السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين
من كتابات الاستاذ/رفيق شاكر النتشه
السلطان الذي خسر عرشه من أجل فلسطين
(( لا أقدر أن أبيع ولو قدماً واحداً من البلاد، لانها ليست لي بل لأمتي، لقد حصلت أمتي على هذه الامبراطورية بإراقة دمائها وسوف تحميها بدمائها قبل أن تسمح لأحد باغتصابها منا ، ليحتفظ اليهود بملايينهم ، فاذا قسمت الامبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل ، انما لن تقسم إلا على جثثنا))
السلطان عبد الحميد الثاني
الفصل الأول
اليهود في ظل الحكم الإسلامي
1 - الإسلام واليهود .
2 - اليهود والنصارى في القرآن والسنة .
3 - اليهود في العالم الإسلامي .
4- اليهود في الدولة العثمانية .
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
من الحقائق المسلم بها ان القضية الفلسطينية هي القضية المحورية والاساسية للعالمين العربي والاسلامي، ومنذ وقوع البلاد العربية تحت الحكم العثماني ، ظلت اربعمائة سنة بعيدة عن السيطرة الاستعمارية الاوروبية، ولم يستطع الاستعمار الغربي الوصول الى فلسطين الا بعد سقوط الدولة العثمانية ، وعند ذلك فقط أمكن وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ .
ونحن لا ننكر ان البلاد العربية قد وصلت في اخر عهد الدولة العثمانية الى درجة كبيرة من الانحطاط والتخلف الاجتماعي ، والثقافي ، والحضاري . وهذا الانحطاط كان ينطبق على جميع أقاليم الدولة العثمانية ، بما فيها تركيا ذاتها .
وكان لمجيء السلطان عبد الحميد الثاني أثر واضح في المحاولات الكثيرة ولجهود الكبيرة التي بذلها لرفع شأن الدولة العثمانية وإجراء الاصلاح في كل ركن من اركانها ولكن يبدو انه جاء متأخراً ، اذ كان الفساد قد استشرى في كل مكان من الدولة ، واصبح الاصلاح مستعصياً ، خاصة وان الدولة الاستعمارية كانت قد قطعت شوطاً كبيراً من التقدم والرقي ، واخذت بكل اسباب القوة .
لقد كانت الدولة الاستعمارية جميعها تتطلع الى الدولة العثمانية المحتضرة ( الرجل المريض ) للانقضاض عليها وتفتيتها واقتسام ممتلكاتها فيما بينها ، مستعملة في ذلك كل الوسائل المتاحة لها لتحطيم الدولة العثمانية والسيطرة على البلاد العربية ولوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ في فلسطين، الارض المستهدفة من قبل جميع الدولة الاستعمارية .
ونحن في هذا الكتاب أردنا ان نبين مواقف السلطان عبد الحميد الثاني من القضية الفلسطينية والتي كانت في زمنه تتركز على قضية الهجرة اليهودية الى فلسطين وشراء الاراضي ومشاركة كل الدول الاستعمارية في العمل على تشجيعها مستخدمة في ذلك الاغراء المادي تارة ، والضغط على السلطان تارة اخرى أو استخدام ذوي النفوس الوضيعة بالرشوة من اجل تشجيع الهجرة وشراء الاراضي.
ولكن تصدى السلطان عبد الحميد الثاني للدول الاستعمارية وللصهيونية في منعها من تهجير اليهود الى فلسطين ، ومنعها من شراء الاراضي فيها ، قد وضعه في مصاف الد اعدائها ، واصبح حجر عثرة في سبيل تحقيق المشروع الصهيوني .
وقد تجلت مقاومة السلطان عبد الحميد لمشاريع الاستعمار والصهيونية في الرد على المحاولات المتعددة والمجهودات الكبيرة التي قام بها عميل الاستعمار الغربي هرتزل .
فقد سافر هرتزل الى الاستانة في 18 حزيران (يونيه) 1896 م لاقناع السلطان بالهجرة اليهودية وشراء الاراضي مقابل المساعدات ، والهبات المالية للدولة العثمانية ، ولكن السلطان بلغ وسطاء هرتزل رفضه لهذه المحاولات بقوله وكما أورده هرتزل في مذكراته.
(( لا أقدر ان ابيع ولو قدماً واحداً من البلاد ، لانها ليست لي ، بل لأمتي ، لقد حصلت أمتي على هذه الامبراطورية باراقة دمائها ، وسوف تحميها بدمائها ، قبل ان تسمح لاحد باغتصابها منا ، ليحتفظ اليهود بملايينهم ، فاذا قسمت الامبراطورية ، فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل ، انما لن تقسم الا على جثثنا ، ولن اقبل بتشريحنا لأي غرض كان )) .
وقد حاول هرتزل بعد شهرين معاودة الاتصال بالسلطان وعرض عليه عروضاً مالية مضاعفة ولكن السلطان واجها بالرفض .
بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 م وفي 4 شباط (فبراير) عام 1898 م حاول هرتزل عن طريق وسطاء ، الحصول على ما يريد ، ولكن جواب السلطان هذه المرة كان في حزيران (يونيه) من العام نفسه ان اصدر قوانين جديدة ضد الهجرة ، وبلغ من تشدد السلطات العثمانية في تنفيذ هذه القوانين انها منعت نائب القنصل البريطاني في انطاكية من الدخول الى فلسطين ما لم يقدم التعهد المطلوب لكونه يهودياً . (ذلك التعهد الذي يقضي بخروجه من البلاد ) .
وفي 13 آب (اغسطس) 1899 م أرسل هرتزل الى السلطان عبد الحميد بمناسبة انعقاد المؤتمر الصهيوني رسالة يطلب فيها السماح لليهود بالهجرة الى فلسطين ، ولكن السلطان رفض الرد على الرسالة .
وفي 13 آيار (مايو) 1900 توجه الى استانبول في زيارة ثالثة للاجتماع بالسلطان العثماني بصفته صحافي صهيوني ، وقد تم له ذلك عن طريق جاسوس عثماني مستشرق هنغاري اسمه فامبري الذي حذر هرتزل قبل الاجتماع بالسلطان من الانجراف في آراء مضادة لما يفكر فيه السلطان ، وقال له "اياك ان تحدثه عن الصهيونية ، القدس مقدسة لهؤلاء الناس مثل مكة " .
وفي 18 آيار (مايو) 1901 م قال هرتزل للسلطان وكان قد اصطحب معه حاخام تركي ( موسي ليفي ) وعرض على السلطان تصفية الديون العثمانية ، واصلاح الاقتصاد المتدهور ، ووقف حملات صحف (تركيا الفتاة) في أوروبا ، وذلك مقابل (ايجاد ملجأ) لليهود في الاراضي المقدسة "فلسطين".
فغضب السلطان لما سمع وتوجه بالكلام الى الحاخام ليفي قائلاً : ( اننا نظن بان قومكم يعيشون بعدالة ورفاه وأمن ، وانكم تعاملون نفس المعاملة الحسنة التي يعامل بها كافة تبعتنا ، دون تفريق أو تمييز ، فهل لكم شكاية ؟ او هنالك معاملة غير عادلة ولا نعرفها نحن ؟ ) فأجاب الحاخام موسى ليفي : (استغفر الله سيدي بفضل ظل شاهانتكم ، نعيش بكمال ورفاه ، حاشا لا توجد لنا شكاية ما ) .
فأجاب السلطان : (( انكم تسفيدون من خيرات بلادنا كمواطينينا الآخرين ، بل انتم تنعمون أكثر من سواكم ، أفأظنكم نسيتم الاضطرابات والعذاب الذي كنتم ترونه في انحاء الدنيا وانتم في احضان أمتي)). ثم وقف السلطان وادار نظره الى هرتزل وقال: ((اننا لن نفرط بشبر من بلادنا دون ان نبذل أكثر مما بذلناه من دماء في سبيلها)) واضاف السلطان :
((اني أحب تطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين ، ولكن اقامة دولة يهودية في فلسطين التي فتحناه بدماء اجدادنا "المسلمين" العظام فلا )) .
وفي 12 شباط (فبراير) 1902 م سافر هرتزل مرة اخرى الى استانبول في زيارة رابعة ، ولكن لم يستطع مقابلة السلطان .
ونتيجة للفشل الذريع لمهمة نبي الصهيونية ورسول الاستعمار الغربي مع السلطان عبد الحميد الثاني قررت القوى الاستعمارية والصهيونية التخلص من شخص السلطان وذلك بترتيب اغتياله .
وتذكر المصادر الصهيونية انه بسبب موقف السلطان المتصلب من المشروع الصهيوني عرض هرتزل على القوى الاستعمارية في 24 شباط (فبراير) 1904 م اقتراحاً يقضي بان يبحر هرتزل الى البوسفور في سفينتين وينسف قصر يلدز ، ولكن اقتراحه فشل ، لما سيترتب على هذه العملية من نتائج وخيمة على اليهود .
وهكذا اصبح السلطان عبد الحميد هدفاً للمؤامرات الاستعمارية والصهيونية بسبب موقفه من القضية الفلسطينية من بدايتها ، وظلت تلك القوى تتآمر عليه وعلى الدولة العثمانية حتى تم لها ما أرادت ، وسقط السلطان وخسر عرشه وخلف من بعده خلف اضاعوا البلاد ، وفرطوا في فلسطين ، وبدأت القوى الاستعمارية والصهيونية تعمل بحرية لاقامة المشروع الصهيوني بعد ان اصبحت فلسطين في ظل الاحتلال البريطاني .
لقد حرصت في هذا الكتاب ان انصف هذا الرجل الذي شوهته الاقلام التي وضعت نفسها في خدمة الصهيونية والاستعمار سواء كان ذلك عن عمد أو عن جهل .
وا يهمني في هذا الموضوع ليس تقييم موقف السلطان من الاصلاحات الداخلية في الدولة العثمانية ، فهذا متروك لأصحاب الاختصاص ، والمهتمين بذلك ، ولكن الذي أود توضيحه هو هذا الجانب المضيء للسلطان عبد الحميد في موقفه من الاستعمار والصهيونية ومحاولاته الصادقة في الحفاظ على فلسطين .
كما وان موقف السلطان هذا قد جعله من الابطال الذين لن ينساهم شعبنا بالرغم من كل الدعايات المغرضة التي أثارتها الدول الاستعمارية والصهيونية ضده.
ولقد حرصت في هذا الكتاب على اعطاء صورة عن حالة اليهود في ظل الحكم الاسلامي ، مما يؤكد عدم وجود أي مبرر للتحدث عن المشكلة اليهودية في بلادنا كما يبنت في فصل آخر حالة الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر والتي كانت تسير نحو التفسخ والانحلال ، مما شجع الدول الاستعمارية على التآمر عليها والعمل على تفجيرها من الداخل ، باستغلال الدعوات القومية ، وهذا ما وضحته في الفصلين اللاحقين .
واخيراً بينت كيف تصدى السلطان عبد الحميد للاستعمار والصهيونية ، وكيف دفع عرشه ثمناً لموقفه المشرف ، وهذا ما جعله يستحق منا ان نكتب عنه هذا الكتاب .
والله ولي التوفيق. ،،،
رفيق شاكر النتشة
27 رمضان 1404 هـ
27 حزيران 1984 م
قال الله تعالى :
{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين}
"صدق الله العظيم"
اليهود في ظل الحكم الإسلامي
المقدمة:
لقد واجه اليهود عبر التاريخ الطويل للبشرية انواعاً متعددة من الاضهادات والمظالم ، لاسباب مختلفة ، يعزيها بعض المؤرخين الى اسباب ذاتية تتعلق باليهود انفسهم ، بسبب اعتناقهم الدين اليهودي ، أو بسبب وظائفهم الاقتصادية ، كما يعزيها البعض الآخر الى اساب خارجة عن إرادة اليهود ، بسبب الاغيار الذين يحملون عقيدة مخالفة لهم ، او لأسباب اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك .
ولقد شهد اليهود مذابح واضطهادات في معظم البلاد الاوروبية ـ ان لم يكن جميعها ـ شرقيها وغربيها ، فقد حصل ان واجهوا ذلك في بعض البلاد منها :
بريطانيا : طردتهم في أول القرن السادس للميلاد ومنعت دخولهم اليها مدة ثلاثة قرون .
وفرنسا : اضطرت في عهد لويس التاسع عشر الى طردهم وحرق تلموجهم بسبب كيدهم للشعب الفرنسي .
واسبانيا : طردتهم وحرمتهم من الدخول الى بلادها ، وفي سنة 1492 م اصدر الملك فرديناند والملكة ايزابيلا مرسوماً بطردهم ومعهم ابناؤهم وبناتهم وخدامهم وخادماتهم وأقرباؤهم كبيراً وصيغراً بسبب هزئهم من الكاثوليكية والسخرية منها كما جاء في المرسوم الملكي .
والبرتغال : فعلت كذلك بعد ان ذاقت منهم الامرين .
والمانيا : فكلنا يعرف موقف السلطات الالمانية النازية منهم ، والمذابح التي وقعت عليهم من النازيين .
أما روسيا القيصرية : التي حاولوا فيها قتل القيصر ، فقد قامت ضدهم بعدة مذابح في اوقات متفرقة من التاريخ(1) .
كما واجهوا احراق كتبهم الدينية كالتلمود في كثير من البلاد الاوربية في الوقت الذي كان فيه موسى بن ميمون ( الذي كان يعمل في قصر الخليفة المسلم في بلاد الاندلس ) يكتب عن التلمود والفلسفة اليهودية بحرية في ظلم الحكم الاسلامي .
في سنة 1244م امر ملك فرنسا لوي التاسع باحراق نسخ التلمود ، وفي نفس العام أمر البابا اننسنت الرابع باحراق نسخه في روما .
وفي سنة 1248 م امر الكردينال ليجات اودو اعادة احراق نسخ التلمود .
وفي سنة 1299 م أمر فيليب ليبيل باحراق كل تلمود اعيد طبعه .
وفي سنة 1309 م أمر فيليب ليبيل ملك فرنسا بطرد اليهود منها بعد ان احرق نسخ التلمود تحت اشرافه ومراقبته ، وذلك حين ظهر له تشيع يهود فرنسا للتملود الذي لا يتزحزون عنه .
وفي سنة 1319 م امر الملك لوي باحراق نسخ التلمود في حضور الناس بعد ان شوهد تكاثرها في مدينة تولوز .
وفي سنة 1322م احرقت نسخ التملود في روما بأمر من البابا جون الثاني والعشرين ،كما قتل الناس اليهود الذين قبض عليهم بجوار المدينة ووزعت اموالهم على فقراء البلد .
وفي سنة 1353 م امر البابا يوليوس الثالث باحراق نسخ التلمود . فاحرقها الناس في مدن جل اهلها مسيحيون مثل بارسيولنا ، والبندقية ، وروماغنا ، واوربينو وبيسارو .
وفي سنة 1558 م اعيد احراق نسخ التلمود في ايطاليا في انكونا ، وفرارا ومانتوا ، وبدوا ، وكنديا ، وفي رافننا .
وفي نفس العام ، احرقت نسخ التلمود التي دخلت روما من جديد بامر من الكردينال جيسليري .
وفي سنة 1559 م امر سكتوس سينزيز باحراق نسخ التلمود التي ادلها اليهود العنيدون خلسة الى روما .
وفي سنة 1557 م جمع شعب بولندا ، الذي ادرك خطورة هذا الكتاب ، جميع نسخ التلمود واحرقها ، كما ان الحكومة اصدرت أمراً باحراقها كذلك (2) .
وهنا نأتي الى سؤال لا بد من الاجابة عليه وهو : كيف كانت أحوال اليهود في العالم الاسلامي ؟ وهل واجهوا المتاعب والمذابح كما واجهوها في البلاد المسيحية الاخرى ؟
ونحن هنا عندما نستعرض بايجاز احوال اليهود في العالم الاسلامي ، انما نود ان نتبين فيما اذا كان هناك من مبرر ديني ، او عرقي ، او سياسي ، يعو اليهود عامة ، والصهاينة خاصة ، للانتقام من العرب ، او المسلمين ، والاشتراك في الهجمة الاستعمارية الصليبية الجديدة ، على بلادهم ، واغتصاب اهم قطر من هذه البلاد وهي فلسطين .
الاسلام واليهود :
بادئ ذي بدء نود ان نؤكد ان معاملة اليهود في ظل الحكم الاسلامي عبر التاريخ ، لم تكن وليدة صدفة ، ولا مجرد كرم اخلاقي من الحكام المسلمين ، وانما كان ذلك بسبب العقيدة الاسلامية التي تلزم اصحابها حكاماً ومحكومين ، بحماية اصحاب الديانات الاخرى ، ومعاملتهم كمواطنين لهم حقوقهم التي لا يجوز المساس بها ولهم احترامهم كأصحاب ديانات سماوية يعترف بها الاسلام ويعترف برسلهم .
{آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ، وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله } صدق الله العظيم .
وبالرغم من ان الكتب المقدسة الموجودة الآن تعتبر من وجهة نظر الاسلام كتب محرفة ، وليست كما نزلت على موسى وعيسى عليهما السلام ، الا ان ذلك لم يمنع الاسلام بالزام المسلمين باحترام المؤمنين بها وحماية كنائسهم ، واتاحة الفرصة لهم للتمتع بممارسة عباداتهم بالشكل الذي يعتقدونه.
كما والزم الاسلام المسلمين بحماية حقوق غير المسلمين ، ليس فقط بحرية العبادة ، بل بحرية العمل والتملك ، والحياة الحرة الكريمة ، واعتبر الاسلام ان الاعتداء على احد من هؤلاء هو خروج على التعاليم الاسلامية ، ما داموا يؤدون واجابتهم والتزاماتهم ، ويؤدون الطاعة اللازمة ، ولا يخرجون على النظام العام والقوانين والانظمة التي حددها الاسلام للمسلمين وغير المسلمين .
اليهود والنصارى في القرآن والسنة :
لقد ورد في القرآن عدد كبير من الآيات التي تأمر المسلمين بمعاملة أهل الكتاب (النصارى واليهود ) أحسن معاملة وكان عنوان التعاون معهم في المجتمع الاسلامي على اساس القاعدة العامة التي رآها الفقهاء : (لهم ما لنا ـ وعليهم ما علينا ) (3) .
فقال الله تعالى في سورة الممتحنة، آية 8 :
{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين } صدق الله العظيم .
كما قال تعالى في سورة العنكبوت آية 46 :
{ ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم ...} الآية .
وقد امتدح القرآن الصالحين من اهل الكتاب كما يمتدح غيرهم من المؤمنين فقال الله تعالى في سورة آل عمران آية 75 :
{ ومن أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك } الآية .
كما قال سبحانه في سورة آل عمران آية 113 / 114 .
{ ليسوا سواء من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات أولئك من الصالحين (114) } صدق الله العظيم .
أما الاحاديث النبوية فقد ورد منها العشرات التي تدعو المسلمون لمعاملة اهل الكتاب من اليهود والنصارى احسن معاملة ، وقد حرم على المسلمين ايذاءهم او الاعتداء على املاكهم ، او معابدهم ، او اكل حقوقهم .
وكل عهد يعطي لغير المسلمين من النصارى واليهود ، عهد يستوجب التنفيذ حسب الشريعة الاسلامية ، وقد عاهد الخلفاء المسلمون النصارى واليهود على كثير من الامور بعد انتهاء الحرب ، فتضمنت عهودهم ( حمايتهم ، والحفاظ على حريتهم الشخصية والدينية ، وإقامة العدل بينهم والانتصاف من الظالم ) (4) .
وجاء في الحدي ( من ظلم معاهداً ،أو كلفه فوق طاقته فانا حجيجه ) (5) .
ولهذا قرر الاسلام المساواة بين الذميين والمسلمين . فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، وكفل لهم حريتهم الدينية ، وذلك بعدم إكراه احد منهم على ترك دينه . قال الله تعالى في سورة البقرة الآية 256 { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } .
ومن حق اهل الكتاب ان يمارسوا شعائر دينهم فلا تهدم لهم كنيسة ولا يكسر لهم صليب ، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه (اتركوهم وما يدينون ) .
بل من حق زوجة المسلم ( اليهودية والنصرانية ) ان تذهب الى الكنيسة او المعبد ، ولا يحق لزوجها في منعها من ذلك .
كما سوى الاسلام بينهم وبين المسلمين في العقوبات (6) قال الزهري ( دية اليهودي ، والنصراني ، وكل ذمي مثل دية المسلم ) .
وقد كفل الاسلام جميع حقوق الإنسان ( ومنهم اليهود والنصارى ) ، وواجب حمايتها ، وصيانتها ، سواء أكانت حقوقاً دينية أو مدنية ، او سياسية .
ومن هذه الحقوق :
1- حق الحياة. 2- حق صيانة المال . 3- حق الحرية . 4- حق العِرْض . 5- حق المأوى وكذلك حق التعليم وإبداء الرأي .
وان أي تفويت او تنقيص لحق من حقوق الإنسان يعتبر جريمة من الجراسم (7) وكان المسلمون يعاملون من هم على غير دينهم من النصارى واليهود ، كما يعاملون المسلمين ، ويقف المسلمون امام القانون مع النصارى واليهود سواء بسواء حتى ولو كان المسلمون من الخلفاء الراشدين او من الصحابة .
وعن انس رضي الله عنه قال : رهن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعرياً لأهله ".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ان النبي ( اشترى طعاماً من يهودي الى اجل ورهنه درعاً من حديد ، وفي لفظ : توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودرعه مرهون عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير . رواهما البخاري ومسلم (8) .
اليهود في العالم الاسلامي :
وانطلاقاً من هذه القاعدة نأتي لنستعرض احوال اليهود في العالم الاسلامي : لا شك ان اليهود في الجزيرة العربية ، قد وقفوا موقفاً عدائياً من الاسلام والمسلمين منذ ظهور الاسلام ، وتآمروا مع المشركين لاخفاء نوره وسحق دعاته ، ولهذا فقد اضطر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ان يعاملهم باملثل فحاربهم ، وعاهدهم ، ولكنهم خانوا ، وخدعوا فتم اجلاؤهم عن الجزيرة العربية . ليس لانهم يهود ، بل لخياناتهم .
وبعد ان انتصر الاسلام على المشركين ، وعلى اليهود ، وتمت له السيطرة اصبح اليهود ، شأنهم شأن النصارى ، يعاملون معاملة طبيعية كمواطنين ، ما لم يخرجوا على النظام ، ويمتنعوا عن القيام بواجباتهم المفروضة عليهم .
فحقوقهم محفوظة طالما أدوا واجباتهم . وهذا لا ينطبق عليهم وحدهم كأصحاب دين مغاير ، بل ينطبق على المسلمين ايضاً الذين يخرجون على النظام ويخالفون القوانين والانظمة التي ارساها الاسلام.
ولقد شهد اليهود في حياتهم بين المسلمين في العالم الاسلامي ، اكرم حياة وعوملوا أطيب معاملة ، كانت مضرب المثل لليهود في الاقطار الاخرى .
وقد شهد على ذلك المؤرخون اليهود والنصارى ، بالاضافة الى المؤرخين المسلمين ، فمنذ ان فتح المسلمون فلسطين ، سمح الخليفة عمر بن الخطاب لليهود بالعودة الى القدس ومنحهم قطعة ارض على جبل الزيتون لاقامة الصلوات ، كما سمح لهم بعد ذلك السلطان صلاح الدين الايوبي بالعودة بعد الاضطهاد والابادة التي لاقوها اثناء الحروب الصليبية ، واخيراً سمح لهم العثمانيون بالعودة الى فلسطين بعد طردهم من الاندلس (9) .
وفي حين كانت اوروبا الغربية المسيحية تضطهد اليهود باسم الدين وتذيقهم الوان العذاب في القرون الوسطى ، وتضطرهم على النزوح الى شرقي اوروبا وغربيها ، كانت الدول العربية توليهم اسمى المناصب وتعترف لهم بحق المساواة المطلقة فيتجرون ويثرون ، يبلغون شأناً في السياسة والادارة والاقتصاد لم يسبق له مثيل. (10)
ونود ان نبدأ هنا بالاستشهاد عن التسامح الذي لقيه اليهود في العالم الاسلامي بما كتبه عدد من المؤرخين والسياسيين ، وعلماء الاجتماع، اليهود ، والنصارى .
فهذا هو الكاتب اليهودي الماركسي إبراهام ليون في كتابه "المفهوم المادي للمسألة اليهودية " والذي علق عليه الكاتب اليهودي مكسيم ردنسون يقول في ص (156) :
" عامل الاسلام اليهودية بتسامح يفوق التسامح الذي لاقاه هذا الدين ـ من جانب المسيحية ـ كتيار ايديولوجي اعترف بحقه بالبقاء بالرغم من الهزيمة التي لحقت به " (11) .
ويقول ايضاً في ص (157) :
وفي ظل الامبراطورية الاسلامية والدويلات التي قامت على اشلائها ، والتي احتفظت فيما بينها بصلات وثيقة، ازدهرت التجارة بين مناطق متباعدة ، وتقدم الانتاج الزراعي الخاص بكل اقليم من الاقاليم ، وراجت الصناعات اليدوية ، وشارك اليهود كسائر عناصر السكان في هذا التقدم ، ومارس عدد كبير منهم التجارة كما يقول ـ جواتين ـ : " لقد ادت هذه الثورة ـ البرجوازية ـ الى الاسراع في تحويل اليهود من شعب يمارس بالدرجة الاولى المهن اليدوية الى جماعة تهتم بصورة رئيسية بالتجارة ..وعندما وجد اليهود انفسهم ابان العصر الاسلامي امام حاضرة ميركانتيلية قابلوا التحدي وتحولوا بدورهم الى امة تتكون من رجال الاعمال وباشروا بالقيام بدور رئيسي في نهضة الحضارة الجديدة (12) .
ويؤكد ذلك في ص161 فيقول :
وقد وجد اليهود الذين لم يعانوا الاضطهاد القاسي حيث كانوا يقيمون ملجأ لهم في البلدان المجاورة ، وخاصة خارج البلدان المسيحية ، في العالم الاسلامي الذي فتح لهم صدره (13) .
كما يقول الكاتب والمؤلف اليهودي المعادي للصهيونية الفرد ليلنتال في كتابه "هكذا يضيع الشرق الاوسط" ص(294) :
وكما اثار المؤرخون اليهود فان العصر الذهبي لليهودية امتد على القرون البادئة عام 711 ب.م عندما عاش اليهود متمتعين بالنفوذ والاحترام تحت السلطة الاسلامية في اسبانيا والبرتغال . وحين اضطر اليهود الى الفرار من وجه مجالس التفتيش المسيحية وجدوا ملجأ لهم في شمال افريقيا والشرق الاوسط .
ما يعرف في الغرب بالعداء للسامية لم ينشأ في العالم العربي في يوم من الأيام ، ان العرب لم يكونوا قط معادين لليهود ، والاسلام يعتبر موسى وابراهيم كما يعتبر يسوع انبياء (14) .
كما يقول في ص(295) .
وفي مصر عاش اليهود طوال الف سنة جنباً الى جنب مع المسلمين ـ وبعضهم من احفاد اليهود القدماء الذين خلفهم موسى وراءه عند خروجه من مصر ، وفر آخرون الى مصر بعد التدمير الاول الذي انزله البابليون بهيكل القدس ، وفي عام 250 ق.م يحدثنا فيلو انه كان في الاسكندرية يهوداً اكثر مما كان في القدس، ووجد اليهود ملاذاً لهم في مصر نجاهم من الاضطهادات النصرانية في اسبانيا والبرتغال خلال القرن الخامس وكذلك اثناء الثورة الروسية والحكم الهتلري . ولا ريب في ان الغزو الاسرائيلي لمصر قد وضع حداً لهذا الملاذ المصري ليهود العالم (15) .
وجاء في كتاب "تاريخ العرب ـ الجزء الثاني " لكل من الدكتور فيليب حتى والدكتور ادوارد جرجي والدكتور جبرائيل حيدر ص437/438:
ولقد لقى اليهود من محاسنة المسلمين فوق ما لقيه النصارى برغم من في بعض الآيات القرآنية من تنديد بهم والسبب انهم كانوا قليلي العدد فلم يخشى آذاهم ، وقد وجد المقدسي سنة 985م ان اكثر الصيارفة وارباب البنوك في سوريا يهود واكثر الكتبة والاطباء نصارى ونرى في عهد عدد من الخلفاء واخصهم المعتصد (892 ـ 902م) انه كان لليهود في الدولة مراكز هامة . وكان لهم في بغداد مستعمرة كبيرة ظلت مزدهرة حتى سقوط المدينة . وقد زار هذه المستعمرة بنيامين التطيلي حول سنة 1169 م فوجد فيها عشر مدارس للحاخامين وثلاثة وعشرين كنيساً منها واحد رئيسي مزدان بالرخام المخطط ومجمل بالذهب والفضة ، وافاض بنيامين في وصف الحفاوة التي لاقاها رئيس اليهود البابليين من المسلمين بصفته سليل بيت داوود النبي ورئيس الملة الاسرائيلية (ريش جاوثا ) في الارامية أي امير السبي او بصفته في الواقع زعيم جميع اليهود الذين يدينون بالطاعة للخلافة في بغداد . فقد كان لرئيس الحاخاميين هذا من السلطة التشريعية على ابناء طائفته مثل ما كان للجاثليق على جميع النصارى ،وقد روى انه كانت له ثروة ومكانة واملاك طائفة فيها الحدائق والبيوت والمزارع الخصبة ، وكان اذا خرج الى المثول في حضرة الخليفة ارتدى الملابس الحريرية المطرزة وعمامة بيضاء موشاة فيها الجواهر واحاط به رهط من الفرسان وجرى امامه ساع يصيح باعلى صوته (افسحوا درباً لسيدنا ابن داوود) (16) .
كما يؤكد ذلك السيد صبري جريس في كتابه "تاريخ الصهيونية (1862 ـ 1917م ) الجزء الاول ص60:
تمتع اليهود في فلسطين ، التي كانت خاضعة للحكم العثماني ، منذ سنة 1517 م وفي اماكن اخرى من الامبراطورية العثمانية ، بقسط كاف من الحرية الدينية ، لم تكن من نصيبهم في أي بلد اوروبي ، فخلال الحكم العثماني ، لم تتخذ اية اجراءات رسمية تستحق الذكر ، تناهض اليهود او تميز بينهم وبين باقي السكان ، كما كان الحال في معظم الدول الاوروبية . ان لم يكن فيها كلها (17) .
يعزو بعض المؤرخين ( غير المسلمين ) سبب بقاء اليهود على قيد الحياة الى استضافة المسلمين وحمايتهم لهم ، يقول ج.ه. جانسن في كتابه "الصهيونية واسرائيل وآسيا ص16:"
وفي مناسبتين من التاريخ اليهودي في اوروبا نرى ان بقاء اليهود على قيد الحياة يعود الى استضافة وحماية الحكام المسلمين ، كانت الفترة الاولى في القرن السادس عندما وضعت الفتوحات الاسلامية في اسبانيا حداً للاضطهاد اليهودي على يد المسيحيين هناك ، ومنذ القرن العاشر فصاعداً أخذ الضغط على اليهود في اوروبا الغربية في الازدياد ببطء حتى اذا ما اطل القرن السادس عشر كانت تلك المنطقة بكاملها قد افرغت من اليهود ما عدا بعض الجيوب الصغيرة والمبعثرة ، لقد انتقلت الجاليات اليهودية نحو الشرق ووجدت ملجأ لها في الامبراطورية العثمانية كما في بولندا وروسيا حيث تجمع القسم الاكبر منهم في المقاطعات الغربية من روسيا وبولندا وهي التي عرفت فيما بعد بمناطق الاستيطان.
اليهود في الدولة العثمانية :
وقد عاش اليهود تحت الحكم العثماني بسلام لكنهم كانوا يلاقون دوماً في اوروبا الشرقية تمييزاً وكراهية قوية كانت تتفاقم من وقت لآخر لتنتهي بالمذابح (18) .
كما يؤكد (المؤلف نفسه ) ذلك في ص(23) .
