlichkeit und Ulkus Erleben. Ergeb. innere Med. u. Kinderheilkunde. 65/11,

HOECK, K., KOENIG, W.
(1976) : Neurosenlehre und Psychotherapie. Jena: G. Fischer.



HOECK, K., SZEWCZYK, H.,WENDT, H.
(1971): Neurosen. Berlin: Dt. Verl. d. Wissen- schaften.

HOFMANN, S. O.
(1987): Forschungstendenzen im.Bereich von Psychotherapie und Neurosenlehre in den

letzten 15 Jahren- Ein persoenlicher Eindruck. Psychother. med. Psychol. Stuttgart, New York: Thieme 73, 10-14.

KLUMBIES, G
(1972) : Zur Definition der Neurose.,. In HOECK, K., SZEWCZYK,H., WETOT, H.(Herg.): Neurosen. Verl. d. Wissenschaften. S. 18-27.

KRAIKER, C.
(1977): "Der Begriff der Neurose". In PONGRATZ, I. J. Klinische Psychologie. Handbuch der Psychologie, 8/1, GOTTINGEN: Hogrefe, S. 435-456 .

LEPLOW, P., FERSTLE, R.
(1990): Psychophysiologische Storungen. In REIKBCKER, H. (Herg.) Lehrbuch der Klinischen Psychologie. Gottjngen, Toronto, Zurich: Hogrefe, S. 339-361

MOELLER, H. J.
(1990): Klassifikation und Diagnostik. In REIKECKER, H. (Herg.) Lehrbuch der Klinischen Psychologie. Gottingen,'Toronto, Zurich: Hogrefe, S. 3-24

SCHAEFFER, G.
(1986): Neurosen und Psychosomatische Erkrankungen.

In HOEK, K., VORWERG.M. Psychosomatik I. Psychother. u. Grenzgebiete. Leipzig: J.A. Barth S. 12-24

SCHROEDE, H.
(1981): Persoenlichkeitspsychologische Zugaenge zur Psychopathologie. Leipzig.

SEIDEL, K.
Krankheitsbegrift in der Neurologie und Psychiatric. Z. aerztl. Fortbildung 67(323ft•)

TEMANN, E.
(1958): Die Bedeutung der psychischen Faktoren beim Asthma bronchiale. Stuttgart: P. Enke.

TOELLE, R.
(1981): Lehrbuch der psychosomatischen Medizin. Muenchen, Wien , Baltimore: Urban & Schwarzenberg.









--------------------------------------------------------------------------------

[1] التكتم أو الأمية الانفعالية: ظاهرة لاحظها ألكسندر لدى المرضى النفسجيديين حيث يصعب على هؤلاء التعبير عن انفعالاتهم ويكونون أكثر ميلاً للحديث حول معطيات ملموسة خارجية.

[2] إحدى أشكال المستشفيائية Hospitalism، وهو مصطلح يستخدم للدلالة على الأضرار الناشئة عن نقص الاستثارة الانفعالية والحسة والحركية والمعرفية أثناء فترات الإقامة الطويلة في المستشفيات والمصحات أو في بيوت المسنين أو في المستشفيات الطبية النفسية أو في بيوت الأطفال أو رياض الأطفال..الخ. والأطفال هم أكثر تعرضاً لهذه الظاهرة. ويمكن الوقاية منها من خلال العناية المكثفة بالأشخاص وإشباع الحاجات بطريقة عاطفية.




الرد باقتباس




صورة ابو ساجد الصوفى الرمزية

مشرف سابق

الجنس :  : male

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: أكتوبر 2005

البلد: فلسطين ( غزة هاشم)

المشاركات : 4,765

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 7,761,583
تبرع


الهـدايـا





ابو ساجد الصوفى غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 08:37 مساءً

 



ثالثا

التربية الجنسية

الدكتور سامر جميل رضوان
مدخل

تهدف
التربية السكانية إلى تعريف السكان بالظاهرات السكانية من حيث أسبابها والعوامل التي تتحكم فيها والآثار المترتبة عليها والعلاقات التي تربطها وتوجيه هذه المعرفة نحو تكوين اتجاهات ومواقف تؤثر في سلوك الأفراد لتحسين نوعية الحياة للفرد والأسرة والمجتمع.

وهي من هذه الناحية ومن أجل تحقيق أهدافها لابد من أن تستخدم معارف من العلوم الإنسانية بجميع فروعها وخصوصاً علم النفس وبشكل أخص معارف من الصحة النفسية وعلم نفس الصحة والصحة العامة. فهذه العلوم تتجه بالدرجة الأولى إلى تحليل سلوك الإنسان وخبرته وتدرس الإنسان في تفاعله وتواصله مع المحيط البيئي والاجتماعي من حيث هو كائن اجتماعي يعيش في إطار محدد اجتماعياً سواء كان هذا الإطار المجتمع الكبير أم الأسرة أم مجموعة العمل أو المؤسسة التي ينتمي إليها هذا الفرد ، مع مراعاة المحددات الفيزيولوجية و البيولوجية. ويعتمد تحقيق أهداف التربية السكانية ، أي تحقيق التأثير في سلوك الأفراد بهدف بناء مواقف واتجاهات إيجابية نحو الحياة على العلوم النفسية بالدرجة الأولى والمعارف التي تقدمها مختلف فروعه في هذا المجال. وإن أية سياسة سكانية تتجاهل هذا الجانب لابد وأن تفشل في تحقيق أهدافها.

