آخر المواضيع

عـودة للخلف   منتديات البدو > المنتديات العامه > منتدى التعليم والجامعات

منتدى التعليم والجامعات لكل مايخص امور التعليم والجامعات

علم الاجتماع

إضافة موضوع جديد  الرد على الموضوع
 
LinkBack خيارات الموضوع
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي علم الاجتماع

 
 

قديم 01-07-2007, 04:06 مساءً

 



اولا اصل الاجتماع

الإنسان خلقه الله سبحانه، جسماً ونفساً، وله متطلبات جسمية، ومتطلبات نفسية، فالأكل، والسكن، والراحة، واللباس، ونحوها من الأول، والعلم والأدب والاجتماع والفضيلة ونحوها من الثاني، ثم إن الله سبحانه هيأ للإنسان حاجياته ـ سواء حاجياته التي لا تحتاج إلى العمل كالهواء والأرض ونحوهما، أو التي تحتاج كالدار والمأكل والملبس ـ من ناحية، كما بيّن له بقوانين سماوية، كيفية حركته وسكونه وتفكيره وعمله، من ناحية ثانية، حاله في ذلك ـ في مثال بسيط ـ حال صانع معمل مّا، حيث يهيئ لوازم المعمل ويبين قوانين المعمل، فهناك في الخلقة، تعادل: بين الإنسان في حاجياته وقوانينه، والانحراف عن تلك القوانين يوجب العطب والهلاك ولذا قال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكاً)(1).

وقال تعالى: (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(2) وقال عن لسان نوح: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً)(3).

فإن الإعراض عن القوانين الصالحة يوجب ارتطام الإنسان بالحواجز، كالذي يسير في الطريق المسدود، حيث يرتطم بالجدار… كما أن اتباع غير السنن الإلهية يوجب ثقل الحياة على الإنسان ثقلاً على نفسه [إصرهم] وثقلاً على أعضائه وجوارحه (والأغلال التي كانت عليهم)… أما الاستغفار بالسير في طريق الله ـ فإنه الاستغفار الحقيقي ـ فإنه يوجب تدارك نقص السابق (إنه كان غفاراً) كالمريض إذا شرب الدواء حيث يستعيد صحته، وإذا مشى الإنسان في طريق الله بالتعاون، وزراعة الأرض، وشق الأنهار، والتزاوج والاستيلاء، كان درّ المطر كثيراً، لأنه يتولد من كثرة مياه الأرض، ويكثر الأموال بالتجارة والزراعة والصناعة، ويكثر البنون، وتكون الجنات والأنهار: فالآيات الثلاث هي بيان لطبيعة عدم سلوك، أو سلوك القوانين الصالحة التي جعلها الله سبحانه، بالإضافة إلى الأمر الغيبي الذي يعمله سبحانه ما ورائيا.

فإن الحياة يسيرها أمران: [القوانين الطبيعية المودعة في الكون بإذن الله سبحانه] و [الأمور ألما ورائية التي يجريها الله سبحانه، بدون أسباب ظاهرة] كالمعمل الذي يسير بسبب قوانينه، وبسبب المهندس الذي يسيره.

أما من يقول بالإنسان الأول المنحدر من نسل الحيوان، وبالاشتراكية الأولى، وبالاجتماع لأجل الاقتصاد، وأن الاقتصاد هو البناء التحتي، لكل القوانين والأنظمة والأخلاق والآداب والأديان، وما إلى ذلك… فإنه لا يعوزه الدليل فحسب، بل الدليل على خلافه في كل خطوة خطوة.

بين الترابط والتباعد

ثم إن الإنسان حيث خلق اجتماعياً بالطبع، لا لحاجاته الجسدية فقط: بل لحاجاته النفسية، حيث الإنسان يستأنس بالإنسان، ويستوحش لفقده، كان الإنسان يؤثر في الإنسان الآخر ـ سواء كانا فردين، أو مجتمعين، أو بالاختلاف ـ والتأثير قد ينتج الإيجاب [بالترابط] وقد ينتج السلب [بالتدابر].

والترابط:

1 ـ قد يكون لأجل هدف واحد، فيجتمعون للوصول إليه بدون أن يكون للمجتمعين لون واحد، وهذا يسمى [بالترابط الهدفي].

2 ـ وقد يكون من أجل وحدة اللون التابعة لوحدة الثقافة، في الأخلاق والآداب والدين والمراسيم، وهذا يسمى [بالترابط الاجتماعي].

كما أن التدابر، بانفصال أحدهما عن الآخر على ثلاثة أقسام لأنه:

1 ـ قد يكون لأجل الوصول وحده إلى الهدف بدون عمل ما يوجب تأخير الآخر، وإن كان الآخر أيضاً يريد نفس الشيء ـ سواء في فردين أو جماعتين ـ وذا يسمى [بالاستباق] حيث أن كلا منهما يستبق الآخر في نيل هدف خاص كالمسابقة بالخيل.

2 ـ وقد يكون كالأول، ولكن مع عمل ما يوجب تأخير الآخر فهو إيجابي بالنسبة إلى نفسه وسلبي بالنسبة إلى الآخر، ويسمى [بالرقابة] كرقابة التجار وسائر الحرفيين.

3 ـ وقد يكون الثاني بإضافة كون الرقابة بالعداء والبغضاء ويسمى [بالمحاربة] كما في المقاتلات والحروب.

ثم إن كلا من الترابط والتدابر ـ غالباً ـ ينتهيان إلى المسالمة، وهي العيش الاجتماعي بين الفردين أو الطائفتين بسلام، فالمسالمة في الترابط، قد تكن مسالمة [الأمرية والمأمورية] حيث يتسلط أحد الطرفين على الآخر فيسلم الطرف الثاني بآمرية الطرف الأول، وقد تكون مسالمة [التوافق الاجتماعي] بدون الآمرية والمأمورية، والتوافق، قد يكون [بالعدل] بأن أعطى كل طرف حقه، وقد لا يكون بالعدل: مثلاً نهر بين قريتين، نفوس إحديهما ألف، ونفوس الأخرى ألفان، فإن قسم النهر بينهما نصفين كان مساواتهما بدون عدل، وإن قسم للأولى ثلثه كان عدلاً، فإن بين اللفظين عموماً من وجه.

وكل من الآمرية والمأمورية، والتوافق، قد يكون مع الرضا الباطني، وقد يكون بدونه وأهم القسمين ما يكون بالرضى ـ إذ المقسر لا يدوم ـ ولا يحصل الرضى الباطني، أبداً إلا إذا كان التطبيق يصادف الأصول المقبولة، وبعبارة أخرى [كان النظام مطابقاً للأيدلوجية] كأنه بدون ذلك يقع التدافع الخفي، ثم الجليّ، بين النظام والأصول، وينتهي أخيراً إلى الانفصام، سواء في الحقل السياسي أو الاقتصادي أو غيرهما

مثلاً: إذا كان السياسة المتخذة من الشريعة الإسلامية في قيادة الأمة [بالنحو الاستشاري] كانت القيادة الديكتاتورية فرضاً على الأمة، فيقع التصادم بين معتقد الأمــة، وبــيــن نظامــها السياسي، وذلك ينتهي ـ إن عاجلاً أو آجلاً ـ إلى التضارب والانفصام، ولذا قالوا خير القيادات وأطولها عمراً ما نبعت من باطن الأمة.

وكذلك في الاقتصاد، فإذا كان الاقتصاد الإسلامي أمراً وسطاً بين إفراط [الرأسمالية] وتفريط [الشيوعية]، كان الاقتصاد السليم القابل للتطبيق ما كان وسطاً بينهما، فإذا جعل النظام الاقتصادي مائلاً إلى أحدهما، أوجب التصارع بين الأصول [الأيدلوجية الاقتصادية] والتطبيق [النظام المجعول] وينتهي أخيراً إلى التعارض والانفصام… وكذلك الأمر في الثقافة وغيرها.

أما [المسالمة] التي ينتهي التخالف إليها، فالغالب أن تكون بسبب المصلحين، بعد تهيء الطرفين نفسياً لها، حيث أن الإنسان مغرور غالباً، فيزعم أنه بإمكانه أن يخرج خصمه عن الساحة، وبعد تجربة العداء، يرى أنه لم ينفعه ذلك، وأخذ من طاقاته الشيء الكثير، بالإضافة إلى ما حط من سمعته، بما لو صرفها في البناء لكان أجدى له، وذلك هو المناخ المناسب للتعايش السلمي وحينذاك ينشط المصلح لجعل شروط تقارب وجهات النظر، والتوافق بين الجانبين قد يكون على نحو: [المهادنة] أو على نحو: [المعاهدة] أو على نحو: [المصالحة] أو على نحو: [المعايشة] وهذه مراتب متدرجة فالمهادنة عدم الخصام، والمعاهدة يضاف إلى المهادنة، أن يتعهد كل طرف بعدم الاعتداء، ثم يأتي دور المصالحة، حيث يصطلح الطرفان ويكونان كأخوة، وأخيراً يمتزجان كجماعة واحدة وهي: [المعايشة].

الإسلام يدعو إلى السلم

وقد حرض الإسلام على السلم، حتى مع الأعداء، قال سبحانه: (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، ولا يلقاها إلا الذين صبروا، ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم)(4).

وقال الإمام السجاد عليه السلام: (اللهم سددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافي من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر، وأشكر الحسنة وأغضي عن السيئة)(5).

وفي القرآن الحكيم: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله)(6).

وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان)(7).

أما قوله سبحانه: (أشداء على الكفار رحماء بينهم)(8) فذلك حيث قصوى حالات الاضطرار، كالعملية الجراحية الخطرة، حيث لا يقدم عليها إلا في قصوى حالات الضرورة، ولذا كان الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، يخففون أبداً أسباب العداء ويقلصونها، فقال صلى الله عليه وآله: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(9) وأعطى علي عليه السلام الماء لمن حاربوه، وكذلك فعله ابنه الحسين عليه السلام في كر بلاء، إلى غير ذلك.