ولم يواجه المهاجرون اليهود أي عقبة سياسية لان زعماء المسلمين لم يرفضوا في أي فترة السماح لليهود القادمين من البلدان الاجنبية بدخول فلسطين والاستيطان فيها . ولم يمنح هذا السماح للمسيحيين الغربيين ، وبعد وصول اول فوج من المستوطنين الصهيونيين من رومانيا عام 1882م اصدر السلطان عبد الحميد لاول مرة في التاريخ ، عام 1885م ، امراً يسمح بدخول اليهود كحجاج فقط لا كمستوطنين. على ان القانون لم ينفذ ابداً بصرامة ، ولكن هذا القانون وما تلاه من قوانين تقيد الهجرة كانت تنطبق فقط على اليهود الاجانب ، اما مئات الآلاف من المواطنين اليهود في البلدان المحيطة بفلسطين والخاضعة للامبراطورية العثمانية فقد كان باستطاعتهم دوماً الاستيطان في فلسطين . ويقدر عدد اليهود الذين كانوا في فلسطين عام 1814 م بحوالي 10.000 يهودي فقط ، وفي عام 1914م مجرد 35.000 يهودي من بين 12.000.000 يهودي يرددون في صلواتهم ثلاث مرات في اليوم ان لن ينسوا اورشليم والعودة الى ارض الميعاد ، والبرهان القاطع هو انه "رغم ما كتب عن المكانة التي تشغلها فلسطين في قلب الشعب اليهودي " ، الا انها كأرض للعيش عليها لم يكن لها الا تأثير ضئيل على الفرد اليهودي ، واشار داعية صهيوني الى التوبيخ الذي يحس به لان اليهود هم اقل طائفة من بين الطوائف الاخرى تقصد الى فلسطين (19) .
كما ينقل الدكتور اميل توما في كتابه " جذور القضية الفلسطينية " (ص12) عن كتاب جون برونغ ( تقرير حول سوريا ) وصف الاخير احوال اليهود في ظل الاسلام :
ان التجار اليهود الاجانب في دمشق هم الفئة الاغنى بين التجار وذكر عائلتين تملك كل منهما مليون ونصف مليون جنيه ، وهذه ثروة ضخمة في ذلك الحين ، واضاف ان اكثر البيوتات التجارية تتجار مع بريطانيا (20).
ولقد كانت صلة اليهود بفلسطين عبر التاريخ وقبل وجود الصهيونية الاستعمارية ، مجرد صلة دينية عاطفية ولم يكن لهم اية مطامع سياسية ، وكان هذا الامر قبل السبي البابلي ، الذي قام به نوخذ نصر ، اذ انه من الثابت تاريخياً ان اليهود كانوا موزعين في العالم العربي ، وغير العربي ، في ذلك الوقت ، ولم يكونوا مجتمعين فقط في فلسطين ، بل كانوا مواطنين في كثير من الدول .
كانت صلة اليهود بفلسطين مجرد صلة دينية عاطفية ورغبة لدى بعض الفئات اليهودية المتدينة في الاقامة قرب الاماكن المقدسة للتعبد وممارسة الطقوس الدينية لقضاء ايامهم الاخيرة في المدن الاربعة المقدسة ( القدس ، صفقد ، طبرية ، الخليل ) ناهيك عن ان اليهود المتدينيين كانوا يؤمنون بكفرة بعث الدولة اليهودية في فلسطين بحدوث معجزة الهية يظهر معها المسيح المنتظر الذي سيعيد بناء "هيكل سليمان " ويقود العالم نحو الخير والسلام (21 ) .
ولما ابتدع الفكر الاستعمراي ـ غير اليهودي ـ الصهيونية السياسية ، التي كان يتطلع من ورائها الى تنفيذ المشروع الصهيوني الاستعماري باقامة دولة يهودية في فلسطين ، بدأ الساسة المستعمرون ومن يعمل معهم من المبشرين باطلاق المزاعم عن (العودة الى ارض الميعاد ) . (وتحقيق نبوءة المسيح ) والاستشهاد بنصوص التوراة التي اطلقوها وفسروها لتخدم المشروع الصهيوني . ومن الطبيعي ان تلاقي هذه المقولة اذاناً صاغية واستحساناً لدى المجتمعات الغربية المسيحية التي ارادت ان تتخلص من اقلياتها اليهودية (فاشفقت) عليهم لما حل بهم من ويلات ومآسي ابان العصور الغابرة من محاكم التفتيش في اسبانيا في القرن الخامس عشر الى البوغروم في روسيا في القرن التاسع عشر ( وهي ملاحقات واعتقالات واجراءات اضطهادية حدثت في روسيا على يد القيصر الروسي في "1881 ـ 1882 م" الى افران الغاز في المانيا النازية في النصف الاول من هذا القرن (22) .
وفي الوقت الذي كانت فيه مذابح اليهود كثيرة الوقوع في روسيا وبولونيا ، كانت هناك حركات في فرنسا وغيرها من اعرق امم اوروبا حضارة ترمي الى ما يشبه القضاء على اليهود ، حتى كادت قضية دريفوس ان تشعل نار الثورة في فرنسا ، وكان اليهود يجدون في البلاد الاسلامية اطيب معاملة ، ويعتبرونها الملجأ الآمن لهم وكانت هذه البلاد الاسلامية ترى واجباً عليها حماية اللاجئين اليها منهم والمساواة بينهم وبين المسلمين في المعاملة (23) .
ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن الدولة العثمانية ان نبين كيف كانت تلك الدولة تعامل اليهود قبل ظهور الفكرة الصهيونية السياسية التي لم يكن لها أي علاقة باليهود او بالدين اليهودي ، الا من ناحية واحة ، وهي استعمال الدين اليهودي كغطاء لتنفيذ المشروع الصهيوني ، واستعمال اليهود كمادة لاستغلالها من اجل اقامة الدولة اليهودية التي كان الاستعمار يرمي من وراء اقامتها تأسيس قاعدة استعمارية لتأمين مصالحه في العالم الاسلامي .
لقد عمل اليهود في الامبراطورية العثمانية في كل فروع التجارة والعمل والصناعة والعلم ، ووصل بعضهم الى مراكز هامة ، وتمتع اليهود ـ كسائر الاقليات داخل الامبراطورية بقدر كبير من الاستقلال الذاتي والاداري والطائفي ، فكان الحاخام باشي أو الحاخام الاكبر هو ممثل اليهود في كل امر امام الحكومة ، كما سمح لأفراد الطائفة بحرية اختيار رؤسائهم الروحيين ، وفرض الضرائب ، وحل الخلافات فيما بينهم وكانت المحكمة اليهودية تحكم بينهم حسب الشريعة اليهودةي ، كما لم يحدث ادنى تدخل بالاموال التي تجمع لمؤسساتهم الخيرية او التعليمية ، وتمتعت مدارسهم الطائفية باستقلال ثقافي ذاتي (24) .
وبعد خضوع فلسطين للحكم العثماني في اوائل القرن السادس عشر ، بدأ يهود اوروبا يهاجرون اليها واقاموا في الاماكن المقدسة ، القدس ، طبريا ، صفد ، الخليل . وفي منتصف القرن الثامن عشر هاجر عدد من يهود بولندا وروسيا الى فلسطين بسبب اضطهادهم هناك ، واستقر معظمهم في صفد وطبريا حيث لاقوا تحت حكم ضاهر العمر الحماية والامن .
كما لاقوا من مختلف السلاطين العثمانين المعاملة الحسنة ، وتعتبر الدولة العثمانية هي الدولة الوحيدة التي لم يحصل فيها اضطهاد . وقد بلغ عدد اليهود في فلسطين عندما غزا نابليون البلاد عام 1799م خمسة الاف فحسب، ثم ازداد عددهم في اوائل القرن التاسع عشر بعد ان ازداد تدفقهم من اسبانيا بسبب مظالم فرديناند الكاثوليكي وفيليب الثاني . ويسمى هؤلاء اليهود بالسفارديم أي اهل الكتاب والظاهر ان عددهم ارتفع الى حوالي ستة آلاف في عام 1839 م مقابل ما يقرب ن 300.000 عربي أي ان اليهود لم تتعد نسبتهم 2% بالمائة من مجموع سكان فلسطين .بينما يذكر ماندل بان عد اليهود عام 1880 م لم يتعد 22 الف يهودي موزعين في المدن الاربع (25) .
تمتع اليهود في فلسطين ابان الحكم العثماني بقسط كاف من الحرية الدينية ، لم تكن من نصيبهم في أي بلد اوروبي ، فخلال الحكم العثماني لم تتخذ اية اجراءات رسمية ، تستحق الذكر تناهض اليهود ، او تميز بينهم وبين باقي السكان ، كذلك تعزز مركز اليهود ومركز باقي الطوائف الاخرى غير الاسلامية بمنحهم امتيازات كثيرة تتعلق بالمحافظة على حقوقهم الدينية ومنحهم حكماً ذاتياً في هذا المجال ، وتوسع نظام الحماية كذلك بحيث اصبح الكثيرون من هد والمسيحيين بمثابة مواطنين للدول الاجنبية التي تتولى حمايتهم بواسطة قناصلها (26) .
وحين وافق السلطان سليمان عام 1562م على تحويل مدينة طبريا الى مدينة يهودية عارض المسيحيون ، وتدخل البابا مع الصدر الاعظم لافساد المشروع ورفض العمال العرب ان يعملوا ولكن والي دمشق ساعد على اتمام بناء السور الا ان التطور توقف بموت السلطان سليم سنة 1574 (27) .
ومن المعروف تاريخياً ان الصليبيين، عندما احتلوا بيت المقدس ، جمعوا يهود المدينة في الكنيس ، ثم احروقوهم فيه احياء (28) . بينما نجد عكس هذه المعاملة تماماً لليهود في ظل المسلمين ، وفي جميع بلدان العالم الاسلامي ويكفي ان نورد ما كتبته (الموسوعة اليهودية ) بهذاالصدد لنعرف ما لاقاه اليهود من معاملة حسنة :
تؤكد ( الموسوعة اليهودية ) بان السلطان عبد الحميد الثاني عامل يهود الدولة العثمانية معاملة طيبة ، ويشهد بذلك بعض المقربين اليه من اليهود امثال "ارمينيوس فامبري " الصديق الشخصي للسلطان الذي صرح : انه من خلال الصداقة المستمرة التي تربطني بالسلطان منذ سنوات طويلة كانت لي الفرصة للتعرف على معاملته الطيبة لليهود . وكان اول حاكم تركي يعطيهم المساواة امام القانون مع رعاياه المسلمين ، وعندما استلم الحكم امر باعطاء رواتب شهرية لحاخام تركيا الاكبر وبمعنى آخر عامل الحاخام كما يعامل كبار موظفي الدولة واتخذ تقليداً بان يرسل سنوياً في عيد الفصح الى حاخام القسطنطينية ثمانية آلاف فرنك لتوزع على فقراء اليهود في العاصمة التركية ، وعندما منعت حكومة كريت المحلية في عام 1881م مشاركة اليهود في الانتخابات البلدية الغى عبد الحميد هذه الانتخابات ووبخ السلطات لتعديها على حقوق اليهود ، وفي عام 1882م ونتيجة للحريق الذي شب في الحي اليهودي "حسكني " ، تشردت ستة آلاف عائلة يهودية في القسطنطينية ، فبذل السلطان عبد الحميد ما باستطاعته لتخفيف هذه الكارثة عن اليهود (29) .
ولا اظن ان هذا السلطان وبهذه الاخلاق التي تعبر عن عقيدته الاسلامية يستحق من الصهيانة اليهود ذلك التآمر الذي قاموا به ضده بتنفيذ المؤامرات لصالح الاستعمار الغربي اوالذي ادى اخيراً الى الاطاحة به .
وهكذا نجد ان المعاملة الطيبة ، التي لا مثيل لها في أي بلد آخر ، التي لاقاها اليهود في العالم الاسلامي لم تتغير الا بعد نشوء الصهيونية التي ابتركها ورعاها ، وخطط لها ونفذ لها المستعمرون غير اليهود اولاً ثم حفنة من عملائهم اليهود الصهاينة بعد ذلك .
في الماضي كان يباح للاجنبي الاتجار مع البلاد العثمانية والمكوث فيها دون ان يملك اقل قطعة من الارض ، لان الشرع الاسلامي لا يبيح له خول البلاد الاسلامية الا اذا قبل احد امرين الجزية او الاسلام، واذا دخلها فلا يقيم بها الا لاجل معين الى ان تغير ذلك في 7 صفر 1284هـ (1856م) بصدور الخط الهمايوني الذي يساوي بين حق الاجنبي وحق العثماني في الامتلاك العقاري بالبلاد العثمانية . ولكن الاوامر الجدية كانت تستثنى اليهود الاجانب من التملك في فلسطين (30) .
وقد اشارت جريدة المؤيد في 5/11/1891م بان الدولة العلية كانت قد رحبت بالمهاجرين من يهود روسيا فكانت بذلك اعرف الدول بحقوق الانسانية ولكنها رأت بعد ذلك انهم يفدون الى البلاد التي يقصدونها زمراً وجماعات بحيث يضيق عنهم قضاء تلك البلدان ، وسينشأ عن ذلك حدوث امراض معدية وحميات مضرة ، فلما تدبر الباب العالي في المضار التي تلحق الرعايا العثمانية من وفودهم بهذه الصفة اضطرت ان تمنع دخولهم الاراضي العثمانية (31) .
ولقد كان عرب فلسطين (بصفتهم مواطنين عثمانيين ) يتمتعون بحق المواطنين في الدولة العثمانية ويمارسون حقوقهم شأنهم شأن اخوانهم المواطنين الآخرين ، وذلك قبل نشوء الحركات القومية التي ادت الى تفجير الامبراطورية العثمانية .
كان عرب فلسطين ـ شأنهم شأن سائرالشعوب التي كانت تتألف منها الامبراطورية العثمانية يتمتعون بحق انتخاب ممثليهم في البرلمان العثماني وانتخاب مجالس الادارة والبلديات ، وتولى العرب معظم مراكز الادارة الرئيسية في فلسطين وكان من ابنائهم من تولى مراكز ادارية عالية في عاصمة الدولة العثمانية وسائر انحاء الامبراطورية ، كما شغل عدد من ابناء الامة العربية مناصب في الوزارات العثمانية المتوالية ، بينما تولى رئاسة الوزارة العثمانية رجل عربي ( محمود شوكت العراقي ) في سنة 1908م فماذا كان مصير تلك الحقوق التي كان يتمتع بها عرب فلسطين في العهد العثماني . وسائر حقوقهم الطبيعية والمكتسبة من عهود الانجليزووعود الحلفاء وميثاق عصبة الامم ومبادئها (32).
اما بعد ان بدأ السلاطين يلتفتون الى ملاذهم الشخصية ويتخلون عن واجباتهم تجاه الشعوب التي تتألف منها دولتهم ، اختلف الحال ، واصبح المواطنون جميعاً بما فيهم الاتراك العثمانيين انفسهم يتذمرون ويتململون للتخلص من الظلم ، والفساد الذي بدأ ينفذ في كل ركن من اركان تلك الدولة التي شاخت واصبحت تسمى (الرجل المريض ) .
ولقد كان وصول المهاجرين اليهود الى اراضي الدولة العثمانية ـ ومنها فلسطين ـ يستقبل بعدم المبالاة ، وينظر اليه نظرة انسانية ، خاصة ان هؤلاء المهاجرين كانوا يأتون للاقامة من اجل العباة ، ويهربون من المذابح التي يلاقونها في بلاد اخرى ليست من العالم الاسلامي .
ولا يعقل ان يخطر ببال المهاجرين الاساءة الى العرب في قطرهم وهم الذين رحبوا بهم وافسحوا لهم صدرهم الآن وعلى مدى عصور التاريخ (33) .
ويقول الفرد ليلينتال الكاتب والمؤلف اليهودي غير الصهيوني في نفس كتابه السابق الذكر (ص314) :
ولقد عبر هاورد سميث في اوائل عام 1956م وكان في عمان عن هذا المعنى نفسه في اذاعة له فقال :
لقد استيقظ ضميرنا على معاملة هتلر لليهود ، لقد شعرنا في وضوح بالحاجة الى خلق وطن يستطيع اولئك المضطهدون اليهود ان يلجأوا اليه . اما الحقيقة التي اغفلناها فهي هذه : اننا اخترنا لهم منزل شخص آخر ان معذبي اليهود كانوا غربيين : الجرمان واللاسامية توجد في امريكا وفي بريطانيا ، كما توجد في كثير من البلدان الغربية ولكنها لم توجد في البلدان العربية قط ، ان العرب ساميون ايضاً وهكذا فلكي ندفع دين ضميرنا نكره العرب ـ الذين لم ينزلوا باليهود أي اذى على تسديد الكمبيالة (34) .
كما يقول في نفس الكتاب (ص296 ـ 297) :
"وزادت الصحف الامريكية الوضع سوءاً بالانباء المبالغ فيها وبالاكثار من اطلاق تهمة "العداء للسامية" ، ولكن الواقع ان مصر لم تكن لا سامية تجاه اليهود في ارضها ، في حين كانت إسرائيل هي "اللاسامية" تجاه العرب ، يدلك على ذلك ان روحاً يهودية واحدة لم تزهق في مصر . بينما قتل 386 عربياً في حادثين رئيسيين وقعا في قطاع غزة ، في خان يونس ورفح وقتل 66 اخرون في حوادث اخرى ، كما صرع 48 عربياً في قرية كفر قاسم الواقعة داخل إسرائيل نفسها (35) .