ويفترض لأية سياسة سكانية تهدف إلى وضع الإطار العام من أجل صياغة السياسة العامة في مجال توزع وانتشار وتفاعل السكان ، بغض النظر عن الهدف سواء كان أسرياً أم تنموياً-اقتصادياً أم بيئياً أم ثقافياً ألاَ تتجاهل الجانب الصحي الوقائي في جميع وجوهه. وهنا يمكن النظر إلى علم نفس الصحة Health Psychology وعلم الصحة النفسية Mental Health على أنهما جزء أساس من التربية السكانية ذلك أنهما فرعان متكاملان يهدفان إلى المحافظة على الصحة وتنميتها والوقاية من الأمراض ومعالجتها وتحديد أنماط السلوك الخطرة وتشخيص و تحديد أسباب الاضطرابات الصحية وتحسين أنظمة التأمين والرعاية الصحية وتقديم وسائل الدعم النفسي والإرشاد والتوجيه والعلاج من أجل تحسين نوعية الحياة. ومن هنا فعلم الصحة النفسية وعلم نفس الصحة يسهمان في إمداد العاملين والمعنيين في مجال التربية عموماً والتربية السكانية خصوصاً بالمعلومات اللازمة والضرورية حول مدى توزع وانتشار الأمراض والاضطرابات النفسية والنفسية الجسمية ومدى انتشار الإعاقات والأمراض الوراثية والأمراض الناجمة عن البيئة التي تعيق نمو وتطور الإنسان النفسي والاجتماعي والبيولوجي كما وتمدهم بالمعلومات اللازمة حول مدى انتشار المشكلات النفسية والاجتماعية وبالمعلومات الصحية الضرورية حول السلوك الصحي السليم وبكيفية خلق وتدعيم الدوافع من أجل تحقيق التوازن التكيفي اجتماعياً ونفسياً وبيولوجياً. وحين نتحدث عن السكان والتربية السكانية نجد أن المعنيين من معدي البرامج التربوية والإعلامية يحرصون دائماً على عدم ذكر العلاقات الجنسية . ويتم الحديث عن الزواج والطلاق واختيار الشريك والمشكلات الزواجية والزوجية وتنظيم الأسرة دون الإشارة ولو بكلمة واحدة إلى الجنس لاعتقادهم بأن ذلك يتنافى مع تعاليم الدين أو لخوفهم وخجلهم من التعرض لهذا الموضوع. إن هذا السلوك مهما كانت الجهة التي تقوم به ليس إلاّ تعبير عن عدم الحس بالمسؤولية ، إذ أنه بذلك يترك الناس للجهل ويتم هدر طاقاتهم وإمكاناتهم ،وفريسة للمعلومات الخاطئة التي يمكن الحصول عليها من مصادر متعددة.

وإدخال التربية الجنسية في جميع مراحل التعليم وبرامج التوعية والتثقيف لا يعتبر ضرورة اجتماعية ونفسية فحسب وإنما يعتبر ضرورة بيئية وصحية كذلك بعد أن أصبح الانفجار السكاني مشكلة العصر والأمراض الناجمة عن الجهل الجنسي طاعوناً يهدد السكان ويهدد الموارد ويجعل حتى أغنى الدول عاجزة اقتصاديا أمام النهوض بأعباء العلاج.

ومعالجتنا للمشكلة عن طريق التجاهل والتصرف كما لو أن المشكلة غير موجودة وقمعها في زمن المتغيرات السريعة سواء كان ذلك باسم الدين - والذي لا أساس له في الدين أصلاً - أم عن طريق الأعراف والعادات والتقاليد أم عن طريق تلقين الجيل قوالب جامدة وتصورات هوامية غير واقعية وشعارات فارغة حول الحياة لم تقد حتى الآن إلى حل بل إلى تفاقم للمشكلة وعلينا بحث البدائل المتمثلة في تمكين الشباب من التزود بالمعارف والمواقف والمهارات اللازمة من أجل إدارة حياة صحية و نفسية سليمة في عصر الوفرة المعلوماتية التي أتاحها لنا التقدم الإنساني كالإنترنيت و الفضائيات .

إننا نرى أن الإشكالية التربوية تكمن الكيفية التي يجب أن نعالج فيها هذه المشكلة وأن نساعد الأطفال واليافعين في هذا المجال. وهنا لابد من تحديد استراتيجية قصيرة وبعيدة المدى بنفس الوقت تتعلق بالتربية السكانية الجنسية.

ومن أهداف هذه التربية السكانية الجنسية التوعية الجنسية التي تسعى إلى بناء اتجاهات سليمة لدى الناشئة نحو الجنس والأمور الجنسية ضمن شروط المجتمع الذي يعيشون فيه . وتلك ليست بإشكالية سهلة في كل الأحوال.



وتتميز الجنسية بالنسبة للإنسان بمظاهر مختلفة تميزه عن بقية المخلوقات لابد من أخذها دائماً بعين الاعتبار بشكل تفاعلي عند وضع وتخطيط برامج التربية الجنسية لأن الاقتصار على جانب واحد وتجاهل الجوانب الأخرى يمكن أن يقود إلى عواقب تربوية ونفسية سلبية:

1- مظهراً بيولوجياً، كشرط لإعادة الإنتاج ( للتوالد )

2- مظهراً ذاتياً كخبرة إنسانية

3- مظهراً تفاعلياً من خلال التواصل التشاركي.

ومن خلال المظهرين الأخيرين يتميز السلوك الجنسي الإنساني عن الحيواني بصورة جوهرية فالتوجيه الغريزي للدافع الجنسي عند الإنسان منخفض جداً وغير مرتبط بفترة زمنية محددة والحاجة للتكاثر منفصلة عند الإنسان عن الحاجة للإشباع الجنسي.

