سلسلة مقالات المبدع فهد بن عامر الاحمدي
شعوب لم تتوقف عن التصفيق!؟
فهد عامر الأحمدي
تركيا بلد رائع وجميل يثير دهشتك من كل النواحي.. غير أن أكثر مالفت انتباهي الحرص على إبراز صور وتماثيل كمال أتاتورك (مؤسس الجمهورية التركية الحديثة) في كل مكان.. فأينما سرت تجد صورة أو تمثالا ل (أبو الأتراك) ناهيك عن وجود تماثيله في كافة المدارس وصوره على كافة العملات.. وكان أحد المتدينين قد همس في أذني بأن النظام العلماني في تركيا يسعى لتأليه أتاتورك (أول من طبق فصل الدين عن الدولة) لمعادلة تأليه وتقديس الشخصيات الدينية المعروفة.. وبصرف النظر عن صحة هذا الرأي أرى شخصيا أن الشعب التركي نجح في استيعاب كافة الرموز وإبداء مظاهر التقدير لها دون إجبار أو إكراه (خصوصا فيما يتعلق باحترام كمال أتاتورك).. فذات ليلة توقف بي التاكسي عند إشارة خالية في أسطنبول فلفت انتباهي جندي شاب يسير وحده على الرصيف. وحين اقترب من تمثال نصفي لأتاتورك توقف عفويا لتأدية التحية العسكرية (رغم علمه بعدم وجود من يراقبه أو حتى ينظر إليه).. وكنت قبلها بأيام قد مررت بقرب مدرسة ثانوية فرأيت شبابا يلعبون كرة السلة حين أفلتت الكرة من أحدهم وضربت تمثالا نصفيا لكمال أتاتورك فتركوا الكرة وأسرعوا لتقبيل أنفه وجبهته حيث ضربته الكرة !!
.. ورغم هذا مايزال الوضع في تركيا أفضل بكثير من أنظمة عديدة وصلت عبادة الحاكم فيها إلى حدود لا تصدق. فمن المسلّم به أنه كلما كان النظام متسلطاً ومغلقاً زادت نسبة التعظيم والتبجيل للطاغية ذاته.. وهذا الترابط المزري رأيناه زمن صدام في العراق وتشايشفوسكي في رومانيا وماوتسي تونج في الصين وهتلر في ألمانيا وموسوليني في ايطاليا - وكثير من الأنظمة المتسلطة هذه الأيام..
ومظاهر تعظيم الزعيم تتراوح بين إقامة التماثيل وتعليق الصور وتأليف السير واطلاق الأسماء على الشوارع والميادين - وبل وحتى احتكار كل الاختراعات والاكتشافات العظيمة كما فعل زعيم كوريا الشمالية السابق كيم يان سونج !!
.. والأدهى من هذا أن مظاهر التعظيم والتقديس تستمر لدى بعض الشعوب حتى بعد وفاة الطاغية الكبير.. فلينين مثلاً ، بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا نصب نفسه حاكماً مطلقاً لكافة الشعوب المضطهدة في العالم (وهذا نظريا يعني: كافة الشعوب والأعراق). وخلال حكمه بلغت مظاهر تبجيله وتعظيمه حداً خرافياً لدرجة صدق الجميع انه طفرة لن تتكرر في تاريخ البشرية - في حين كان إرهابياً مرتزقاً خان كل من ساعده في الثورة وأعدمهم الواحد تلو الآخر. وحين كان يلقي خطبه الركيكة كانت نوبات التصفيق تستمر لخمس أو ست دقائق لأن مامن مواطن يتجرأ على التوقف قبل غيره.. وحين توفي أخيرا لم يكتف الحزب الحاكم بنصب صوره وتماثيله وإطلاق اسمه على الشوارع والمدن بل واتخذ أغرب إجراءين في تقديس الحكام:
- الإجراء الأول: عدم دفنه (تحت التراب) وحفظ جسده محنطاً (إلى الأبد)..
- والثاني: انتزاع مخه لدراسة مكامن العبقرية فيه (ومحاولة نسخها في أدمغة الأجيال القادمة)
... وللجمع بين الهدفين تم تحنيط الطاغية وحفظه في قبر (مرتفع) يطوف حوله كل يوم عشرات المواطنين والزوار.. وفي مكان غير بعيد أنشئ "معهد دراسة مخ لينين" خصصت له ميزانية ضخمة واختير له أفضل العلماء والمتخصصين (في حين وضع المخ ذاته في خزنة حديدية تحت الأرض تضم أغلى كنوز روسيا أطلق عليها: غرفة السيد مخ الرئيس).. واستمر العمل بهذين الإجراءين المتطرفين حتى خلعت روسيا ثوبها الاشتراكي - وتوقف الشعب الروسي أخيرا عن التصفيق - وظهر من يطالب بدفن لينين وإغلاق المعهد إلى الأبد!!.