والغريب العجيب ان يقف اليهود من العرب هذا الموقف العدائي الوحشي وهم الذين نعموا في ظل الدولة العربية الاسلامية بالسلام والرخاء ، بينما يتعرضون في اوروبا لضروب الاضطهاد : لقد منهم الاسلام الحرية واعتبرهم "اهل الكتاب " واتاح لهم الفرصة للوصول الى المراتب العليا في الدولة وشجع وأكرم من نبغ منهم من الشعراء ، والفلاسفة ، والعلماء ، والاطباء ، والمؤرخين .. وفي هذا الوقت بالذات كانوا يعتبرون في اوروبا "قتلة الرب " و "جلادي المسيح " وكانوا متكتلين في جماعات مغلقة على ذاتها ، وبسب هذه العزلة عانوا الواناً من الزراية والاضطهاد وكثيراً ما اخذوا بجريرة آثار لم يرتكبوها (36) .
ويبين الصحفي الاسرائيلي شموئيل سيجف في كتابه "المثلث الايراني " (ص180) احوال اليهود في بلد اسلامي مثل ايران.
من بين 80 الف يهودي كانوا يعيشون في ايران في عام 1978 نسبة 10% بالمائة اثرياء جداً و 80% بالمائة من الاثرياء العاديين او من الطبقة المتوسطة و 10% بالمائة فقط كانوا فقراء يحتاجون الى مساعدة الجالية اليهودية ، كما ظهر التحسن الذي طرأ على وضع اليهود في ايران في مجال التعليم ، حيث اصبح منهم الطلبة الجامعيون والبروفسورات والمحاضرون في الجامعات ، وكان اكثر من نصف اولاد اليهود يدرسون في مدارس عبرية (37) .
وحتى قيام دولة إسرائيل عام 1948م لم تسيطر الصهيونية على اليهود الشرقيين لانهم لم يعانوا من اللاسامية في البلدان التي اقاموا فيها (38) .
ولكن انقلب بعد ذلك كلشيء ، بفضل مخططات الاستعمار الغربي الذي بدأ بالتعاون مع عملائه الصهاينة ـ بافتعال القتل والحرق والدمار ضد المواطنين اليهود في البلاد الاسلامية والعربية خاصة ، مما ادى وعن سابق تخطيط الى تهجير مئات الآلوف من اليهود العرب الى إسرائيل ليشاركوا في بناء الدولة الاسرائيلية التي ستكون قاعجة عسكرية للاستعمار الغربي ـ والامبريالية الامريكية .
وهكذا نجد انه ليس هناك من مبرر اطلاقاً ، للاعتداء على أي قطر من اقطار العالم الاسلامي ، (بسبباضطهاد اليهود ) ، او (بسبب اللاسامية) ، أو ( بسبب المسألة اليهودية ) التي لم يكن قد وقع عليهم بسببها أي اذى في العالم الاسلامي .
فلم يكن هناك اضطهاد ، ولا مذابح ، بفضل سماحة الاسلام والمسلمين .
ولم يكن هناك لا سامية في العالم الاسلامي ، خاصة في العالم العربي لان العرب هم اساس العرق السامي .
ولم يكن هناك مشكلة يهودية في أي قطر عربي او اسلامي لانهم كانوا يعاملون احسن معاملة يلقاها اخوانهم في الدين في أي بلد في العالم.
وكان من الاولى ان تحل مشكلتهم عند من اوجدوها . عند اولئك الذين اوقعوا فيهم المذابح والاضطهادات ، وعند الذين اخترعوا اللاسامية ومارسوها ، وعند اولئك الذين اوجدوا المشكلة اليهودية .
مراجع
اليهود في ظل الحكم الاسلامي
* من كتاب الاستعمار وفلسطين ( إسرائيل مشروع استعماري ) ، رفيق شاكر النتشة ـ طبعة اوليى 1984 ـ دار الجليل ـ عمان .
1- رفيق شاكر النتشة / الاسلام و فلسطين ، محاضرة ص42 ـ 43 ، فلسطين المحلتة ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1981م.
2- الجنرال جواد رفعت اتلخان / الاسلام وبنو إسرائيل ، ص60 ـ61 ، ترجمة يوسف وليشاه ، الرياض ، 1404هـ .
3- السيد سابق / فقه السنة ـ المجلد الثاني ، ص622 ، دار الكاتب العربي ، بيروت ، الطبعة الاولى ، 1969 م .
4- السيد سابق / المصدر السابق ، ص 669 .
5- السيد سابق / المصدر السابق ، ص668 .
6- السيد سابق / المصدر السابق ، ص 603 ـ 604 .
7- السيد سابق / المصدر السابق ، ص ص564 .
8- السيد سابق / المصدر السابق ، ص 609 ، 610 ، 611 ، 612 .
9- مجلة البحثو الاسلامية / العدد السابع 1403هـ ، ص 22 ، تصدر عن رئاسة ادارة البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد ، الامانة العامة لهيئة كبار العلماء باشراف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، الرياض .
10- د. اسماعيل احمد ياغي / موقف عرب فلسطين من الهجرة اليهودية الصهيونية (1882 ـ 1914م) ، بحث مقدم الى المؤتمر الدولي الثالث لتاريخ بلاد الشام ( فلسطين ) ص1 .
11- ابراهام ليون / المفهوم المادي للمسألة اليهودية ، ص 156 ، دار الطليعة ، بيروت ، 1970م .
12- ابراهام ليون / المصدر السابق ، ص157 .
13- ابرهام ليون / المصدر السابق ، ص161 .
14- الفريد ليلينتال / هكذا يضيع الشرق الاوسط ، ص294 ، دار العلم للملايين ، بيروت 1957م .
15- الفريد ليلينتال / المصدر السابق ، ص295 .
16- فيليب حتي ، د. ادوارد جرجي / تاريخ العرب ، الجزء الثاني ، ص437 ـ 438 ... د. جبرائيل جبور/ دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع ، بيروت ، ط3 ، 1961م.
17- صبري جريس / تاريخ الصهيونية ، الجزء الاول ، ص 60 ، م.ت.ف ، مركز الابحاث ، بيروت 1981م.
18- ج. هـ. جانسن/ الصهيونية و إسرائيل وآسيا ، ص16 ، مركز الابحاث ، بيروت ، 1972م.
19- ج. هـ . جانسن/ المصدر السابق ، ص23 .
20- د. أميل توما / جذور القضية الفلسطينية ، ص12 ، مركز الابحاث ، بيروت ، 1973 م .
21- د. اسماعيل احمد ياغي / المصدر السابق ، ص2 .
22- محمود اللبدي / المنطلقات الاساسية في الفكر الاعلامي الصهيوني ، ص 18 ، منشورات فلسطين المحتلة ، بيروت ، ط1 ، 1982 م.
23- د. اسماعيل احمد ياغي /المصدر السابق ، ص2 .
24- د. خيرية قاسمية / النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه (1980 ـ 1918م ) ، ص18 ، م.ت. ف، مركز الابحاث ، بيروت ، 1873م.
25- حسان علي الحلاق / موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية (1897 ـ 1909م ) ، ص83 ، الدار الجامعية ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1980 م .
26- د . اسماعيل احمد ياغي / المصدر السابق ، ص2 .
27- د. اسماعيل احمد ياغي / المصدر السابق ، ص3 .
28- د. محمود السمرة / فلسطين الفكر والكلمة ، ص10 ، الدار المتحدة للنشر ، بيروت ، 1974 م.
29- حسان علي الحلاق / المصدر السابق ، ص309 ـ 310 .
30- د. خيرية قاسمية / المصدر السابق / ص25.
31- د. خيرية قاسمية / المصدر السابق ، ص24.
32- أميل الغوري /اغتيال فلسطين ، ص23 ، دار النيل للطباعة ، القاهرة ، الطبعة الاولى ، 1955م.
33- د. اسماعيل احمد ياغي / المصدر السابق ، ص3 .
34- الفريد ليلينتال /المصدر السابق ، ص314.
35- الفريد ليلينتال / المصدر السابق ، ص296 ، 297 .
36- د. محمود السمرة / المصدر السابق ، ص255.
37- شموئيل سيجف / المثلث الايراني ، ص180 ، ترجمة غازي السعدي ، دار الجليل ، عمان 1983م.
38- ج. هـ. جانسن / المصدر السابق ، ص43.
الفصل الثاني
الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر
1- دولة في مرحلة الانهيار .
2- السلطان عبد الحميد يتصدى للدول الاستعمارية .
3- انحطاط الدولة العثمانية .
4- محمد علي والي مصر يهدد الدولة العثمانية .
(( لقد كان مستشار المانيا الأمير بسمارك يرى ان في تجزئة تركيا خدمة لمصالحه الخاصة )) .
جون هسلب
مؤلف كتاب السلطان الأحمر
قصة حياة السلطان عبد الحميد
الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر
دولة في مرحة الانهيار :
لمعرفة الظروف التي طرح فيها المشروع الصهيوني الاستعماري لا بد من معرفة الاوضاع السياسية والاقتصادية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية ـ تلك الدولة التي كانت فلسطين احدى الاقاليم المهمة التابعة لها ، ولا دبد لكل منصف ان يعترف ان العثمانيين قد حافظوا على عروبة فلسطين كبلد اسلامي يتبع الدولة الاسلامية العثمانية لمدة اربعمائة عام منذ احتلالها عام 1517 م حتى سقوطها بيد الانجليز عام 1918م.
وبقيت الدولة العثمانية دولة قوية مهابة الجانب تتحدى الدولة الاستعمارية الطامعة ، حتى قدر لها في نهاية القرن التاسع عشر ان ترزأ بسلاطين مستهترين ضعاف ، همهم الملذات ، والترف والمجون ، فانصرفوا عن متابعة شئون الحكم ، واصبحوا اسرى قصورهم ووقعوا تحت تأثير محظياتهم من الحريم ، والمستشارين الفاسدين المرتشين ، مما ادى الى ضعف الدولة وطمع الطامعين من الدول الاستعمارية بها ، تلك الدول التي استغلت تلك الاوضاع الفاسدة ، واخذت تتدخل في شؤون الدولة الداخلية عن طريق قناصلها ، واستطاعت تلك الدول الحصول على امتيازات للتدخل في الاوضاع الداخلية للدولة العثمانية ، ففرضت العديد من الدول الاستعمارية وصايتها على الطوائف ، والاقليات ، واعتبرت نفسها حامية حمى تلك الاقليات ، واخذت تحيك المؤامرات لنخر جسم الدولة التي اوشكت على السقوط في نهاية القرن التاسع عشر ، والتي اصبحت تسمى بـ "الرجل المريض " الذي لم يكن يبقيه في آخر الامر على قيد الحياة الا صراع الدول الاستعمارية على اقتسام تركته ، وحرص كل منها على الاستيلاء على النصيب الاكبر من الاقاليم التي كانت تطمع في الاستيلاء عليها .
ولا نريد استعراض احوال الدولة العثمانية بالتفصيل ، فليس ذلك موضوع الكتاب ، ولكن القاء صورة سريعة على حياة عدد من السلاطين المتأخرين يوضح لنا الواقع المفجع الذي كانت تعيش فيه الدولة العثمانية ، والتي لم ينفعها وصول السلطان عبد الحميد الثاني الى الحكم ، لان الاوان كان قد فات ، وكان المرض قد استشرى لدرجة ان الجهود الجبارة التي بذلها السلطان لانقاذ الولة قد باءت بالفشل .
ففي عهد السلطان عبد العزيز (1861 ـ 1876م) بدأت بوادر الانحلال تدب في جسد الدولة وبالرغم من الاصلاحات العظيمة التي قام بها فؤاد باشا وعلي باشا الصدرين الاعظمين ، والوزيرين المشهورين في التاريخ العثماني ، ولكن وفاة هذين الرجلين في العام 1871م ـ وقد انا رجلي دولة فعلاً ـ احدثت تغييراً كاملاً في سياسة تركيا الخارجية والداخلية ، وبموتهما تحرر عبد العزيز من الوصاية عليه واندفع وراء ملذاته بهوس جنوني .. وما عتم الامر ان اخذ الهمس يدور بين افراد حاشيته عما كان السفراء الاجانب وحدهم قد اعلنوه في رسائلهم الخاصة ، وهو "ان السلطان قد بدأ يفقد عقله ... " فكي يبعد الضجر عنه اخذ يلجأ الى نوع من اللهو الغريب الشاذ .. فمن ادوات المائدة المكونة من الذهب الخالص والمرصعة بالحجارة الكريمة والتي قام بصنعها احد امهر الصاغة الباريسيين (1) .
وتكاثرت في أقاليم السلطان عبد العزيز الاوروبية الجمعيات السرية التي كان يديرها القناصل الروس وتمولها السفارة الروسية في الفسطنطينية (2) . وفي عام 1857 م ونتيجة للتبذير والاسراف الجنونيين اللذين درج عليهما السلطان ، اصبحت خزينة الدولة في حالة يرثى لها ، مما اضطر السلطان الى ان يصارخ دائنيه الاوروبيين بان وضعه لا يسمح له بدفع ما يترتب عليه تجاههم وقد اثار هذا التصريح موجة من الاحتجاج في كل البلدان (3) .
وحدث صباح يوم في ( بالاتا ) ان فوجئ عبد الحميد بسماعه احد الصيارفة اليونان يوري بكثير من اللامبالاة كيف ان عبد العزيز باع حقوقه بالسيادة على مصر مقابل بعض المبالغ التي كفلها له صيارفة الخديوي الارمن (4).
واصبح الوضع الاقتصادي ، كالوضع السياسي الداخلي مصدر تذمر للمواطنين ، الذين بدأوا يطالبون بالاصلاح والحريات ، بل وأصبحوا يطالبون بدستور جديد للدولة على شاكلة الدساتير الاوروبية ولم تكن مثل هذه المطالب معروفة فيما بين الرعايا العثمانيين الاتراك ، بل الاصح انها لم تكن تظهر كمطالب علنية .
وقد تب سفير انجلترا السيد هنري ايليوت الى حكومته عن هذا الامر في ربيع عام 1876 م قائلاً :
"ابتداء من الباشوات حتى الحمالين في الشوارع وربابنة الزوارق في البوسفور لم يعد أ؛د يخشى من ابداء رأيه ، فكلمة ـ دستور ـ على كل شفة ولسان ، واذا رفض السلطان ان يحقق شيئاً لشعبه ، فان محاولة عزله تبدو أمراً محتوماً " (5) .
ولم تكن الاحوال في الاقاليم بأحسن مما عليه في تركيا نفسها فبدأت الثورة في البوسنا ، وانفجرت المشاكل في صربيا والجبل الاسود ، وقامت مذابح بين المسلمين والارمن وكل هذا كان يتيح للدول الاجنبية التدخل في شئون الدولة تحت مبررات مختلفة .
ففي صربيا ، والجبل الاسود ، هرعت جموع المتطوعين لمساندة ثائري "بوسنا " وفي سالونيك ادى انفجار التعصب الاسلامي الى ذبح قنصلي فرنسا والمانيا ، فبرزت في ربيع تلك السنة "قضية الشرق " اكثر من أي يوم مضى ، واصبحت موضع اهتمام كل المحافل الاوروبية ـ فانبرى اباطرة النمسا والمانيا وروسيا الى الاحتجاج العلني على السلطان لانه لم ينفذ الاصلاحات التي وعد بها منذ امد طويل وحذوره بانه ان لم يقم بتعهداته فسيجدون انفسهم مضطرين للتدخل من اجل حماية رعاياهم المسيحيين (6) .
ولم يكن الاصلاح الذي يطلبون سوى اصدار التشريعات التي تتيح لهم مزيداً من التدخل في شؤون الدولة الداخلية .
وخوفاً من اندلاع نار الثورة استدعى السلطان مدت باشا اليه ، لكن هذا الاخير كان قد غادر العاصمة منذ ثمانية ايام اعتقاداً منه بان أي عمل اصلاحي لن يتم طالما ان عبد العزيز متربع على العرش ، ولما وجد السلطان نفسه غير جدير بمجابهة الازمة ، انزوى في حرمه ليقضي الليالي والقسم الاكبر من النهار بين ذراعي شركسية في السابعة عشر من عمرها ، فقد سلبت هذه الشركسية لبه وسيطرت على عقله الضعيف لدرجة جعلته يصرف عليها كما قيل ، ما يقارب الميون ليرة تركية لارضاء نزواتها ، ولما لم يعد هناك حل سوى اقالته ، قصد مدحت باشا ولي العهد الذي كان يعيش عملياً كأسير في "كوناكة " خارج العاصمة (7) .