والتكيف مع المحيط ونمط السلوك الجنسي وطبيعته تتحدد بصورة جوهرية من خلال عمليات التعلم التي تتأثر بدرجة كبيرة بالبنية الاجتماعية السائدة.

الجنسية والصحة

لقد أصبح من المؤكد اليوم أكثر مما مضى أن المشكلات في مجال الجنسية الإنسانية هي ذات تأثير كبير الأهمية على صحة الفرد الجسدية والنفسية وعلى شعوره بالرضا والسعادة وأن هناك روابط شديدة بين الجهل الجنسي والتصورات الخاطئة حول الجنس وبين المشكلات والاضطرابات الصحية المختلفة.

وقد اهتمت منظمة الصحة العالمية بهذه العلاقات ووضعت تعريفاً للصحة الجنسية حددته كما يلي:

الصحة الجنسية هي تكامل الوجوه الجسدية والعاطفية والفكرية والصحية للهناء الجنسي، الذي تثرى وتنمو من خلاله الشخصية والعلاقات بالناس الآخرين والقدرة على الحب عند الفرد بالمعنى الإيجابي.

ويحتوي هذا التصور على ثلاثة عناصر أساسية :

1) القدرة على السلوك التكاثري والجنسي وفقاً للمعايير الدينية و الاجتماعية والأخلاقية والشخصية السائدة في كل مجتمع.

2) التخلص من القلق والخجل والذنب والتصورات الخاطئة والعوامل النفسية الأخرى التي تكف الحياة الجنسية وتلحق الضرر بالعلاقات الجنسية.

3) الخلو من الاضطرابات والأمراض والعيوب الجسدية التي تلحق الضرر بالوظائف الجنسية والتكاثرية.



ويرتبط تحقيق هذا التصور بشرط محدد مثل توفر إيصال المعلومات الأساسية حول الوجوه البيولوجية والنفسية وحول النمو الجنسي والتكاثر الإنساني وتنوع السلوك الجنسي واضطراب الوظائف والأمراض الجنسية. عدا عن ذلك يجب أن يبدي المعلم والطبيب والمتخصص النفسي تجاه الشكاوى المتعلقة بالأسئلة والمسائل الجنسية تفهماً وموضوعية وأن يكون بالإضافة إلى ذلك مستعداً للحديث حول المشكلة الجنسية وتقديم المعلومات العلمية والإرشاد والتوجيه والنصح ومعالجة الاضطرابات الجنسية في حالة الضرورة أو إحالتها إلى متخصص.

التوعية والتربية الجنسية

تهدف التربية باعتبارها وظيفة اجتماعية إلى أن ينمي أفراد هذا المجتمع أو أعضاء هذه المجموعة داخل هذا المجتمع أنماط السلوك التي تتناسب مع ذلك المجتمع أو تلك المجموعة أو الفئة الحاكمة المسيطرة. وكون التربية عملية اجتماعية فإن ذلك يحمل الأسرة والمدرسة المهمة الرئيسية في صياغة التربية . وتقوم المدرسة في مجرى النمو بعملية تمايز مهمات التربية كالتربية المعرفية والجسمية والجمالية.

ويعد التأهيل والتربية الجنسية جزءاً من الإعداد للحياة والحياة التشاركية والزواج والأسرة. ومن هنا فإن التربية الجنسية يجب أن تهدف إلى :

1- تمكين الفرد من بناء علاقاته الزوجية والأسرية بحيث تتم هذه التربية بشكل ينمي الشخصية والتشارك. وتتعلق أهداف هذه التربية بالعلاقات الاجتماعية وبالمعايير الاجتماعية التي تقوم عليها هذه العلاقات بالنظر للروابط البين إنسانية وتوزع الأدوار.

2- تمكين الفرد من تنمية علاقاته بالجنس الآخر وأن يجد في هذه العلاقات تنمية ذات مغزى لحياته وحياة شريكه .

3- ينبغي لأهداف التربية الجنسية تقديم المعرفة اللازمة حول جنسية الفرد الذاتية وحول خصائص الجنس الآخر وحول المشكلات الخاصة بالعلاقات الجنسية وكذلك تقديم المعرفة حول ديناميكية الحياة الزوجية والأسرية . وتعتبر هذه المعارف الشروط الأساسية للبناء الموفق والواعي للحياة الزواجية و الزوجية والأسرية.

4- وأخيراً تمكين الناشئة باعتبارها أسرة في المستقبل تحضير أطفالهم من خلال سلوكهم المثالي الذاتي والتربية الجيدة العامة والخاصة من كيفية التعامل مع الجنس الآخر.



بالإضافة إلى ذلك لابد للتربية الجنسية من الانطلاق من :

n موضوع التساوي بين الجنسين في مجال العلاقات الزوجية والجنسية كأمر أساسي وحتمي من أجل إدارة حياة زوجية وزواجية وأسرية موفقة ولنا في سلوك وأحاديث الرسول العربي صلى الله عليه وسلم قدوة تربوية في هذا المجال فالسيرة النبوية غنية بكثير من المواقف التي كان يقدم فيها النبي e المثل الأعلى من خلال سلوكه الشخصي ومن خلال حث الناس على التمثل والإقتداء به.

n أن الزواج وفق ما أقرته الشرائع السماوية هو الشكل الأكمل فيما يتعلق بالنمو والتطور الاجتماعي الراهن والمستقبلي ، إذ أنه الشكل الأمثل الذي يضمن مصالح الأزواج والأطفال والمجتمع. ومن هنا يجب إدراك الإخلاص الزواجي كقيمة أساسية من قيم الحياة الزوجية.

n أن تتصف العلاقات الزوجية بالاعتراف والمسؤولية تجاه الآخر .

n أن العلاقات الجنسية الزوجية تتضمن في العادة علاقة جنسية حميمة تهدف إلى تحقيق السعادة والراحة للطرفين.

n أن مسؤولية الجيل الأكبر أمام الناشئة تتمثل كذلك في التحضير والإعداد لمواجهة مشكلات الحياة الزوجية والزواجية والأسرية وذلك من خلال تقديم المساعدة الكافية من خلال التأهيل والتوعية والتأهيل التربوي.



