أخطاء التكنولوجيا
أحيانا، تقع التكنولوجيا في ذلك الخطأ الذي لا يمكن الرجوع عنه، ولا تملك البشرية إلا التعايش معه. هذا ما حدث عندما اكتشفت الولايات المتحدة القنبلة النووية وجربتها في هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية، وفرضت على دول العالم الدخول في سباق تسلح محموم هو أقرب ما يكون إلى الانتحار الاقتصادي لكل المشاركين فيه، فسباق التسلح هو الذي دفع الإمبراطورية السوفييتية إلى الانهيار، ولولا هذا السباق الذي يستنزف أعتى الموارد، مهما بلغت، لكان كل مواطن سوفييتي في الإمبراطورية التي كانت تنافس أمريكا على زعامة العالم يمتلك سيارة ومنزلا، ومستودعا في منزله مليئا بملابس الجينز والهمبورجر والبيتزا والكولا، ولكان كل مواطن أمريكي، مهما كانت أوضاعه الاقتصادية، يستطيع المشاركة في رحلة سياحية يقضي فيها إجازته السنوية في الفضاء الخارجي.
وكتَّاب الخيال العلمي تحدثوا بشكل مستفيض عن الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها التكنولوجيا، وقالوا إن جسامة النتائج التي تترتب على هذه الأخطاء تكون عادة بحجم التكنولوجيا التي أنتجتها، وفي إحدى قصص ه. ج. ويلز، يجري تغذية الزنابير والنحل بنوع معين من الغذاء المعد تكنولوجيا، يساعدها على النمو أسرع من المعتاد، وأثناء إعداد الوجبة الغذائية، يقع الفنيون في خطأ في احتساب المقادير، فتكون النتيجة أن تتضخم الزنابير حتى تصبح في حجم الفيلة، ويتضخم النحل حتى يصبح في حجم الدببة، ويزداد النوعان شراسة، ولك أن تتصور أسرابا من الآلاف المؤلفة من الدببة والفيلة تئز في الفضاء وتلسع الناس في وجوههم وآذانهم وسائر أنحاء أجسادهم، بل إنها لا تلسع، وإنما تطعن، فإبرتها في حجم ناب الفيل، وعندما تنغرس في الجسم تخرج من الجهة الأخرى.
والتكنولوجيا عندما تقع في الخطأ الكبير يمكن أن تؤدي إلى دمار العالم، فكينج كونج، ذلك الكائن الخرافي المثير الذي أنتجته معامل هوليوود جاء بسبب خطأ تكنولوجي في المختبرات، وتمرد على العلماء الذين أنتجوه، فتحول إلى أداة تدمير. ويذكر الخبراء أن أجهزة الإنذار النووي في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أعطت إنذارات كاذبة بوجود هجوم بالصواريخ النووية في خمس مناسبات على الجانب الأمريكي على الأقل، وفي كل مرة، كان الأمريكيون يستعدون للضغط على الزر النووي وتوجيه ضربة انتقامية للاتحاد السوفييتي تحوله إلى أنقاض، ولكنهم يكتشفون في اللحظة الأخيرة أن الإنذار كاذب، فيتراجعون. وقصة الإنذارات النووية الكاذبة حولتها هوليوود إلى فيلم تلفزيوني مثير، وفي الفيلم، يتلقى الرئيس الأمريكي مكالمة بأن الاتحاد السوفييتي أطلق عددا من الصواريخ باتجاه مدينة نيويورك، فيعلن حالة الاستنفار، ونتابع، بإثارة مذهلة، الكاميرا وهي تتنقل بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع، وعلى وجوه الناس العاديين تتابع ردود الفعل، وتتوقف الكاميرا عند جنرال أمريكي كبير يسير في الشارع في سيارته، فيوقف السيارة، ويتصل بوحدته، ويسأل: هل هيأتم المستشفيات لاستقبال الضحايا والمصابين؟ ثم تنتقل إلى البيت الأبيض ونسمع الرئيس الأمريكي يتحدث مع الزعيم السوفييتي ويبلغه أن أمريكا ستوجه صواريخها إلى العاصمة السوفييتية موسكو ردا على الضربة، وتدمرها عن بكرة أبيها، وإذا لجأت موسكو إلى توجيه ضربة ثانية، فإن كل الأهداف السوفييتية في العالم ستكون معرضة للتدمير في لحظات، وبعد لحظات مشحونة بالتوتر، تصل الصواريخ السوفييتية إلى نيويورك، وتسقط أمام تمثال الحرية، وتنفجر، لتخرج منها فرقة البولشوي الروسية تقدم عرضا راقصا عند أقدام التمثال.
