بسم الله الرحمن الرحيم
البعيد عن المشهد العراقي وتداعياته ومآسيه قد لا يصدق كمّ ُ المعاناة التي تحفل بها ساحة الأسرة العراقية بكافة مكوناتها ، وقد يجد أنها مسلسل تشكي لا ينقطع.كما يأنف المنغمسون في ملذات الدنيا سماع قصص الدم التي أطرت هذا المشهد بل قد يتقززون منها كي لا تشوه حياتهم الوردية مآسي الغير أو بحجة أن منظمات وإنسانية ودولية عجزت عن أيجاد الحل لها.
مأساة.. ولكن بلون آخر!
(أم هيثم) واحدة من النسوة اللاتي أََلِفنَ تداعيات مسلسل الحروب التي خاضها العراق منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي فذاقت انعكاساتها ومازالت حتى وقتنا الحالي كواحدة من العراقيات ممن تركت آثار الحروب السلبية بصمات بؤس واضحة ، لم تشأ هذه المرأة أن تتحدث بشكل مباشر وتركت لنا خيار سرد قصتها بل مآسيها والتي عرفناها من خلالها للإعلام لينقل للعالم حقيقة (المحتل المحرر) أو ليبشر الدول التي تتوقع من الأمريكي الغاصب فرجا بغزو منظم أو تدخل سافر في الشؤون الداخلية أو إزالة حكام والمجيء بأدوات صنعوها في حاضناتهم خارج الحدود، أن تبشر هؤلاء بأن قدم المحتل إذا ما وطأت أرضا أشاعات بها الخراب وأحالت أهلها عبيدا لمن يرضى أن يكون عبدا ذليلا ، وقمعت رجالا اختاروا طريق الموت لتحرير الأرض.
لم تلك (الفتاة) التي غادرت منتصف السبعينيات مدينتها هيت (أحدى مدن محافظة الانبار) غرب العراق صوب بيت الزوجية في بغداد واعدة النفس بعيش رغيد ، لم تك تتوقع أن يدور بها فلك الزمان لتعد من جديد إلى المدينة الصغيرة التي غادرت مع عريسها لتعود مع أسرة كونتها في بغداد لتفقدهم واحدا تلو الآخر.
سارت أمور العائلة قبل الاحتلال الأمريكي للعراق بشكل وئيد لكنها لم تتوقف اعتمادا على الراتب التقاعدي الذي ورثه الزوج من وظيفة كانت له في العاصمة والذي بالكاد يسد الرمق ومع تدبير شديد استطاعت الزوجة أن تجعل الضيف الذي يحل في دارها يشعر أنه حل في بيت مترف متعفف وحكمة جعلت من هذه المرأة مثار إعجاب من حولها.
بين اعتقال الابن ووفاة الأب:
ودخل الاحتلال البغيض أرض العراق وارتبكت أمور العباد ليتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي لمئات الألوف من العائلات العراقية، وعائلة (أم هيثم) واحدة منها فانخرط الابن الكبير في صفوف المقاومة الوطنية في (هيت) وقاتل جنود الاحتلال ثم مالبث أن اعتقلته قوات الغزو في صيف عام 2003 ليودع سجن (بوكا) سيئ الصيت في محافظة البصرة جنوب العراق.
وتفاخرت الأم بأن أبنها اعتقل لأنه من المقاومة وأنه رفع رأسها بين نسوة المدينة كما كان الأب يتلقى من الأهالي عبارات الإعجاب بالابن (أبو الغيرة، النشمي، البطل، الشهم) وهي عبارات عامية يتداولها الناس في المدينة للتفاخر بالأبناء، فامتدحت الابن الذي قاتل المحتل فسجل اسمه في سجل المقاومين للاحتلال من أبناء هيت.
ولم تك الأشهر الأولى تمضي على اعتقال الابن الأكبر حتى فارق الأب الحياة بشكل مفاجئ وترك الأم تغوص في بحر الهموم بضياع السند والأنيس في بيت خلا بعده إلا من ابن معاق ذهنيا وأخر مصاب بتخلف عقلي وثالث بات بعيدا في دهاليز المعتقل الأمريكي.وعاد الابن بعد إطلاق سراحه بعدة شهور ليجد بيت خلا من صوت الأب الذي رحل، وليجد أما اتشحت بالسواد وأصوات أناس بين مهنئ بالإفراج وآخر معزٍ بفقد الأب ورفاق درب جاءوا مساندين له.