أقسام التجمعات

والجماعة قد تكون [جماعة إرادية] أي اجتمع أفرادها بالإرادة والتخطيط المسبق، وتسمى [بالجماعة الرسمية] أو [الهيئة الرسمية] مثل: أعضاء الحكومة فإنها جماعة شكلت لأجل حفظ العدالة وتقديم البلاد إلى الأمام، مع إرادة وتخطيط، وقد تكون جماعة غير إرادية، بأن لم يكن اجتماعهم عن تخطيط وإرادة خاصة، مثل الاجتماع في القرى والمدن، حيث لم يجمع الأفراد تخطيط وإرادة خاصة فهي: [جماعة غير إرادية].

ثم الجماعة المجتمعة قد تكون [طويلة الأمد] كالمثالين السابقين، وقد تكون [قصيرة الأمد] وهذه الثانية قد تكون عن تخطيط، وقد لا تكون كذلك.

فالأولى: كالمظاهرات التي خطط لها، ولابد أن يكون وراءها عقل مدبر.

والثانية: كالمظاهرات العشوائية، كما إذا اجتمع جماعة في أيام الغلاء عند الخباز، ثم أخذوا يتظاهرون بسبب الجوع وطلب الخبز.

والجماعة قد تكون [بدائية]: [طبيعية] كأفراد عائلة واحدة، أو [غير طبيعية] كالأطفال الذين يجتمعون للّعب، وقد تكون [غير بدائية] وتسمى [بالجماعة الثانوية] وهي التي لا تجتمع لأجل هدف خاص ويصرف أفرادها قسماً من نشاطهم، في إطار الاجتماع، كالجماعة الاقتصادية، أو الثقافية، أو الصناعية.

وأعضاء الجماعة قد يكونون [أعضاء مواجهة] لأن اجتماعهم يتطلب المواجهة مثل أعضاء العائلة، وأعضاء اللعب، وقد يكونون [أعضاء غير مواجهة] حيث أن اجتماعهم لا يتطلب المواجهة، مثل أعضاء الشركات والأسهم، حيث أن التلاقي لا يكون بينهم، وانما يرتبط كل عضو بالمكتب الذي فتح لأجل تلك الشركة أو تلك الأسهم.

والأعضاء إن ربوا في محيط واحد، أو محيط مشابه، سميت الجماعة بـ[ـالجماعة المنسقة] وإلا كانت [جماعة غير منسقة] حيث أن العرف والعادة والأعمال عند الفعل، وردود الفعل في الأولى مشابهة بخلافها في الثانية، مثلاً قد يكون من ربي في الغابة، إذا رأى السبع حمل عليه، بينما من ربي في المدينة إذا رأى السبع فر منه، فإذا رأى أحدهم من صديقه فراراً أو حملة ـ وهو بعيد عنه ـ علم الحادث في المنسق’، بينما لا يعلم الحادث في غير المنسقة، إلى غير ذلك من الأفعال وردودها.

ثم إن كل جماعة بالنسبة إلى أفرادها تسمى [بالداخلة] وبالنسبة إلى غير أفرادها تسمى [بالخارجة] سواء كانت الخارجة أفراداً متناثرين، أو جماعة أخرى.

والأعضاء قد يكونون [أصليين] فيما كانوا نواة مركزية، وقد يكونون [فرعيين] فيما كانوا ثانويين، وهكذا قد يكونون [أعضاء التشكيل] وقد يكونون [أعضاء الولاء] حيث لا يتركب تشكيل الجماعة منهم وإنما هم موالون يجمعون لهم المال، ويدافعون عنهم، ويروجون لهم، وقد تحتاج التشكيلة إلى أفراد آخرين فتنتخب من الموالين من تجعلهم ضمن التشكيلة.

والأعضاء قد يربطهم رابط اللحم والدم، وتسمى [بالعشيرة] أو نحوها، وقد يربطهم رابط غيره، وتسمى [بالجماعة الاسترشادية] حيث يسترشد أعضاؤها بالآراء والأفكار التي تتخذها الجماعة منهجاً لأجل بقاء الجماعة وتقدمها إلى الأمام في مقاصدها وأهدافها.

ثم الجماعات العاملة، لها حركة خاصة بها، في البعد الذي يهم الجماعة كالبعد السياسي بالنسبة إلى الأحزاب، والطبي بالنسبة إلى جماعة الأطباء، وهكذا، وهذه الحركة الخاصة غالباً تكون دورية، أي أن الجماعة توجد في أفرادها نوعاً من الحركة؛ من حيث الكيف والكم، والفرد من الأعضاء المتأثر بالحركة، يعطي رد الفعل إلى الجماعة، بما يزيدها حماساً وحركة، والجماعة ـ بدورها سترد الحركة على نحو اشد من حركتها الأولى، إلى الأعضاء، وهكذا تكون حركة الجماعة والفرد بين فعل وردّ فعل.

وهذه الحالة كما توجد في الجماعة المنظمة ذات الأهداف البعيدة، كذلك توجد في الجماعات التلقائية الذين اجتمعوا، صدفة لأجل حادث طارئ، مثل مشاهدة تمثيلية، أو انتظار مأكل أو سفر، أو ما أشبه ذلك.

فإن أخذت الجماعة في الهرج والمرج والتخريب، سميت [بالغوغاء].

ثم قد يكون للجماعة معنى غير ما تقدم، وهو الأفراد المشتركون في أمر حسن أو سيء، بدون أن يكون بينهم ربط أو رابطة مثل جماعة المهربين، وجماعة اللصوص، وجماعة الكتاب، وجماعة الفقراء، وما أشبه، وفي الاصطلاح في اللغة العربية، تختلف الجماعة عن الجمعية، وإن كان بينهما لغة تساو أو ترادف، مثلاً: إذا كانت هناك جماعة مترابطة لأجل التأليف والنشر يقال لهم: [جمعية] بينما إذا لم يكن بينهم ترابط، بل كانوا متناثرين، إذا أريد التعبير عنهم يقال لهم جماعة المؤلفين، وهكذا.

وهكذا جرى الاصطلاح في تسمية الجماعات السياسية [بالأحزاب] ـ وإن كان المعنى اللغوي أعم من ذلك، فكل تجمع يسمى حزباً، وإن كان بدون ترابط قريب كترابط الجمعيات، قال سبحانه: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب)(10) وقال: (ألا إن حزب الله)(11)، وقال: (كل حزب بما لديهم فرحون)(12) ـ وكذلك جرى الاصطلاح على تسمية جماعة [بالهيئة] ولا يطلق عليهم، حزب أو جمعية مثل: [هيئة الدولة] لأعضائها، أو الهيئة لحسينية كذا، ونحو ذلك، وقد يطلق على الهيئة [الجماعة] أيضاً.

الجمهور والأمة

أما [الجمهور] أو [الجماهير] فالغالب إطلاقها على [العامة] وإنما يطلق عليهم هذا اللفظ إذا أريد التعبير عن إرادة لهم، مثل: لا يرغب الجمهور في كذا، أو الجمهور يريدون المرشح الفلاني، فقد يلاحظ كل قطعة من العامة جمهوراً، فيقال للمجموع [جماهير] وقد يلاحظ المجموع من يحث المجموع فيقال [جمهور] وحيث أن [الجمهور] يطلق على القطعة من العامة، صح إطلاقه على طائفة خاصة مثل: [جمهور الفقراء] أو [جمهور البطالين] أو [جمهور الزراعين] إلى غير ذلك.

و[الأمة] و [الشعب] يطلقان على طائفة كبيرة من الناس، والفارق بينهما أن الأمة تقال باعتبار النبدء، والشعب يقال باعتبار الذات.

قال سبحانه: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)(13).

وقال: (وجعلناكم شعوباً وقبائل)(14) ولذا لا يصح أن يقال: [الأمم الإسلامية] لأن كلهم أمة واحدة بينما يصح أن يقال: [الشعوب الإسلامية] لأن الإسلام اشتمل على شعوب.

وحيث أن الجماعة المشتركة في هدف خاص طويل الأمد، كالجماعة الاقتصادية، أو الثقافية أو ما أشبههما لها نظم خاص، وروابط بين أفرادها، وعمل خاص، سميت [بالمنظمة].




توقيع ابو ساجد الصوفى



ياشعر وقف للكرم وللكريمين ....... اجلال واحترام لكل العشاير .

وخص منهم بدو ديرة فلسطين ..... ولبير السبع تحديد مني بشاير .

اربع قبايل على الراس والعين...... ليهم تحياتي بصدق المشاعر .

وأنا انتمائي ياعرب للترابين ........ ربعي وان دارت علي الدواير

الرد باقتباس




الصورة الشخصية لـ ابو ساجد الصوفى

مشرف حقيبة المراسل

الجنس :  : male

الدولـة : علم الدولة : Palestine

وسام المشرف المميز: وسام المشرف المميز - السبب: من القلب شكراً

ميدلية تميز: شكر وتميز - السبب: الله يعطيك العافية



أوسمة العضو: 2

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: Oct 2005

العمر: 22

الإقامة: فلسطين

المشاركات : 4,055

المواضيع : 417

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 1,548,784


المصرف: 0


المجموع نقد عربي: 1,548,784
تبرع


نقاط الترشيح : 257

المستوى : ابو ساجد الصوفى مميز



الـــهدايـا :
 
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي رد : علم الاجتماع

 
 

قديم 01-07-2007, 04:07 مساءً

 



ثانيا
مراحل علم الاجتماع


إذا لاحظنا علم النحو، رأينا أنه يمر بثلاث مراحل:

مرحلة المطالعة لكلمات العرب، ومرحلة كشف القوانين للغة العربية، ومرحلة تنظيم تلك القوانين في الكتب تنظيماً عمودياً، بتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير، وافقيً بترتيب المسائل التي لا ترتيب بينها… وإذا لاحظنا سائر العلوم رأينا فيها المراحل الثلاث، مثلاً: علم الطب يمر بمرحلة ملاحظة الطبيب الأبدان وأمراضها وعلاجها وعلائمها، ثم مرحلة كشف القوانين العامة أو الغالبية، ثم تدوين تلك القوانين عموديا وأفقياً.