وكنا نتصور، بعد انتهاء الحرب الباردة، أن الصواريخ العابرة للقارات ستصبح لها مهمة أخرى هي: نقل الدجاج المثلج والجينز وخلطة الهمبورجر والفرق الفنية من موسكو إلى واشنطن وبالعكس، ولم يدر في خلدنا لحظة أنها ستوجه في المستقبل ضد دول صغيرة في العالم الثالث.
حروب من أجل الماء
العلماء يقولون إن الأرض “كوكب أزرق” لأن ثلاثة أرباع مساحتها مغطى بالماء، ولكن هذه النسبة ينبغي ألا تخدعنا، إذ إن جزءا كبيرا منها غير صالح لاستهلاك البشر، فهناك ما يعادل 97،5% عبارة عن مياه مالحة لا تصلح إلا للكائنات والحياة البحرية، و70% من النسبة المتبقية، موجود على شكل جبال عملاقة من الثلوج في المنطقتين القطبيتين، لم يفكر البشر في استغلالها حتى الآن.
ومن أصل 1،75% من المياه العذبة الصالحة لاستهلاك البشر، هنالك 1،5% موجود في رطوبة التربة أو في الطبقات الصخرية الجوفية على أعماق كبيرة يصعب الوصول إليها. ويتبقى لدينا 0،7% من المياه صالحة لاستهلاك البشر هي الكمية الموجودة في الأنهار والمصادر الجوفية، وهذه تتعرض للتلوث البيئي والصناعي بشكل مستمر، الى درجة أنها تكاد تفقد صلاحيتها.
والأمم المتحدة احتفلت يوم 22 مارس/ آذار الماضي بيوم الماء العالمي، وخصصت هذا اليوم من كل عام لتوعية الدول بالمخاطر التي تواجهها البشرية إذا لم تحاول حماية الثروات المائية العالمية من التلوث والهدر، وفي احتفال هذا العام الذي يعتبر الأول من نوعه نشرت تقارير ذكرت فيها أن عدد ضحايا ندرة المياه والمياه الملوثة في العالم، منذ مطلع هذا القرن، زاد على ضحايا الحروب، إذ إن 1،5 مليار شخص في العالم لا يستطيعون الحصول على مورد غير ملوث للمياه، وبعد جيل واحد فقط سيرتفع هذا العدد إلى 2،7 مليار نسمة، وسيصل عدد الذين يعانون من نقص حاد في مياه الشرب إلى 3،4 مليار نسمة. وفي استراليا اضطرت إحدى المقاطعات إلى تكرير مياه التمديدات الصحية من أجل توفير ماء للشرب، وقال حاكم المقاطعة إن العديد من المناطق في استراليا والعالم ستضطر إلى فعل الشيء ذاته في المستقبل القريب.