شرطة.. مليشيات.. عون للمحتل:
لم تثن (هيثم) أشهر الاعتقال القاسية عن معاودة طريق المقاومة من جديد وتنقل الابن الجريء بين مدن الانبار هيت –حديثة- الرمادي –الفلوجة مقاتلا كما وقرر أن يتخذ في بغداد عملا كي يكون بعيدا عن الأمريكان وعيونهم في مدينته هيت معينا لعائلته على مصاعب الحياة بما لا يثنيه عن متابعة درب المقاومة واستمر الأمر على هذا المنوال لعدة شهور، لكن عيوناًَ أخرى عميلة للمحتل وأعوانه في السلطة كانت تتربص به حيث مكان العمل الذي يدير في بغداد فطوقت مليشيات بلباس الشرطة مقر عمله في مطعم يديره في منطقة (الصرّافية) بجانب الكرخ من بغداد في إحدى الليالي واقتادته وثلاثة ممن كانوا معه في سيارة أمنية حكومية ليعثروا على جثثهم في اليوم التالي ملقاة في دائرة الطب العدلي في بغداد بعد أن انتشلت من إحدى مناطق القتل الطائفي شرق بغداد.
تظاهرت الأم بالصلابة والجلد والصبر ولم تبدي جزعا... إنها تعرف أن فلذة الكبد الذي غادرها رحل إلى حيث خالقه تاركا زوجة بعد شهور قلائل من زواجه ورغم الابتلاء العظيم إلا أن من يدخل بيت هذه المرأة الآن يجدها وقد تسامت فوق جراحها لتستقبل الضيف، والجار وتتفاخر بابن قاتَلَ المحتل ببسالة الأبطال فذاق مرارة الاعتقال وجاهد الجهادين الأكبر والأصغر ليذهب إلى ربه شهيدا فداءا وطن سطر له الأبطال مآثر تبقى مثار فخر.
معاقون.. لمسة حنان.. ومطاولة:
وتستمر الأم في توزيع حنانها بإيثار قل نظيره مع فصل جديد من فصول حنانها لمن تبقى لديها من أبناء وهم أحوج إليها الآن من أي وقت مضى... حنان لأبنها الأوسط الذي أصبح الابن الأكبر الآن بعد غياب أخيه وهو مصاب بتخلف ذهني عن أقرانه لكنه يملك حسا مرهفا وحياء ونظافة بدن تبعده عن المقارنة بالمعتوهين وهو من قارب الثلاثين من العمر أحس به الآخرون المحيطون به لأول وهلة من حرقة البكاء بعفوية ظاهرة على الأب الذي فارق، وأكثر منها نحيبا بعد بضعة أشهر على شقيقه الأكبر الشهيد الذي رحل لتنفرط حبات الحنان من العقد واحدة تلو الأخرى.
وولد آخر أصغر منه مصابٌ بعوق ذهني كامل لا يقوى على التمييز أو إعانة نفسه في طعام أو مأكل أو لباس أو حتى في (دورة المياه) ليجد المعين في كل هذه الأمور من الأم ولا أحد غيرها.لم تفت هذه الأمور جميعا في عضدها فطاولتها ولم تنثها عن معاودة رسالتها في الحياة متكئة على ما تبقى لها من الراتب التقاعدي الذي تركه الزوج رغم ضآلته وبتدبير شديد ، لكنها ما زالت تستقبل الضيف كما كانت وتعيد مع كل صباح ترتيب أوراق يومياتها بغير الشكل الذي اعتادت عليه بغياب رب الأسرة والابن الأكبر الذان غادراها حيث الرفيق الأعلى مؤمنة بإرادة الله وبقضائه وأبقوا وراءهم أرواحا ترفرف وصرخات وضحكات تتعالى ترد صداها جدران الدار.
هذه واحدة من سلسلة ما تعانية المرأة على أرض الرافدين من وعود لمحتل حولنا إلى متسولين في بقاع الأرض وإن كنا مالئي الجيوب أموالا وظلم ولاة أمور لم يحرك فيهم وازع ديني ولا وطني مراعاة هذه الشريحة المدمَّـرة من المجتمع أو ذلك النصف الذي بدونه لا نكون وإن كنّا فلا نستقيم.. وليسهموا في ضياع شباب هم عماد البلاد ليتركن ورآهم أمهات يستعن بصبر الله على ما حل بهن وأخريات ينتحبن بأبيات شعر الجواهري الذي نعى الشهداء بابيات فقال:
قالوا الشهيد ، فقلتُ ويحَ ثواكلٍ بوحيدهنَ
حُملّنَهُ تسعاً ، وخِطنَ عليه حُمر جلودهنَ
حتى إذا ما ردّت الآمال بعض شرودهنَ
أوجدنَهُ وفدينهُ خوفَ الردى بنفوسهــــنَ
واليوم جيرةَ لحدهِ يحفرنَ سودَ لحودِهـنَ
(منقول )