وكذلك علم الاجتماع له هذه المراحل الثلاث فالعالم الاجتماعي:

(أولاً): يلاحظ الاجتماع، ويدقق في سير الأمور المرتبطة به تدقيق ملاحظة وإحصاء وكشف، لا تدقيق تجربة وعمل، إذ الاجتماع لا ينفعل وإنما يفعل بخلاف من يجرب دواءً فإنه يجربه بالفعل، أي يزرعه، ويسقيه ماءاً زائداً أو ناقصاً، ويقطعه ويعطيه لحيوان ليرى أثره فيه، إلى غير ذلك، فعلم الاجتماع داخل في سلسلة العلوم [الانفعالية] أي: [أن العالم يلاحظ] لا العلوم [الفعلية] فـ[إن العالم الاجتماعي لا يفعل ولا يجرب].

(وثانياً): يدرك القوانين المطلقة، مثل: قانون [الحسن يحسنه الاجتماع] و [القبيح يقبحه الاجتماع] وأنه [كلما ارتفعت ثقافة الناس ارتفع اقتصادهم] و [كلما تحسن أخلاق الاجتماع تقدمت ســائر شؤونهم] أو المــقيدة ـ أي بزمان أو مكان خاصين ـ مثل: [الولادة في الأرياف أكثر من الولادة في المدن] و [الثقافة في المدن أكثر من الثقافة في الأرياف] حيث أنه لا تلازم بين الأمرين، وإنما الحكم كذلك غالباً، في جملة من المدن والأرياف، لأسباب خاصة سببت هذا الاختلاف.

(وثالثاً): يضع عالم الاجتماع القوانين المكتشفة في مدونات خاصة، مرتبة عمودياً وأفقياً، ويخرج علم الاجتماع إلى الظهور… وقد كان علم الاجتماع قليلاً أو كثيراً منذ القديم منتشراً في كتب، ثم في القرون الأخيرة وضعت له كتب وقواعد وما اشبه، شأنه شأن سائر العلوم، التي كانت منتشرة ثم جمعت في مدونات خاصة، وتكاملت بكثرة البحث والمطالعة.

علم الاجتماع: الموضوع والمسائل والغرض

وحيث أن لكل علم موضوعاً، هو جامع موضوعات مسائله، ومحمولاً هو جامع محمولات مسائله، ومسائل موضوعاتها صغريات كـــلي الموضوع، ومحــمولاتها صغريات كلي المحمول، وبهذه الوحدة الاعتبارية يؤثر ذلك العلم في غرض خاص، هو مورد توجه المدون لذلك العلم… كان لعلم الاجتماع أيضاً تلك الأمور الثلاثة:

أ ـ فموضوع علم الاجتماع هو [كيفية الحياة البشرية من حيث الاجتماع]… وكما إذا قلنا: إن موضوع علم النحو [الكلمة من حيث نطق آخرها] كانت [الكلمة] موضوعاً للعلم جامعاً لموضوعات مسائله و[من حيث نطق آخرها] محمولاً للعلم، جامعاً لمحمولات مسائله… كذلك موضوع علم الاجتماع [كيفية الحياة البشرية] ومحموله [من حيث الاجتماع].

ولا يخفى أن علم الاجتماع بمعناه الأعم، يشمل الاجتماع الحيواني أيضاً مثل حياة النملة والنحلة والأرضة، وما أشبهها، لكن المهم عندنا الآن علم الاجتماع بمعناه الخاص، أي الاجتماع الإنساني.

ب ـ وسائل علم الاجتماع، صغريات ذلك الموضوع والــمحمول العـــامين مثل البحث عن الاجتماع المتقدم والمتأخر، والصناعي والزراعي وغيرهما، والمثقف والجاهل، والغني والفقير، والمستعمر والمستَعمر، إلى غيرها من المسائل الكثيرة.

ج ـ والغرض من هذا العلم: كشف القوانين الاجتماعية العامة أو الخاصة، لأجل معرفة الخطأ والصواب في الاجتماع، حتى يمكن انتشال الاجتماع المتأخر بترشيده الفكري ليعرف مواقع خطئه فيتجنبها، ولحفظ الاجتماع المتقدم عن الانحطاط بممارسة المناهج الصحيحة دائماً، ولحث الاجتماع المتقدم للمزيد من التقدم.

وبذلك ظهر [تعريف علم الاجتماع] بأنه معرفة القوانين الحاكمة على الحياة البشرية من حيث الاجتماع(1).

مهمة علماء الاجتماع

ثم إن العالم الاجتماعي، لدى ملاحظته الاجتماع ووضعه حيث يكلف ببيان الروابط الاجتماعية يلزم عليه:

(أولاً): بيان:

1 ـ الروابط الأحيائية المبعثرة.

2 ـ الروابط التي يجري عليها الاجتماع عادة وتقليداً في شؤونه المتنوعة من ساعة ولادته إلى ما بعد موته، مما يشبه المؤسسات الدائمة، مثلاً: كل اجتماع له مراسيم خاصة للولادة، ومراسيم خاصة للزواج، ومراسيم خاصة للموت، ومراسيم خاصة للتهنئة والتعزية، مما يجري في الاجتماع نسلاً بعد نسل، وكأن تلك المراسيم مؤسسات تحقق خير الإنسان من ساعة ولادته إلى ساعة إهالة التراب مثلاً على قبره.

3 ـ الروابط الدائرة في مؤسساته المختلفة من رسمية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها.

و(ثانياً): بيان مواضع الخطأ والصواب، والحسن والأحسن، والسيء والأسوء، في تلك الأمور الثلاثة الآنفة الذكر، مثلاً: في مراسيم، الموت: من عادة بعض الوحوش أكل لحم ميتهم، ومن عادة بعض المبذرين دفنه بأشياء ثمينة، ومن عادة بعضهم حرق ميتهم، ومن عادة بعضهم دفنه في تابوت، كما أن من عادة المسلمين دفنه بعد تنظيفه [بالغسل] ولفه في ثوب نظيف [كالكفن] إلى غير ذلك، فاللازم على علم الاجتماع أن يبين فلسفة الفساد في الفاسد، والصلاح في الصالح، وبذلك يقرب الاجتماع إلى ما يصلحه ويقدمه، ويبعده عما يفسده ويؤخره.

ثم إن علم الاجتماع لما كان يأخذ سير الاجتماع وخصوصياته ومزاياه، فهو مجموعة علوم، ألغيت فيها جانب مزايا تلك العلوم، وأدرجت في علم الاجتماع، ولذا فاللازم ملاحظة أربعة أمور:

1 ـ علم الاجتماع من حيث الغرض.

2 ـ علم الاجتماع من حيث الموضوع.

3 ـ علم الاجتماع من حيث السند.

4 ـ علم الاجتماع من حيث الحدود.

علم الاجتماع النظري والعملي

أ ـ أما علم الاجتماع من حيث الغرض، فإنه ينقسم إلى:

1 ـ النظري.

2 ـ العملي.

فالأول: هو الذي يعتمد على الذهن أكثر مما يعتمد على الخارج بأن يأخذ من الخارج أشياء ليكشف بها القوانين العامة الحاكمة على الاجتماعات والمؤسسات الاجتماعية، من دون نظر إلى كيفية التطبيقات، بينما الثاني يهتم بالجانب العملي، أي كيف يمكن تطبيق تلك القوانين على الخارج، مثل: أنه كيف يمكن إصلاح الاجتماع؟ كيف يمكن التخطيط والهندسة للاجتماع؟ كيف يمكن القيام بالثورة الاجتماعية؟ وإلى آخره، مثلهما في ذلك، مثل من يتعلم قواعد علم الطب، ومن يتعلم كيف يطبق تلك القواعد على الخارج؟

علم الاجتماع سعة وضيقاً

ب ـ وأما علم الاجتماع من حيث الموضوع، فإن العالم الاجتماعي قد يتكلم، حول هذا العلم بمعناه العام من دون ملاحظة كل مسألة مسألة على حدة، وقد يخصص علمه بمسألة خاصة من هذا العلم، فإنه قد توسعت فروع علم الاجتماع، إلى علم الاجتماع السياسي، وعلم الاجتماع الاقتصادي، وعلم الاجتماع الـــصناعي، وعلم الاجـــتماع الزراعي، وعلم الاجتماع القضائي وعلم الاجتماع الحقوقي، وعلم الاجتماع الديني، والى غير ذلك.

(فالأول): وهو علم الاجتماع ـ بمعناه العام والمطلق ـ يأخذ من كل علم من هذه العلوم قدراً أساسياً، ويتكلم حوله باقتضاب، بينما (الثاني) يجعل أي فرع من تلك الفروع موضع هدفه، ويتكلم فيه بإسهاب، ويلحق بهذا القسم الثاني [فرع الفرع] كما إذا أخذ عالم الاجتماع [جانب الإنتاج الاجتماعي] أو [جانب التوزيع الاجتماعي] بالنسبة إلى الاقتصاد أو [جانب الأحزاب الاجتماعية] أو [جانب القدرة الاجتماعية] بالنسبة إلى السياسة.

علم الاجتماع من حيث السند

ج ـ وأما علم الاجتماع من حيث السند، فإن العالم الاجتماعي قد يسند في استخراجه القوانين إلى الوثائق والمدارك التاريخية، وذلك فيما إذا أراد التحقيق حول [الاجتماع التاريخي] وقد يسند في استخراجه القوانين إلى الاجتماع الحاضر المشاهد، وذلك فيما إذا أراد التحقيق حول [الاجتماع الحاضر] وإذا أراد عالم الاجتماع التحقيق حول ما سيكون عليه الاجتماع في المستقبل كان لابد وأن يسند إلى كلا السندين، لأجل التكهن بالمستقبل، في حدود الإمكان.

علم الاجتماع وسائر العلوم

د ـ وأما الأمر الرابع، وهو علم الاجتماع من حيث الحدود مع سائر العلوم، وبين علم الاجتماع المطلق، وعلم الاجتماع الخاص، فهو على ثلاثة أمور:

1 ـ بين العلم العام والخاص، أي علم الاجتماع بصورة مطلقة، وعلم الاجتماع السياسي مثلاً، والنسبة بينهما نسبة [العموم المطلق] حيث الثاني أخص من الأول، نعم، هناك أمور تذكر في الخاص من حيث الاستيعاب لا يذكر في العام إلاّ بالإجمال والإيجاز.

2 ـ بين علم الاجتماع العام، وعلم الزراعة مثلاً، والنسبة بينهما [عموم من وجه] حيث أن علم الاجتماع يشمل الزراعة الاجتماعية والصناعة والسياسة وغيرها، بينما علم الزراعة يشمل هذا العلم سواء من جهته الاجتماعية أو سائر جهاته.

