سلسلة مقالات المبدع فهد بن عامر الاحمدي
العالم يتحوَّل إلى قرية مسيجة
فهد عامر الأحمدي
@ هل تحول العالم فعلا إلى "قرية صغيرة" !؟
... لست متأكدا من دقة هذا التعبير وأفضل عليه (قرية صغيرة مسيجة)؛ ففي الماضي كان الناس يسافرون ويتجولون بدون الحاجة لجواز سفر أو تأشيرة دخول.. كان العالم مفتوحاً سياسياً وجغرافياً بحيث أمكن لابن بطوطة دخول أي بلد دون أن يثير انتباه أحد (بل ويتزوج فيها مثنى وثلاث ورباع ثم يعود للحج مجددا).. أما الحجاج أنفسهم فكانوا يأتون إلى الحجاز من كل أصقاع الأرض - وفي حال راق لهم المكان - يبقون فيه إلى الأبد بدون الحاجة لإقامة أو جواز سفر ..
وشيئاً فشيئاً تبلورت فكرة الحدود السياسية، والنقاط الجمركية، وجوازات السفر، وتأشيرات الدخول.. وياليت الأمر انتهى عند هذا الحد؛ حيث بدأت بعض الدول ببناء جدران فاصلة (من الطوب والإسمنت) تعزلها عن الدول المجاورة ..
وغني عن القول أن سور الصين العظيم هو أقدم نموذج حجري بني لحماية دولة بأكملها بطول 6400كيلومتر.. أما في العصر الحديث فيعد "سور برلين" أشهر جدار اسمنتي بنته ألمانيا الشرقية عام 1961للحد من هرب مواطني برلين الشرقية إلى الشطر الغربي المزدهر.. أما هذه الأيام فهناك الجدار الذي أقامته اسرائيل لعزل الضفة الغربية ويتجاوز طوله المفترض 1400كيلومتر (أنجز منه 703كيلومترا حتى أبريل 2006) !!
وقبل ذلك بخمسين عاماً بنت الدولتان الكوريتان جدراناً إسمنتية وأسيجة كهربائية لا يفصل بينهما غير مترين فقط .. وحين شعرت الصين بانحدار المستوى الاقتصادي لحليفتها السابقة (كوريا الشمالية) بنت بدورها جدارا اسمنتيا خوفا من تدفق اللاجئين الكوريين إليها - وبهذا غدت كوريا الشمالية معزولة فعليا عن جارتيها الوحيدتين بجدران من الطوب والخرسانة المسلحة!
.. أما تايلند فقررت عزل جنوبها المسلم عن ماليزيا بسور اسمنتي يتجاوز طوله 75كيلومترا (وتعرفون الحجة المعتادة / منع تسلل الإرهابيين) .. أما باكستان فتفكر ببناء سور بطول 2400كيلومتر على حدودها مع أفغانستان للحد من حركة طالبان - وفي نفس الوقت تقوم الهند ببناء سور يفصلها عن باكستان بطول 3000كيلومتر وسور في الشرق للحد من التدفق المستمر للمهاجرين البنغاليين (.. وللحد أيضا من تهريب الأبقار الهندية المقدسة للمجازر البنغالية المسلمة) !!
أما أمريكا فتملك في الشمال حدودا مع كندا بطول 8891كيلومترا (تعد الأطول في العالم) ؛ ومع هذا لم تجد الدولتان داعيا لحراسة هذه الحدود لتماثل المستوى الاقتصادي بين الشعبين .. أما في الجنوب فالوضع يختلف تماما (حيث توجد المكسيك الفقيرة) مما دعا أمريكا للتفكير ببناء جدار بطول 3300كيلومتر للحد من تدفق المهاجرين إليها (بُني منه فعليا 1125كيلومترا) !!
..فقط في أوربا وأفريقيا يميل الوضع للانفراج والتحسن .. ففي أفريقيا الجميع فقراء - وفي أوربا الجميع أثرياء - وبالتالي لا توجد حاجة للفصل بين المجتمعات المتجاورة .. ومع هذا لا ننسى أن أفريقيا امتلكت نموذجين لجدران الفصل العنصري (الأول) أثناء حكم الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا التي سيجت الدويلات الأفريقية الصغيرة داخلها، (والثاني) السياج الأمني الذي تقيمه أسبانيا حاليا حول مدينتي سبتة ومليلة لمنع الأفارقة من التسلل إليها .. أما في أوروبا - حيث انهار جدار برلين وفتحت الحدود بين الدول - فما تزال قبرص مقسمة بقطع أسمنتية بناها الأتراك بعد انفصالهم عن القسم اليوناني عام 1974، أضف لهذا ظهرت أصوات في البرلمان الأوربي تطالب ببناء جدران عازلة تحمي دول الاتحاد من جيرانها الفقراء في تركيا وأوكرانيا وبيلاروسيا !!
إذاً ؛ عودة إلى السؤال الذي طرحناه في بداية المقال : هل تحوّل العالم إلى قرية صغيرة !؟
الجواب "نعم" إذا نظرنا إليه من حيث التواصل الإلكتروني والانفتاح الإعلامي و"لا" إذا نظرنا إليه من حيث الانفتاح الجغرافي والتوافق السياسي !
بكلام آخر... رحم الله أيام مثنى وثلاث ورباع ...