وكان مدت باشا مشكوكاً في حسن نيته ، وفي انه كان يعمل للمصلحة العامة وليس لمصلحته الشخصية بل كان متهماً بانه يعمل بالتعاون مع الدول الاجنبية الاستعمارية ، وبالرغم من المبررات القوية التي تستدعي ابعاد السلطان عبد العزيز ، والذي اتهم مدحت باشا بقتله بعد ذلك ، الا ان ولي العهد الامير مراد ، لم يكن احسن حالاً من عبد العزيز الذي كان مدمنً للشمبانيا ، والخمور مما جعله في حالة نفسية وعقلية لا تؤهله للقيام باعباء الحكم .
وان الامير مراد الذي قدمه مدحت باشا وحزبه الى العالم تحت اسم "مراد المصلح والمثال لكل الفضائل " لم يكن فيه شيء من الشباب المملوء حمية والذي تبنى بحماس وتفهم اثناء سفره الى اوروبا كل شعارات الديمقراطية ، فالحياة التي عاشها في خولته قد افسدت صحته ، لان ما كان معتبراً عنده بمثابة ميل في النفس ، قد اصبح آفة متأصلة ، فادمانه المفرط على شرب الشمبانيا ممزوجة باكلونياك قد جعله في اسوأ حال صحياً وأدبياً (8).
وسواء مات عبد العزيز انتحاراً ام قتلاً ، فان موته جعل خلفه يشعر بالمصيبة تحدق به .. اذ اخذ هذا التعيس المضطرب العقل ، ينظر الى نفسه كأنه هو قاتل عمه ... واصبحت حالته مخيفة مرعبة ، مما حمل مدحت باشا بناءً لالحاح السلطانة الوالدة الجديدة على ان يستعدي له من فيينا اخصائياً معروفاً بالامراض العصبية (9) .
وكان عبد الحميد منذ عدة اشهر قد زاد اهتمامه بصحة اخيه مراد ، ذلك لأنه علم ان الاطباء حكموا بانه مصاب بمرض عصبي وراثي قد تفاقم بسبب افراطه في تناول المنبهات كما علم بان كل صدمة وكل تأثير مفاجئ قد يعرضان لشؤوم عقله المختل التوازن، وظهور السلطان الجديد في ذلك الصبحا اكد هذا لحدس اكثر فاكثر ، لانه اثار الشفقة عليه عندما دخل الى قاعة الاجتماعات في وزارة الحربية ، ليس مصحوباً بمدحت باشا، بل مستنداً اليه .. فالامير الذي اعلن عند تسلمه العرش عن بزوغ فجر جديد ، تقدم ليستقبل وزراءه بخطى مرتجة .. ومن شدة ارتعاشه بالكاد استطاع الامساك بسيفه وعندما ادى اليمين التقليدية ، كان صوته تقريباً غير مفهوم (10).
وقد حدثت احداث داخلية جعلت السلطان الجديد يفقد ما تبقى من عقله ، فعندما توفيت محظية عبد العزيز الشركسية بعد انتحاره ( أو قتله ) مشى وراء نعشها حتى مقبرة سكيتاري ، مع حشد ضخم من الناس ، ولم يكن موت هذه المحظية سوى بداية مآس متلاحقة ، فشقيها الضابط الشركسي الشاب الذي اشتهر بدقة تصويبه للمسدس ،تأثر لما لحقه من اهانة وصمم على الانتقام من وزير الحربية ، فبعد ان اصبح كالمجنون لكثرة ما استنشق من حشيشة الكيف ، تسلح بأربعة مسدسات ، اخفى اثنين منهما في جزمته واثنين تحت زناره وانقض على اجتماع لمجلس الوزراء ، وبطلتقين اثنتين قتل وزير الحربية ووزير الخارجية ولما حاول بقية الحضور انتزاع اسلحته ، صرع الواحد تلو الآخر ، ولم يستطع السيطرة على اعصابه الا بعد ان قتل سبعة اشخاص وجرح ثمانية (11) .
وعندما شنق امام جمع غفير ، بقي حتى آخر لحظة مالكاً زمام نفسه ، مؤكداً بانه لا شريك له ، وانه اراد فقط الانتقام من وزير الحربية ، لن هذا العمل المنفرد الذي قام به شاب متعصب ، كان بمثابة رصاصة الرحمة للعهد الجديد ، لانه على اثره فقد السلطان مراد كامل قواه العقلية ، فعندما وصل الدكتور ليدرسروف من فيينا ، كان طبيب مراد الخاص ومدير مصح المجانين في القسطنطينية ، قد اعلنا بان مرض السلطان غير قابل للشفاء ، ومع ذلك فالدكتور ليدرسروف لم يشاطرهما الرأي ، اذ حكم بانه مصاب بداء الغول المزمن الناتج اصلاً عن تناول الكحول ، وقد ازداد خطورة بسبب سلسلة من الصدمات المتلاحقة ، وان شفاء هذا المرض غير ميؤوس منه ، شرط ان يتتوفر للسلطان الراحة التامة لمدة ثلاثة اشهر ، وان يبعدوا عنه كل المؤثرات ، فزاد هذا التشخيص من حيرة الوزراء ، لانه عملياً سوف يترك الامبراطورية العثمانية بدون سلطان ، وذلك في ادق مراحلها التاريخية(12).
وفي هذه الاثناء التي تواجه فيها الدولة المشاكل الداخلية الخطيرة كانت ولايتا صربيا والجبل الاسود قد انضمتا الى ثوار "بوسنا " لمهاجمة تركيا ، وفي بلغاريا احدثت دسائس العملاء الروس عصياناً شبيهاً بعصيان بوسنا ، فهاجم في شهر ايار المسلحون المسيحيون جيرانهم المحمديين ( المسلمين ) الودعاء ، فأغتصبوا النساء وحرقوا القرى وذبحوا اكثر من مائة جندي وشرطي تركي ، قبل ان يتمكن السكان المسلمون ـ الذين عززوا بعصابات غير نظامية جندت على عجل ـ من الرد على المعتدين ، ولكن كان ردهم من العنف بحيث ان العالم ارتعد من هول مذباح بلغاريا (13) .
وهكذا نرى ان الدولة كانت تنهكها المشاكل الداخلية والثورات في الاقاليم والفساد يدب في اوصالها في الوقت الذي كانت تتطلع الى افتراسها الدول الاستعمارية التي كانت يحكمها شخصيات عرفت بتطلعاتها الاستعمارية واحقادها على الاسلام ، فقد كان على رأس الحكومة الانجليزية يومذاك السير غلادستون زعيم حزب الاحرار المعروف بمناصرته للامم الصغيرة وبعدائه المستحكم للاسلام (14) .
وفي هذه الاثناء ، التي كانت تتردى فيها الدولة العثمانية علىالصعيد السياسي والاقتصادي ، والعسكير داخلياً وخارجياً تولى السلطان عبد الحميد الثاني مسؤولياته .
وفي الثلاثين من تشرين الاول عام 1876م تليت في الديوان الملكي الفتوى المعنلة انه وفقاً للنصوص الشرعية يعتبر السلطان المصاب باختلال عقلي غير جدير بان يحكم ، وبناء على ذلك خلع مراد رسمياً لمصلحة شقيقه عبد الحميد الذي خلفه على العرش واصبح السلطان العثماني الرابع والثلاثين (15) .
السلطان عبد الحميد يتصدى للدولة الاستعمارية :
لقد قُدم السلطان عبد الحميد للعالم ، من قبل اجهزة الاعلام الاوروبي على انه ذلك السلطان ، الاحمر ، الدكتاتور ، الظالم ، الجاهل ، مصاص الدماء ، عنوان الجهل والتخلف ، وحُمل ظلماً مسؤولية تدمير الدولة العثمانية .
وانا لست هنا بمعرض الدفاع عن السلطان عبد الحميد الثاني ، ولكن انصافاً لهذا الرجل لابد ان نذكر الحقيقة التي تبرئه من كثير مما الصق به ، ومن حقه علينا نحن العرب عامة والفلسطينيين خاصة ، ان نذكر له موقفه المشرف والرائع من الحركة الصهيونية ، الذي رفض ان يرضخ للدول الاستعمارية بمنحها أي شبر من ارض فلسطين مقابل كل الاغراءات المالية والسياسية ، والذي فقد عرشه بسبب فلسطين .
وانا هنا استعرض ما كتبه عنه جون هاسلب في كتابه " السلطان الاحمر ـ عبد الحميد " :
"لقد اسُتقبل مجيء السلطان عبد الحميد باحترام بالغ من الدول الكبرى ، لجديته ، وعدم انغماسه بالترف والملذات وتمضيته اكثر اوقاته في رفع شأن الدولة والقيام بالاصلاحات الاساسية ، على الصعيد الاقتصادي والعسكري ".
وبالرغم من ذلك الاحترام الذي اظهرته الدول الا انها بدأت تخاف منه باعتباره كان يسعى الى معالجة ( الرجل المريض ) وشفائه ومن ثم تقويته واعادته الى سابق قوته وسطوته ، مما جعل تلك الدولة الاستعمارية تتربص به وتحيك له المؤامرات للتخلص منه .
فبعد مرور سنتين على اعتلاء عبد الحميد العرش ، كتب رئيس الوزارة البريطانية يومذاك الى اللورد ساليسبوري يقول :
" ان السلطان ليس له سوى زوجة واحدة ، فهل سيكون كسليمان القانوني " (16) .
كان عبد الحميد يتابع اخبار الامبراطورية وهو منزو في قصره قبل ان يستلم مسؤولياته ، وعرف عبد الحميد ايضاً بان في امبراطورية عمه لا يوجد أي وزير لديه محاسبة قانونية تتعلق بوزارته .. كما انه ليس هناك مساحة وسجلات عقارية ، واصلاحات عام 1839م ، وعام 1856 م قد اهملت باستخفاف واحتقار ، والطريقة المنكرة في جباية الضرائب بقيت هي اياها تمارس في الولايات والاقاليم ، وفوق ذلك لم يعد عبد الحميد يسمع بسوى الرشوة والفساد المستشريين ، وكان هذا كافياً رغم حقده على الاجانب ـ هذا الحقد المغذى بعناية بواسطة المشايخ ورجال الدين ـ ليدرك بانه فقط بالتقرب من الاوروبيين يستطيع ان يفهم كي يجب ان يحكم امبراطوريته، وان يستفيد ليس فقط من خبراتهم وعلمهم ، بل ايضاً من ضعفهم (17) .
وفي قصر دولمابتشي حيث الفخفخة والبذخ المترع يلهبان الحماس ويقتلان الروح انكب عبد ا لحميد على العمل بحيوية فائقة جعلت الوزراء في ذعر شديد ... اذ كان يصر على معرفة كل ما يجري في الاطراف الاكثر بعداً من امبراطوريته ، كما كان يقرأ كل التقارير التي يبعث بها حكام الولايات ، حتى انه كان يناقش في كل نزاع قبلي يقع في كردستان وفي كل رخصة استثمار تعطي في الاناضول . وكان يهب الى مكتبه في ساعات الفجر الاولى ويستمر في العمل حتى ساعة متأخرة من الليل ، ولا يدع موضوعاص مهماً كان ضئيل الشأن الا ويعيره اهتمامه ، وخلال الاشهر الاولى من حكمه لم يرفض عبد الحميد مقابلة أي شخص التمس مقابلته مهما كان وضيعاً، لانه اخذ على عاتقه التصدي لمشاكل الحكم منفرداً (18) .
وبسبب المذابح التي حصلت في البوسنا والجبل الاسود ، وتعبيراً عن الاحقاد الاستعمارية ، وخاصة من غلادستون اشهر رجل استعماري في عصره ، بدأت الحملات ضد السلطان عبد الحميد وضد تركيا ، وضد الشعب التركي .
فالكتيب الذي بموبجه شَهَّرَ غلادستون بفظاعة الشعب التركي باجمعه واعتبره "النموذج اللاانساني الاكبر للانسانية وطلب من العالم المتمدن طرحه مع اسلحته وامتعته خارج اوروبا ، صدر يوم تنصيب عبد الحميد بالذات ، وعلى اثره قامت باسم المسحية المهانة حملة سياسية عنيفة ضد حكومة المحافظين سار خلهلا تحت لواء المستر غلادستون ، اساقفة واقران لهم من محبي البشر ، وصحافيون واصحاب رسالات (19) ، ولم يكن الهدف من هذه الحملة سوى توجيه الرأي العام ضد الدولة العثمانية ، التي كانت محط اطماع الدولة الاستعمارية .
وبعد ان انقسمت الوزارة البريطانية على نفسها ، قبل ديزرائيلي بان يعقد اجتماع في القسطيطينية تحضره الدول الكبرى ، ويتقرر خلاله اجبار تركيا على القبول بالشروط التي تحددها اوروبا لاعادة السلم الى ربوع الاقاليم الثائرة وانهاء حالة الحرب فيها (20) لا رغبة في السلم وانما محاولة لزعزعة الاستقرار في اقاليم الدولة العثمانية والاستيلاء عليها .
غير ان عبد الحميد تملص من معاقبة المسؤولين المباشرين عن الجرائم المرتكبة بحجة ان هناك جوامع قد انتهكت حرماتها ، وان نساءً تركيات قد اغتصبن من قبل المتمردين ، وشريعة القرآ، تقضي بانزال اقصى العقوبات بحق مرتكبي المنكر ، واذا كان باستطاعته عزل هؤلاء المسؤولين او ارسالهم الى الاقاليم النائية ، فهو بصفته خليفة للمسلمين ، قد ادعى عدم تمكنه من سفك دماء رجال قاموا بما قاموا به دفاعاً عن ديانتهم (21).
لقد اعتادت الدول الاستعمارية ان تحقق مكاسب سياسية متتالية نتيجة ضغوطها على السلاطين والحكومات التي سبقت عبد الحميد ، وكانت تلك الدول الاستعمارية تستغل ديونها للدولة العثمانية ، وتستغل المذابح التي تقع بين المسلمين والارمن وغيرهم في اقاليم الدولة فتقوم بضغوط متواصلة ، وتعقد المؤتمرات التي ترمي من خلالها الحصول على مزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية ، وتزيد من تدخلها بشؤون الدولة العثمانية .
وفطن عبد الحميد الى كل تلك الدسائس والمؤامرات فأخذ يخطط للتخلص منها ، وكانت اساليبه تتسم بالذكاء والمكر والدهاء ، لسببين اساسيين اولهما ضعف الجهاز الحكومي وعدم اخلاص موظفيه للدولة وله شخصياً، وثانيهما ضعف الدولة العثمانية وعدم تمكنها من مواجهة تلك الدول القوية .
ففي صباح الثالث والعشرين من كانون الاول عام 1876 م اجتمع ممثلوا الدول العظمى في قاعة الاميرالية لتقرير مصير تركيا بحضور مندوبين عنها هذه المرة ولقد كان الطقس بارداً ورطباً والنور الاشهب المنسل عبر النوافذ ، ابرز اكثر فأكثر التعبير عن الريبة والتكتم في وجوه الدبلوماسيين ، ففي تلك الساعة كان تفكيرهم قد انصرف عن المؤتمر الى ما سوف يحدث بعد المؤتمر ، لانه بالرغم من الزعم بان مقرراتهم قد اتخذت بالاجماع ، فكل موفد كان يدس على الآخر لمصلحة بلاده ، والجو المهيمن على القاعة كان جواً عدائياً .
وما كادت الشكليات الاولية لاعلان المقررات تنتهي حتى سمع دوي مائة طلقة مدفع وطلقة مصدرها الضفة الثانية من القرن الذهبي ، فهل قامت ثورة الاتراك كرد على تمادي الاوروبيين في فرض المطالب عليهم ؟ بعد هذا التساؤل اتجهت جميع الانظار بصورة عفوية نحو المندوبين الاتراك فنهض وزير الخارجية التركية صفوت باشا بوجهه المصفر من شدة التأثر وصرح قائلاً :
" أيها السادة ، ان طلقات المدافع التي تسمعونها والتي مصدرها برج وزارة الحربية تنبئ باعلان صاحب الجلالة السلطان دستوراً جديداً يضمن المساواة بالحقوق والحريات لجميع رعاياه . وبعد هذا الحدث العظيم ، اعتقد بان اعمالنا لم تعد ذات جدوى " (22) .
وهكذا استطاع ان يجهض ذلك المؤتمر تحت شعار مطلب اوروبي يهم الدول الاستعمارية بمقدار ما كان مطلب شعبي يهم دعاة الاصلاح داخل الدولة العثمانية .
