والدي
والدي كان فلاحا في ارضه
يعشق المحراث والبذور
يغرس التين والزيتون
ويعلمها كيف تمتد البذور
يشق طريقه بكد ساعد
وامام فأسه تذوب الصخور
كان حدادا ببأسه
بنى لبراعم الاجيال الجسور
كان يأبى العيش بذل
ويتجاوز سفاسف الامور
يابى ان يحني قوامه
الا في تهجد لرب غفور
ناره توقد في ظلمة ليل
وغداء ضيفه لحم جزور
والدي لم يكن أهل علم
لكنه علمنا من الشعر البحور
دون التاريخ في ذاته
بدمه على الواح من صخور
لم يكن يوما سائس خيل
فأورثنا من الخيل اصايل المهور
طيفه يملأ بوادي أرضنا
فتتوارى الخفافيش في الجحور
وصدى صوته يهدهد في شعابها
فتتنحى عن مسارها اسراب النسور
ترتعد له فرائص أهل النفاق
كمن مسه صرع يهوي ويدور
له هيبة الاسود في أدغالها
زمجرته تضيق منها الصدور
أثار قدمه ما زالت في أرضنا
يتفجر منها ماء زمهرير طهور
وقفت له اجلالا واكراما
هامات النخيل ومروج الزهور
تمايلت أغصان الزيتون لصوته طربا
وجادت ارضنا برائحة البخور
وغردت حمائم ارضنا على ايكها لحنا
يبقى خالدا على مر الدهور
شيد الخيمة في ارضنا بعزة
ففاقت بصلابتها شواهق القصور
والدي لقد مات جسدا وروحه لم تمت
بل محمولة على اكتاف الصقور
ينظر من عل بعين الراعي الينا
ونحن في افلاك وأطوار ندور
لقد نسينا شق محراث في ارض
ودعابة الايدي بمس البذور
ونسينا نبني لنا حصنا
يدرأ عنا ضاريات النمور
ونسينا كيف نخرج من اصلابنا نسلا
يزرع الخير ويقتلع الشرور
ونسينا كيف نلثم نزف جرحا
ونقيم الصرح بين انقاض الجدور
ونسينا كيف نعيد امجادا تلاشت
وتاريخ قد طوته ملفات العصور