في حديث خاص بـ(أخبار النقب) من غزة
الشيخ محمود أبو ستة يؤكد على حقه بالعودة لربوع النقب
غزة / حوار- رائد أبو ستة
بالرغم من أنه في منتصف العقد السابع من عمره إلا أنه يشارك ويتواجد في الفعاليات والتظاهرات المطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وقراهم التي هجروا منها عام 1948م، بل ويلقي فيها الكلمات المؤكدة على تمسك اللاجئين بحقهم الشرعي في العودة والتعويض.
إنه الشيخ محمود أحمد أبو ستة المولود في "خربة معين أبو ستة" قضاء بئر السبع عام 1928م – منسق علاقات مخاتير ووجهاء اللاجئين في مخيمات غزة، وعضو لجنة الدفاع عن حق العودة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
إلتقت (أخبار النقب) الشيخ أبو ستة في غزة -عقب مشاركته في فعالية وطنية فلسطينية احتجاجاً على جدار الفصل العنصري الذي تشيّده حكومة شارون حول الأراضي الفلسطينية المحتلة - لتخرج بهذا اللقاء الذي يتراوح ما بين الشهادة والموقف الوطني.
يبدأ أبو ستة حديثه من ديار اللجوء في غزة ويقول "لا حل ولا تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدون تطبيق القرار 194 الذي ينص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وأرضهم الأصلية وتعويضهم عن الأضرار الناجمة عن تهجيرهم لسنوات".
النشأة والعمل
يرجع نسب الشيخ أبو ستة إلى قبيلة الترابين الفلسطينية التي كانت تعيش قبل الهجرة في غرب مدينة بئر السبع في النقب الفلسطيني، ويتذكر الشيخ تلك الحقبة الجميلة كما يصفها ويقول"وُلدت في خربة معين أبو ستة الممتدة من أرض عشيرتي العمور وأبو مغيصيب شمالاً إلى قرية خزاعة جنوباً، ومن مرقد الولي الصالح نوران شرقاً حتى قرية عبسان غرباً. وفي مدرسة معين أبو ستة التي بناها الشيخ حسين أبو ستة رحمه الله تلقيت تعليمي وهي من أوائل مدارس النقب".
ويواصل الشيخ حديثه ويقول: "أذكر مدرسة الخربة جيداً، فقد كنت من أوائل الطلبة الذين التحقوا بها وكان يديرها الأستاذ توفيق الحليمي المدرس الأول فيها، ثم لحق به الأستاذ الشيخ محمد أبو ليه، الذي جاء من قرية (برير) في شمال النقب، وهو لا يزال على قيد الحياة ويعيش الآن في دير البلح وسط القطاع. وبعد أن أنهيت دراستي في هذه المدرسة التحقت بهيئة التدريس فيها مبكراً".
ويضيف: "أذكر أن تاريخ تعييني كان في 1-1-1946 وبعد ذلك تنقلت في عدة مداس مجاورة في النقب، فبعد مدرسة أبو ستة انتقلت إلى مدرسة الجمامة وهي مدرسة لدى عشيرة العطاونة، وكانت بالقرب من مستوطنة روحاما وهي من أقدم المستعمرات اليهودية في النقب. وفي عام 1947 عندما بدأت المناوشات بين عصابات الصهاينة والثوار الفلسطينيين انتقلت إلى مدرسة عرعرة وهي منطقة تسكنها عشيرة الظلام بمشيخة الحاج علي أبو قرينات، وهي تقع على بعد 30 كم شرق بئر السبع".
ويواصل الشيخ أبو ستة حديثه بتواتر متصل يدل على ذاكرة قوية تحفظ الكثير من التفاصيل عن ديارٍ خبرتها ويقول: "بعد أن سقطت مدينة بئر السبع عروس النقب وعاصمتها كنت أنا وزميلي د. سليمان أبو ستة الذي كان فيها طالباً في المدرسة الثانوية الداخلية لأبناء العشائر والأستاذ هزاع أبو ستة رحمه الله الذي كان معلماً في مدرسة عشيرة أبو يحيى، كنا ثلاثتنا آخر من خرج من المدينة، وعدنا إلى مسقط رأسنا في قرية أبو ستة". ويكمل: "التحقنا بالمقاومين الذين كانوا يستعدون لمواجهة الصهاينة بقيادة الشهيد الشيخ عبد الله أبو ستة (أبو ماجد) أحد قادة ثورة 1936 من أبناء النقب".
