قصة لها نهاية
في يوم ما، لا يتميز بشيء عن بقية أيام الله، سمعت السماء نداء مولود جديد يعلن على الملأ زيادة عدد البشر على هذا الكوكب بقدومه الميمون. ترعرع هذا الكـائن وشب في أحضان أسرته التي لا تختلف بشيء عـن بقية أسر العالم في شرقه وغربه، وبـين نجـاح وفشل أنـهى أعـوامه الدراسية وبدأ مشوار العمل، ثم أخذ يفكر في تكوين أسـرة... لـم يـكن إسماعيل يرى في نفسه خصوصية تحدد شخصيته، بل كان قـانعا بمنهج الوسط الذي لم يتخذه سبيلا، بل فُرض عليه من قبل الغيب0
تزوج بعـد أن استقر في وظيفته الـحكومية ، ورزق بذريـة حـاول أن يربيها تربية صالحة كرد فعل طبيعي لسيرته الذاتية. بعـد سنوات اشتـد عليه مرض القلب ولم يكن رحيما به، فذهب إلى ربه0
كثير من الأمور كان بإمكانه القيام بها ولكنه لم ينجزها لسببين فقط: فإما أن يكون قد لاحظ أن الوقت للقيـام بهذا العمل أو ذاك أصبح جدا متأخر، أو أنه أساسا لم يفكر بهذا الإنجاز أو ذاك... وهكذا ذهب عن دنياه بعد أن ترك وراءه سيرة عاديه طيبه0
هذا ما دار بذهني وأنا أقلب كتابا امتدت له يدي بطريق الصدفـة ، حيث وجدت نفسي وجها لوجـه مع إسماعيل و هو يجلس جلسة المدراء على كرسيـه الوظيفي، كانت الصورة معبرة لعدة أسباب أهمها كونها بالأسود والأبيض، فلا يشدني عن موضوعها ألوان تكون مشتتة بين اليمين واليسار، هذا ما جعلني أَلاحظ بكل وضوح الابتسامة الطيبة التي كان يتمتع بها المرحوم!00
شعرت بمرور زوجتي كطيف لطيف من ورائي وهي تنتقل من مكان إلى آخر وكأنها فراشة اتخذت من أركان المنزل وزواياه ورودا تلاحظها وترعاها وكأنها في بستان تظلله غيوم المحبة وتسقيه دموع الفرح والبهجة، انساب بقلبي دون استئذان صوتها الحنون:00
ـ ما الذي تفعله يا زوجي العزيز؟
أجبتها :00
ـ أحاول ترتيب الكتب في المكتبة وإزالة غبار كسلي عنها0
نظرت إليَّ وهي جذلى لهذا التطور لحالتي النفسية، لقد هجرت كتبي وقلمي منذ شهور، ولم أكن أقاوم هذا الهجران إلا بالشكوى من مشاغل ومشاكل العمل الكثيرة، وقالت بكل ود :00
ـ الحمد لله، ولكن من هذا الذي تسمرت أمامه إلى درجة إنك لم تلاحظني إلا عندما اقتربت منك وكلمتك؟
ـ هذا أحد أصدقاء الطفولة، رحمة الله عليه، لقد اختاره الله إلى جواره قبل خمس سنوات، قبل وفاته بسنة تقريبا كان قد زارني ليخبرني بأنه قد أصبح رئيس قسم، لم يستمر لقاؤنا طويلا، لقد كان مريضا وأهداني قبل أن يودعني هذه الصورة0
ـ ولِمَ لَمْ تضعها مع بقية الصور؟
ـ لسبب بسيط. أنني لم أكن أعلم أنها بين طيات هذا الكتاب0
ـ مثواه الجنة بإذن الله0
ـ آمين!00
قلتها وعدت إلى شرودي الذي لم يكن هذه المرة بسبب المرحوم، بل من يهاجمون أسلوب القصة القصيرة التي تكون نهايتها مفتوحة، وكان رأيي دائما يرتكز على مقولة: ما دام الإنسان يحيا على وجه البسيطة فلا يجوز أن تقفل قصته، وهكذا أجد نفسي الآن وجها لوجه مع قصة ذات نهاية مغلقة. دارت في ذهني عدة أفكار لكتابة قصة شاب يولد ويتزوج ويرزق بأولاد ثم يموت واستحسنتها لإثبات وجهة نظري، حيث لن تكون قصة قصيرة بل سيرة حياة، وإن كانت قصة فلا بد من إبقائها مفتوحة حتى بعد وفاته لمعرفة التأثيرات الإيجابية والسلبية لمداخلات حياته بشكل عام، ابتسمت لهذه الأفكار وقمت بإعادة الكتاب إلى مكانه دون أن أجرؤ على تغيير مكان الصورة0