وقد اتسمت سياسة عبد الحميد بالتصلب امام الدول الاستعمارية كلما استطاع ذلك ، ففي الاجتماعات التي كانت تبحث موضوع المذابح في بلغاريا اتخذ الاتراك موقف التصلب والمكابرة ، فعندما تعرض مندوب فرنسا بالتلميح الى مذابح بلغاريا ، لم يترددوا هم في تذكيره بمذبحة "سان بارتلمي " الشهيرة التي ذبح فيها الكاثوليك الفرنسيون مواطنيهم البروتستانت بناء لأوامر شارك التاسع وبتحريض من الملكة كاترين دي مدسيس (23) .
وبهجة مهذب لكنها جازمة ، قال الاتراك " لا " لاووربا، وبعد شهر من المناقشات العقيمة ، حزم المفاوضون المطلقوا الصلاحية حقائبهم وعادوا الى بلدانهم .
لقد سافر الضيوف غير مزودين بالهدايا ، ولا زينت صدورهم بالاوسمة المرصعة بالالماس كما جرت العادة . وعندما طلب اللورد سالسبيري مقابلة السلطان قبل سفره اعتذر جلالته بحجة شعوره بالم حاد في اسنان (24) ، وحتى لا يترك مجالاً للاتهامات المعهودة من انه ضد الاقليات والطوائف ، تصرف عبد الحميد تصرف الممثل البارع في هذا الامر عندما رأوه يعين ارمنياً نائباً للمجلس النيابي ، ويختار ضابطين اسرائيليين كمرافقين له (25) ويقول السلطان عبد الحميد في كتابه :
" مذكراتي السياسية ، ص27" " ولا أكون مبالغاً إذا قلت ان ثلث الموظفين هم من الارمن "(26) وكان الارمن قد تقلدوا في جميع العهود اعلى المناصب الوظيفية في الدولة بما فيها منصب الوزير الاعظم ، وظل عبد الحميد يتصرف بشجاعة لمنع تدخل الدول الاستعمارية في شؤون دولته الداخلية .
ويبدو ان بناء يلدز قد افعم قلبه بشجاعة جديدة انعكست على سياسته الخارجية لانه عندما قامت الدول الغربية في شهر آذار من العام 1877م بمحاولة اخيرة لحفظ السلام بقي عبد الحميد مصراً بعناد على رفض أي نوع من التفاهم ، وفي انجلترا لم تتمكن وسائل الاقناع المغرية التي استعملها الجنرال اينياتيف من الحصول على شيء هام سوى التوقيع على وثيقة مبهمة عرفت " باسم بروتوكول لندن " تنص على ان الدول العظمى مع ارتياحها للسلام الذي تم الاتفاق عليه بين تركيا وصربيا ، تعلن بانها ستراقب باهتمام الطريقة التي بموجبها ستضع الحكومة العثمانية موضع التنفيذ الاصلاحات التي وعدت بها ، وهي تحتفظ لنفسها بالحق في اتخاذ التدابير الكفيلة بتحقيق السلام العام في الشرق ، اذا رأت ان احوال الشعوب المسيحية لم تتحسن .
ومع ان انجلترا قامت بمجهود كبير لحمل السلطان على اعتبار البروتوكول عرضاً ودياً من الحكمة ان لا يرفضه، فقد رفض عبد الحميد الاعتراف لاوروبا بحق التدخل في شؤون امبراطوريته الداخلية (27) .
وبدافع الخوف من الخطر استشطات الملكة فكتوريا غضباً من البرودة التي قابل بها معظم وزرائها التنبيهات التي جاءت في تقارير سفرائها ، وفي تموز من العام 1877م، كتبت الى اللورد بيكونسفيلد طلبت اليه بالحاج ان يصدر نداء الى انصاره ، ان في مجلس العموم وان في مجلس اللوردات ، يبين لهم فيه كيف ان مصالح بريطانيا العظمى باتت على كف عفريت بسبب لا مبالاتهم ، وان هذه الحرب القاسية الشرسة ، ما استعر اوراها من اجل الدفاع عن المسيحيين ( الذين هم قساة القلوب كالاتراك ) بل من أجل هدف آخر هو الفتح ، ولكن اللورد بيكونسفيلد الذي كان فيما يتعلق به شخصياً مستعداً كل الاستعداد لتنفيذ اوامر ملكته المحبوبة ، اضطر الى مصارحتها باحترام ، بانه لا يوجد بين اعضاء حكومة جلالتها ثلاثة اشخاص مستعدين للدخول في حرب ضد روسيا (28) .
ولم يكن السلطان عبد الحميد يواجه قوة واحدة ، بل كانت جميع القوى الاوروبية ، وروسيا القيصرية ، تطمع في الاستيلاء على دولته ، ولم يكن يستطيع ردها الا بصلابة بعض وحدات جيشه احياناً ، وبصراع الدول بعضها مع بعض وتنافسها على اقتسام التركة احياناً اخرى .
فعندما كان الروس يتقدمون في بلغاريا ، بدأت القوات الزاحفة في البلقان تشن هجماتها ، بينما القطعات الخفيفة اخذت تنتشر الويتها في سهول "تراس " .
لكن برقية لايارد لم تكن بعد قد وصلت الى وزارة الخارجية البريطانية عندما وقع حادث غير مجري الحرب كلها ففي "بلافنا " المدينة الاستراتيجية الهامة والواقعة الى يمين القوات الروسية المتقدمة في بلغاريا ، كبد الجنرال التركي عثمان باشا العدو خسائر فادحة ، مما اضطر الروس عوضاً ان يشنوا هجوماً على المدينة ويحتلوها ، ان يحاصروها فقط وبعد حصار دام خمسة اشهر تمكنت الحامية التركية الصغيرة التي انت تدافع عن المدينة من صد مائة الف دندي روسي وروماني .
وانتقل النبأ كالبرق الخاطف الى العواصم الاوروبية ، ملقياً ضوءاً جديداً على المسألة الشرقية . فهل كان "الرجل المريض " قابلاً للشفاء ؟؟ (29) .
ولكن تآمر الدول الاستعمارية ومكائدها كان للسلطان بالمرصاد ، فما لبثت ان تصدت له المانيا فقضت على آماله بتقوية الامبراطورية ، اذ ان دسائس ومكائد الامير بسمارك الذي كان يرى في تجزئة تركيا خدمة لمصالحه الخاصة ، وكان الهدف من عمله خلق احتكاك دائم بين الدولتين القويتين المجاورتين لالمانيا وهما النمسا وروسيا (30) .
وبالرغم من نظرة الدول الاستعمارية الحاقدة على السلطان عبد الحميد الا انه كان ينظر اليه كرجل شريف .
وفعلاً كانت مسألة الشرق قد سويت حول طاولات مؤتمر برلين ، واوروبا وبالاخص انجلترا غدت تنظر الى عبد الحميد على انه ديكتاتور مسحب ، لانه حسب تعبير اللورد بيكونسفيلد " لمك يكن فاسقاً ، ولا ظالماً ، ولا قابلاً للرشوة ... " (31) وكانت المحافظة على "اتفاق الدول الاوروبية " احدى قواعد السياسة البريطانية ، وباستثناء المانيا ، فان كل الدول الكبيرة قد استفادت وان على تفاوت ، ففرنسا اطلقت تلميحاتها باحتلال تونس في المستقبل ، وايطاليا اخذت تتكلم بغموض على طرابلس الغرب ، بينما الدول الغصيرة كاليونان ، وصربيا والجبل الاسود لم يكفها الاعتراف باستقلالها ن بل اخذت تحلم بتوسيع حدوها على حساب الامبراطورية العثمانية، وتشبهاً بالدول ، سعت الشعوب ايضاً كي يكون لها كلمتها المسموعة في برلين . فقد جاء وفد غير فطين من رعايا السلطان الارمن وقدم شكاواه ومطالبه الى المؤتمر .
وكان عبد الحميد كمثل اسلافه المتابعين ، قد اظهر عدلاً وتسامحاً تجاه الارمن الذين نسوا بان بعضهم قد اقتيد كخائن اثناء حرب كريمة ،وان الكثيرين منهم يحتلون مراكز هامة في الباب العالي وفي القصر السلطاني .
انه في بدء عهد عبد الحميد ، كان الارمن يتمتعون بنعمة النظر اليهم على انهم ابناء الامة الصديقة .
وابناء "الامة الصديقة " هذه بتشجيع من العملاء الروس والمرسلين الامريكان اخذوا يطالبون باستقلالهم وحضروا الى برلين كشعب مضهد ومظلوم ورجال الدولة الاوروبيون ، وبالاخص اللورد سالسبيري المتشرب بالافكار الانسانية ، اعاروهم آذاناً صاغية ولاشرط الذي ادرجه الروس في معاهدة سان استيفانو ، والقاضي "بمنح الدول العظمى حق الاشراف على الاصلاحات التي وعد الباب العالي بتحقيقها في الولايات التي يقطنها الارمن " صادق مؤتمر برلين على شرعيته بحماس . فاثار هذا الشرط بنوع خاص حفيظة عبد الحميد وجعل غضبه لا يعرف الحدود ، خصوصاً عندما طالب الانجليز بحق تسمية قناصل عسكريين للسهر على تطبيق هذه الاصلاحات كي تعطي النتيجة المرجوة (32) .
ولكن انا لهذا السلطان ان يتمكن من المحافظة على دولته التي كانت محط انظار ثلاثمائة مليون مسلم في العالم والذي كان يحمل طموحاً بالمحافظة عليها وتقويتها ، بامكانيات لا تسمح له بتحقيق احلامه ، بسبب وراثته لاوضاع فاسدة ، ومتخلفة ومنهارة ، وبسبب ما كان يحيط به من دول استعمارية قوية تتطلع الى دولته تطلع الذئاب الى الفريسة ، وخلف مظاهر الضعف فيه ووراء عينيه القاتمتين الحزينتين ، كانت هناك ارادة حديدية ضاربة مستعدة للدفاع عن امبراطوريته المنهارة ضد الطغيان الاجنبي ، لقد عرف لاياردر السلطان في مائة من الامزجة يمثل مشهداً من حقيقة طبيعته .. لكن ما كان متسلطاً فيه ، هو الارادة بان يبقى ليس سلطان تركيا ، بل ايضاً خليفة المسلمين ، واي ضغط اجنبي ، لن يستطيع ارغامه على منح أي امتياز او القيام باي اصلاح يتنافى مع تعاليم القرآن والشريعة ، ويعرضه بالتالي لنقمة ثلاثمائة مليون مسلم كان يعتبرهم رعاياه الروحيين (33) .
ولم يكن يطيل في عمر الدولة بالرغم من ضعفها الا مصالح الدولة الاستعمارية المتناقضة ، وكان اكثر المهتمين ببقاء الحال كما هو عليه في الدولة العثمانية هي بريطانيا ، فمهما كانت مشاعر المستر غلادستون الشخصية تجاه تركيا ، تبقى سياسة بريطانيا العظمى الخارجية قائمة على مبدأ استمرار الامراطورية العثمانية (34) .
وبالرغم من هذا كان عبد الحميد يكن عداءاً شديداً لبريطانيا بسبب المسألة المصرية مما جعله يرفض حتى استقبال مبعوث اللورد سالسبيري الخاص الذي جاء ليبحث معه شروط احتلال الانجليز لمصر ومدة هذا الاحتلال، فهو بعد ان كاد المكائد بالتناوب مع فرنسا ومع الخديوي وحتى مع مهدي السودان ، وبعد ان انفق المبالغ الطائلة على تمويل الصحف الوطنية في القاهرة ، فهم بان البريطانيين ليست لديهم اية نية للانسحاب من مصر (35) .
وبدافع حقده على ما جرى في مصر ، كان عبد الحميد يظهر عداءه وحذره في كل مرة تطرح فيها المسألة الارمنية على بساط البحث ، وكان يلوم اوروبا لرعايتها عداوة الارمن المسالمين في مألوف العادة ، ضد جيرانهم الاكراد ، كما كان يحمل على المذاهب الغربية الهدامة التي باسم الحرية حملت التجار الارمن الاغنياء في اوروبا والولايات المتحدة على ان يمولوا قضية اخوانهم في الدين المقيمين في كليليكيا وكردستان (36) .
وكان الانجليز دائمي التدخل في الاضطرابات الداخلية التي كانت تحدث في الدولة العثمانية خاصة في بلغاريا .
فبينما كانوا يسعون حثيثاً في لندن لابعاد العلنية عن التدخل في الاضطرابات التي انفجرت في الجبال الارمنية ، كان نشاط العملاء الانجليز في شمالي آسيا الصغرى لا يرقى اليه شك (37) .
وكانوا يستغلون اتفه الاسباب للقيام بحملات مكثفة تدين الرأي العام لاثارته ضد السلطان وضد الدولة العثمانية ، كما حدث عندما ثارت في العام 1893 م ثائرة الرأي العام في بريطانيا العظمى والولايات المتدة بسبب الدعوى الشهيرة التي اقيمت ضد استاذين ارمنيين تابعين لمعهد تبشيري امريك ، فقد اتهم هذا الاستاذات بطبع مناشير تدعو للفتنة والشغب ، واقتيدا مغلولي الايدي الى محكمة انقرة فحكمت عليهم بالشنق حتى الموت ، ولكن ما كاد قرار المحكمة يصدر وتعرف مضامينه حتى قامت المهرجانات والتظاهرات الاستنكارية في سائر انحاء العالم الانجلو ـ ساكسوني (38) .
وكانت ارمينيا مصدر اغتتياظ وتأثر دائمين بالنسبة للسلطان ، لانه استمر يعامل سكانها معاملة انسانية عادلة ، حتى اليوم الذي اخذوا فيه بتحريض من العملاء الروس وبتشجيع من التعاليم الديمقراطية للمرسلين الامريكيين يطالبون بحقهم في الاستقلال ، فالقناصل لروس في ارمينيا التركية الذين كانوا يشجعون ويمولون المنظمات السرية الارمنية ، وبعد ان وجد الرمن انفسهم محرومين من المساعدات الروسية ، اتهوا بابصارهم نحو الدول الاوروبية الاخرى ، وبالاخص نحو انجلترا حيث لاقوا كل عطف وتأييد من قبل المستر غلادستون واللورد ساليسبيري ، وذلك بصفة كونهم احد الاعراق المسيحية لاكثر قدماً والاكثر اضطهاداً ، فرنسا وحدها التي كانت تعتبر نفسها كحامية للأرمن الكاثوليك (39) .
وكانت الدول الاستعمارية تستغل الارساليات التبشيرية وتتستر تحت ستار الدين في اثارة الطوائف واستغلالها وتوجيهها لخدمة سياساتها الاستعمارية .
وكان عبد الحميد ينظر باستمرار نظرة الريبة والحذر الى هؤلاء المرسلين البروتستانت ، فمعظم الصعوبات والمشاكل التي اعترضت سبيله في بلغاريا ، كان مصدرها غير المباشر معهد "روبيرت " على البوسفور ، هذا المعهد الذي كان يرأسه تلميذ هؤلاء المرسلين الفضل "ستامبولوف " ذلك الداعية القومي (40) .
وكانت اهم الشاكل التي تواجه السلطان عبد الحميد في الاقاليم هي المشلكة الارمنية .
ان حركة التمرد الارمنية جاءت نتيجة الدعاية الثورية ، والسلطان يحمل المسؤولية في كل ما جرى وما آلت اليه المسألة ، ليس لاوروبا وحدها ، بل ايضاً لامريكا ، وبالاخص للمرسلين الامريكيين الذين سبق لجده السلطان محمود ـ وقد كان كريم الاخلاق ـ ان سمح لهم بفتح المدارس والمعاهد في عدة اقاليم من امبراطوريته (41) .
وهكذا واجه عبد الحميد المؤامرات من الداخل ، ومن الخارج وحيداً الا من عدد قليل ن المخلصين ، وكان محاطاً بعدد كبير من المتآمرين الذين يرتبطون بالدول الكبرى ، كما كانت الدول الاستعمارية له بالمرصاد للا ينجح في انقاذ الدولة المنهارة التي عمل جاهداً لنهضتها ، فهو الذي زاد عدد المدارس في عهده الى عشرة اضعاف ،ووضع سياسة تعليم حديثة للمدارس الابتدائية والثانوية ، ووسع التعليم الزراعي والمهني وبدأ يقوي الجيش بالتعاون مع ضباط المان ، ومنع التبذير في مصروفات الدولة بعد ان بدأ بنفسه ، ولكن كل هذا لم يكن بقادر على منع النهاية الحتمية لدولة في طرقها الى الانهيار .
