سلسلة مقالات المبدع فهد بن عامر الاحمدي
حين تنام الحياة لملايين السنين
فهد عامر الأحمدي
تحت القارة الجنوبية المتجمدة توجد طبقات جليدية يتجاوز عمرها ملايين السنين.. ولأنها ظلت على حالها - بدون تغيير - غدت بمثابة سجل يؤرخ للعصور السابقة.. وفي أوائل هذا الشهر (أغسطس 2007) قام علماء من جامعة روتجرز بإذابة قطع جليدية عميقة فاكتشفوا داخلها بكتيريا يتجاوز عمرها الثمانية ملايين عام.. والعمر بحد ذاته ليس غريبا (كون تاريخ الأرض يتجاوز ذلك بعدة أضعاف) ولكن الغريب أن البكتيريا عادت للحياة والنمو (حين شعرت بالدفء) بعد هذا العمر الطويل.. ليس هذا فحسب بل اتضح أنها تتمتع بحمض وراثي سليم (DNA) يمكن استخرجه واستنساخه وإكثاره مجددا!!.
وقبل هذا الاكتشاف المدهش وجد العلماء أنواعاً من البكتيريا الهاجعة في جليد يتجاوز عمره المئة ألف عام، ثم المئتي ألف عام، ثم الخمسمائة ألف عام (واليوم) في جليد يتجاوز عمره الثمانية ملايين عام... وقبل هذا الاكتشاف كان لدى العلماء قناعة بأن الشفرة الوراثية لأي مخلوق تعطب بعد مليون عام، ولكن الاكتشاف الأخير أكد قدرته على البقاء سليما لأكثر من ذلك بكثير (والتصاعد المستمر لهذه الأرقام قد يفتح المجال لاستنساخ المخلوقات المنقرضة من شفرات وراثية أقدم)!!
أيضا هناك جانب مدهش في الموضوع - لعلكم لاحظتموه - وهو قدرة الكائنات الدقيقة على العيش تحت درجة حرارة منخفضه جدا (وفي جو ينعدم فيه الأوكسجين وضوء النهار).. وهذا بحد ذاته يثبت أن أصل الحياة (الذي تمثله الكائنات الدقيقة) يمكنه البقاء والعيش لملايين السنين في ظروف غير متوقعة أو مواتية "للحياة"..
والبكتيريا الأخيرة مجرد نموذج لمخلوقات دقيقة تعيش في بيئات قاسية لم يتوقع وجودها أحد. فهناك مثلا طحالب حية مازالت تعيش تحت 900متر من الجليد الصلب.. وهناك بكتيريا تنشط في ينابيع المياه الساخنة أوأعماق الكهوف المظلمة.. وفي عام 1996اكتشفت ميكروبات زرقاء تعيش حول البراكين النشطة على عمق ميلين تحت المحيط الباسيفيكي - حيث الظلام دامس، والمياه مكبرتة، والأوكسجين معدوم، ودرجة الحرارة تفوق الغليان!!.
... وهذه الاكتشافات المتوالية تثبت أن الحياة يمكن أن تظهر (وتبقى) في ظروف قاسية وغير متوقعه على الاطلاق.. وهذا المفهوم الجديد جعل العلماء يتسامحون اكثر حيال امكانية وجود كائنات حية على الكواكب البعيدة - والكواكب التي صنفت سابقا ككواكب ميتة أصبحت اليوم مرشحة لوجود أنواع كثيرة من الحياة البدائية ؛ فرغم أن ظروف الحياة (كما نفهمها) غير مواتية على المريخ وزهرة وزحل، إلا أن هذا لا يمنع امتلاكها حياة مختلفة تأقلمت مع ظروف كل كوكب على حدة!!.
.. الغريب أن كل اكتشاف جديد - في مسألة الخلق والحياة - لا يقدم إجابة شافية بقدر ما يجلب المزيد من الأسئلة المحيرة.. ويبدو أنه كلما تقدمنا "خطوة" في محاولة الفهم نكتشف بقاءنا على نفس المسافة الفاصلة من قوله تعالى (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)!.