رجل علم
د. عواد ألخالدي
قال الفضلاء لا يزال احدنا يتعلم, حتى إذا قال علمت فقد جهل. وقال الشاعر
كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علما زادني علما بجهلي.
تصور انك تلتقي صدفة بواحد من أكابر العلماء وتقول له أنا فلان, فيرد عليك أنا لا أعرفك. ألا يكفي هذا انه يجهل شيا وقد ازداد علما لأنه عرفك. أي لان هنالك معلومة جديدة أصبحت لديه وأضيفت إلى معلوماته السابقة. قيل لأحد الفضلاء ما الذّل ؟ قال : وقوف العلماء على أبواب الجهلاء فلا يفتح لهم.
يحدثنا التاريخ إن احد الخلفاء قد خطب الجمعة فقال : قال تعالى" والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءا بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم " فقام احد الإعراب وقال صِحْ يا رجل صِحْ ما هذا كلام الله. ارتعدت فرائص الخليفة ورمقه بنظره شزرا وقال له وكيف عرفت انه ليس بكلام الله؟ قال الإعرابي اعد القول. فأعاده الخليفة كما في قوله الأول قال الإعرابي ما هذا كلام الله. قال الخليفة هل تحفظ القرآن؟ قال الإعرابي: لا .فقال الخليفة: هل أنت مسلم؟ قال الإعرابي: لا. قال الخليفة: فكيف تعرف انه ليس بكلام الله وأنت لست بمسلم ولم تقرا القران؟ قال الإعرابي إذا كان الله غفور رحيم فلماذا يقطع يد السارق؟ انتبه الخليفة مذعورا لان جواب الإعرابي وقع عليه كالصاعقة لان الآية تقول والله عزيز حكيم.فقال الخليفة حتى الأعراب افهم منك يا عمر.
قال صاحبي قبل أن تغرب شمس العام الماضي وتأفل ألجأتني الحاجة لأن اجتمع بأحدهم وبين اخذ ورد وجذب وشد اختلفنا, فما كان منه إلا أن يسبقني بالقول أنا رجل علم. فاندفع الدم في عروقي وتوردت وجنتاي خجلا وأنا أتمتم مع نفسي لقد أمضيت ربع قرن من عمري تلميذا أبكر بالجلوس على كرسي الدراسة, وقاربت هذه المدة وأنا انفح عبقا مما اكتسبته من معارف وعلوم للآخرين وملأت صفحات الجرائد بما يطيب لي أن أقول وجاهدت في البحث حتى كدت أن أنسى عمري ما مضى منه وما بقى واني لأخجل أن أقول أنا رجل علم, وكل ما أقوله أنا طالب علم فشعرت بالذلة لأول مرة في حياتي. الذلة التي تكلم عنها الحكماء والفضلاء. فصدحت في مخيلتي كلمات الشاعر
"ولا أنا ممن يرهب الطير همه أطار غراب أم تأوه ثعلب "
فمازحت صاحبي قائلا
" إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمة المنايا"
فقال صاحبي: لا .. ولكن قل
" إذا ما الجهل خيم في بلاد رأيت أسودها مسخت قرودا"
فمهلا يا من تدعون العلم وبه تسخرون منا نحن البسطاء, أنسيتم أبا العلاء المعري حين قال
" ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل ..... فانبرى له صبيا وقال له يا أبا العلاء إن في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفا فما أضفت إليها ؟.
