( المجلس الرابع )
( رسالة إلى عبّاد الدنيا )
ذهبت سنة ست وأربعين إلى مصر ، وكان الطريق على فلسطين ، قأقمت فيها عشرة أيام ، وكان لي فيها أصدقاء من الوطنيين العاملين ، فلمتهم على قعودهم وقيام اليهود ، على تقصيرهم بجمع المال وشراء السلاح ، فقالوا : إن الأيدي منقبضة والنفوس شحيحة ، قلت : لا بل أنتم المقصرون .
قالوا : هذا تاجر من أغنى التجّار ، فهلمّ بنا إليه ننظر ماذا نأخذ منه ، وذهبت معهم إليه في مخزن كبير ، حافل بالشاريين ، وحوله ولدان له شابان يتفجران صحة وجمالا .
وكلمناه ، وحشدت له كل ما أقدر عليه من شواهد الدين ، وأدلة المنطق ، ومثيرات الشعور ، فإذا كل ما قلته ، كفخة وانية على صخرة راسية ، ما أحست بها ، فضلاً عن أن ترتج منها .
وقال : أنا لا أقصر ، أعرف واجبي ، وأدفع كل مرة الذي أقدر عليه .
قلت : وهل أعطيت مثل الذي يعطي تجار اليهود ؟
قال : وهل تمثلني باليهود ؟
قلت : وهل أعطيت مرة مالك كله ؟
فشده وفتح عينيه ، وظن أن الذي يخاطبه مجنون !
وقال : مالي كله ؟ ولماذا أعطي مالي كله ؟
قلت : إن أبا بكر لما سئل التبرع للتسلح أعطى ماله كله .
قال : ذاك أبو بكر ، وهل أنا مثل أبي بكر ؟
قلت : عمر أعطى نصف ماله ، وعثمان جهز ألفاً ...
فلم يدعني أكمل وقال : يا أخي أولئك صحابة رسول الله ، الله يرضى عنهم ، أين نحن منهم ؟
قلت : ألا ترى أن البلاد في خطر ؟ وإننا إذا لم نعط القليل ، ذهب القليل والكثير ؟
قال : يا أخي الله يرضى عليك ، اتركني بحالي .
أنا رجل بيّاع شراء ، لا أفهم في السياسة ، وليس لي بها صلة ، وهذا مالي حصلته بعرق جبيني ، وكد يميني ، ما سرقته سرقة ، فهل تريد ان أدفعه وأبقى أنا وأولادي وأحفادي بلا شيء ؟
قلت : ما نطلب مالك كله ، ولكن نطلب عشره .
قال : دفعت ما عليّ ، ما قصرت !
وأعرض عنّا واقبل على عمله .
يا سادة هذه حادثة أرويها لكم كما وقعت ، ولو كان يجوز لي لعينت البلد والتاجر ، ولولا أني قرأت في جريدة من الجرائد إشارة إلى قصة مثلها ما عرضت لها .
ومرت سبع سنوات ، وذهبت من سنتين ( أي سنة 1953) إلى المؤتمر الإسلامي في القدس ، ومررنا في الطريق بمخيم اللاجئين ، وأقبل الناس يسلمون علينا ..
وإذا أنا بشيخ أبيض اللحية ، محني الظهر ، غائر الصدغين ، رث الثياب ، أحسست لما التقت العينان ، كأن قد برقت عيناه برقة خاطفة ، وكاد يفتح فمه بالتحية ، ثم تماسك وأغضى ، وارتبك كأنه يريد الفرار !
فلما انتهى السلام ، راغ مني ودخل في غمار الناس ، ولبثت أفكر فيه من هو ، وأين قابلته ؟
فما لبثت أن ذكرته ، وتكشف لي المنسي فجأة ، كأني كنت في غرفة مظلمة سطع فيها النور .
إنه هو ، هو يا سادة !
وكلمته فتجاهلني ، فلما ألححت عليه اعترف ، ولم أشمت به ، ومعاذ الله أن يراني انحدر إلى هذا الدرك ، ولم أزعجه بلوم وعتاب ، ولكن كان في نظرتي ما يوحي بالكلام ، لذلك استبقني فقال :
لاتقل شيئاً ، هذا هو المقدر ، ولو كان لله إرادة لألهمني ، وألهم إخواني التجّار النزول عن نصف ما كنّا نملك !
قلت : أولم يبق لك شيء ؟
فابتسم ابتسامة حزينة يقطر من حواشيها الدمع ، وقال :
بلى بقي الكثير !
بقيت الصحة والثقة في الله ، وبقي هؤلاء وأشار إلى امرأة عجوز وطفل صغير !
قلت : لا تيأس من رحمة الله
قال : الحمد لله أن جعلنا عبرة ، ولكن أرجو أن يكون إخواننا في الشام ومصر والأردن قد اعتبروا بنا ، ونظرت إلى الطفل فسمعت العجوز تقول له :
قبل يد عمك ، فجاء وجسده المحمار من البرد ، يبدو من ثقب الثوب ، كزر من الورد ، أخذت تتفتح عنه الأكمام !
كان بثوب رقيق ممزق ، وأنا في المعطف الثقيل والعباءة من فوقي وأحس البرد يقرص عظامي !
وأحسست بقلبي يتمزق كتمزق هذه الأسمال ، ولم يكن معي ما أساعده به ، إلا أن نزعت العباءة فلففته بها ، وقلت في نفسي :
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال !
ورحت أكلمه فلم أجد إلا أن قلت له : أتحب بابا؟
أحسب أن الشيخ أبوه !
فقالت العجوز للولد : قول له : بابا في الجنة !
قال : بابا في الجنة !
أعادها بلهجته كأنه ببغاء ليس يدري ما يقول ، فسكت حائراً ملتاعاً ..
ثم أردت أن أقطع حبل الصمت بأي كلام ، فقلت : فماذا تصنع الآن ؟
قال : إنني أوفر لأشتري السكين ، لأذبح اليهود كما ذبحوا بابا !
وسكت اللسان !
ونطقت العيون !
لقد بكيت وبكى الحاضرون جميعاً ، ومشيت وأنا لا أبصر من الدموع طريقي !
وقبل أن أختم هذه الحلقة لأكملها في التي تليها أسارع فأقول : إن هذا التاجر لا يمثل الفلسطينين ، وإنما هو البقعة السوداء في الثوب الأبيض ، كان هو الشاذ بينهم ، وليس هو القاعدة لهم ،وأشهد أن لقد بذل الفلسطينيون ( إلا قليلاً منهم ) من دمائهم ومن أموالهم ما لا يبذل أكثر منه قوم مثلهم .
لا تنسونا والمسلمين من دعائكم