سقوط الخربة
خربة معين أبو ستة من آخر أراضي النقب التي سقطت في أيدي الصهاينة الذين هجّروا أهلها من المواطنين العرب البدو عام 1948م. وعن ذلك قال الشيخ: "أغار الصهاينة على معين أبو ستة ثلاث مرات على فترات، وفي كل مرة تصدى لهم المقاتلون من أبناء العشيرة ومن حولها من العشائر والقرى ومقاتلون من جماعة الأخوان المسلمين الذين تمركزوا في محيط المنطقة، كما جاءت قوات من الجيش المصري بقيادة القائد العسكري أحمد عبد العزيز الذي كانت قواته متمركزة في خان يونس غرباً، وفي كل مرة من الغارات الثلاث تكبد الصهاينة الخسائر في الأفراد والعتاد".
المقاومة الفلسطينية ومن ساندها من قوات مصرية وجماعة الأخوان المسلمين للأسف لم تكن تكفي لصد الجولة الرابعة للإغارة الصهيونية. يعود الشيخ وبنبرة فيها حسرة ويقول: "في الجولة الأخيرة من الغارات كان حجم القوات الصهيونية كبير ومسلحة بعتاد ضخم، فقد كانوا يسيرون في أرتال من العربات المدرعة والدبابات المصفحة في هجوم شامل علي المنطقة بعرض 10 كيلو متر مربع، واشتبكوا في هذه الجولة مع الجيش المصري المتمركز من مقام الولي نوران، وألحقوا للأسف به هزيمة نكراء. في هذه الأثناء كان يتمركز مقاتلو أبناء العشائر البدوية في الوديان وصمدوا في معركة بطولية ليوم كامل منعوا فيه جنود الجيش الصهيوني من النزول من الدبابات إلى الأرض"، ويضيف: "في هذه المعركة استشهد الشيخ محمد أبو ستة. وبعد انسحاب المقاتلين وتقهقرهم ناحية الغرب بعد استحكام القوات الصهيونية الكبيرة في المنطقة عاثت تلك القوات الغازية الخراب والدمار، فقد نسفوا منازل المواطنين والمدرسة الوحيدة وأحرقوا الزرع بعد أن هرب المواطنون خوفاً من بطش الصهاينة الذين كانوا يقتلون كل من يجدوه في أي قرية أو بلدة فلسطينية يدخلونها".
اليوم، يعيش معظم اللاجئين من أبناء النقب في مخيمات غزة من مخيم جباليا شمالا إلى رفح جنوباً. وعن هؤلاء قال الشيخ: "هاجر أبناء عشيرتي ومن جاورها من عشائر النقب إلى غزة وتشتتوا في مختلف مخيمات اللجوء بغزة، ومعظم هؤلاء ينتمون إلى قبيلة الترابين وهم يتمركزون الآن جنوب غزة في خان يونس ورفح وعدد قليل من قبيلة التياها مثل عائلات أبو ثابت والعطاونة وأبو شارب والدقس وهم في وسط وشمال القطاع، وعدد آخر من قبيلة الجبارات وقبيلة السواركة الذين رحلوا من وادي الحسا شمال الجمامة على طريق الفالوجة بئر السبع، ويسكن معظمهم مخيم جباليا إضافةً لعدد من أبناء عرب الحناجرة مثل عشيرة الظواهرة والقطشان".
وثيقة جنيف
ومن وصف المهاجرين من أبناء قبائل النقب إلى الموقف السياسي مما سمي بوثيقة جنيف، والتي وقعت مؤخراً في سويسرا، ينتقل سير حديثنا مع الشيخ الذي علق على هذه الوثيقة "وثيقة فارغة ومشبوهة، ولقد أكد اللاجئون في جميع أماكن تواجدهم في الوطن والشتات رفضهم لها واستنكارهم الشديد لمشاركة فلسطينيين في التوقيع عليها، ونحن أبناء النقب اللاجئون نرفض مثل هذه الوثيقة التي تفرط في حقنا الشرعي الذي ينص عليه القرار الدولي (194) في العودة، ولن تثنينا مواصلة نضالنا مثل تلك الوثائق الهزيلة".