* * *
مساءً ـ وبعد القيام بكل الواجبات الأسرية تجاه عائلتي المكونة من أم الخير زوجتي وفلذة كبدي نور وسند المستقبل أنس وأنا رابعهم باسطا يدي لخدمتهم وحمايتهم ـ جلست إلى زوجتي التي بادرتني:00
ـ لم يسبق لك أن حدثتني عن صديقك هذا!00
لأخبرك الآن، اسمعي يا أم الخير، لقد كان يكبرني بثلاث أو أربع سنوات، كان إنسانا عاديا يتميز بوصل الرحم. لم يكن يحمل في قلبه سوى حب الخير الذي كان بالنسبة له شيئا فطريا، ولم أعلم بوفاته إلا بعد حدوثها بسنة تقريبا0
سكتُّ لفترة وجيزة أبحث عن خيط أبدأ منه فقلت :00
ـ أحدالأصدقاء زار والدي ومن حديثه علمت أنه كان راقدا في المستشفى فالتفت إليَّ بكل اهتمام قائلا: "لقد كان معنا في الجناح إنسان عزيز عليك اسمه إسماعيل". فقلت لمحدثي علي: "إنني أعلم أنه كان مريضا". فأجابني: "ولكنها هذه المرة كانت جادة ولكن الله سلم..." بعد شهور من هذا اللقاء الثلاثي صادف موعد سفر لوالدي وكنت على أهبة الاستعداد لتوصيله إلى المطار وفي نفس الوقت وصل صديق والدي عليٌّ ليودعه فقال لي: "على فكرة لقد قلت لك في لقائنا السابق أن إسماعيل كان معنا في المستشفى، ولكنني علمت قبل بضعة أسابيع أنه لم يغادر إلى منزله بل إلى لقاء ربه..." فترحمت عليه وذهبت ذكراه مع زحام الأيام. هذه هي حكاية إسماعيل ـ طيب الله ثراه ـ ولكونها عادية جدا ولا تخرج عن المألوف لم يتبادر إلى ذهني أن أخبرك عنها0
بعد أن تمتمت تترحم عليه وتدعو له قالت :00
ـ حسنا.. هيا نشاهد الحلقة الأخيرة من المسلسل التلفزيوني0
* * *
مرت سنوات وسنوات ورزقنا بمولود زاد حياتنا بهجة وسرور، ونسيت استحالة القصة ذات النهاية المغلقة حتى كنت في يوم من الأيام أمارس عملي الرسمي، وهو دائما يتيح لي الالتقاء بوجـوه كثيـرة. فاجأنـي صـوت:00
ـ الله بالخير!00
رفعت رأسي عن التقرير العاجل الذي أضفي عليه اللمسات الأخيرة ليقدم إلى سعادة الوزير قائلا :00
ـ الله بالخير، هل أستطيع مساعدتك؟
ـ أجل، سوف أغادر مع وفد رسمي بعد يومين في مهمة وأحتاج إلى الحصول على بعض الهدايا والمطبوعات التي تبين أوجه الحضارة في الكويت ليتم تبادلها مع بقية الوفود0
ـ حاضر، لحظة من فضلك 0
وتابعت مراجعة التقرير وأنا أقول يا للتطفل الذي يكاد يفسد تركيزي، أليس هناك موظف آخر أقل مني انشغالا يوجه إليه طلبه. بعد ثلاث دقائق أيقنت أنه لن يكون في استطاعتي إنجاز العمل الذي أمامي بسبب هذه العيون التي تراقب حركاتي، رفعت رأسي وأنا ساخط:00
ـ اذهب إلى الغرفة المجاورة وسوف تجد من يخدمك0
ابتسم لي وهو يحاول أن يمتص امتعاضي كأنه يعتذر عن مضايقتي وإزعاجي، وقال مبررا:00
ـ لقد كنت هناك، ولكوني لا أحمل كتابا رسميا من الجهة التي أعمل بها تحتم عَلَيَّ أن أكون بهذه الغرفة0
ـ حسنا.. حسنا، سوف أتدبر الأمر بنفسي0
وأخذت أتصل بالجهات التي تستطيع توفير طلباته بالسرعة الممكنة، خلال انشغالي كنت ألقي نظراتي على هذا الوجه الأسمر ذي التقاطيع المحببة، خصوصا وأن ثورة الغضب قد تحولت عنه إلى الشباب الذين كنت أتصل بهم0
ـ وجهك مألوف لدي!00
قلتها دون أن أعني بها الشيء الكثير، كما لم أكن أنتظر منه إجابةً ولكنه اغتنم الفرصة وقال :00
ـ كل وجوه الناس تتشابه، ألسنا أبناء آدم وحواء؟
ـ أجل، ولكن أخالك وخصوصا لون بشرتك وشكل أنفك وعينيك من (بيت فلان)0
ـ فعلا، أنا من هذه العائلة0
قالها وقد امتلأ وجهه حبورا لأنه استطاع أن يمتص كل غضبي. تفحصته جيدا وأنا ألبي بقية احتياجاته عن طريق الهاتف ثم قررت أن أستفسر منه بشكل أكثر دقة :00
ـ على فكرة، لقد كان لي صديق طفولة من عائلتكم الكريمة ولكن000
وقبل أن أتم جملتي قال :00
ـ أعتقد000
ثم كشر بضحكة استقرت في عينيه، وخلالها قال مكملا جملته:00
ـ ألست خالد عبد الله؟
فاجأتني معرفته لي، فقلت :00
ـ أجل0
وأردفت وأنا في غاية الاندهاش :00
ـ هل أنت أخو المرحوم إسماعيل؟
نظر إلىَّ ببلاهة، ولكنني أكملت حديثي من دون أن أترك له مجالا لمقاطعتي:00
ـ عذرا أعتقد أن الوقت متأخر للعزاء، ولكن... لقد كبرت كثيرا يا جمال، وكيف عرفتني وكنت أصغر منا بسنوات عديدة؟ و000
تحولت تقاسيم وجهه إلى دهشة، وقال بحدة :00
ـ يا خالد!00
وبهذا قاطعني، وما زالت علامات التعجب تغطي قسماته، وقال بإصرار ونبرات واضحة :00
ـ لا، لست أخ إسماعيل، بل أنا إسماعيل! 00
نظرت إليه وكأنني أنظر إلى شبح أو عفريت، وبذهول قلت :00
ـ المرحوم!00
ـ الله يهديك 0
ـ عفوا، ولكن كيف؟ لقد سمعت بوفاتك منذ سنوات ولا أزال أحتفظ بصورتك هناك كآخر ذكرى، لقد أخبرني شحاته00
ـ من؟ تقصد علي شحاته، رحمة الله عليه، لقد مات متأثرا بنوبة قلبية قبل ستة أشهر تقريبا0
تجمعت مشاعري بشكل لم يسبق له مثيل وامتلأ القلب بتناقضات الفرح والحزن والخوف والنشوة، فقلت بغصة تصاحبها ضحكة خفيفة هي أشبه بالأنين :00
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 0
استرسل إسماعيل موضحا:00
ـ لقد كنا زملاء عنبر في المستشفى، وإثر غيبوبة مفاجئة تم نقلي إلى غرفة العناية المركزة، وبعد عشرة أيام تحسنت أموري الصحية و تمت إعادتي إلى العنبر، فسألت فورا عن علي شحاته فقيل لي إنه خرج من المستشفى، أما خبر وفاته فقد فاجأني به أحد الأصدقاء قبل ستة أشهر وقد حدثت بعد أن استقر في مصر0
رن جرس الهاتف مقاطعا إسماعيل، رفعت السماعة وبعد برهة قلت :00
ـ جيد... ممتاز... سوف أرسله لكم حالا!00
وقبل أن أغلق الخط وجهت حديثي إلى جليسي :00
ـ على كل حال الحمد لله على السلامة0
نهضت من مكاني لأكون أكثر قربا، وأردفت :00
ـ دنيا عجيبة، ينقل خبر وفاتك ثم يموت قبلك، وكله اعتقاد بأنه سيجدك هناك0
أفتر ثغر إسماعيل عن ابتسامته الطيبة ـ حيث فقد الحديث معناه ـ ومددت يدي مصافحا لتوديعه وقبلته قبلة سلامة العودة المحمودة، وقلت :00
ـ سلامات مرة أخرى، والله يعطيك طول العمر. ويا عزيزي تستطيع أن تستلم طلباتك من المستودع 0
ـ شكرا00
ـ إلى اللقاء!!00
دنيا غريبة! قلتها وقد شردت وأنا أرى ظهره يختفي في زحام الحياة كما تختفي فكرة القصة القصيرة ذات النهاية المغلقة0
وليد خالد المسلم