3 ـ بين علم الاجتماع الخاص، مثل علم الاجتماع الاقتصادي، وبين علم الاقتصاد، والنسبة بينهما عموماً من وجه، حيث أن [علم الاجتماع الاقتصادي] يلون علم الاقتصاد بلون الاجتماع، بينما ليس هذا موجوداً في علم الاقتصاد ومن ناحية أخرى، علم الاقتصاد يتعرض لما لا يتعرض له علم الاجتماع الاقتصادي مثل تاريخ الاقتصاد، وكيفية تحصيل الدولة لما تحتاجه من المال وكيفية صرفه، وأمور البنك وغير ذلك.

ما يجب ملاحظته في التحقيق الاجتماعي

بقي شيء، وهو أن من أهم ما يلزم على العالم الاجتماعي في تحقيقاته ملاحظة أمور:

أ ـ الدقة في التحقيق [فإنه بالإضافة إلى أن العلم أمانة، والخيانة من أشد المحرمات الشرعية العقلية].

قال سبحانه: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)(2).

إن عدم استقامة القوانين والنظريات الاجتماعية ينتهي إلى ظلم الناس، وذلك محرم عقلاً وشرعاً أيضاً، مثلاً: لو لم يحقق العالم الاجتماعي في الفوائد الاجتماعية لتعدد الأحزاب، مما حبّذ وحدة الحزب اجتماعياً انتهى إلى الديكتاتورية الموجبة لهدر الأموال والأعراض والدماء، فإن العلم يأخذ طريقه إلى العمل غالباً.

قال سبحانه: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم)(3).

وقال سبحانه: (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم)(4).

وقال سبحانه: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) (5).

ب ـ عدم التعصب، فإن المحقق كثيراً ما يقع تحت نير التعصب، وذلك يحرف تحقيقه مما له آثار سيئة، ولا فرق في ذلك بين التعصب لبلده، أو قومه أو دينه، أو جماعته، أو غير ذلك.

ج ـ عدم تأثير القدرة عليه، سواء في الحكومات الديكتاتورية بسبب المال والسلاح، أو في الحكومات الاستشارية بسبب المال والجاه، ولذا نرى سقوط كثير من المؤرخين لأجل تزلفهم للسلطات خوفاً أو طمــعاً، فلا عبرة بتواريخهـــم، وهكذا حال غير المؤرخ من العلماء الذين يتأثرون بالقدرة، ويصبحون فقهاء البلاط، أو وعاظ الملوك، أو شعراء وكتاب الأمراء.

د ـ عدم تأثره بالدعاية والأجواء، فإن عدم الاحتياط والحزم والدقة، يسقط العالم في الأجواء المصطنعة، بدعاية أو غيرها، فإن ذلك أيضاً يوجب الانحراف المسقط للعالم الاجتماعي، وغيره عن درجة الاعتبار ديناً ودنياً.

وقد ورد في الحديث: (رحم الله إمرءا عمل عملاً فأتقنه)(6).

وورد أيضاً: (من أبدى صفحته للحق هلك)(7).

وقال سبحانه: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل له مما يكسبون)(8).

وفي الحديث: (فلا يغرنك طنطنة الرجال من نفسك)




الرد باقتباس




الصورة الشخصية لـ ابو ساجد الصوفى

مشرف حقيبة المراسل

الجنس :  : male

الدولـة : علم الدولة : Palestine

وسام المشرف المميز: وسام المشرف المميز - السبب: من القلب شكراً

ميدلية تميز: شكر وتميز - السبب: الله يعطيك العافية



أوسمة العضو: 2

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: Oct 2005

العمر: 22

الإقامة: فلسطين

المشاركات : 4,055

المواضيع : 417

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 1,548,784


المصرف: 0


المجموع نقد عربي: 1,548,784
تبرع


نقاط الترشيح : 257

المستوى : ابو ساجد الصوفى مميز



الـــهدايـا :
 
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي رد : علم الاجتماع

 
 

قديم 01-07-2007, 04:08 مساءً

 



ثالثا
اقسام المجتمعات


الاجتماع على أربعة أقسام:

1 ـ المجتمع الجامد.

2 ـ والمتحرك نحو النقص والانحراف.

3 ـ والمتحرك نحو الكمال بأقدام ثابتة.

4 ـ والمتحرك نحو الكمال بدون أسس ثابتة.

المجتمع الجامد

1 ـ أما المجتمع الجامد فهو الذي يقف مكانه بدون تجديد في فكر أو صنعة، وهذا إنما يمكن إذا كان المجتمع في محيط طبيعي وجغرافي خاص بعيداً عن المجتمعات البشرية والغزاة، وكان مجتمعاً قليل الأفراد، لأنه إذا توفر فيه أحد الشرطين:

أ ـ أي كان قريباً إلى المجتمعات البشرية، فلم يكن محاطاً بالجبال ونحوها مما يقطعه عن الناس، أو كان في السهل، ولكن كان بعيداً عن المجتمعات البشرية لكونه في جزيرة، أو في القطب، أو نحو ذلك… كان لابد من احتكاكه بسائر أفراد البشر مما يوجب خروجه عن الجمود.

ب ـ وكذا إذا كان مجتمعاً كثير الأفراد، فإن مثل هذا المجتمع لابد وأن يظهر فيه المفكرون والنوابغ والتقدميون، ولسعة المجتمع يكون ضبط الجامدين له صعباً، فتظهر فيه الأفكار الجديدة، وتبعاً لذلك تظهر فيه الصنائع الجديدة ولا يبقى مجتمعاً جامداً.

وعليه فالمجتمع الصغير المنقطع هو الذي يبقى جامداً لأنه لا تظهر فيه الأفكار الجديدة لقلة أفراده وانقطاعه، ولو ظهرت خنقت لقوة المسيطرين عليه.

المجتمع المتسافل

2 ـ والمجتمع المتحرك نحو النقص، المراد به المتحرك في الصنعة ونحوها، إلا أن الفلسفة التي ينطلق منها المجتمع فلسفة التردي والهوى، كما إذا كان منطلقاً عن فلسفة قومية أو وطنية أو اقتصادية أو جنسية أو وجودية أو دكتاتورية، أو ما أشبه.

أ ـ فإن من يرجح قومه على من سواهم مهما كان قومه وضعاء، ومن سواهم رفيعاً، فقد نضبت فيه الإنسانية، وإذا نضبت الإنسانية تدرج الأمر من ترجيح القوم إلى ترجيح العشيرة، ثم ترجيح العائلة، ثم ترجيح النفس، ومثل هذا المجتمع خليق به أن يتحطم وتقع بين أفراده الحروب والمنازعات إلى الزوال.

وقد رأينا كيف أن القومية العربية تفرقت بلادها، وحاربت بعضها البعض وذهبت ريحها، مع وجود أكبر عدو مشترك بينهم وهو إسرائيل، لكن تصفية الحسابات التي انطلقت من فلسفة القومية لا تدع مجالاً للتفكير الجدي المثمر فيما عداها، وكذلك كان حال أعراب الجاهلية والفرس والروم وأوروبا في القرون الوسطى وغيرها… وحال الوطنية حال القومية في النتائج.

ب ـ والذي جعل منطلقه الفلسفة الاقتصادية لابد وأن يبتلى بالانحراف مما ينتهي إلى تشقيق المجتمع إلى طبقة الأغنياء الكثيرة الغنى وطبقة الفقراء الكثيرة الفقر من ناحية، ولابد له من أن يفحص الأغنياء عن الأسواق في تلك البلاد، كما نرى كلتا الصفتين في كل من روسيا وأمريكا ومن أشبههما.

ومثل هذا المجتمع يتخبط في الطبقية والثورات والحروب الداخلية والخارجية إلى أن يسقط، سواء طال الزمن أو قصر، وقد رأينا كيف أقام هؤلاء حربين عالميتين في أقل من نصف قرن، وكيف يستعدون الآن لحرب ثالثة لا تبقي ولا تذر، وكيف يستعمرون الشعوب ويشعلون فيها الحروب، ويجيعون أكثر العالم لحساب ثرائهم.

ج ـ والذي ينطلق من فلسفة الجنس، مثل فرويد وأتباعه، لا يمكن أن يسمو أخلاقاً، وأن تقدم في ميادين الصناعة، والأخلاق هي الموجبة لبقاء الأمم ـ كما قال الشاعر:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وذلك لأن الفلسفة الجنسية تشيع الإباحية التي تملأ فكر المجتمع، فلا يبقى مجال للإبداع والتقدم والرجولة والقدرة والمثابرة، وقد هلك قوم لوط عليه السلام، قديماً بذلك، كما أن ألمانيا غزت فرنسا في الحرب العالمية الثانية بسهولة مذهلة، لمثل ذلك أيضاً.

د ـ أما من ينطلق عن فلسفة وجودية، تتلخص في (أن وجودك كل شيء فافعل ما تقدر عليه) فلابد له من أن يتبدد، لأنه ضد فلسفة التعاون [إعطاء حق الآخرين] فيصبح الاجتماع أفراداً غير مرتبطين، والاجتماع لا يبقى إلا بالتعاون.

هـ ـ والديكتاتورية تخمد الأنفاس، وتخنق الحريات، وتميت الكفاءات وتبدد أوصال المجتمع، ولذا لا يتمكن الاجتماع معها من الكمال والتقدم ولم يتأخر ألف مليون مسلم مع منطقتهم الحسنة وثروتهم الطائلة، ومبادئهم القيمة، إلا لابتلائهم بحكام مستبدين، حالوا بينهم وبين التقدم بينما تقدم غيرهم في الصناعة ونحوها أشواطاً شاسعة.

وعليه، فالمجتمع الذي تسلّك عليه الديكتاتورية، إن كان متحركاً أخذ نحو النقص، وإن كان جامداً زاد جموداً، وعلى كلا الحالين مصيره التردي في الهوى فالسقوط إذا لم يدركه التحول الاستشاري قبل فوات الأوان، ولذا رأينا كيف سقطت النازية والفاشية وغيرهما في العصر القريب.