وكانت الامبراطورية العثمانية قد بدأت منذ عر سنوات تستعيد عافيتها شيئاً فشيئاً بعد الجراح التي ادمتها من جراء الحرب . فلاجئوا بوسنا وسيركاسيا قد استقروا في سوريا وفلسطين ، وانشئ عدد من المدارس والمستشفيات في القسطنطينية وفي الارياف النائية واوجد المعاهد المهنية والادارية كي تعد الاجيال الجديدة للوظائف العامة ، وانشئت اول مدرسة طبية عثمانية انشأها عبد الحميد وجهزها بامواله الخاصة (42) .
لقد كان طموح عبد الحميد طوال حياته ، يهدف الى تحرير بلاده من الامتيازات الاجنبية ، وحقوق هذه الامتيازات التي كانت تتمتع بها الدول الغربية الكبرى (43) .
ولكن تلك الدول حاولت قتله اكثر من مرة قبل نجاحها في تنظيم ودعم ثورة 1908م.
وقد ادهشت شجاعته الموظفين القائمين على خدمته ، عندما حاول ضابط شاب ان يطعنه بخنجره يوم كان خارجاً من "التياترو " الخاص في يلدز ، وفي السنة التالية ، أي في العام 1905 م ، جرت محاولة جديدة لقتله بواسطة سيارة محملة بالديناميت الذي انفجر امام جامع الحميدية بينما كان السلطان يصلي (44) .
وعندما نجحت ثورة الشبان الاتراك ، وتولوا مقاليد الامور ، وانكشفوا على حقيقتهم امام الشعب التركي ، قام عدد من الجنود بمحاولة الاطاحة بهم لمصلحة السلطان ، وقد رفض السلطان القيام بمحاولة العودة الى الحكم من خلال الثورة المضادة اما لانه لم يكن يثق بنجاحها او لانه كان كما قال لعزت ـ الذي عرض عليه الامر ـ بصوت يكاد لا يسمع من فرط الاعياء والتأثر :
" لقد اصبحت شيخاً هرماً يا عزت ... ولكن طالما انا على قيد الحياة ، لا أقبل اطلاقاً بأن يقال عني ، اني كنت السبب في حرب أهلية . اما أنت يا عزت ، فانك ما زلت شاباً ، والعالم مفتوح امامك " (45) .
انحطاط الدولة العثمانية :
شأن كل الدول الكبيرة المترامية الاطراف ، والامبراطوريات الواسعة ، بدأت مظاهر الضعف والوهن تسري في جسم الدولة العثمانية التي تتألف من عدد كبير من القوميات ، والطاوئف ، في بلاد واسعة في ارجاء آسيا واوروبا وافريقيا .
وعندما قويت الدول الاوروبية ، واخذت تتطلع الى التوسع خارج حدودها ، كانت الدولة العثمانية اولى اهدافها ومجالاً للتوسع الاستعماري ، ولرغبة وطمع تلك الدول الاوروبية في السيطرة على أقاليم غنية ،ومواقع استراتيجية تؤمن لتلك الدول مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية واستراتيجية ، من اهم تلك الدول التي كانت تتنافس على اقتسام الامبراطورية العثمانية ( بريطانيا ، وفرنسا والمانيا وروسيا وايطاليا ) وغيرها من الدول .
وقد ظهرت في القرن الثامن عشر دعوات متعددة لاقتسام مقاطعات الدولة العثمانية بين الدول الاوروبية فصدر في باريس كتيبان ينطويان على اجترار لبعض الاراء التي ظهرت في القرن الثامن عشر حول انحطاط الامبراطورية العثمانية وضرورة توزيع مقاطعاتها على الامم الاوروبية التجارية ، الكتيب الالو عبارة عن منشور مقفل بتوقيع ج. ج صدر سنة 1821م بعنوان : "آراء حول أزمة الامبراطورية العثمانية الراهنة ". ويدعو المؤلف من جديد في هذا الكتاب الى طرد الاتراك من اوروبا وتوزيع بعض المواقع الاستراتيجية في البحر الابيض المتوسط على الدول الاستعمارية ، وتبعاً لذلك ينبغي على فرنسا ان تطالب بجزيرتي قبرص وكريت ، اما الكتيب الثاني فمنسوب الى مؤلف يدعى ب. أ. دوفو (1795 ـ 1877م) . ان ما يقترحه هذا الكتيب الذي يحمل عنون "حول تقسيم تركيا الاوروبية بين روسيا وانجلترا واليونان بواسطة فرنسا" كان بشكل خاص خلق "امبراطورية يونانية " على انقاض السيطرة العثمانية (46) .
وفي ملع القرن التاسع عشر بدأت تطلعات الدول الاوروبية للتدخل في الامبراطورية العثمانية تحت شعارات ، ومبررات مختلفة ، منها ما هو سياسي ، ومنها ما هو ديني ومنها ما هو انساني تحت شعار الاصلاح الداخلي ، ونشر الحرية والعدالة والتقدم والمحافة على الامن في الشرق ، وقد كان كل ذلك يتم باسم المسألة الشرقية او اقتسام تركة الرجل المريض .
وكانت الدول الاوروبية تقف بالاجماع ضد الدولة العثمانية من حيث المبدأ الا ان تضارب مصالحها والطمع في الحصول على اكبر حصة من ارث الرجل المريض ، كانت تضطرها للمحافظة على الدولة العثمانية حتى يتم الاتفاق عليى اقتسامها وحتى يمنع بعضها البعض الآخر من الاستئثار بحصة اكبر مما ينبغي .
وبدأت الدول الاوروبية بالتنسيق فيما بينها تجاه المشاكل الناشئة في الدولة العثمانية فكان التقارب الانجريزي ـ الروسي الذي انضمت اليه فرنسا بعد فترة قصيرة هو الذي يوجه الدبلوماسية الاوروبية نحو حل المسألة اليونانية ، بعد مفاوضات دقيقة تم التوقيع على بروتوول سان بطرسبرغ في 12 آذار 1825 م ،وقد قبل الموقعون على هذا البروتوول مبدأ التدخل الاوروبي في الامبراطورية العثمانية من اجل وضع حد " للحوادث " التي كانت تثير الاضطراب في المشرق (47) .
وفي عام 1828 م وقعت الدول الاوروبية ( ما عاد النمسا ) معاهدة لندن التي كان الهدف منها حل الازمة التركية اليونانية ولو بالقوة اذا ما دعت الحاجة (48) وحذرت الدول الاوروبية القوات العثمانية لوقف قمع انتفاضة الثورة ، التي قام والي مصر محمد علي بدور فعال فيها ، وبلكن السلطان رفض طلب الدول الاوروبية التي كان اسطولها المحتشد قرب (نافران ) يحاصر السفن التركية والمصرية في هذا المرفأ "وقرر الحلفاء لكي يضعوا حداً لرفض السلطان ايقاف العمليات في اليونان ، توجيه ضربة حاسمة ، فقد امر الاميرال الفرنسي (دو رينيي) ـ بحجة ان طلقاً نارياً وجه الى مركب أوروبي ـ بتدمير الاسطول المعادي دون أي انذار مسبق ، وفي خلال بضع ساعات كانت الهزيمة قد تمت ودمر الاسطول العثماني " (49) .
ان التدمير المتعمد والمنتظم للاسطول العثماني في نافاران كان يشير الى عزم روسيا وحلفائها الانجلو ـ فرنسي على تحطيم مقاومة سلطان ، ولكن هذا الانصار جعل الباب العالي يتصلب في موقفه ، وفي نفس الوقت اذكى في اوروبا الآمال القديمة في تقسيم نهائي للامبراطورية العثمانية ، وسارت دول اخرى على خطى محمد علي فنصحت ، ـ ولكن عبثاً ـ السلطان بايقاف الحرب ، كما ان بروسيا ، بالاشتراك مع النمسا التي ظلت على الحياد ، استعادت دورها كوسيط لدى القسطنطينية (50) .
وعلى اثر هزيمة نافاران ارتفعت الاصوات المنادية بتقسيم الدولة العثمانية ، (فارتجلت فرنسا مشروعاً لتقسيم تركيا عرف منذ ذلك الحين باسم راسم خطوطه الرئيسية الوزير بولينياك ) .
وكان عدد من الصحفيين قد اطلقوا مراراً فكرة التقسيم هذه ، وكان احد الصحفيين المدعو "ج. دو برادت " قد نشر في باريس كتاباً بعنوان " في النظام الاوروبي الدائم ازاء روسيا وقضايا الشرق " .
وفي السنة التالية صدر في باريس ايضاً كتاب بعنوان " تقسيم تركيا " يرد فيه مؤلفه "ج. ب ماروشيتي " على الكتاب الاول . فرغم انه كان يقترح فيه اعلان استقلال اليونان ، فقد رفض اعادة احياء الامبراطورية البيزنطية القديمة ، اما بقية المناطق العثمانية في اوروبا بالاضافة الى القسطنطينية فيمكن ان تقتسم بين الدول الاوروبية المختلفة . وسيكون هذا التقسيم فرصة لاعادة النظر في خارطة اوروبيا السياسية التي رسمها مؤتمر فيينا سنة 1815 م بصورة جذرية .
وفي نفس سنة 1828 ايضاً ، اصدر كاتب مجهول بتوقيع ج. ب. م في باريس دراسة حول "تقسيم تريكا " ، وكان هذا الكاتب على اقتناع بالانهيار الوشيط لهذه الامبراطورية .
كانت كل هذه المشاريع التي تفتقت عن بعض المخيلات الخصبة ، في الحققة ذات فائدة كبيرة في تغذية تيار اعلامي داخل الرأي العام محبذ لوجهات نظر بعض الحكومات وبالفعل فان مثل هذه المخططات التقسيمية كانت تدرس في عواصم اوروبية (كفيينا وباريس ) وكانت كل حكومة تضيف اليها بعض النقاط التي تخدم مصالحها الذاتية . كان مترنيخ يقترح على حكومات بطرسبورغ وبرلين مخططاً سرياً معادياً لفرنسا في حين كان بولينياك يحمل حكومته على تبني مشروع رسمي لتقسيم تركيا مرفقاص بمراجعة اساسية لخريطة اوروبا السياسية " تحسباً للمستقبل في حال سقوط القسطنطينية " . وقد قدم هذا المشروع ، الذي وضعه بوالوكونت في شهر آب 1829 م ، الى القيصر في شهر ايلول . كان هذا المشروع يدعو الى انشاء دولة مسيحية في القسطنطينية لا تكون خاضعة باي شكل من الاشكال للوصاية الروسية خاصة وانها تهدف بالضبط الى منع الروس من التربع على انقاض العثمانيين ، وكان القيصر سيحصل على مقاطعات فلاشيا ومولدافيا في اوروبا وارمينيا وتريبيزون في آسيا كتعويض عن هذا ، اما روسيا التي كانت "عقدة المشروع " حسب تعبير بولينياك فكانت ستحصل على الساكس وهولندا ، في حين ان انجلترا كانت ستستولي على المستعمرات الهولندية ، اما ملك هولندا فكان سيجلس على عرش القسطنطينية وسيحم جزءاً اوروبياً وآسيوياً من الامبراطورية العثمانية المجزأة ، وبالنسبة الى النمسا فكانت ستحصل على مقاطعات البوسنة وكرواتسيا وصربيا وهرزريغوفين التي طالما طمعت بها ، اما فرنسا فكانت ستسترجع المقاطعات البلجيكية واللوكسمبورغية وحتى بعض الاجزاء من هولندا ، واخيراً سيمنح ملك ساكس السابق حكم دولة اصطناعية تضم الاراضي الواقعة على ضفة الرين اليسرى الا ان روسيا رفضت هذا المشروع رفضاً مطلقاً وذلك منذ ان بدأت خطوطه الاولى في الظهور (51) .
محمد علي والي مصر يهدد الدولة العثمانية :
لم يكد يظهر نجم محمد علي والي مصر كزعيم قوي ناشيء ، حتى سارعت فرنسا بدعمه وتقديم الخبراء العسكريين والاقتصاديين على امل ان تشكل مصر محمد علي الجديدة نواة الامبراطورية العربية حليفة فرنسا ( سيضمن هذا الحل في استمرار تأمين النفوذ الفرنسي في المشرق وهذا يعني انقلاباً في التحالفات الاوروبية وهذه هي المرة الاولى التي تحدد فيها مثل هذه السياسة المتوسطية بمثل هذا الوضوح ، لقد كانت هذه السياسة ترتكز على المكانة الاساسية التي قد تدعى مصر الى القيام باعبائها بفضل موقعها الجغرافي وترعة السويس التي لم تكن مع ذلك قد شقت بعد ، وكانت سياسة فرنسا تنظر الى اهمية مصر من هاتين الزاويتين .
فالموقع الذي يفترض بان يمتد تأثيره الى اكثر المقاطعات بعداً عن مركز الامبراطورية او الاكثر تعرضاً الى الانفصال ، فهناك سورية من الشرق والدويلات البربرية من الغرب ـ علينا ان نعترف بان هذا الموقع يساعد كثيراً على انشاء قوة حقيقة . ان صلات اللغة والعادات والاصل المشترك تشكل روابط دائمة قد تتيح دمج سكان سورية وبلاد البربر بسكان مصر .. وما على محمد علي لكي يحقق هذه المهمة الا ان يسيطر على كل هذا الساحل الشاسع الذي تملتكه القوى البربرية.
واخيراً علينا هنا ان نفكر كثيراً في المصالح التجارية المهمة جداً . ذلك ان هناك شبهاً بين موقع السلطان وموقع محمد علي فكلاهما يمسكان بمفتاح طريق بحرية وتجارية كبيرة ، فالسلطان محمود قد فتح البوسفور في وجه التجارة العالمية ومحد علي ما زال يتمسك باغلاق الطريق التي يمكن ان تصل البحر الابيض المتوسط ببحر الهند .. ومن المهم جداً ان يكون الباشا قوياًبما فيه الكفاية حتى يستطيع ان يمنع سقوط هذا الممر في ايدي دولة كبرى لوحدها فاما ان يبقيها مغلقة واما ان يفتحها امام كل الامم ، لذلك عليه الا يتوانى عن حراسة وحماية السويس والمواقع التي تسيطر على مضيق باب المندب (52) .
ولكن هذه السياسة الفرنسية كانت تصطدم بالسياسة البريانية ذات المصالح الحيوية في مصر .
ان بريطانيا لا يمكن ان تتمنى لمصر ان تكون قوية ومستقلة عنها ، ان وضع مصر الجغرافي وواقع كون التجارة مع الهند تشكل اساس عظمة بريطانيا قد جعلت ، بكل تأكيد هذه الدولة الكبيرة حريصة على ابقاء مصر مقاطعة ضعيفة وعاجزة (53) .
ولكن محمد علي كان يطمع بسورية اكثر مما كان يود المغامرة في صحاري شمال افريقيا الشاسعة تحت لواء فرنسا ، وتنبغي الاشارة ايضاً الى ان الدبلوماسية الانجليزية قد اوحت له بهذه الفتوحات لتصرفه عن القيام بحملة ضد سورية (54) .
أ) مجابهة محمد علي للدولة العثمانية :
اثمرت جهود الدول الاوروبية في تحريض محمد علي للعمل ضد السلطان واحتلال سورية الى وقوع مجابهة بينهما ادت الى انتصار جيوش محمد علي بقيادة ابنه ابراهيم باشا الذي اثبت انه كان قائداً عسكرياً فذاً ، اظهر كفاءة عسكرية نادرة سواء في حربه في اليونان او في الجزيرة العربية ضد الوهابيين ام ضد جيوش الدولة العثمانية في سوريا ، وقد ادى انتصار محمد علي الساحق على القوات العثمانية ، الى تفتح أعين الدول الاوروبية على خطورة محمد علي الذي اصبح من الواضح ان بامكانه احتلال عاصمة الدولة العثمانية مما يؤدي الى اعادة الحياة الى الرجل المريض ، وبالتالي فشل جميع المخططات الاستعمارية الاوروبية باقتسام تركة هذا الرجل وكان اكثر المتيقظين لطموحات محمد علي ، انجلترا التي وجدت فيه الرجل الخطر على مصالحها بينما لم تكن تنظر اليه فرنسا بمثل هذا المنظار بالرغم من ان الدولتين كانتا تجنيان فائدة كبيرة من تجارة القطن ومقايضته بالذخيرة مع مصر ، هذه المصالح التجارية تفسر تعلق هاتين الدولتين بوجود محمد علي (55) .