ويمكن اعتبار هذه المقولات قيم توجه عامة، إلاّ أنها تمتلك في الوقت نفسه وظيفة مساعدة في التوجه والقرار بالنسبة للتربية الذاتية للناشئ.

وعادة ما يستند المربون في تأثيرهم إلى التوجهات والنصائح والأوامر التي يقدمها الدين حول تنظيم العلاقات الجنسية والزوجية باعتبارها إطار توجه أخلاقي للمجتمع تمتلك قيمة مركزية في حياة الناس. وهم في هذا المجال لا غنى لهم عن الفقهاء ورجال الدين والأطباء وعلماء النفس وأصحاب القرار السياسي لتحديد الشكل الأمثل على المستوى الروحي والمادي من أجل إدارة حياة إنسانية يتم فيها تحقيق الصحة النفسية والجسدية والجنسية.



وأثناء توجيه الشباب يمكن أن تبرز المشكلتين التاليتين:

n تقديم المساعدة للناشئة فيما يتعلق بأشكال النشاطات الجنسية الضارة وبناء مواقف واتجاهات واعية ومسؤولة من مسألة الجنس

n تحديد مجالات محتوى التربية الجنسية العامة التي يجب تحقيقها في إطار المدرسة من خلال إسهام الجهات التربوية المختلفة. وهنا يتعلق الأمر بمجالات المعرفة والاتجاهات وتنمية الكفاءات و إتاحة الفرصة للناشئة للنقاش الواعي للظواهر الجنسية والأخلاق والمعايير الجنسية المختلفة.





مسؤولو التأهيل الجنسي والتربية

تحتل الأسرة والمدرسة أهمية خاصة في تشكيل السلوك والخبرة الجنسية والزوجية والزواجية. ومن خلال إكساب المعلومات والمعارف ونقل القيم و تقديم القدوة في البيت من خلال سلوك الاحترام المتبادل بين الأب والأم واحترام الحياة الزوجية من خلال احترام حقوق الآخر ومساواته فإنها تسهم في بناء المواقف وأنماط السلوك التي تحدد سلوك الأبناء في حياتهم الزوجية و الأسرية.كما وتمارس الجهات التربوية الأخرى تأثيراً على الأطفال والناشئة والراشدين كما يوضحها الشكل التالي:



المعايـــــــــير الاجتــماعية


مجموعة

ا لأصدقاء المساجد النوادي المدرسة الأب الأم


الزوج أو الصديق أو الأدب السينما التلفزيون

الزوجة الصديقة


إن النمو الخلقي للشخصية يتحدد من خلال الكيفية التي يتطابق فيها الضمير مع معايير القيم الخارجية ومن خلال الكيفية التي يبني فيها الفرد في المجال الاجتماعي اتصالاته وعلاقاته بالآخرين. وتطلق على هذه العملية من امتلاك القيم الاجتماعية تسمية التمثل . وما زال هذا المجال غير مبحوث بصورة كافية فيما يتعلق بالمجال الجنسي. ويعتبر تحليل التمثل أحد أهم وظائف علم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي . ويمكن لمثل هذا التحليل أن يقدم الشروط من أجل دفع الجيل الناشئ إلى تمثل المعايير الأخلاقية وتمكينهم من المساهمة في تطوير وتنمية المعايير.

ومما لاشك فيه أن معرفة المعيار وحده لا تكفي من أجل بناء دوافع أو تنظيمات للسلوك. فإلى جانب المعارف يتطلب الأمر تقبل هذه المعايير بالنسبة للشخصية الخاصة والاستعداد لتحقيقها والقدرة على إمكانية تحقيقها أيضاً. وعلى الناشئ أن يصل إلى مرحلة التحرر التدريجي من التأثيرات الخارجية وأن يتمكن من القيام بعملية التربية الذاتية وأن يخضع بحرية ووعي للقيم الاجتماعية. وهنا علينا ألا ننسى أنه غالباً ما تصل المعلومات للناشئة بصورة متأخرة جداً وأن الكثير من المواضيع مازال الحديث حولها محرماً - بدون أي مبرر ديني أو علمي - مثل بدء العادة الشهرية والاحتلام وتنظيم الحمل والوقاية الصحية الجنسية …الخ.

ومن هنا فإن التربية السكانية الجنسية لابد وأن تراعي في التأهيل الجنسي النقاط التالية:

1- أن تتم التربية الجنسية بشكل يتناسب مع المرحلة العمرية أو النمو

2- عدم تجاهل التطرق لبعض الموضوعات في الوقت المناسب كالتحضير للطمث الأول…الخ.

3- استغلال إمكانات المواد التعليمية المختلفة لتقديم المعلومات المناسبة وعدم الاقتصار على مواد البيولوجيا.

4- التربية الجنسية ( بالمعنى الواسع ) المنهجية والمستمرة منذ الصف الأول الابتدائي وحتى المراحل الجامعية.