وهنا سؤال، أنه إذا كانت الديكتاتورية موجبة للسقوط، فلماذا بقيت الشيوعية؟

والجواب: أما حكومة الصين ـ ذات الألف مليون ـ فقد سقطت ولم يمر من عمرها إلا ثلث قرن، وأليس يكفي ذلك دليلاً على سقوط الشيوعية؟ وأما حكومة روسيا فقد قاربت السقوط أبان الحرب العالمية الثانية، وإنما حال بينها وبين السقوط الديمقراطيون، ثم هي الآن في شرف السقوط، فإن الغرب هو الذي يزودها بالقمح والتكنولوجيا، ولولا تلك المساعدة المستمرة كانت ساقطة إلى الآن، ومع ذلك فإن جملة من السياسيين يعتقدون قرب سقوطها بما لا يزيد على عشر سنوات.

المجتمع المتصاعد ذي الأسس

3 ـ والمجتمع المتحرك نحو الكمال بأقدام ثابتة هو الذي ينطلق من فلسفة صحيحة، كالتعاون، والعلم، والفضيلة، والتقوى، وحب الناس، والإنسانية، وابتغاء الخير، والحرية، ونحوها… وأخذ يعمل بتوئدة واتزان ومثابرة، ومثل هذا المجتمع سيبقى ينمو ويزدهر ويتوسع إلى ما شاء الله.

المجتمع المتصاعد بلا أسس

4 ـ وأما المجتمع المتحرك نحو الكمال، بدون أسس ثابتة، فهو الذي ينطلق من فلسفة صحيحة بالنسبة إلى السمو والإنسانية، ولكن لا يرعى سلسلة المراتب، والعمل بتوئدة ومثابرة، مثل هذا المجتمع خليق بالسقوط أيضاً لأن العمل إذا لم يكن عن إتقان لم يبق راسخاً، بل ينهار بعد مدة من الزمان وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه)(1).

سمات المجتمع المتصاعد

ثم إن المجتمع المتصاعد لابد وأن يكون التصاعد من ذاته، سواء نبع التحرك في داخله تلقائياً، أو نبع في داخله بسبب اختلاطه بأمم أخرى بالهجرة أو بالأسفار، أو بالغزو، أو ما أشبه ذلك، وإذا صار المجتمع متحركاً كان ذلك خارجاً عن إرادة أفراده، وإنما يزيد الاجتماع الفرد حماساً للتقدم، وبدوره الفرد يصب تقدمه في شلال المجتمع، ويكون حال الفرد والمجتمع ـ إذ ذاك ـ حال القطرة والنهر، وأفراد الجنود والجيش بمجموعه.

وكل جديد في المجتمع المتصاعد يزيد الاجتماع تصاعداً وتحركاً إلى الأمام، مثلاً: اختراع التراكتور، سبب اختراع سيارات آخر للدوس والحصاد والجمع والتسويق، وكثر من البطالة، حيث التراكتور تعمل عمل فلاحين كثيرين، وسبب ذلك ازدحام المدن، حيث أن الفلاحين أخذوا يهاجرون إلى المدن ليجدوا لقمة العيش بعد أن حرموا عن العمل الزراعي، ومن الواضح أن ازدحام المدن يسبب عدة تحركات في الثقافة، والبناء والمواصلات، وغيرها.

ملامح المجتمع الراكد

ثم إنه في المجتمع الراكد يركد كل شيء، ويسير الزمان بتؤده وبطؤ وتخلو الحياة عن التجدد، ويكون كل فكر جديد وحركة جديدة موضع الإعراض والازدراء والاستهزاء، وإن لم ينفع الإعراض في ردع من أتى بتلك الفكرة، وتلك الصنعة، حكم المجتمع عليه بالسجن والقتل ونحوهما.

وفي قبال المجتمع الراكد التفريطي: المجتمع المتحرك الفوضوي، حيث لا ميزان إطلاقاً فيسود الجهال ويعملون ما يحلو لهم، وهذا المجتمع الإفراطي معرض للسقوط السريع، حيث يكون حاله حال السيارة التي تسير بسرعة بدون مقود، فإنها ترتطم في حركتها بما يوجب سقوطها وتهشمها.

وإنما المجتمع المعتدل هو الذي له أسس ثابتة واقعية، وفي إطار تلك الأسس يتجدد ويتحرك ويبدع في الفكر والصنعة وما إليهما.

وبينما المجتمع المتحرك المتصاعد يجعل للتقدم جوائز ويشوق، سواء من اكتشف فكراً جديداً أو صنعة جديدة، يقف المجتمع الساكن ضد أولئك بالتكفير والتشهير والعقوبات الجسدية وما إلى ذلك، فقد قال المجتمع الجاهل عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه ساحر، وكاهن، ومجنون، ومسحور، وشاعر، وكافر، وما إلى ذلك، وأرادوا أن يثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، وفي القرن السابع عشر المسيحي لما اكتشف في عالم الغرب(2)(هاروي) الدورة الدموية، حاربه حتى الأطباء والمثقفين.

وقد وضع المقننون البريطانيون قانوناً يقتضي بمنع استعمال الفحم الحجري، وقد عاقبوا بالإعدام بعض من استعمله ـ في أول زمان كشفه ـ وإلى القرون الأخيرة كان الغرب يمنع المرأة حقوقها، وكان من يتفوه بلزوم إعطائها حقوقها يطرد ويهان، ويعاقب، وقصة توبة [غاليلوا] معروفة، إلى غير ذلك.

أسباب مقاومة المجتمع الراكد للتجديد

وإنما يقف الراكدون دون التجدد، لعدة أسباب:

1 ـ التقدم يوجب تحطم امتياز أصحاب الامتيازات، ولذا لما ظهر القطار خالفه أصحاب السيارات، اشد المخالفة… وكذلك في أصحاب الامتيازات الاجتماعية والسياسية، وغيرها.

2 ـ يخاف الراكدون من أنهم إذا أجازوا الجديد، أن يجد المجتمع سبيلاً إلى جديد آخر، مما يوجب تحطم الاجتماع بزعمهم.

3 ـ وقد يكون المنع لخوف أنه إذا انفتح الباب يصل الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، مثل أنه إذا استوردت بضاعة من بلد فلاني، خيف من انفتاح الطريق أمامه، مما ينجر إلى استعمار البلد المصدّر للبلد المستورد، ولذا كان الإمام يحيى في اليمن يمنع استيراد البضائع الأجنبية خوفاً من استعمارهم لليمن.

4 ـ لأن الإنسان يعتاد عمله، بينما لا يعتاد الشيء الجديد، وكذلك في الفكر، حال ذلك حال التقليد، فيقف الإنسان دون التجدد، خوفاً على تحطم ما اعتاده، ولذا كان الجاهليون يقولون: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)(3) وكانوا يقولون: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً)(4).

5 ـ أكثر الأفكار الجديدة لا تكون عند ظهورها كاملة، وكذلك في الصناعة حيث يكون كمال الفكر السابق أو مصنوعه، موجباً لتوقف الناس عن أخذ الجديد، أو استعماله.

6 ـ لا يريد بعض الناس الاعتراف بتفوق المفكر فكراً جديداً، أو مخترع الصنع الجديد، حسداً أو نحوه، ولذا يقفون سداً أمام فكره وعمله حتى لا يلزمهم الاعتراف به، ولذا قال أبو سفيان: كنا وقريش نطعم ونجير و… ثم ظهر فيهم من يقول أنا نبي!!.

7 ـ يعتاد بعض الناس أن ينسوا سيئات الماضي، ويروا حسناته، بينما يرون سيئات الحال، ويستصغرون حسناته في قبال سيئاته، ولذا لا يريدون تحول الحال.

8 ـ لأن الأمر الجديد يوجب انشقاق الاجتماع، ولا يريد بعض المصلحين انشقاقه، لأنهم يرون أن وحدته أصلح من صلاح الفكر الجديد، أو الصناعة الجديدة، أو لأنهم يرون الوحدة مطلقاً، وإن لم يروا الأصلحية، ولذا يقفون دون الشيء الجديد.

9 ـ لأن الفكر الجديد، أو الشيء الجديد ضار حقيقة، فاللازم الوقوف دون تسربه.

10 ـ لأن الصناعة الجديدة توجب تكاليف كثيرة، مما يفر الناس منها، وقد مثل بعضهم لذلك بالمطر الاصطناعي، فإنه وإن كان نافعاً جداً إلا أنه حيث يكلف تكاليف كثيرة ينسحب الناس من استعماله.

11 ـ لأنهم يفكرون أن مجتمعنا خير، حيث لا قلق فيه، ولا اضطراب، فاللازم الحيلولة دون أن يتحول إلى مجتمع مضطرب يبعث على القلق.

ولا يخفى، أن بعض هذه المبررات صحيحة، كما أن بعضها غير صحيحة وقد يمكن جمع مبررين من المذكورات تحت جامع واحد، إلا أنا ذكرناها منفصلة حيث المنطلقات مختلفة…

نعم للتجديد

وكيف كان، فاللازم على المفكرين والعقلاء في الاجتماع، أن يتعاملوا مع الفكر والصنعة الجديدين على الأصل، أي أصالة الحرية، إلا إذا كان ضاراً فيمنع، كما أن الأصل السماح للإنسان بالتجول ليلاً، أما إذا ظهر أنه لص أوقف، وربما يقال: بأن الأصل التوقيف، إلا ما خرج، ويستدل لذلك بأن الأمم المتأخرة إذا غزتها صناعات جديدة، حولت البلاد إلى مشاكل، حيث طبقة تقبل على الصناعة الجديدة، وطبقة لا تقبل، والطبقة التي تقبل ترتبط بالخارج، وذلك يسبب تغييراً في بعض عقيدتها، وفي بعض اقتصادياتها وفي بعض عاداتها.

وإذا بالمجتمع يصبح ذا لونين في العقيدة والاقتصاد والعادة والارتباط بالخارج، وذلك مبعث النزاع والشقاق ـ وكذلك بالنسبة إلى تقبل الأنظمة والأفكار كالفكرة الحزبية والبرلمان وما أشبه، مما ينجر أخيراً إلى الاستعمار.

وفيه (أولاً): أن الدليل أخص من المدعى، حيث ليس الكلام في خصوص المجتمع المتأخر الفقير المعرّض للاستعمار.

