التهذيب والتثقيف
د. عواد ألخالدي
هما مترادفان لفظيان يتشابهان في الفعل يختلفان في اللفظ, نكثر من استخدام كلا منهما وربما لا نعرف المعنى الحقيقي لهما. فالتهذيب يقصد به إزالة الفروع و الأغصان الزائدة من الشجرة, لكونها ضعيفة أو مريضة أو يابسة أو لإظهار الشجرة بمظهر زخرفي جميل فيقال تهذيب الأشجار. أما العامة فنقول بتشذيبها. أما التثقيف فيستخدم للعصا وهو إزالة ما لحق بها من اعوجا ج وصقلها حتى يلين ملمسها وتكون ناعمة. وتستخدم الكلمة للرمح خاصة. ويقال تثقيف الرمح. والثقافة آلة تثقيف الرمح. وقد شاع استخدام هاتين المفردتين في اللغة حتى قيل إنسان مهذب, أي لا يأتي بفعل غير حسن, وان ما يقوم به من فعل أو قول خال من الشطط,, كما يقال إنسان مثقف أي بارع في الأدب والعلم ويجيد الحديث فيجذب انتباههم بكلامه أو يشد انتباههم بما كتب. ويقال شعر مهذب أي خالص عما يعيبه النقاد. وإنسان مهذب أي طاهر الأخلاق. وأنيط بكل منها معان قريبة فالمهذب تعني المؤدب والوقور الذي يعامل الناس بأخلاق عالية وحميدة. والمثقف إنسان ذو ثقافة وأدب وقادر على إقناع الآخرين برأيه ولديه معلومات واسعة. وكلاهما أي المهذب والمثقف جوهرتان نادرتان يعلو ثمنهما كلما مر عليهما الزمان.
اهتم العرب كباقي الشعوب في العالم بالثقافة وعملوا على رفع شانها وإعطائها أهمية تليق بها لأنها سفيرهم لدى الشعوب الباقية. كان أصحاب الحاجات يذكرون حاجتهم للشعراء فيذكرونها لأصحاب الشأن شعرا ويحصلون على بغيتهم ومناهم. قال احد المذنبين
"هبني أسأت وما أسأت أقر كي يزداد طولك بعد عفوك طولا"
وكان يستعطف الخليفة بالعفو عنه. وقال شوقي وهو يذكر انتسابه إلى الرسول محمد (ص) "أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك غير أن لي انتسابا"
في حين كان الاعتقاد بأنه من أصول تركية. يقول بن خلدون عن الثقافة بان كل ما يقوم به الفرد هو انعكاس لثقافته فكم نحن بحاجة إلى الثقافة الآن لنعكس الصورة الحقيقية للمجتمع العراقي ؟ ولكي لا نغرق في ثقافة العنف التي يعمل الأدعياء على إذكائها ليتمكنوا من إمرار مخططاتهم ومكائدهم. وكم نحتاج من التهذيب لكي نبتر ما اعوج من طباعنا وأخلاقنا.
لم يهنا العراقيون في العصر الحديث بمأكلهم ومشربهم ومجلسهم فمنذ خمسون عاما والصراعات تنخر في جسد هذا الشعب فمن انقلابات عسكرية اهرقت فيها الدماء إلى مؤامرات مزعومة وغير مزعومة شابها التقتيل والتمثيل بالشكل الذي أظهرنا كالجوارح وهي تنهش في جسد الفريسة, لكي تظهر صورة المسلمين سوداء قاتمة, إلى حروب داخلية بين العرب و الأكراد, إلى حروب ومغاز خارجية مع إيران واحتلال الكويت, إلى تجويع متعمد, كل ذلك خلق جيلا يؤمن بالعنف فتعلق به مع وجود لداعمٍ وراعٍ وممّول له. خمسون عاما مرت ونحن نزرع الحقد والكراهية في ضمائر أطفالنا, فكبروا وهم يحملون أفيون العداء يهرعون إلى اقرب وسائل الاقتتال وأشنع وسائل التعذيب وأقذر أدوات الاستشفاء.. التمثيل بالضحايا .. اخترعنا ذبح البسطاء على الهوية فأين أصبح دعاة الدين؟ من أباح لهؤلاء القتل والمثلة؟ أين أصبح علماء الدين ورجالات السياسة وجهابذة العلم؟ هل بإمكانهم القضاء على هذا التطبع من خلال البدء بعملية تهذيب جديدة؟ فقد كثرت الأفرع والأغصان المريضة والتي تشوه المنظر الخلاب للشجرة العراقية المثمرة الوارفة الظلال هل يمكن تثقيف العمود الفقري رغم انه شاخ وتقوس؟ وقد ينكسر هذا العمود أو يضعف ما لم يثقفه خبير بذلك, عالم بترويض النفوس "والنفس كالطفل إن ترضعه شب على حب الرضاع و إن تفطمه ينفطم"
حتى تأنس كل نفس لقرين وصديق وجار. لندوس على الضغينة ونعيد سياسة عائلتنا من جديد
يقول الافوه الاودي "لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم , ولا سراة إذا جهالهم سادوا ,والبيت لا يبتني إلا له عمد, ولا عماد إذا لم ترس أوتاد,فإن تجمع أوتاد وأعمدة يوما, فقد بلغوا الأمر الذي كادوا" . عند ذلك نتمكن من حشد طاقاتنا و يأبى الطامعون من الوقوف على أبواب بيوتنا متربصين ينتهزون الفرصة لنهبها. يقول الشاعر"تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا, وإذا افترقن تكسرت آحادا "