5- تقديم المعلومات الصحيحة بصورة مكثفة في سنوات المراهقة

6- التعرض للمشكلات التي يواجهها التلاميذ والمراهقين في إطار الإرشاد النفسي والإرشاد الطبي الصحي …الخ.

وتلعب الأسرة هنا دوراً مهماً وخصوصاً في تشكيل وبناء الأدوار الجنسية وفي تقديم الإجابات الأولية عن المسائل الأساسية عند الأطفال التي تشغل بالهم في مجرى النمو علماً أن هناك فروقاً فردية فيما يتعلق بالسن الذي تنشأ فيه هذه الأسئلة . ومن الأمثلة على ذلك:

1- سؤال كيف يأتي البنات والصبيان؟

هنا يكتسب الطفل معلومات حول خصائص جسده وفرادة جسده وجسد الآخرين من الجنس الآخر . وتبدأ عملية جمع المعلومات هذه مع الإدراك الأول لوظائف الجسد وتستمر منذ الطفولة حتى سن الشباب . ويهتم الطفل في البداية بأجساد الآخرين من الأطفال غير أنه بعد ذلك يهتم بخصائص جسد الكبار.

2- سؤال من أين يأتي الأطفال الصغار؟

وتشغل هذه المسألة الأطفال بدءاً من السنة الثالثة تقريباً. ولكن فيما إذا كان الطفل سيوجه هذا السؤال للمربي فإن ذلك يتعلق بظروف التربية . غير أنه يمكن الافتراض أن هذه المسألة تشغل ذهن كل طفل وليس من النادر أن يثار هذا السؤال من خلال ولادة طفل جديد في محيط الطفل.





3- سؤال كيف يخرج الأطفال؟

ويكون هذا السؤال ملحقاً بالسؤال السابق ومتعلقاً بالمعلومات المقدمة من خلاله. ويغلب أن ينشغل الأطفال بهذه المسألة في سن السادسة. وعند الإيضاح الخاطئ وغير الواضح أو عند عدم وجود الإجابة إطلاقاً حول مصدر الأطفال فإن الأطفال غالباً ما يطورون نظرياتهم الخاصة حول الولادة.

4- سؤال كيف يتكون الأطفال؟ ما هو دور الأب في ذلك ؟

ويقع هذا السؤال ضمن إطار مشكلة التكاثر وينشغل الأطفال غالباً منذ السنة العاشرة . وفي مجرى التعليم يحصل الطفل على المعلومات الأساسية التي تتعمق وتتوسع وتتمايز في السنوات اللاحقة.

وليس من الضروري أن يلجأ الطفل إلى مربيه في هذه الأسئلة كما وأن " عدم طرح الطفل لهذه الأسئلة " لا يعني أن الطفل لا يفكر بهذه المشكلة فهو يحصل على المعلومات من مصادر أخرى . ونجاح هذه التأثيرات يرتبط بشكل أساسي بالمثال أو القدوة التي يقتدي بها الطفل أو اليافع وهي في هذه الحال هنا الوالدين. فهم من خلال سلوكهم وتعاملهم مع بعضهم وأسلوبهم في توزيع الأدوار الجنسية وموقفهم من المسائل الجنسية يقدمون النموذج الأول لأولادهم .



التربية الجنسية في المدرسة



تلعب المدرسة دوراً مهماً في إيصال المعلومات والمعارف الجنسية بصورة موضوعية وعلمية للتلاميذ من خلال المواد التعليمية المختلفة كمواد القراءة والعلوم والدين …الخ.

إلاّ أن المعلم نفسه قد يواجه صعوبات كثيرة عند التعرض لموضوع التربية الجنسية . فالمعلم جزء من المجتمع الذي يعيش فيه وبالتالي فهو حامل وممثل لعادات وتقاليد المجتمع السلبية منها والإيجابية. وهنا تعتبر مسألة " تربية المربي " المشكلة المركزية والمشكلة المفتاح في موضوع التربية الجنسية والتأهيل الجنسي. ولا يكفي هنا أن يقوم المعلم بتقديم المعارف البيولوجية الأساسية فقط ، وإنما لا بد من التدريب على الاستخدامات اللغوية في موضوع الجنسية أي باستخدام المصطلح البسيط والمناسب بما يتناسب مع الموضوع والمرحلة العمرية بالإضافة إلى وجوب التمرن على الكيفية التي يجب فيها إيضاح وشرح المشكلات الجنسية في إطار الدرس بهدف رفع الثقة الذاتية عند المعلمين. وهنا يلعب الأطباء والمتخصصون النفسيون المؤهلين في علم الجنس دوراً أساسياً في تقديم المعارف العلمية وفي إطار عملية التدريب والتأهيل المستمر للمعلمين. إن إدخال موضوعات التربية الجنسية ضمن المنهاج وحده غير كاف وحده بل يجب تدريب المعلمين حول كيفية التغلب على خجلهم الخاص والتغلب على إحجامهم عن التطرق لمثل تلك المواضيع. فعلى الرغم من تحمس المعلمين في كثير من الأحيان إلاّ أنهم قد لا يعرفون الأسلوب والطريقة التي يجب فيها إيصال المعلومات ويعانون من صعوبات في استخدام التسميات المناسبة. كما وإن إدخال موضوعات التربية الجنسية ضمن المنهاج في المواد المختلفة وتدريسها من قبل المعلم والمعلمة يقلل من الهالة والخصوصية التي قد توحي بأن الموضوع يمتلكها عندما يتم تقديم المادة كموضوع خارج إطار الدرس الصفي أو عندما يقوم متخصص بإجراء ندوة مثلاً حول هذا الموضوع إلاّ إذا كان الأمر يتعلق بمسائل خاصة ضمن الموضوع العام كما سنشير لاحقاً.



