سلسلة مقالات المبدع فهد بن عامر الاحمدي
العيش تقريباً بلا رأس
فهد عامر الأحمدي
قبل أيام قرأت عن حالة طبية غريبة لرجل فرنسي يعيش بجزء صغير جداً من مادة الدماغ.. فحسب ما ذكره الدكتور ليونيل فيوليت في مجلة Lancet الطبية (عدد يوليو 2007) يملك هذا الرجل جمجمة عادية ولكنها مليئة بالسوائل بحيث لم يبق من دماغه غير "شريحة" عصبية صغيرة. والغريب أنه يعيش حياة طبيعية ومتزوج ولديه طفلان - وإن كان معدل ذكائه أقل من المعتاد - . ويفترض الدكتور فيوليت أن الارتفاع المتزايد للسوائل حدث على حساب دماغه الذي تقلص على مدى سنوات طويلة (ولكنه تولى بالتدريج مهام المناطق الأخرى)!!
.. وحين انتهيت من قراءة الموضوع وضعت المجلة جانباً وطرحت على نفسي هذا السؤال:
طالما يستطيع الإنسان العيش بكلية واحدة، وثلث كبد، وجزء من الرئة، ونصف الأمعاء، وبدون الأطراف، ويستغني عن حواسه الخمس - وجهازه التناسلي كاملاً - فلماذا لا يمكنه العيش بنصف أو ثلث دماغه بطريقة طبيعية (ومتزنة)!؟
وقبل أن نتسرع في رفض هذه الفكرة، دعونا نستعرض بعض الروابط المفقودة بين وزن الدماغ من جهة، وذكائه من جهة أخرى.. فرغم أن متوسط دماغ الرجل يبلغ 1400جرام إلا أنه قد ينقص لدى البعض إلى 900جرام ويرتفع لدى البعض الآخر إلى 2000جرام.. كما أن متوسط أدمغة النساء أصغر من الرجال ب 100جرام ومتوسط أدمغة النساء الصينيات أصغر من الأفريقيات أو الأوربيات ومع هذا لا يمكن الادعاء أن أصحاب الأدمغة الأصغر أكثر غباء أو أقل موهبة (بل على العكس قد يولد الإنسان مجنوناً بدماغ يتجاوز ال 2000جرام )!!
أضف لهذا أن تشريح أدمغة العباقرة لم يثبت وجود أي علاقة بين وزن الدماغ ومواهبهم الراقية أو عبقريتهم الفذة. فحين تم تشريح دماغ أينشتين عام 1955أعلن عالم الأعصاب الأمريكي توماس هارفي أنه لم يعثر فيه على شيء غير عادي لا من حيث الوزن ولا من حيث البنية.. وقبل ذلك تم تشريح دماغ العالمين الفرنسيين لافوزيه وديكارت، والفنانين الألمانيين باخ وبيتهوفن، وعالمي الرياضيات كارل جاوس وسونيا كوفالفسكي - وأكثر من 137نابغة في القرن العشرين - فلم يكتشف فيها أي شيء فريد أو مختلف (بل على العكس اتضح أن دماغ عالمة الرياضيات السويدية سونيا كوفالفسكي لا يزيد على 950جراما فقط)!!
.. هذا من جانب..
ومن جانب آخر، كيف نتأكد أن العقل موجود أصلا داخل تجويف الجمجمة!؟.. لم لا تكون الملكات الذهنية (نتاج ثانوي) لتفاعل كامل الشبكة العصبية في الجسم (بما في ذلك الأمعاء التي تضم أكثر من 120.000.000خلية عصبية).. وهذه الفرضية ليست تشريحية فقط بل وتتسق مع المفهوم القرآني لشمولية موقع العقل في الجسد الذي قد يكون في القلب )لهم قلوبٌ لايعقلون بها) أو الصدر (وليبتلي الله مافي صدوركم) أو كامل الفؤاد ( ماكذب الفؤاد ما رأى )!!
.. والحالة التي بدأنا بها المقال (وتم توثيقها من خلال التصوير المغناطيسي) تجعلنا نتساءل عن نسبة وجودها بين كل ألف - أو حتى مليون - إنسان !؟.. وسواء صغرت النسبة أم كبرت تبقى دليلاً على العلاقة الغامضة بين بنية الدماغ من جهة، والملكات الذهنية والعقلية من جهة أخرى!
.. والأغرب من هذا وذاك هو فشل العقل في فهم نفسه - وطبيعة تواجده - رغم نجاحه في فهم معضلات حياتية وكونية كثيرة!!