بركات
انطلقتُ آخر الليل بسيارتي مسرعاً لأسعف ذلك الصديق الذي استنجد بي ، فوجدته
في قمة الألم والتوجع ، يصيح من مرض ألم به .
حملته ولا أدري كيف حملته ( آه يا ظهري ) ، ذهبت به إلى أحد المستشفيات
الخاصة القريبة ، التي باشرته بالمسكنات والمغذيات ،
طبعاً بعد مرحلة سريعة من الفحوصات .
ولكن هيهات هيهات أن تجدي تلك المحاولات .
أشارت الساعة إلى الثانية والنصف بعد منتصف الليل والحال هي الحال ،
فقال الطبيب : لا بد من نقله بالإسعاف وبمرافقة إحدى الممرضات لمزيد من العناية
إلى أحد المستشفيات العامة ، وعليك الآن بدفع المصروفات .
فقلت سمعًا وطاعة . فأشار إلى من حوله أن اصعدوا ونبهوا من النوم بركات.
( بركات : بطل القصة ـ وما رأينا منه المسرات ، خاصة في البدايات ـ رجل من الصعيد
حديث عهد بالمملكة ، آتاه الله بسطة في الجسم وقوة في العضلات ،
ولنا على عقله بعض الملاحظات ) .
نزل بركات مسرعًا ملبيًا للنداءات متوجهًا إلى إسعافه ـ الذي يعود إلى الثمانينات ـ وهو
لا يكلم أحدًا . اتجهتُ أنا إلى الطبيب مباشرة لأخبره بوصول السيد بركات .
حملنا المريض وخرجنا به خارج المستشفى ليذهب مع بركات ، ولكننا لم نجد بركات ،
اختفى هو وإسعافه .
فقال الطبيب : من المؤكد أن الوقود قليل وذهب ليزيد الإسعاف وقودًا وسيرجع حالاً .
قلت له : بل ذهب إلى المستشفى ليزيدكم خسارة ويزيدنا تأخرًا .
عرضت على الطبيب أن أنقله بسيارتي فرفض وأصر على نقله بالإسعاف لخطورة الحالة .
لا أخفيكم أنني مع ما أشعر به من شفقة على صديقي المريض
إلا أنني كنت أضحك في نفسي من تصرفات بركات .
لقد استقل بركات إسعافه القديم ، وبدأ يشق الطرقات نحو المستشفى العام
الذي لا يعرف غيره ، وحين وصل إلى هناك فتح الباب فاكتشف الحقيقة المُرَّة
التي أضحكتْ من استقبله هناك وأقلقتنا نحن " أين مريضك يا بركات ؟! "
عاد أدراجه إلينا ونحن ننتظره بشوق ،
ثم أخذ مريضه وعاد به إلى المستشفى "
لم ينطلق هذه المرة إلا بعد أن تأكد من وجود المريض في الإسعاف " .
سرت خلفه بسيارتي بعد أن أخبرني الطبيب بأن ورقة التحويل مع بركات .
ولكننا حين وصلنا هذه المرة اكتشفنا حقيقة أخرى مُرَّة ،
وهي أن التحويل الذي مع بركات ليس إلى هذا المستشفى ،
بل إلى مستشفى آخر ( أنت لا تقرأ يابركات !!) .
المهم : انطلق بنا بركات ـ وصاحبنا حيّ ما مات ـ إلى المستشفى المقصود
في وسط أصوات الأنـَّات والآهات . وحين وصلنا إلى هناك " الطوارئ " ـ لا تسأل
كم الساعة الآن ـ وجدنا شبابًا
قلتُ فيهم
أبياتـًا متواضعة منها :
هيا بنا نتبلتث
شبــــــابًا في العشرينـــاتْ *** يلبسْ أكثـرهم جـنــــــــــزاتْ
والشَّعْـــر بأحـــدثْ قصّـاتْ *** على ما قالــوا صـــرْعـــــاتْ
موجــــودة في المجـــــلاتْ *** والبـــــــاقي في القنــــــــواتْ
عليــهـم بعض الحــاجــــاتْ *** يعني ضِحْــكــات وحــركـــاتْ
لا أولاد ولا بنـــــــــــــــــاتْ *** لا والله أشـْــــــــوَى البنـــــاتْ
حالـــــة من بين الحــــالاتْ *** يا ســــــاترْ من ها لأوقـــــاتْ
وبأيـديـهــــم جــــــــــوّالاتْ *** جــــــــوالات بكاميـــــــــراتْ
من أحـــــدث الموديــــلاتْ *** والظـــــاهر فيهـــا لمبـــــــاتْ
أحْــــــدٍ يرســل بلوتـوثـــاتْ *** وأحْــــدٍ يسمع لـــه نغمـــــاتْ
خـــذ وهــات وخـــذ وهــاتْ *** حتــــى نـــــــاداهم بركــــــاتْ
ليلتهـــا فهـــــد ما بــــــــاتْ *** فهــــــد مطـــــر كيــف يبـــاتْ
تــــرى هــذي مداعبــــــات *** بيتين وعشْـــــــــــرة أبيـــــاتْ