من حديث المزعجات !
الكلام اليوم في حديث المزعجات ، وأنا أحب قبل أن أبدأ الحديث أن أخبركم بسر من أسرار المهنة ، هو أن الحديث العلمي الذي أتعب في إعداده وأنفق فيه الساعات الطويلة لا يلقى من التشجيع والرضا عُشر ما يلقاه حديث كحديث اليوم الذي أكتبه في ساعة واحدة بلا كد ولا تعب ، فهل معنى هذا أن أكثر السامعين والسامعات من غير العلماء والمثقفين ، أم أن الناس ( حتى العلماء منهم والمثقفين ) لا ينتظرون من الإذاعة إلا أمثال هذه الأحاديث السهلة القريبة ؟
ولكن مالي وما لهذا الكلام ، وأنا الرابح على كل حال ؟!
{ الشيخ ذكر عشر مزعجات اخترت لكم ثلاثاً منها}
والخامس :
هذا الذي يكون في مجلس فيه سبعة أو ثمانية من الناس ، فيستلم وحده الحديث من بابه إلى محرابه ، لا يدع لأحد فرجة بين جملتين يمد منها لسانه بكلمة ولا يبالي أملّ الحاضرون أم تعبوا ، أم طلعت أرواحهم من حديثه البارد الذي يكون له أول ولا يكون له آخر ، كأن القوم قد دعوا إلى محاضرة ، على أن المحاضرة لها موضوع معروف ومدة معينة ، وهذه محاضرة ليس لها مدة ولا موضوع ، وأفظع من ذلك أن يكون هذا الحديث في مدح نفسه وتقريظها ، وأفظع منه أن يكون كذباً لا أصل له !
والثامن :
المرأة النظيفة المدبرة ربّة المنزل المثالية ، التي لا يخطر على بالها تنظيف السجاد وجمع ست بنات لضربها بالعصي إلا السطح قبل أن تطلع الشمس ، فلا تحس وأنت نائم بعد الصلاة إلا ست عصي قد نزلت خبطاً على رأسك في أوركسترا همجية وحشية توقظ الأموات فضلاً عن النائمين !
ومثلها الرجل النظيف المهذب الذي لا يستطيع أن يتحمل الوسخ في فمه ولا في أذنه ، ولا أن ينتظر حتى ينفرد بنفسه ، فلا تزال إصبعه تدور في أنفه وفي أذنه وهو في المجلس الحافل ، ينكش أسنانه بعوده ، وربما فعل أشنع من ذلك فنكشها بظفره ثم مسحه بالمقعد ، أو أخذ جريدة أو ورقة وطواها ونظّف أسنانه بطرفها !!!!
والعاشر :
الذي يركب الترام فيضطجع على المقعد اضطجاعاً ويضع رجلاً فوق رجل .
ولقد كنت مرة في مصر مع صديق لي من مشايخ الأزهر ، معروف بالنكتة الحاضرة والروح الخفيفة ، فركبنا الترام ، وكان الذي أم الشيخ رومياً ضخم الجثة ثقيلاً ، قد وضع رجلاً على رجل ومدّها حتى صار يمس بطرف حذائه جبة الشيخ ، فنبهه الشيخ بلطف ، فقال له : (( أنا خر)) أي حر ، إذا أنت ما بيعجبك أنت بياخذ تاكسي ، فما كان من الشيخ إلا أن مد رجليه الاثنتين فوضعهما في حضنه ، فقال الرومي إيه ده ؟ إيه ده ؟!
فقال الشيخ : أنت خر ، أنا خرين !
وسقط الركاب من الضحك .