السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
أنين الأخلاق
كرّم الله الإنسان على سائر المخلوقات بالعقل والحِكمة والتدبّر والتأمّل والتفكر، فوصل إلى اعلى درجات العلم واستطاع أن يهبط على سطح القمر وأن يغوص في أعماق البحار ويكتشف الذرة. وبالرغم من ذلك، لم يعرف هذا الإنسان قيمته الحقيقية، فهو لا يزال تافها وضئيلا في نفسه حينما يختار الشر طريقاً له بدلاً من الخير، فيضل نفسه بنفسه، ويكون عاجزاً أمام رغباته وأفعاله وأقواله، ويضعف في أن يسخّر أفكاره ويوجه تصرفاته إلى كل ما فيه خير، مع علمه بأن الخير هو الأصل في خلق البشر.
صحيح أن السلوكيات غير السوية وُجدت منذ خلق الله الإنسان، فالقتل والكذب والخيانة والنفاق والحسد والحقد والفساد والمكر والخداع والضغينة والأنانية والطمع والغِل والكره وغيرها، سلوكيات كانت متداولة وما زالت، إلا أن جميع التشريعات السماوية حددت مساوئها وتوعدت فاعلها بالعذاب.. وأول معصية حدثت في الكون كانت بسبب الحسد والكِبر، وذلك عندما رفض إبليس السجود لآدم كما أمره الله.
ولو تحدثنا هنا عن بعض هذه السلوكيات، سنجد أن الغضب، وما أدراك ما الغضب، فهو مفتاح لكل شر والمعاصي كلها تتولد من الغضب، وأن بتركه والبعد عنه نغلق باباً من أبواب العصيان. فالإنسان عندما يغضب يشوش على قلبه وذهنه، ويمنعه ذلك من كمال الفهم، ويحول بينه واستيفاء النظر، وتتعثر ألفاظه وتتغير ملامحه ويفقد صوابه ويتهجم ويجرح ويوبخ وينطلق لسانه بفحش الكلام، وقد يصل في بعض الاحيان إلى حد الضرب لمن أمامه ويؤذي نفسه فيلطم وجهه أو يضرب ويكسر أي شيء تطوله يداه، حتى لو كان جماداً أو حيواناً، عدا أنه يضر صحته فيرتفع ضغط الدم لديه وقد يصاب بالامراض النفسية والبدنية مثل السكري والذبحة الصدرية، وفي النهاية لا يجني الشخص الغاضب إلاّ الندم الذي يجعله يفكر كيف يصلح ما أفسده، لأن أي سلوك لهذا الغاضب لا يمكن أن يوافق عليه هو نفسه إذا ذهب عنه الغضب، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان».. والقرآن الكريم يصور الغضب قوة شيطانية تقهر الإنسان وتدفعه إلى أفعال ما كان يأتيها لو لم يكن غاضباً، فسيدنا موسى.. ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه.. فلما ذهب عنه الغضب، اخذ الألواح..
وليس معنى هذا ألا يغضب الإنسان أبداً، لأن الغضب ظاهرة طبيعية وصحية، لكن علينا أن نفرق بينه وبين العدوانية، فكثير منا لا يحسن الغضب إن غضب، فنحن لم نعلّم أنفسنا ولا أبناءنا كيف نغضب، ولماذا نغضب، وكيف نتمكن من الحد من الاندفاع، وكيف ندرّب أنفسنا على الهدوء لكي نستعيد زمام السيطرة على آلية أدمغتنا لنتمكن من التفكير بطريقة عقلانية قبل أن تتفاقم الأمور.. فتجنب الغضب يحتاج إلى ضبط النفس مع إيمان قوي بالله.. ويمتدح الرسول صلى الله عليه سلم هذا السلوك في حديثه.. ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.. علينا بمعالجه أنفسنا وتطهيرها من هذه الآفة، وأن نحسم شعلة الغضب قدر الإمكان، وان نعالجها بالتفكير السليم، وان نتذكر فضل الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والعفو يكون عند المقدرة على أن ننتبه بألاّ يكون تجنب الغضب بتناول المهدئات لأن تأثيرها يأتي بتكرار تناولها، ولا يستطيع متعاطي المهدئات أن يتخلص منها بسهولة، ولأن الغضب يغيّر السلوك، فإن العلاج يكون بتغيير سلوك الإنسان في مواجهة المشكلات اليومية، فيتحول الغضب إلى هدوء واتزان، وعلينا أن نحرص على الثواب والأجر ونبتعد عن التشفي والانتقام ليخمد غيظنا وأن نخاف على أنفسنا من عقاب الله، فقدرة الله اعظم من قدرتنا على من أمامنا، ولو سلّطنا غضبنا عليه لن نأمن بأن ننال غضب الله يوم القيامة في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى عفو الله.
.......أنين الأخلاق.......
ثبت علمياً أن الإنسان الذي اعتاد على الغضب يزيد عنده ضغط الدم عن معدله الطبيعى، حيث إن قلبه يضطر إلى أن يدفع كمية من الدماء الزائدة عن المعتاد، كما ان شرايينه الدقيقة تتصلب جدرانها وتفقد مرونتها وقدرتها على الاتساع لكي تسمح بسريان تلك الكمية من الدماء الزائدة التي يضخها هذا القلب المنفعل، ولهذا يصاب بارتفاع الضغط، هذا بخلاف الآثار النفسية والاجتماعية التي تنجم عن الغضب
[ أعقل الناس اعذرهم للناس ]
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
\
قال ابن القيّم " أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن من رافق الراحة
فارق الراحة وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة فبقدر التعب تكون الراحة "
/
الدنيا مزرعة الآخرة
[ لنحسن الزرع إذاً ]