إن الكثير من الشباب يعتقدون أنهم يعرفون الكثير عن الأمور والمشكلات الجنسية ولكن الاختبار الدقيق يظهر أن المعرفة التي يمتلكونها ناقصة جداً ومشوهة. فمثلاً تشير بعض الدراسات إلى أن كثير من الشباب من الجنسين يجهلون آليات الحمل وكثير من النساء يجهلن المخاطر الكبيرة للإجهاض. وحتى عندما تتوفر بعض المعلومات الصحيحة فإنها يغلب ألا تستخدم في السلوك الشخصي . وهنا توجد ثغرات معرفية يمكن سدها بطرق متنوعة من خلال المدرسة والمعلم ومن خلال الكتب والمنشورات والمقالات والمحاضرات والقانون والشرع.



الطبيب والمتخصص النفسي ودورهما في التربية الجنسية



تعتبر التربية الجنسية من المهمات الأساسية للمعلم الذي عليه أن يواجهها وألا يلقيها على عاتق غيره مهما كان السبب. ولكن حين يتعلق الأمر ببعض المسائل التخصصية الطبية منها والنفسية المتعلقة بموضوعات جنسية فإنه يمكن الاستعانة بمتخصصين بهدف عرض المشكلات المتعلقة بمجال اختصاصهم في مجال التربية الجنسية والزوجية.

ويمكن لعمل الطبيب المتخصص والمتخصص النفسي أن يكمل ويواصل عمل المعلم من خلال التعميق التفريقي للمعارف وإيضاح أهمية الموضوع . ويستطيع كل من الطبيب والمتخصص ( المرشد ، المعالج ) على أساس من " دورهما المهني " ومن موقف الناس منهما المرتبط بالدور المهني أن يعالجا أغلب المواضيع الجنسية بشكل حيادي وأحياناً بشكل أعمق تأثيراً مما يستطيعه المعلم الذي يمكن أن يخجل منه التلاميذ في عرض أسئلة معينة بسبب خصوصيته كمعلم. وسبب كون الطبيب والمتخصص النفسي يلعبان دوراً كبيراً هو أن اليافعين غالباً ما يمتلكون تجاه أهلهم ومعلميهم ظاهرة ما يسمى " الكف " ، أي تجنب الحديث حول أمور معينة تمس الحياة والمشكلات الخاصة بما فيها المسائل الجنسية في إطار الأسرة أو العلاقات الاجتماعية أو مع المعلم. في حين أنه يتم التطرق لهذه المشكلات مع شخص غريب بمجرد توفر ظاهرة الثقة الكاملة. وهذه يمكن أن يوفرها الطبيب أو المتخصص النفسي وبالتالي فهما يمتلكان شروطاً أفضل في التعرض لمثل هذه المعلومات. وهذا الموقع الموضوعي والحيادي لهما يتطلب منهما الالتزام الذاتي والمراعاة الكافية للمسؤولية التربوية التي يحملونها.

ومن المؤكد أنه سوف يتعرض هؤلاء لمشكلات معقدة ومتنوعة وعليهم حل هذه المشكلات بشكل لا يعرض سلامة الناشئة للخطر . ومن هنا يجب أن يكونوا على إلمام ودراية كافية بالتوجهات الدينية و الأخلاقية للمجتمع . فعدم الإلمام بهذه التوجهات يمكن أن يقود إلى سوء فهم لكثير من القضايا. فتنظيم النسل يمكن أن يفهم على أنه دعوة للإجهاض وتشجيع عليه أو يمكن للمعلومات العلمية حول سن النضج الجنسي أن تفهم كمطلب من أجل الممارسة الجنسية أو لتعويض السنوات الفائتة، أو أن تفهم عدم خطورة ممار سة العادة السرية على أنها دعوة لليافعين لممارستها دون حدود.

أما الوسائل التي يمكن من خلالها التعرض للمشكلات الجنسية فهي متنوعة وتتراوح بين الإرشاد والتوجيه الفردي والتنظيم الدوري لساعات الاستشارة والجلسات الإرشادية الشبابية والإرشادية الجنسية والإرشادية الزوجية والزواجية. ومن الطبيعي هنا أن يتولى طبيب النسائية والأمراض البولية والتناسلية مهمات أساسية في التربية الجنسية للسكان وذلك من خلال عمله المباشر في إطار المراجعات الدورية للنساء سواء في إطار الأمراض النسائية أو في إطار الإشراف على الحمل أو في إطار الفحوصات الوقائية.



بعض مبادئ العمل التربوي الجنسي

سنتعرض فيما يلي لبعض مبادئ العمل التربوي الجنسي من منظور علم النفس. وهي مبادئ عامة تساعد المعنيين بدءاً من الأسرة وانتهاء بالمعلم والطبيب والمشرف النفسي كإطار توجه، ومراعاتها تعتبر ذات أهمية في نجاح العمل التربوي الجنسي.

1) مبدأ حتمية النمو:

لابد من تنظيم كل التأثيرات بشكل يتناسب مع مجرى النمو. وهذا يشترط توفر المعرفة حول المجرى العام للنمو والخواص الفردية للمربي في الوقت نفسه. على المرء دائماً أن يخبر الطفل بالمقدار الذي يسأل عنه أو بالمقدار الذي يستطيع فهمه. كما وأن التعاليم لابد من أن يتم تلقينها بصورة متناسبة مع السن. وعلى البرامج التعليمية مراعاة هذا المبدأ وتبدأ بعرض الإجابات على المسائل المتعلقة بالجنس من الصف الأول الابتدائي.