(وثانياً): اللازم علاج الأخطار لا الوقوف دون التقدم الصحيح




الرد باقتباس




الصورة الشخصية لـ ابو ساجد الصوفى

مشرف حقيبة المراسل

الجنس :  : male

الدولـة : علم الدولة : Palestine

وسام المشرف المميز: وسام المشرف المميز - السبب: من القلب شكراً

ميدلية تميز: شكر وتميز - السبب: الله يعطيك العافية



أوسمة العضو: 2

رقم العضوية : 1364

تاريخ التسجيل: Oct 2005

العمر: 22

الإقامة: فلسطين

المشاركات : 4,055

المواضيع : 417

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 1,548,784


المصرف: 0


المجموع نقد عربي: 1,548,784
تبرع


نقاط الترشيح : 257

المستوى : ابو ساجد الصوفى مميز



الـــهدايـا :
 
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي رد : علم الاجتماع

 
 

قديم 01-07-2007, 04:11 مساءً

 



رابعا بعض من رواد علم الاجتماع


الفصل الأول
حياه ابن خلدون وشخصيته

اسرته/
هو عبد الرحمن بن محمد ، ينتسب إلى اسرة كانت معروفة في اشبيلية الاندلسية ومنطقتها ثم في شمالي افريقية .
والاسرة الخلدونية حسب ارجح الاراء اسرة عربية تعود الى اصل يماني حضرمي .
ويعتبر ابن خلدون الكاتب الوحيد في تاريخ الاسلام الذي تكلم بصراحة مطلقة عن سلوكه الدنيوي . وكان يعتقد بان الناس كلهم متملقون ومتقلبون بشكل او باخر .
عرفت اسرة ابن خلدون كلا من النشاطين السياسي والثقافي . فمن حيث النشاط السياسي : برز اسم بني خلدون في اواخر القرن الثالث الهجري عندما اشترك اثنان من ابنائها قيادة احدى الثورات التي قامت في اشبيلية وادى الامر الى اغتيال احدهما .
ومن الناحية الثقافية : فقد برز من تلك الاسرة والد ابن خلدون نفسه الذي عزف عن السياسة ، واتجه الى العلم . حتى قال عنه ابنه : " بانه اصبح عمدة في العربية ، فضلا عن تمعنه في الدراسات الفقهية " .

نشاته :
ولد في تونس ، وسمي عبد الرحمن ، واسم ابيه محمد . وقد اصبحت كنيته ابا زيد ، وعندما ولي القضاء في مصر لقب بولي الدين . اما شهرته فهي ابن خلدون . وتضاف الى اسمه القاب اخرى تدل على علمه وفضله .
حين بلغ ابن خلدون سن التعلم بدا والده المثقف بتعليمه ، ثم استعان باساتذه اخرين ، قد درس العلوم الشرعية كالقران الكريم وعلوم الحديث والتفسير والفقه ، واهتم بالفقه المالكي لانه مذهب قومه ودرس علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وادب ، مع عناية خاصة بالشعر وبعد ذلك درس العلوم الفعلية الفلسفية .
عند بلوغه سن الثامنة عشر في عام 749هـ ، وقع حادث مهول ادى بلبلة الحياة في وطنه ، واثر في حياته تاثيرا بالغا وهو الطاعون الجارف . حيث اوقع ضحايا تفوق الحصر . واهلك كثير من والديه وكثير من شيوخه اما باقي العلماء والاساتذه اخذوا يرحلو من تونس ويتجهون نحو المغرب الاقصى .
فضل ابن خلدون ان يلحق باساتذته وشيوخه الا ان اخاه الاكبر صرفه عن ذلك . بهذا لم يستطيع ابن خلدون ان يتابع الحياة الثقافية التي عاشها والده ، وبعدها اتجه نحو المغامرات السياسية .

مغامراته السياسية:
أول وظيفة تولاها ابن خلدون كانت سنة 1350، وظيفة كاتب مراسلات الوزير محمد بن تافراكين. و لما سقط ابن تافراكين سنة 1352 ترك ابن خلدون تونس و رحل إلى بسكرة بالجزائر ، ومنها انتقل إلى قسنطينة. في سنة 1354 رجع إلى مدينة تونس، و هناك تزوج . في نفس السنة هاجر إلى فاس، و بسرعة اندمج في بلاط السلطان المريني أبى عنان الذي أصبح يشغل منصب كاتبه الخاص. و ظل ابن خلدون في منصبه قرابة عامين و نصف إلى أن اتهمه السلطان بالتآمر مع أمير بجاية، فأمر بالقبض عليه و سجنه سنة 1357 ، و ظل في سجنه قرابة سنتين، ثم عفا عنه السلطان وأعاده إلى وظيفته الأولى، التي بقي يشغلها ما يناهز عن الأربع سنوات. و في مدينة فاس التي كانت تمثل آنذاك عاصمة العلم بأقصى الغرب الإسلامي زاد تفقها في المسائل الشرعية بفعل مخالطته لشيوخ جامع القرويين، وزادت معرفته بدواخل عالم السياسة بفعل موقعه داخل البلاط الأميري. و في هذه الفترة كتب مسودة مقدمة كتابه العبر.

سنة 1363 رحل ابن خلدون إلى الأندلس و التحق بحاشية السلطان محمد بن يوسف بن الأحمر أمير غرناطة، فكان مستشاره الأريب ، بحيث أغدق عليه العطايا ، ثم توترت العلاقة ما بينهما، فغادر الأندلس إلى بجاية بالجزائر سنة 1365 ، وهناك تولى لفترة قصيرة منصب الحجابة. إثر ذلك انتقل إلى بسكرة بجنوب الجزائر، و بقي بها خمس سنين بعيدا عن عالم البلاطات السلطانية، عاكفا على مطالعة كتب الفقه و كتب التاريخ الإسلامي.
في سنة 1370 هاجر إلى تلمسان ليشغل منصب حاجب الأمير أبي حمو من بني عبد الوادي، لكن بفعل الحرب ما بين بني عبد الوادي و المرينين حكام فاس قرر الرجوع من جديد إلى بسكرة، و في الطريق أسر من طرف أعوان المرينين، و لينقذ نفسه قبل بأن يخلع بيعته لأبي حمو و الاشتغال مع أعدائه المرينين. في مدينة فاس اكتوى أيضا بدسائس البلاط ، و سجن ، و لم ينجو من محبسه إلا بفعل تدخل صديقه أمير مراكش، لكنه بقي هناك و التحق بسلك التدريس في جامع القرويين . في سنة 1374 غادر فاس إلى قلعة بني سلامة في الجزائر، و بها قضى قرابة أربع سنوات انصرف خلالها إلى تحرير كتاب المقدمة الشهير، و شرع في تصنيف كتابه العبر، ثم نقحه بعد ذلك وهذبه، وألحق به تواريخ الأمم.

في سنة 1378 رجع إلى مدينة تونس عاصمة الحفصيين. و لما استقر بالحاضرة انهال عليه طلبة العلم ، فأثار ذلك حفيظة بعض شيوخ جامع الزيتونة، على رأسهم ابن عرفة. كره ابن خلدون أجواء السعاية التي كانت تلاحقه منذ شبابه في منطقة المغرب العربي، فقرر الهجرة إلى مصر سنة 1382 أيام حكم الملك الظاهر برقوق، و بالقاهرة باشر التدريس بالأزهر. هناك ذاع صيته كفقيه مالكي متبحر في علوم الدين، و في سنة 1384 عين في منصب قاضي قضاة مالكية. و في تلك السنة غرق المركب البحري الذي كان يقل زوجته و أبنائه القادمين من تونس ، فكان ذلك المصاب أخطر حدث أثر فيه، رغم كثرة المصائب التي ألمت به سابقا.

أقام ابن خلدون في مصر قرابة أربع وعشرين عاما لم يغادرها إلا سنة 1387 للحج ، و سنة 1399 لزيارة القدس ، و سنة 1400 للشام برفقة السلطان الناصر فرج الذي خرج للدفاع عنها ضد زحف المغول بقيادة تيمورلنك . بعد هزيمة الناصر فرج و عودته إلى مصر أجبر ابن خلدون على البقاء في الشام جليسا لتيمورلنك، الذي رغم فضاعته إلا أنه قدر ذكاء ابن خلدون و سعة علمه. لما ضجر من جو المعارك و من غربته داخل بلاط مغولي، استأذن ابن خلدون تيمورلنك للعودة إلى مصر على أساس أنه ذاهب لجلب كتبه التي لا يستغني عنها، لكنه في قرار نفسه كان مقررا عدم الرجوع، فأذن له. و بعد عودته إلى مصر نقح كتبه وأتمها، ثم وافته المنية في رمضان عام 1406 ، وكان حينئذ قاضي قضاة المالكية فيها، و دفن في القاهرة بمقابر الصوفية خارج باب النصر.

مؤلفاته :
كان محور تاليف ابن خلدون كتابه في تاريخ ( كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر ) . اما مؤلفه الثاني فكما يدل عليه اسمه (المقدمة) . اما كتابه الثالث هو ( التعريف بابن خلدون ) . ولابن خلدون انتاج شعري اثبت بعضه في (تعريفه) وثنايا كتاب (العبر) .
اما كراسه الذي الفه لتيمورلنك عن بلاد المغرب وجغرافيتها فلم يعثر عليه حتى الان . ويبدو ان معلوماته لم تخرج عن المعلومات الواردة في كتاب العبر .
ويمكن تقسيم مؤلفات ابن خلدون الى مجموعتين هما : مؤلفات الشباب .. ومؤلفات الكهولة .
اما مؤلفات الشباب فكما حصرها لسان الدين بن الخطيب :
1.لباب المحصل .
2.ملخصات في المنطق .
3.ملخصات في الحساب .
4.تلخيص لمؤلفان ابن رشيد .
5.تلخيص لبعض مؤلفات ابن عربي .
واما مؤلفات الكهولة فهي تنحصر في :
1.كتاب العبر ويشمل على مقدمة وسبعة اجزاء .
2.شفاء السائل في تهذيب المسائل .
3.كتب ورسائل خاطب بها معاصريه امثال ابن الخطيب وعبد الله بن زمرك ، وقد نشرت في "التعريف بابن خلدون" .
4.رسالته عن شمال افريقيا التي وضعها خصيصا لتيمورلنك ولم يعثر عليها ، كما اسلفنا .