كان المراقبون السياسيون ينظرون الى الوضع من منظار آخر مختلف تمام الاختلاف فقد كانوا على علم بمشاعر سيد مصر ومطامحه ، فانجلترا تزوده باستمرار بالذخيرة ، وفي الوقت نفسه كان الكولوني Leith ، المسؤول عن تجنيد بعض كبار الضباط في البحرية المصرية ، يلقي صعوبات في تسفيرهم الى مصر ذلك ان حكوة لندن كانت في حالة انتظار وترقب للحوادث ، اما قنصل فرنسا Mimavlt ، فكان يتردد باستمرار على "بلاط" الاسنكدرية و "يغالي " في التودد مخفياً قصده في الاطلاع على نواليا الوالي ، فقد كان يتوقع ان تجني التجارة الفرنسية فوائد جمة من امتداد السلطة المصرية الى سورية وهذا ما كان يشجع عليه علناً (56) .
وبعد ان اجتاح ابراهيم باشا قائد الجيش المصري سوريا ، واجتاز جبال طوروس وهزم من جديد القوات العثمانية في 29 تموز 1832 م انفتحت امامه طريق الاناضول والقسطنطينية ، مما جعل السلطان يجد في اقتراح يقضي باللجوء الى اوروبا المسيحية .
وقد دب الهلع في قلب السلطان من الزحف المصري ومن الرأي العام العثماني الذي كان يحيي الزاحف الظافر معتبراً اياه منقذاً للاسلام فدفعه اليأس الى طلب مساعدة القيصر العسكرية ، فطلب ان تتدخل بعض وحدات البحرية القيصرية وتائب برية كافية لحماية عاصمته ، وبالطبع تحركات البلاطات الاوروبية الاخرى تلقائياً مهددة بتدخل مماثل ، وكان ان قررت الذود عن الامبراطورية العثمانية التي تتهددها قوتان على طرفي نقيض .
واكدت فرنسا عزمها على ان لا تتخلى عن قضية الباب العالي امام المطامع المصرية معتبرة ان كل خطر داخلي او خارجي يهدد وحدة الامبراطورية العثمانية يمسها بالذات .
واستبدلت انجلترا قنصلها العام في مصر الذي كان قد عين في منصبه في شهر كانون الثاني سنة 1833 م فعين السيد كامبل في كانون الثاني قنصلاً، وتلقى التعليمات من حكومته في 4 شباط ، وقد اكد السيد بالمرستون في هذه التعليمات : " ... ان حكومة جلالته تعلق اهمية كبرى على الحيلولة ليس فق دون انحلال الامبراطورية العثمانية ، بل ايضاً دون اتزاء أي قسم منها ... " .
وقررت النمسا ان ترسل من جديد بروكش فون اوستن الى الاسكندرية ، وانحازت بشكل واضح الى وجهة النظر الفرنسية ـ الانجليزية الجديدة (57) .
وهكذا اوقفت اوروبا الفاتح ، وكرست بذلكاولى علاقات حمايتها الدبلوماسية للباب العالي ، وبهذا تصاءلت مكانة السلطان وواليه ، وكانا معاً الخاسرين ، لقد افسح وجود الجيش الروسي في العاصمة المجال امام شتى الدسائس الدبلوماسية بين الدول المتنافسة، ولم يرجع هذا الضغط الروس ، الا بتنازلات باهظة من قبل جميع الفرقاء المعنيين .
ان دراسة المفاوضات التي ادت الى عقد معاهدة الدفاع المشترك في اونكيار اسكلسي في 8 تموز 1833 م ، والبند السري المضاف اليها في 26 تموز ، لا تدخل في نطاق تحليلنا هذا ، ولكن يتضح ان سورية والمقاطعات العربية في الامبراطورية العثمانية دخلت منذئذ في دائرة مصالح الدول الاستعمارية والمتوسطية (58) .
ونتيجة لذلك بدأت انجلترا تبدي قلقها من سيطرة محمد علي على دولة عربية واسعة تتحكم في الممرات البحرية والطرق البرية الاستراتيجية وهذا ينزل اكبر الاضرار في مصالحها .
وتشكل مناطق طموحه هذه خط الاتصال بين شرقي البحر المتوسط والهند وقادت هذه الخواطر القنصل الانجليزي الى نتائج جازمة : "ان القوة السياسية الجديدة التي يشكلها محمد علي مضرة بمصالح انجلترا في الشرق الادنى وخاصة اذا استقامت في مملكة منسجمة قوامها العروبة هذا الوضع يضطرنا الى رفع طاقات قواتنا البحرية والزيادة من قدرها ، كما انه يعرقل نفوذنا واتصالاتنا ويجرنا الى صراع لا يجدي مع دويلات اجنبية مجهولة في اوروبا نعاملها كما يحلو لنا ، بل مع قوة معترف بها وتدعمها دول اوروبية " .
وتلفت هذه الخواطر الانتباه الى الرأي التالي : " ان تقسيم الامبراطورية العثمانية ، في آسيا كما في أوروبا ، الى دولتين يسيء الى مصالح بريطانيا لانه يقيم في هذه المنطقة نفوذاً جديداً وناشاً لا يقع تحت رقابتنا وقد يعاكسنا ، وليس له ، في مطلق الحالات ، اية ضرورة سياسية ثابتة " (59).
كان طموح محمد علي يزعج مشاريع انجلترا التوسعية الاستعمارية على الصعيدين السياسي والاقتصادي ، فكان لا بد من القضاء عليه ، ذلك كان هدف بالمرستون البعيد (60) .
وقد قامت بريطانيا باحتلال عدن عام 1839م ، والواقع ان الخليج العربي يقع على امتداد هذه النقطة الاستراتيجية ، ويتحكم بطريق الهند ، وتنبع حساسية الحكومة الانجليزية تجاه أي تدخل يقوم به محمد علي في هذا القطاع الحساس من السياسة العامة المتعلقة بموقع الدولة العثمانية بين البحر المتوسط والهند .
وقد ناقش بالمرستون في 9 تموز هذا الموضوع مع السفير الفرنسي ، ووضع قضية البصرة في اطار سلامة اراضي الامبراطورية التي تتهددها التدخلات النشطة للعملاء والضباط المصريين ، واكد الوزير الانجليزي انه طلب منذ سنتين من محمد علي عهداً بألا يصبو الى توسيع اراضيه في اتجاه الخليج العربي ، ورد بالمرستون على نفي باشا مصر للامر بالتقارير الصريحة التي اكد فيها المعتمدون الانجليز بان احتلال الجيش المصري للبصرة قد حصل فعلاً وان الضباط المصريين تقدموا الى الاحساء والقطيف مهددين جزيرة البحرين " كي لاتصبح بؤرة ثورية ضدهم " . لذا لا يسع انجلترا ان تسلم وجود هذا الخطر الداهم المستمر ، فهي الحامية لاستقلال الامبراطورية العثمانية وسلامة ارضيها وتريد ان تضطلع بامانة بالمسؤولية المنوطة بها (61) .
وكذلك بدأت الدول الاوروبية بواسطة قناصلها في بروت في اثارة العداء ضد حكم محمد علي في سوريا .
وقد رفع كامبل بهذا الشأن تقريراً عاماً لـ "بالمرستون " تاريخ 19 تموز 1837 م ، واثبت فيه شكاوي السلطة المصرية الرئيسية ضد تصرفات القناصل غير القانونية .
نستخلص منه ان قناصل بيروت قد تصرفوا مراراً بدافع العداء ضد السلطة المحلية فخولوا انفسهم ، تعسفاً ، سلطة تنفيذ مطالب كثيرة غير عادلة ، بالقوة وخاصة فيما يتعلق ببعض الرعايا ( من مسيحيين ويهود ) (62) .
منذ عام 1815 م اهتم العلماء في المانيا بمختلف شعوب سوريا ، لم يكونوا في تلك الفترة يدعون المساهمة ، بابحاث فريدة ، في التعرف على هذه البلاد ، بل ترجموا احسن الكتب التي ظهرت باللغات الاوروبية الاخرى ، هكذا خصت مجلة Arcniv For Alce Meve Kirchemgeschichre ـ وهي من افضل المجلات الدينية في تلك الآونة ـ خصت الموازنة والدروز والاسماعيليين والعلويين ، بدراسات وافية تناولت وضعهم الديني والسياسي والاجتماعي في ادق تفاصيله (63) .
واصبحت سياسة الدول الاوروبية تجاه استغلال الطوائف في بلاد الشام احدى اهم الوسائل لتنفيذ مخططاتها في المنطقة والتي لم تكف عن ذلك حتى الوقت الحاضر.
وقد اظهر عمل محمد علي في سوريا وفلسطين الاهمية الاستراتيجية لهذين البلدين بالنسبة الى اوروبا ، وادى الى فتح البلاد امام اوروبا وثقافتها ومبشريها واقتصادها ، كانت هذه المنطقة محور الصراع التركي ـ المصري فجذبت اليها انتباه مبشري اوروبا وطموحهم ، وابتدأت حملة صليبية مسيحية جديدة تتفق في بواعثها ومصيرها الخاص مع متطلبات التوسع لدى الدول القوية (64) .
ب) الدول الاوروبية تعيد محمد علي الى مصر :
لم تستطع الدولة العثمانية رغم دعم الدول الاوروبية لها ، ورغم محاولة تحديث جيشها بواسطة ضباط روسيين ، ان تقف امام محمد علي وان تعيده الى حظيرة السلطان ، خاصة بعد معركة نصيبين التي انتصر فيها محمد علي والذي لم يستطع ان يضمن لهذا النصر ملكية سوريا وفلسطين كما لم يستطع تحقيق احلامه في الاستقلال بل على العكس فقد حصل السلطان ، بهزمته ، على حماية غير مشروعة قدمتها له اوروبا التي قررت الحؤول دون تمزيق الامبراطورية التركية او تفسيخا ، فدخلت القضية الشرقية في مرحلة جديدة وعصيبة (65) .
ووضعت هزيمة نصيبين ( 24 حزيران "يونيه " 1839م ) ، التي تلاها فرار الاسطول ، الباب العالي على شفير اليأس ، وكان رأي الحكومة يميل الى عقد اتفاق مباشر مع الوالي ، واخذت روسيا تدعم هذا الحل القائم على عقد اتفاق مباشر مع محمد علي ، وعدم فسح المجال للدول المسيحية للتدخل ففي قضية يمكن ان تصيب نصيباً اكبر من النجاح اذا اتفق المسلمون عليها فيما بينهم (66) .
وهذا ما كان يلقى معارضة واضحة من جميع الدول الاوروبية التي نادت الى الوقوف ضد الاتفاق المباشر بين مصر وتركيا ، وقد تبنت فرنسا ايضاً هذه السياسة اذ ان عطفها على باشا مصر لم يكن يمنعها من النظر الى المصلحة الاوروبية .
وفي فيينا قام مترنيخ ، بحذاقة ، بمعالجة النزاع الشرقي انما على المستوى الاوروبي ، فقرر في 16 تموز ان يتدخل مباشرة لدى الباب العالي دون ان يضيع في المتاهات النظرية التي ملأت صفحات البريد الدبلوماسي الفرنسي ـ الانجليزي ، وفي ضوء اتفاقه مع سائر البلاطات كلف ممثله بان يعد مذكرة موجوزة يجمع عليها تواقيع زملائه ممثلي "الدول الحليفة " الخمس ، وقد فرضت هذه المذكرة الرسمية ، التي قدمت في 27 تموز ، على الباب العالي عدم اتخاذ أي قرار بشأن القضية الشرقية ، تلك كانت ارادة الدول الكبرى .
"يسر السفراء الموقعين ادناه ان يعلموا وزير الباب العالي ، طبقاً للتعليمات التي تلقوها من حكوماتهم ، بان اتفاق الدول الخمس الكبرى بشأن القضية الشرقية امر اكيد ويرجون الباب العالي الا يتخذ مطلقاً أي قرار نهائي بهذا الشأن دون مساهمتها وان يترقب تدابيرها العطوفة ".
كان وقع هذه المذكرة الرسمية المشتركة التي تفتقت عنها مخيلة مترنيخ الدبلوماسية ، ووقعها على شبه غفلة من جميع سفراء الدول الكبرى في القسطنطينية بما فيهم السفير الروسي ، مذهلاً على الازمة الشرقية (67) .
وفي رأي بالمرستون ان توسع مصر يشكل خطراً كبيراً على السياسة المتوسطية ، الا تود فرنسا ان تجعل منها منطلقاً للسيطرة على اقاليم عثمانية اخرى ؟ نعم ان باشا مصر عجوز ولكن ابنه ابراهيم سيكون خلفه وهو يفوق اباه دهاءً ومقدرة ، وقد زود جيشه ـ وهنا بيت القصيد ـ بضباط فرنسيين ، واضاف بالمرستون بتهكم بارع وكأ،ه يريد ان يكشف سر تخوفاته :
" اننا نتصارح في كل شيء ، اليس كذلك ؟ الا توافق فرنسا تماماً على نشوء قوة جديدة ومستقلة في مصر وسورية ، تكون من صنع يديها تقريباً وتصبح بطبيعة الحال حليفتها ؟ الا ترى مدينة الجزائر التي استعمرتموها ، وماذا يبقى بينكم وبين حليفتكم مصر ؟ لا شيء تقريباً ، تونس وطرابلس هاتان الدولتان الضعيفتان .. فيصبح كل شاطئ افريقيا وقسم من شاطئ آسيا على المتوسط ، من مراكش حتى الاسكندورون بين ايديكم وتحت نفوذكم ، هذا ما لا يمكن ان يوافقنا " (68) .
ولذلك دخلت المشكة طوراً جديداص في التحالف الاوروبي الذي استعد لاخراج محمد علي من سوريا بالقوة العسكرية .
وفي الشرق تتابعت انتصارات اوروبا المتحالفة تتابعً يكاد يكون صاعقاً ، اذ عاد ما كان يسمى بـ "الامبراطورية المصرية " ، قبل نهاية عام 1840 م الى حجمه السابق كاقليم غير ذي شأن يحكمه ، تبعاً لارادة اوروبا والسلطان ، باشا عجوز يضع لاشد القيود ، والواقع ان تصفية انجازات محمد علي ، التي تمت منذ شهر آذار عام 1841 م ، فسحت المجال للمصالحة والاجماع الاوروبيين اللذين كرستهما معاهدة المضائق (69) .
وقد دخل الاسطول الانجليزي في آواخر آب 1841 م المياه السورية مدعوماً ببعض القطع البحرية النمساوية بينما اعلن سليمان باشا النفير العام ، حتى تلك الآونة لم يكن أهالي الجبل قد بدأوا بالرغم من جهود العملاء الانجليز ، لكن البلاد ثارت عند رؤية الاسطول الاوروبي ، ولم يكن فاسيلي القنصل الروسي في بيروت ، على ما يبدو ، على علم بهذه السياسة العليا الرامية الى غزو البالد ، فأعلم في 18 آب رئيسه القنصل ميديم بإقدام الكمودور تاييبر على اقتحام مرفأ بيروت ، حيث باشر فوراً بعمليات عدائية اشاعت الذعر ، ذعر قنصلاً النمسا وبروسيا ولجأ الى الجبل بينما كان الكومودور نايبير يقصف المدينة بالقنابل من وقت الى آخر بغية حمل الاهالي على اعلان الثورة وفي الوقت نفسه كان السيد وود صهر القنصل الانجليزي يبذل قصارى جهده لاثارة الاضطرابات ، وحل محله بعد مدة اعضاء من الارساليات المسيحية (70) .
وجرى توزيع المال والسلاح على اهالي جبل لبنان على يد عملاء اخصائيين ومبشرين بروتستانت وكاثوليك ، وقد ذكر فاسيلي في رسالة الى ميديم المؤرخة في 19 ايلول انه اثناء اقامته في المعسكر الانجليزي وزعت الاف البنادق على اهالي الجبل ، لكن المسيحيين (الموارنة ) وحدهم انضموا الى الحلفاء ، بينما بقى الدروز مخلصين للامير بشير تمام الاخلاص ، ولم يقدم اهالي الجبل المسلحون ، حتى ذلك الحين ، اية مساعدة للحلفاء ، فراح الضباط الانجليز ينعتون اهالي الجبل بالجبن ، وقد تعززت هذه المعلومات بشهادات اخرى شخصية ودامغة ، فتحدث س. غويات الذي اصبح فيما بعد اسقف الطائفة اللانكليكانية في القدس ، في سيرته الذاتية ، بتستر كبير ، عن المهمة "الثقافية " التي عهد بها اليه لدى الدروز وحتى لدى البطريرك الارث