2) مبدأ الثقة :

تعتبر الثقة أساس كل تأثير جنسي تربوي. والثقة بالطفل والناشئ لابد أن تكون موجودة منذ البدء فهي تشكل أساس ثقة التلميذ بالمربي. وبناء الثقة يشترط وجود تواصل جيد بين المعلم والتلميذ. كما ويشترط وجود الثقة وبناءها معرفة المربي بخصائص الطفل و الناشئ . وهذه المعرفة تمكنه من التعامل بصورة ملائمة على أساس الخصائص الفردية الملائمة. على المربي أن يظهر أن مشكلات وأسئلة الناشئين معروفة لديه وليست غريبة وأنه من خلال هذه المعرفة يستطيع تفهم الناشئة. وبهذا يكون المربي قد حقق لنفسه نقطة انطلاق أفضل مما لو أظهر الانطباع بأنه يقف (( فوق كل اعتبار )) ممثلاً لما يجب أن يكون.

على المربي أن يبدي التفهم عند تقييم صداقات اليافعين والتعامل بجدية مع اليافع وعدم الضحك حول الأسئلة التي يطرحها أو السخرية منه. إن مشكلات اليافع هي مشكلات حياتية وعلينا ألاّ ننسى أننا قد عانينا من مشكلات شبيهة في مراهقتنا.

3) مبدأ الإعداد الفعال والتحصين:

إنه لمن الخطأ الاعتقاد بأن جهد التربية لابد وأن يقتصر على أن يقال شياً ما عندما يسأل الطفل. ففي المجالات جميعها يقوم الكبار بنقل المعرفة للأطفال والناشئة، إلاّ أن هذا غالباً ما لا يحدث في مجال المعارف الجنسية، مع العلم أن الأمر مهم جداً في مجال التربية الجنسية بالتحديد. إذ أن تقديم المعارف يرتبط في الوقت نفسه مع تشكل المواقف. ومن المهم هنا استغلال الوظيفة التربوية التي يملكها (( الانطباع الأول )). فمن المعروف أن الخبرات والمعلومات الأولى ترسخ بشكل شديد الثبات في الذاكرة. فإذا ما تمكن المربي من التوضيح للطفل في الوقت المناسب وتمكن في الوقت نفسه من فهم الطفل وقام بإجراء بناء للمواقف و بناء الشخصية فإن الطفل سوف يتحصن بدرجة كبيرة تجاه التأثيرات السلبية.

4) مبدأ الصدق والوضوح:

من المبادئ الأساسية لكل مربي أن يكون صادقاً وواضحاً في التعبير عن نفسه. ومن الغريب أن يلاحظ الكثير من التردد عندما يتم تطبيق هذا المبدأ في التربية الجنسية . فمن خلال الصمت والتعتيم أو التجنب أو عدم الوضوح يضفي المرء على هذه المشكلة جذباً غير عادي يؤدي إلى إثارة الفضول. فإذا ما كذب المرء على الطفل أو أخفى عنه شيئاً فإن المربي سرعان ما سيفقد مصداقيته. فمن خلال الحقيقة وحدها يصل المرء إلى الهدف ويحقق شروطاً مناسبة من أجل التربية الجنسية اللاحقة.

ولكن هنا يجب عدم الخلط بين الصدق والوضوح وبين الرزانة أو بين الصدق والوضوح وبين التفسيرات البيولوجية الأحادية الجانب.

5) مبدأ الاستمرارية والتكرار:

لا يكفي القيام بحملات توعية في أوقات متباعدة بل لابد من القيام بذلك باستمرار وأن تكون الحملات مترابطة مع بعضها من حيث المحتوى ، أما التكرار فهو ضروري ، ذلك أن الطفل غالباً ما ينسى جزئياً محتوى التعاليم الباكرة. والتعاليم الصحيحة قد تتداخل مع تعاليم خاطئة إذا ما لم يعتمد على مبدأ التكرار.

6) مبدأ الموضوعية والتطبيع:

ينبغي للتأثير التربوي الجنسي أن يتم في إطار الأشكال المألوفة في الدرس وألا تخصص جلسات وأشكال خاصة من التنظيم الدرسي. فاختيار الأشكال الخاصة من التأثير كاف وحده ليمنح الموضوع جاذبية غير مرغوبة. ومن خلال استخدام الطريقة المألوفة في تنظيم الدرس العام والتأثير على الصف ككل يتم تحقيق الموضوعية لمحيط الموضوع ككل. وبذلك يتم تجنب الاعتراضات والإرهاقات والتثبيتات . وينبغي أن يوضح المحتوى وطريقة العرض بأن الأمر يتعلق في موضوع الجنسية بمظهر طبيعي من مظاهر الحياة الإنسانية.

