عبد الله
د. عواد ألخالدي
وعبد الله هذا.. احلولى له أن يسمي نفسه هكذا . فكلنا عبيد الله .. ولا حول ولا قوة إلا بالله . فعندما تسرق البسمة من الأطفال فليس مهمّا أن يكون سارقها عبد الله أو قبحه الله.. المهم انه لص, وسارق من عشيرة الحرامية وفخذ النكرية ونسيب أرباب السوابق وعديل البلطجية وصديق شريفة شرف الدين شرف الرقاصة ..
عبد الله هذا لم يسلك الدروب الوعرة والمتاهات التي ليس لها نهاية للوصول إلى مآربه وأهدافه، فقد استجمع أفكاره الجهبذية ومرسها وجال بها يمينا وشمالا حتى استقرت فكره على أمر هام لا يخطر ببالنا نحن الفقراء..أصحاب القلوب البيضاء أو الأنصع بياضاً من قلب السمك..
عبد الله هذا، رصد قصر السلطان من بعيد، وذات يوم رأى بأم عينه مولانا المعظم وهو يتطلع إلى النهر من نافذة تطل على الطريق إلى القصر، فراشات ونحل يتراقص حول الزهور يجمع من تويجاتها رحيقا وبلابل تصدح على فنن وهديل لحمامة تنادي قرينها على غصن لشجرة التفاح الخمري..
خلع عبد الله هذا جلبابه وعبر النهر سباحة ثم ارتدى ملابسه وغاب في عريشة العنب الملتفة استمر صاحبنا على حاله لأيام طويلة ، يعبر النهر سباحة بالرغم من وجود جسر من الآجر بالقرب من هذا المكان ..
استغرب مولانا المبجل من حالة هذا الرجل وفي يوم سعده أمر حراسه في استقدامه إلى القصر. أدى عبد الله تحية السلطان بأفضل ما يكون من الانحناءات إلى تقبيل الأيدي يصحبها ترخيم مفتعل لصوته . كيانه يهتز ويداه ترتعشان والكلمات من شدقه تخرج متقطعة بافتعال ليس له نظير. قال السلطان هدئ من روعك واشتمل برداء الأمان يا هذا، لم أطلبك إلا لأستفسر منك ..
خادمك المطيع مولاي المبجل . سأكون عند حسن ظنك بالإجابة قالها عبد الله وهو ينظر شوسا إلى من هم حواليه من الموالي والغلمان . قال السلطان أراك تعبر لنهر جيئة وذهابا حتى أدمنت على الحضور لمشاهدتك.. من الذي يدفعك إلى ذلك وأنت على قرب من الجسر الجميل ذا البناء المدهش؟ قال عبد الله يا سيدي أنا لا أطيق الاقتراب من الحرام ،وحيث إنني لا اعلم من أين جاءت الأموال التي شيد بها هذا الجسر ،فانا أتحاشى من موقع الحيطة فالأحوط أن اسقط في براثن الشك أن يكون في بناء الجسر فلسا واحدا من غير حل.. اندهش مولانا السلطان وبدا عيناه تدوران في محجريهما أحقا يوجد مثل هكذا أمين ؟ وكيف لي أن استعملها حارسا لمولاي أو راعي لولايتي..
قال السلطان. فلماذا تعبر النهر إلى الجهة المقابلة ؟ قال عبد الله لأن لي فيها بستان أقوم على خدمته. فقال السلطان فلما لا تبيعه وتشتري بدلا عنه في هذه الجهة من النهر؟. أجابه عبد الله أن هذا البستان عزيز على قلبي فقد ورثته عن أبي الذي ورثه عن جده. وقد زرعناه نخلة فنخلة وليس منه من الحرام شي فكيف أبيعه؟ ومن بعته فمنن أموال المشتري كلها حلالا؟ وان بعته فمن يضمن أن البستان البديل الذي اشتريه أن لا يكون مغتصبا؟..و .. فقال السلطان بع بيتك وانتقل إلى البستان قال عبد الله يا سيدي أن حال بيتي كحال بستاني. أعزك الله ورفع مقدارك .
قال السلطان وهل ستبقى على هذا الحال؟ . أجاب عبد الله بنعم .نعم حتى يحين اجلي فألاقي ربي مطمئنا .تعجب السلطان لذلك وقال له بإمكانك أن تنصرف . خرج عبد الله مبتهجا ومسرورا من أراد أن يوصله إلى السلطان قد اكتمل وصوله. دارت الأيام والسنين وعبد الله مازال يعبر النهر جيئة وذهاب. أرسل إليه السلطان مرة ثانية وكلها مختلفة قال السلطان أتعلم يا هذا أن خازن أموالي قد وافاه الأجل ولم أجد اصدق منك أو أكثر أمانة لتولي هذه المهمة.تراجع عبد الله وهو ينكس برأسه
منحنيا ومعتذرا لعدم إمكانيته تلبية طلب مولاه، لكن السلطان أصر على رأيه وتمسك به.وهكذا كان ..مرت الأيام وعبد الله يملا جيوبه بما خف حمله وغلا ثمنه ،بدأ ينهب بأموال لسلطان نهباً فتصدى له جلاوزة السلطان ..قال احدهم نحن نعلم بأنك تنهب أموال مولانا.وكذلك كان سابقك.لكن سابقك كان يعطينا حصتنا منها إما أنت فلا.فان لم تفعل اخبرنا مولانا بذلك فقال عبد الله هيهات لقد اطمأن إلي وعرف خيانتكم فليس بمصدق احد منكم.. ارجعوا فقد أفنيت عمري وأنا ارسم لهذه الساعة.
