سلسلة مقالات المبدع فهد بن عامر الاحمدي
كيلو قمح أم مائتا جالون ماء!؟
فهد عامر الأحمدي
قبل خمس سنوات تقريبا كتبت مقالاً قلت فيه ان السعودية لم تعد منطقة صالحة للاستيطان البشري بسبب شح المياه وعدم تجدد مخزونها الجوفي.. وقلت حينها إنه لولا عمليات التحلية ومواكبة الدولة لمعدلات الاستهلاك المتزايدة لواجهنا أزمة خانقة وتحولت معظم مدننا إلى مدن أشباح (ولا داعي لتذكيركم بما حصل في الرياض قبل عامين حين تعطل أنبوب المياه الذي يربطها بالجبيل)..
فالسعودية جزء من بيئة صحراوية جافة لا تضم أنهارا ولا بحيرات ولا حتى أمطارا تعوض مخزون المياه الجوفي الضئيل. وفي المقابل ارتفعت فيها نسبة السكان والمدن والمشاريع بوتيرة لا توازي المتوفر من مصادرها الجوفية.. وقبل أيام فقط أطلعت على تقرير بهذا الشأن أعده الدكتور محمد القنيبط - رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى - جاء ضمنه إن خزانات المياه الاستراتيجية قرب مدينة الرياض لا تكفي لأكثر من ثلاثة أيام بمعدلات الاستهلاك الحالية.. وهذا بحد ذاته يثبت أن المياه العذبة أصبحت مشكلة أمنية تفوق بكثير أي مشكلة أخرى قد نواجهها مستقبلا (خصوصا في ظل اعتماد معظم مدننا على مصادر تحلية تأتي من مسافات بعيدة)!!
.. وما لفت انتباهي - في التقرير السابق - هو مطالبة القنيبط بوقف الدعم الذي تقدمه الحكومة سنويا لزراعة القمح كونه يستهلك وحده 32% من مخزون المياه الجوفية (غير المتجددة أصلا).. وأنا لا أؤيده فقط بل وأطالب بمنع زراعة المحاصيل التي تستهلك كميات مهولة من المياه العذبة ؛ فكثير من الثمار (كالبرتقال والبطيخ) والحبوب (كالأرز والقمح) تستهلك كميات كبيرة من المياه مقابل كل كيلو غرام نقطفه عند الحصاد. فإنتاج كيلوغرام واحد من البرتقال مثلا يتطلب 51متر مكعب من مياه الري العذبة. وإذا رغبنا في تحويله الى "عصير" فسنكون كمن أهدر 17"وايت" ماء مقابل ثلاثة اكواب من العصير فقط !!
.. وزراعة الموالح عموما تعد ترفا يمكن الاستغناء عنه بسبب استهلاكها المفرط للمياه العذبة.. ففي مصر مثلا (حيث الموارد المائية تتجاوز 55مليار متر مكعب) اتضح ان قرابة 18.5مليارا منها تذهب كل عام لزراعة قصب السكر في حين تكفي هذه الكمية لرى ثلاثة أضعاف محاصيل تقليدية أخرى. اما في البحرين فاتضح ان انتاج كيلوغرام واحد من البطيخ يستهلك 11مترا مكعبا من المياه المخصصة للري. أما في السعودية فيتم صرف مبالغ هائلة على تحلية المياه لأن المشاريع الزراعية - ببساطة - تستهلك أكثر من ثلثي مياهنا العذبة...
ورغم أن حاجة السعودية للقمح لا تساويها إلا حاجة اليابان للحديد (الذي تستورده من الخارج) مازلنا نصر على إنتاجه محليا في ظروف غير مواتية بيئيا ولا مجدية اقتصاديا.. وبناء عليه قد يتطلب الأمر منع زراعة الكثير من المحاصيل الشرهة مقابل تنويع استيرادها من الخارج (خصوصا الأغذية الاستراتيجية كالقمح والأرز) ؛ فخياراتنا المائية شحيحة ومحدودة وتحتم علينا التساؤل باستمرار (أيها أوفر وأجدى؟) استيراد الف طن من الخضروات ام توفير مليون متر من المياه اللازمة لزراعتها؟.. استيراد اللبن من الخارج ام انتاجه بمياه محلاة تكلف 15ريالا لكل كوب؟.. استيراد الدجاج المجمد أم تربية دجاجة محلية تستهلك 408جالونات ماء خلال حياتها؟.... بدون شك حان الوقت للتوقف والتساؤل عن جدوى إنتاج كيلوغرام واحد من القمح مقابل هدر 200جالون من المياه !!؟