************************************************** **********************

الفصل الثاني
مفهوم العصبية عند ابن خلدون
إنَّ العصبية عند ابن خلدون لا تشمل أبناء الأسرة الواحدة الذين تربطهم بعضهم بالبعض الآخر صلة الرحم فحسب ، بل هي تتسع لتشمل أهل الولاء والحلف ، وفي مواقع أخرى نجد ابن خلدون يضم الرق والمرتزقة، وهم من يُطلق عليهم اسم «المصطنعين إلى العصبية» ،أمَّا النسب فيعتبره أمر وهمي فائدته هو الترابط الذي يوجده ، وبهذا يكون معنى العصبية عند ابن خلدون مرادف لمفهوم العصبية ، وبهذا لم يخرج عن المفهوم الإسلامي الذي نبذ العصبية القبلية .
العصبية، من حيث هي جهاز دفاعي، قوة ردع للقبيلة تصد بها احتمالات العدوان من القبائل أو العصائب الأخرى، ولكنها تنطوي أيضاً على وجه داخلي آخر يزيد من لحمة التماسك بين أفرادها، ولعل أبرز مظاهرها ما يسميه ابن خلدون بالتوحش، أي الاعتزال في البيد والقفار، حيث تكتفي الجماعة البدوية بالقوت الزهيد الذي يقيم أودها. وهكذا فالتوحش بطبيعته قوة تماسك تشد العصبية من الداخل بما يضمن عدم اعتداء بعضهم على بعض، وقوة ردع تقاوم به العصبية -كجماعة- أعداءها الخارجيين.
اذا أمكن للقرابة والدين والقيم الأخلاقية الأخرى أن تحد من خطورة التوحش داخل العصبة وفي إطارها، فإنه لا راد له ولا عاصم منه خارج إطار العصبة والقرابة، ولذلك ما إن تحتك العصبة أو الجماعة المتوحشة بجماعة أخرى غيرها حتى تصطدم بها اصطداماً مروعاً لا بد أن يفضي إلى القضاء على إحداهما.
كما ان مفهوم العصبية الخلدوني يشبه فكرة ميكافيلي عن الفضيلة ، ويقترب من فكرة فيكو عن الطبيعة العامة للشعوب التي هي وحدة نفسية او شعور متبادل بين افراد المجتمع – وحدة تنعكس في الحكومات والاديان والقوانين والعادات .
ونبين ابعاد او جوانب العصبية الخلدوني بشيء من التفصيل :
1.العصبية : وان كانت اقوى عند البدو منها عند الحضر لا تقتصر على البداوة كما اعتقد بعض الكتاب مثل ارنولد توميبي ونور وارنيست غلنر . فقد استعمل ابن خلدون هذا المصطلح كأساس للتفسير التاريخي للحياة الاجتماعية في المجتمعات البدوية والحضرية.
2.ليس من الضرورة أن تكون العصبية مبنية على علاقة الدم . الإنسان بالفطرة يميل إلى مساعدة أقربائه ، ولكن مهما تكن هذه العلاقة فان المهم هو الاعتبارات الاجتماعية . لقد أدرك ابن خلدون وجود تضامن اجتماعي في جماعات غير العائلة وغير القبيلة ، لان العصبية تأتي نتيحه التفاعل الاجتماعي المبنية على تجارب طويلة متبادلة وعلى فعاليات المهن المختلفة . وهنا أكد ابن خلدون تبصره الاجتماعي العميق ؛ وقد يكون راية هذا مختلفا عن تفسير بعض الكتاب .
3.العصبية ظاهرة طبيعية عامة : فهي لا تقتصر على شعب دون الأخر . فقد ذكر ابن خلدون عصبيات أخرى لأقوام غير عربية مثل الفرس واليهود والأشوريين والإغريق والرومان والأتراك والبربر .
4.العصبية لها علاقة بالبنية الاقتصادية للمجتمع : اعتبر ربيع العصبية واحدة من ظواهر عديدة تتمتع بخصائص معينة نتيجة نمط الحياة الاقتصادية . فهو يرى تفاعلا جدليا بين عناصر العصبية الاقتصادية والثقافية ، إذ ليس هناك استقطاب تجريدي للسبب والنتيجة في دراسة ابن خلدون للبداوة والحضارة . "العصبية وان كانت بدائية وقوية ولها ميزات خاصة فهي نتيجة طريقة المعيشة في البداوة" ، وبمضي الزمن تصبح السبب الرئيسي في تغيير هذا النوع من المعيشة نفسه إلى نوع أخر يختلف تماما في المناطق الحضارية .
5.هناك علاقة متينة بين العصبية والدين : (كمؤسسة اجتماعية وكوسيلة ضبط اجتماعي) فالدين يزيد من تضامن الجماعة ، وهي فكرة أكد عليها دوركايم ، اذا اعتقد أن الدين يؤدي إلى التضامن الاجتماعي والتماسك والوحدة ، أي يجعل افراد المجتمع متحدين ويعملون على بقاء المجتمع . غير ان ملاحظة فيكو "الدين اذا ذب من عند الناس فلا يبقى عندهم شيء يساعدهم على استمرار البقاء في مجتمع" . وهي بعكس اعتقاد ابن خلدون بان المجتمع البشري يستطيع ان يعيش ويدوم بدون دين وتأكيد ابن خلدون على الوظيفة الاجتماعية للدين (اتحاد الناس) يظهر في انجازات العرب بعد أن اسلموا . فعندما امتزجت الروح القبلية (العصبية) مع بعض جوانب الدين أصبح العرب متدينين جدا وابدوا حماسا مذهلا. واخلصا وتفانيا بالإسلام بعد وفاة النبي محمد بعد أن وجهت عصبيتهم ضد "الكفار" خارج الأرض العربية . ومما يجب ذكره هنا أن العصبية لم تمنعهم من الاعتماد على غير العرب وغير المسلمين لا سيما في العلوم والآداب والفنون . وقد اعقد ابن خلدون ان الدين نفسه يحتاج الى عصبية أو تضامن اجتماعي ، وذكر لنا عدة أمثلة للبرهنة على " ان الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم "

************************************************** **********************

الفصل الثالث
قيام وانحطاط الدولة
الدولة هى الهدف الطبيعي للعصبية . قوة وأهمية العصبية قد تنتج بسبب علاقات الدم . ولكن الدولة في رأى ابن خلدون هي أكثر من علاقات دم ، وأكثر من مجرد قيادة أو زعامة ، أنها تعنى التفوق " التغلب والحكم بالقهر "

ضرورة الدولة:
يرى ابن خلدون أنَّ حاجة الإنسان للغذاء والكساء والمأوى والدفاع عن النفس هي التي تدفعه إلى الانتظام في مجتمع إنساني، فالإنسان لا يستطيع أن يسد حاجته للغذاء بمفرده ، لأنَّ ذلك يتطلب أعمالاً كثيرة لا يستطيع أن يقوم بها بمفرده ، فلابد من تعاونه مع رفاقه.
والإنسان معرض للخطر ليس من جانب الحيوانات المفترسة فحسب ، بل من جانب أخيه الإنسان ، لذا لابد من وجود سلطة تحول دون اعتداء الناس بعضهم على البعض الآخر، وهذا ما أسماه ابن خلدون بـ « الوازع » ، أو « وازع حاكم » ، وعبَّر عنها المستشرق «أرين روزنتا2» بـ «السلطة الرادعة» ، ولها القوة الرادعة في منع الناس من قتل أو إيذاء بعضهم البعض ، حيث أنَّ العداوة والعنف سائدتان في طبيعتهم الحيوانية ، وهذه السلطة تكون في يد الملك أو السلطان.

أسس الدولة عند ابن خلدون:
ويرى ابن خلدون أنَّ الدولة لا تقوم إلاَّ على أساسيْن:
أولهما : الشوكة والعصبية المعبر عنهما بالجند.
وثانيهما: المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.
"والخلل إذا طرق الدولة طرقها خلال هذين الأساسين . أكد ابن خلدون على الأساس الأول . العصبية قد تختلف من جماعة إلى أخرى ولكنها تضعف عادة نتيجة النعمة والترف . الترف بدوره ، قد يؤدي إلى هلاك واندثار الدولة . بصورة أوسع وجد ابن خلدون أن أهم عوامل انحطاط الدولة هي كالأتي :
1.ضعف التأثير الديني : يعتبر الدين عاملا في اتحاد الناس وتصريف قضاياهم . وهذا على الاخص واضح منذ نشوء الدولة ففي هذه المرحلة لاشيء يقف امام الناس لان نظرتهم إلى الجياة وارائهم واحدة ، ومستعدين للموت في سبيل اهدافهم العامة ولكن عندما يتغير هذا الطابع الديني فان الجامعة او الدولة تزول .
2.الترف : قد يكون للترف فائدة في بدء نشوء الدولة الا انه عامل سلبي اذا اسيئ استعماله . "فاذا اولئك الذين قائمون بالدولة انغمسوا في النعيم وغرقوا في بحر الترف والخصب واستبعدو اخوانهم من ذلك الجيل وانفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها" .
3.اعتماد الحاكم على مساعدين ومرتزقة ينتمون الى جماعات لا تمد الى الدولة او العصبية باي صلة : هؤلاء معروفون بباسهم وهو لذلك يستخدمهم للمدافعة ، لاعتقاده بانهم احسن من غيرهم في مواجهة صعاب الحرب والجوع والحرمان . وفي وقع الامر يستخدمهم الحاكم ذد شعبه عندما تستفحل كراهية هذا الشعب له . ولاجل منعهم السيطرة على الحكم .
4.حجز الحاكم واستبداد بعض الافراد المرقبين اليه : بسبب اعتماد الحاكم على جماعات لا تمد الى عصبيته باي صلة وبسبب انهماكه في الترف ، فباستطاعة المرقبين اليه السيطرة على الحكم ، وحجز الحاكم وتجريدة من جميع سلطاته السياسية.
5.الاستبداد : عندما يتمكن الحاكم من السيطرة الكاملة على الحكم فانه يبدا بادعاء المجد لنفسه فقط ويحاول جهد الامكان الابتعاد عن الرعية ، وتعيين شخص مهمته منع الناس من مقابلته . وبهذا تصبح علاقة الحاكم مقتصرة على اقربائه واصدقائه المقربين منه .
6.تعديات الحكم على الحياة الاقتصادية : ان الجباية في اول الدولة تتوزع على اهل القبيل والعصبية بمقدار غنائهم وعصبيتهم ولان الحاجة اليهم بتمهيد الدولة ... فاذا استفحلت طبيعة الملك وحصلت لصاحب الدولة الاستبداد على قومه قبض على ايديهم عن الجبايات الا ما يطير لهم بين الناس في سهمانهم فينفرد صاحب الدولة بالجباية او معظمها ويحتوي على الاموال ويحتجبها للنفقات في مهمات الاحوال ،فتكثر ثروته وتملئ خزائنه ويتسع ناطق جاهه ويتغير على سائر قومه ... ويرى صاحب الدولة انه احق بتلم الاموال التي اكتسبت في دولة سلفه ... فيصطلمها وينتزعها منهم لنفسه شيئا فشيئا وواحدا بعد واحد على نسبة رتبهم ... ويعود وبال ذلك على الدولة بفناء حاشيتها وفناء رجالاتها .