7) مبدأ الترسيخ الجماعي والصياغة الجماعية

يجب تحقيق هذا المبدأ بطرق متنوعة. فمن جهة ينبغي لكل تأثير اجتماعي أن يوضح التشابك الاجتماعي وأن يبرز القواعد والمعايير الاجتماعية على أنها قواعد ومعايير ملزمة للجميع، ومن ناحية أخرى يجب على اليافع إدراك أن المجموعة التي ينتمي إليها هي جزء من المجتمع. ويعتبر هذا الإدراك جوهرياً في مرحلة المراهقة بالتحديد ذلك أن الناشئ يكون متعلقاً بمعايير المجموعة التي ينتمي إليها وخصوصاً عند وجود قيم ومعايير تختلف عن قيم ومعايير مجموعته. وسعي اليافع إلى الحصول على الاعتبار ضمن مجموعته يعمل على كف النقد الذاتي لسلوكه الخاص. ويحقق الدرس المشترك حول المشكلات الجنسية ضمن مجموعة الصف دفعاً إيجابياً إضافياً ويسهل الاستقبال الموضوعي حيث يتم من خلال ذلك منع أو إعاقة شعور الفرد بأنه معني مباشرة. ويعتبر الحديث ضمن المجموعة بالنسبة لكثير من التلاميذ خبرة مهمة.

7) مبدأ إيقاظ المسؤولية الذاتية:

لابد من جعل الشباب مدركين أن مجرى وبناء العلاقات بالجنس الآخر يتعلق بالفرد وحده، إلا أن المسؤولية لا يمكن أن تثمر إلاّ عند ذلك الذي يعرف بصورة وافية كافة الحقائق وأهميتها. كما ويجب إيقاظ المسؤولية تجاه الشريك الآخر في كل علاقة.

8) مبدأ الوحدة بين توفير الحقائق ونقل القيم:

ينبغي لكل توفير وإيصال للحقائق أن يترافق مع نقل للمعايير والقيم باعتبارها نقاط توجه للسلوك المستقبلي . ومراعاتها تعطي الشاب الاتجاه نحو ذلك السلوك الذي يشجع نموه الخاص وهنا يتحمل المربون مسؤولية جوهرية.

9) مبدأ التثقيف ( التهذيب )

ينبغي للشاب إدراك أن تهذيب علاقاته الشخصية يعد من المطالب الأساسية. إن التربية المبكرة من هذا النوع هي وحدها التي تستطيع تحصين الشباب والراشدين تجاه المجلات والأفلام وأنماط الحديث والأغاني الفاحشة.

وعلى الرغم من أن صياغة هذه المبادئ قد وضعت في صيغة جمل وجوب إلاّ أنه من السهل اشتقاق مبادئ سلوكية ملموسة وفق طبيعة المعايير الاجتماعية والأهداف التربوية السائدة. كما ويمكن إكمال هذه الأهداف بمجموعات أخرى من الأهداف الأساسية والثانوية سواء




الرد باقتباس




صورة ابو ساجد الصوفى الرمزية

مشرف سابق

الجنس :  : male

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: أكتوبر 2005

البلد: فلسطين ( غزة هاشم)

المشاركات : 4,765

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 7,761,583
تبرع


الهـدايـا





ابو ساجد الصوفى غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 08:50 مساءً

 

الله يبارك وفي جهودك الطيبة




توقيع البدو



الرد باقتباس




صورة البدو الرمزية

مؤسس الموقع

الجنس :  : male

رقم العضوية : 2

تاريخ التسجيل: أغسطس 2003

المشاركات : 13,248

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 6,932,414
تبرع





الهـدايـا





البدو غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 09:05 مساءً

 







جزاك الله خيرا اخي احمد




توقيع for_islam

الرد باقتباس




عضو برونزي

الجنس :  : male

رقم العضوية : 3559

تاريخ التسجيل: نوفمبر 2006

البلد: مصر

المشاركات : 511

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 1,151,267
تبرع


الهـدايـا





for_islam غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 09:12 مساءً

 



البدو
اسعدنى تواجدك
جزاك الله خيرا مشكور كثير اخى الكريم




الرد باقتباس




صورة ابو ساجد الصوفى الرمزية

مشرف سابق

الجنس :  : male

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: أكتوبر 2005

البلد: فلسطين ( غزة هاشم)

المشاركات : 4,765

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 7,761,583
تبرع


الهـدايـا





ابو ساجد الصوفى غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 09:14 مساءً

 



فور اسلام بارك الله فيك
جزاك الله خيرا
مشكور كثير اخى الكريم




الرد باقتباس




صورة ابو ساجد الصوفى الرمزية

مشرف سابق

الجنس :  : male

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: أكتوبر 2005

البلد: فلسطين ( غزة هاشم)

المشاركات : 4,765

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 7,761,583
تبرع


الهـدايـا





ابو ساجد الصوفى غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 09:27 مساءً

 




مجهود متميز .. شكرا لك اخي احمد




توقيع فكري

الرد باقتباس




صورة فكري الرمزية

معلم رياضيات ومبرمج

الجنس :  : male

رقم العضوية : 3750

تاريخ التسجيل: ديسمبر 2006

البلد: مصر

المشاركات : 2,256

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 3,794,220
تبرع


الهـدايـا





فكري غير متصل
 
 
                 
                 
               
 

الافتراضي رد : ابحاث اجتماعية

 
 

قديم(ـة) 28/12/2006, 11:42 مساءً

 



اسعدنى تواجدك اخى فكرى
جزاك الله خيرا




الرد باقتباس




صورة ابو ساجد الصوفى الرمزية

مشرف سابق

الجنس :  : male

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: أكتوبر 2005

البلد: فلسطين ( غزة هاشم)

المشاركات : 4,765

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 7,761,583
تبرع


الهـدايـا





ابو ساجد الصوفى غير متصل
 
إضافة رد

أدوات الموضوع

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are مغلق
Pingbacks are مغلق
Refbacks are مغلق

لكل مشاهـده : 5 نقد عربي
لكل موضوع : 15 نقد عربي
لكل رد جديد : 20 نقد عربي



الساعة الآن +3: 03:21 صباحاً.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص