بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له الحمد كله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
وبعد ..... فإن راحة القلب وسروره وانشراح الصدر وزوال همومه وغمومه , هو المطلب لكل أحد , وبه تحصل الحياة الطيبة , ويتم السرور والإبتهاج وقد ذكر الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه (( زاد المعاد )) أسباباً لشرح الصدور وهي أسباب إذا حققها المسلم فسوف ينشرح بذلك صدره ويجد السعادة التي ينشدها في هذه الدنيا وفي الآخرة بإذن الله تعالى فأعظم أسباب شرح الصدر ما يلي :
أولاً : التوحيد : وعلى حسب كماله , وقوته يكون انشراح صدر صاحبه . قال الله تعالى (( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه )) وقال تعالى (( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعد في السماء )) .
فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر , والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه .
ثانياً : النور الذي يقذفه الله في قلب العبد : وهو نور الإيمان , فإنه يشرح الصدر ويوسّعه , ويفرح القلب . فإذا فُقِد هذا النور من قلب العبد , ضاق وحَرِج , وصار في أضيق سجن وأصعبه . وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (( إذا دخل النور القلب , انفسح وانشرح قالوا : وما علامة ذلك يارسول الله ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور , والاستعداد للموت قبل نزوله )) فيصيب العبد انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور , وكذلك النور الحسي , والظلمة الحسية , هذه تشرح الصدر وهذه تضيقه .
ثالثاً : العلم : فإنه يشرح الصدر , ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا , والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس , فكلما أتسع علم العبد , انشرح صدره واتسع , وليس هذا لكل علم , بل للعلم الموروث عن الرسول عليه الصلاة والسلام (( وهو العلم النافع )) فأهله أشرح الناس صدراً , وأوسعهم قلوباً ، وأحسنهم أخلاقاً , وأطيبهم عيشاً .
رابعاً : الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته : محبته بكل القلب والإقبال عليه , والتنعم بعبادته , فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك . حتى إنه ليقول أحياناً : إن كنت في الجنة في مثل هذه الحالة ( يعني من السعادة التي يحس بها) فإني إذاً في عيش طيب . وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر , وطيب النفس , ونعيم القلب , لا يعرفه إلا من له حس به , وكلما كانت المحبة أقوى ,اشد , كان الصدر أفسح وأشرح , ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن , فرؤيتهم قذى عينه , ومخالفتهم حمّى روحه .
ومن أعظم أسباب ضيق الصدر : الإعراض عن الله تعالى , وتعلق القلب بغيره , والغفلة عن ذكره , ومحبة سواه , فإن من أحب شيئاً غير الله , عُذّب به , وسجن قلبه في محبة ذلك الغير , فما في الأرض أشقى منه , ولا أكسف بالاً , ولا أنكد عيشاً , ولا أتعب قلباً .
فهما محبتان : محبة هي جنة الدنيا , وسرور النفس , ولذة القلب , ونعيم الروح , وغذاؤها , ودواؤها , بل حياتها وقرة عينها , وهي محبة الله وحده بكل القلب , وانجذاب قوى الميل , والإرادة والمحبة كلها إليه .
ومحبة هي عذاب الروح وغمّ النفس , وسجن القلب , وضيق الصدر , وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه .
خامساً : دوام ذكر الله تعالى على كل حال : وفي كل موطن فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر , ونعيم القلب , وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه .
سادساً : الإحسان إلى الخلق : ويكون بنفعهم بما يمكنه من المال , والجاه , والنفع بالبدن , وأنواع الإحسان , فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً , وأطيبهم نفساً , وأنعمهم قلباً .
والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً , وأنكدهم عيشاً , وأعظمهم همّاً وغماً .
وقد ضرب رسول الله عليه الصلاة والسلام مثلاً في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثُديّهما إلى تراقيهما , فأما المنفق , فر ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره , وأما البخيل , فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها فو يوسعها فلا تتسع )) قال الخطابي : (( وهذا مثل ضربه النبي عليه الصلاة والسلام للبخيل والمتصدق , فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما لبس درع يستتر به من سلاح عدوه , فصبها على رأسه ليلبسها , والدرع أول ما يقع على الرأس إلى الثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميهما فجعل المنفق كمن لبس درعاً سابغة , فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه ,
وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه , فكلما أراد لبسها اجتمعت إلى عنقه , فلزقت ترقوته , والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره , وطابت نفسه وتوسعت في الإنفاق , والبخيل إذا حدثها بها , فضاق صدره وانقبضت يداه )) فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق , وانفساح قلبه , ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه .
سابعاً : الشجاعة : فإن الشجاع منشرح الصدر , واسع البطان , مُتسع القلب , والجبان أضيق الناس صدراً وأحصرهم قلباً , لا فرحة له ولا سرور , ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي , وأما سرور الروح , ولذتها , ونعيمها , وابتهاجها , فمحرم على كل جبان , كما هو محرم على كل بخيل , وعلى كل مُعرض عن الله سبحانه غافل عن ذكره , جاهلٍ به وبأسمائه تعالى وصفاته , ودينه , متعلق القلب بغيره .
وإن هذا النعيم والسرور , يصير في القبر رياضاً وجنة , وذلك الضيق والحصر , ينقلب في القبر عذاباً وسجناً . فحال العبد في القبر , كحال القلب في الصدر , نعيماً وعذاباً وسجناً وانطلاقاً , ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض , ولا بضيق صدر هذا لعارض , فإن العوارض تزول أسبابها .
وإنما المعوّل على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه , فهي الميزان والله المستعان .
ثامناً : تطهير القلب من الصفات المذمومة : وهذه الصفات هي التي توجب ضيقه وعذابه , وتحول بينه وبين حصول البُرء , فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره , ولم يُخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه , لم يحظ من انشراح بطائل , وغايته أن يكون له مادتان تعتوِران على قلبه , وهو للمادة الغالبة عليه منهما .
تاسعاً : ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والنوم : فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وغموماً , وهموماً في القلب , تحصره , وتحبسه , وتضيقه , ويتعذب بها , بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها .
فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهم , وما أنكد عيشه , وما أسوأ حاله , وما أشد حصر قلبه , ولا إله إلا الله , ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم , وكانت همته دائرةً عليها , حائمة حولها , فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى (( إن الأبرار لفي نعيم )) ولذاك نصيب وافر من قوله تعالى (( إن الفجار لفي جحيم )) وبينهما مراتب متفاوتة لا يُحصيها إلا الله تبارك وتعالى .
والمقصود : أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر , واتساع القلب , وقُرة العين , وحياة الروح , فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة , وقرة العين مع ما خص به من الشرح الحسي , وأكمل الخلق متابعة له , أكملهم انشراحاً ولذة وقرة عين .
وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره , وقرة عينه , ولذة روحه ما ينال .
فهو صلى الله عليه وسلم في ذروة الكمال من شرح الصدر , ورفع الذكر , ووضع الوزر , ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من إتباعه .
وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم , وعصمته إياهم ودفاعه عنهم , وإعزازه لهم , ونصره لهم , بحسب نصيبهم من المتابعة , فمستقل ومستكثر . فمن وجد خيراً فليحمد الله , ومن وجد غير ذلك , فلا يلومن إلا نفسه .
نسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يشرح صدورنا ويغفر ذنوبنا ويرزقنا ذكره وشكره على الوجه الذي يرضيه عنا وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأن يوفقنا لتباع سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام إنه سميع قريب مجيب .
وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه أخوكم // رامي في 25/1/1428 هـ