أنظمة الحكم عند ابن خلدون:
لقد حدَّد ابن خلدون أنظمة الحكم بثلاث هي :
1. حكم يستند إلى شرع الله "الخلافة" .
2. سياسة عقلية ، وهي تضطلع بمصالح الدنيا فقط ،واستشهد بحكومة الفرس.
3. سياسة مدنية، وهي مثالية مفترضة مثل المدن الفاضلة عند الفلاسفة ، وهي بعيدة الوقوع.
ويقرر ابن خلدون في صراحة كاملة أنَّ الحكومة التي يجب أن تسوس شؤون مجتمع العمران ،هي الحكومة الإسلامية لما فيها من حفاظ على مصالح الناس في دنياهم وسلامة مصيرهم في آخرتهم ، فيقول : «والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي على مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ ترجع أحوال الدنيا كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة ،فهي في الحقيقة خلافة عند صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
ويبين ابن خلدون أنَّ وظيفة الخلافة دينية اجتماعية سياسية ، وذمَّ الملك القائم على العصبية ،لأنَّه يؤدي إلى القهر ، ورفض المُلك القائم على السياسة وحدها لأنَّه مجرد من الصبغة الدينية التي نظَّمتها شريعة السماء في حراسة نور الله ، ويستشهد ابن خلدون بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ،فيذكر قوله تعالى : (ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما هي أعمالكم تُرد إليكم.
وبيَّن ابن خلدون سبب تسمية الخليفة بذلك بأنَّه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض لقوله تعالى : (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ، فالله جعل الخليفة نائباً عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ،ويردهم عن مضارهم.
وبذلك يتفق مع الإمام الماوردي في توصيف الخلافة بأنَّها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع.

نظرية الدولة عند ابن خلدون:
لقد نظر ابن خلدون للدولة على أنَّها كائن حي يولد وينمو ، ثُمَّ يهرم ليفنى . فللدولة عمر مثلها مثل الكائن الحي تماماً ،وقد حدَّد ابن خلدون عمر الدولة بمائة وعشرين عاماً ،لأنَّه يرى أنَّ العمر الطبيعي للأشخاص كما زعم الأطباء والمنجمون مائة وعشرين عاماً ، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر إلاّ إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب مستشهداً بقوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ) ، وذكر أنَّها تتكون من ثلاثة أجيال كل جيل عمره أربعون سنة ، وذلك لأنَّه اعتبر متوسط عمر الشخص أربعين سنة ، حيث يبلغ النضج إلى غايته مستشهداً بقوله تعالى : (حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَة) .
ولهذا بيَّن أنَّ متوسط عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل ، ويؤيد ذلك في حكمة التيه الذي وقع لبني إسرائيل في أربعين سنة ، والمقصود بالأربعين سنة فيه فناء الجيل لإحياء ونشأة جيل آخر لم يعهد الذل ولا عرفه.
وقد ضرب ابن خلدون أمثلة لأعمار الدولة على بعض الدول مثل : المرابطين والموحدين والمرينيين في المغرب ، وملوك الطوائف في الأندلس ، والحمدانيين في حلب .

أجيال الدولة:
الجيل الأول : يعيش في الريف والبوادي حياة بدوية خشنة بعيدة عن الترف ، وتتميز بقوة العصبية والبسالة والافتراس «العنف» ، والاشتراك في المجد، ويكون جانبهم مرهوب ، والناس لهم غالبون.
الجيل الثاني : هو الذي يتحقق على يديه الملك ويؤسس الدولة ، وفيه ينتقل من البداوة إلى الحضارة، ومن سكنى البوادي والريف إلى المدن ، ومن شظف العيش إلى ترفه ، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به ، وكسل الباقين عن السعي فيه ، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة ، وتنكسر فيه سورة العصبية بعض الشيء ، ويعيش على ذكريات الجيل الأول.
الجيل الثالث: ينسون عهد البداوة والخشونة كأنَّها لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما فيهم من ملكه القهر ، ويبلغ فيهم الترف غايته ، ويصيرون فيه عيالاً على الدولة ، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ، وتسقط العصبية تماماً ، ويضطر صاحب الدولة إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ، ويستكثر بالموالي.
الجيل الرابع: لا يكاد يذكره لأنَّه فقد الاحترام والسلطة.

أطوار الدولة:
الطور الأول : هو طور التأسيس ،وفيه يكون السلطان جديد العهد بالملك.لذا فهو لا يستغني عن العصبية ، وإنَّما يعتمد عليها لإرساء قواعد ملكه، فيكون الحكم في هذه المرحلة مشتركاً نوعاً ما بين الملك وبين قومه وعشيرته، ويتميز هذا الطور ببداوة المعيشة ،وبانخفاض مستواها ،فلم يعرف الغزاة الجدد بعد الترف.ويشترك الجميع في الدفاع عن الدولة لوجود الشجاعة والقوة البدنية.
الطور الثاني : هو الانفراد بالملك ،ويرى ابن خلدون أنَّ الانفراد بالسلطة ميل طبيعي وفطري لدى البشر ،ولذا فإنَّ السلطان عندما يرى ملكه قد استقر يعمل على قمع العصبية ، كما يعمل على الانفراد بالحكم ، واستبعاد أهل عصبيته من ممارسة الحكم ، وعندئذ يتحول من رئيس عصبية إلى ملك .وقد يفعل ذلك أوَّل من أسَّس الدولة ، وقد لا يفعل ، فلا تدخل الدولة في هذا الطور الثاني إلاَّ مع ثاني زعيم أو ثالث ، ويتوقف ذلك على قوة صمود العصبية.
ويضطر السلطان إلى الاستعانة بالموالي للتغلب على أصحاب العصبية ،أي أنَّه يبدأ في هذه المرحلة الاعتماد على جيش منظم من أجل المحافظة على المُلك.
الطور الثالث: وهو طور الفراغ والدعة: وفي هذا الطور يتم تحصيل ثمرات الملك وتخليد الآثار وبُعد الصيت ، فالدولة في هذا الطور تبلغ قمة قوتها ، ويتفرغ السلطان لشؤون الجباية ، وإحصاء النفقات والقصد فيها ، ولتخليد ملكه بأن يبني المباني العظيمة الشاهدة على عظمته ، وفي هذه المرحلة يستمتع الجميع : السلطان بمجده ، وحاشيته بما يغدقه عليها السلطان.
الطور الرابع: هو طور القنوع والمسالمة : وفي هذا الطور يكون صاحب الدولة قانعاً بما بناه أسلافه مقلداً لهم قدر ما يستطيع ، والدولة في هذه المرحلة تكون في حالة تجمد فلا شيء جديد يحدث ، وتغير يطرأ ، كأن الدولة تنتظر بداية النهاية.
الطور الخامس : هو طور الإسراف والتبذير ، ويكون صاحب الدولة في هذا الدور متلفاً لما جمعه أسلافه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته ، فيكون مخرباً لما كان سلفه يؤسسون ، وهادماً لما كانوا يبنون.
وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا برء منه إلى أن تنقرض.
ويرى ابن خلدون أنَّ بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية ، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان ، ولهذا تنهار الدولة سياسياً واقتصادياً.

الأسس الإسلامية في نظرية الدولة عند ابن خلدون:
بنى ابن خلدون نظريته على أنَّ للدولة أعماراً مثل أعمار البشر على الأسس القرآنية،
فالقرآن الكريم ينص على أنَّ للدولة أعماراً ينتهي كيانها بنهايتها ،ثُمَّ تخلفها دولاً أخرى أكثر نظاماً ،وأشد قوة ،وأوفر صلاحاً، من ذلك قوله تعالى : (وكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ). والقرية هنا ، وفي آيات أخرى هي الدولة أو الدول ، والقرية الظالمة هنا هي الدولة الفاسدة ،فالظلم هو أشد ألوان الفساد .
والمرحلة الثانية في حياة الدولة ، وعمرها هي مرحلة القوة والنماء ،ورغد العيش ،ولين الحياة مع الحفاظ على نعم الله ،والامتثال لأوامره ونواهيه ،وهذه المرحلة تستمد من الآية الكريمة (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ،فإذا مالت إلى البطر والظلم انتهى الأمر بها إلى الانحلال والضياع فتدخل في المرحلة الثالثة ،وهي مرحلة السقوط ،ويتمثل ذلك في الآية الكريمة : (وتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً) .

على هذه الأسس القرآنية استمد ابن خلدون هذه الأطوار الثلاثة ، وهي طور النشأة والميلاد ،وطور القوة والارتقاء ، وطور التفتت والسقوط ،أمَّا الطور الثاني في الدولة عند ابن خلدون ، فهو مرحلة انتقالية للطور الثالث ، والطور الرابع مرحلة انتقالية للطور الخامس ، وقد استمد هذين الطورين من الواقع التاريخي للعالم الإسلامي،ومن القرآن الكريم استقى فصله بعنوان «الظلم مؤذن بخراب العمران.

أمثلة أطوار الدولة من واقع الدولة الإسلامية:
طور التأسيس: وقد ضرب ابن خلدون مثلاً بالدولة