تجمع شعبي
أما عن آخر نشاطات اللاجئين فقال "نحن في غزة الآن بصدد تشكيل إطار يسمى (التجمع الشعبي الفلسطيني) يضم اللجان الشعبية للاجئين وجمعيات القرى والمدن الفلسطينية وممثلين عن الاتحادات والنقابات الوطنية وأي هيئات ومراكز وشخصيات تهتم بالدفاع عن حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين"، وأضاف: "على العموم المشروع الآن في طور النقاش من قبل اللجنة التحضيرية للتجمع التي تضم 35 شخصية فلسطينية مختصة ومهتمة بالمشروع، وأنا عضو في هذه اللجنة ". وأشار أبو ستة إلى أن أحد أسباب تشكيل هذا التجمع هو مواجهة المشاريع المشبوهة التي تتداول للالتفاف على حق اللاجئين الفلسطينيين.
بدو النقب
نشاط الشيخ لم يقتصر داخل حدود الوطن؛ فقد تلقى العام الماضي دعوة من قبل مركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وحول تلك الزيارة قال "ندوة عقدها الدكتور والباحث جاد طه أستاذ التاريخ وعميد كلية الآداب سابقاً في جامعة عين شمس المصرية والتي كانت بعنوان (بدو النقب متحف للحياة البدوية وسط مجتمع حديث) وبعد المحاضرة قدمت مداخلة استعرضت فيها القبائل العربية التي كانت تعيش في النقب الفلسطيني وأصول تلك القبائل التي يعود معظمها الى الجزيرة العربية".
لقاء كيسينجر
لا يدخر أبو ستة جهداً أو فرصة ولا يستغلها لزيارة ديار أهله وعشيرته في خربة معين أبو ستة قضاء بئر السبع حيث ولد ولعب وتعلم في أحضانها، ولكنه في مرة كان يزور فيها تلك الديار التي أقام فيها المستوطنون بعض الكيبوتسات تصادف وجوده مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كيسينجر الذي كان في زيارة سياحية للمنطقة. يتذكر أبو ستة ذلك اللقاء الفريد ويقول "قبل الانتفاضة الأولى كنت في زيارة لأرضنا في الخربة وبالتحديد أمام هرابتنا- (الهراب هي مخازن تعود للعهد الروماني وهي منتشرة في تلك المنطقة وكان يستغلها الأهالي في تخزين الحبوب أو لتجميع مياه الأمطار أي استغلالها كبئر) على حد قول الشيخ – على هذه الهرابة بنى الصهاينة كنيساً ووضعوا حوله الفسيفساء ليزوّروا التاريخ ويدعوا أمام السياح الذين يوجهونهم لزيارة تلك المنطقة، بأن لهم تواجد تاريخي في هذه المنطقة"!.
يكمل أبو ستة روايته عن ذلك اللقاء ويقول "أمام الهرابه (الكنيس) اقترب مني كسنجر وطلب مني الحطة والعقال الذين كنت أرتديهما وذلك لرغبته في أخذ صورة فوتوغرافية له وهو يرتديهما في تلك المنطقة، -التي شعرت بعد حديث قصير لي معه أكدت له فيه أنني ابن هذه الديار العربية الكنعانية- أنه يعرف طبيعتنا البدوية الأصلية بالرغم من كل التغيير الذي طرأ من قبل المستوطنين".
إصرار على العودة
يقول أبو ستة "كم هو غال الوطن وكم هو قاس اجتثاث الإنسان من حضن أرضه وداره". بهذه الكلمات المعبرة اختار الشيخ محمود أحمد أبو ستة أن ينهي حديثه لـ"أخبار النقب" في إشارة منه لإصرار اللاجيء الفلسطيني على العودة للديار الفلسطينية مهما طال الزمن وتكالبت المؤامرات.
منقول لفائدة