ونقص المياه وتلوثها يؤدي إلى نتائج كارثية، وقبل مدة نشرت منظمة الصحة العالمية تقريرا ذكرت فيه أن نصف سكان العالم يعانون من مرض واحد على الأقل من الأمراض الستة المتعلقة بتلوث المياه، ومن ذلك: الإسهال الذي يفتك بآلاف الأطفال يوميا، والتراخوما التي تؤدي إلى العمى. والدول العربية كلها مهددة بأزمة ماء، إذ إن 90% من مساحة وطننا العربي تقع في محيط المنطقة الجافة في العالم، التي تمتد من أواسط آسيا إلى سواحل المحيط الأطلسي، وتخترق منطقتنا، من الغرب إلى الشرق، صحارى واسعة جدا يكاد ينعدم فيها المطر، أما المناطق الساحلية والجبلية فإنها تتعرض لتيارات هوائية بحرية ومنخفضات جوية تسبب هطول الأمطار في مواسم محددة فقط، ولذلك فإننا فقراء جدا بالماء، إذ إن نصيب العرب من المياه لا يتجاوز 0،7% من الموارد المائية في العالم رغم أننا نستوطن ما يزيد على عشر مساحة اليابسة، ونصيب الفرد العربي سنويا من الماء العذب لا يزيد على 13،4% من مستواه العالمي، ويكفي أن نذكر أن الثروة المائية لدولة مثل فرنسا مثلا تعادل الثروات المائية لكل الدول العربية مجتمعة.
ونقص المياه يشكل تهديدا خطيرا للسلام العالمي، وتشير تقارير الأمم المتحدة الى أن 145 دولة من دول العالم تحصل على جزء من حاجتها من مياه الشرب من أنهار مشتركة، وقد كان ذلك سببا في خلافات ونزاعات وربما حروب في الماضي، كما حدث عندما قصفت “إسرائيل” محطات تحويل مجرى نهر الأردن في الخمسينات من القرن الماضي، والنزاعات التي يثيرها نهر النيل بين مصر وإثيوبيا، ونهر الفرات بين تركيا والعراق من جهة، وسوريا من جهة أخرى.
وإذا لم يتحرك العالم لحل أزمة المياه في أسرع وقت فإن 145 دولة من دوله ستجد نفسها مضطرة إلى خوض حروب طاحنة تقضي على شبابها وإمكاناتها، من أجل حماية المصادر المائية.
هجرة الأدمغة
لا أحد في العالم، خارج نطاق دائرة مغلقة من المختصين، يعرف العالم الصيني تسيان هو سين، ولكن الباحثة الصينية الأمريكية الجنسية، أيريس شانج، تقول في كتابها “خيوط الحرير” إن تسيان هو الأب الحقيقي لصناعة الصواريخ الأمريكية، كما أنه الأب الحقيقي لصناعة الصواريخ في الصين. وتسيان سافر إلى الولايات المتحدة للدراسة في نهاية العشرينات، وتخرج بامتياز، فعرضت عليه وزارة الدفاع الأمريكية العمل في مختبر الدفع النفاث الذي تمول الوزارة أبحاثه، وخلال فترة وجيزة، أصبح هذا الرجل يترأس فريق العلماء في المختبر، فاقترح على الوزارة مشروعا لبناء قوة صاروخية.
وعمل تسيان كأستاذ باحث في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، الذي يضم خيرة العلماء في الولايات المتحدة، حتى عام ،1950 عندما انقلبت حياته رأسا على عقب. فقد اتهمه عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالية بمقابلة عضو في الحزب الشيوعي من أصدقائه، في الثلاثينات (أي قبل ما يزيد على 20 سنة). ونفى تسيان التهمة، ولكنه حاول العودة بعد ذلك إلى الصين هربا من ملاحقة المخابرات الأمريكية. وأثناء ذلك، عثر المخبرون بين حاجياته على بعض الدراسات العلمية التي كان يخطط لشحنها معه إلى الصين. ورغم ان هذه الدراسات من إعداده، وموجودة بتفاصيلها في دماغه قبل ان تكون موجودة على الورق، فإن المخابرات اتهمته بالتجسس لمصلحة الصين واحتجزته فترة من الزمن، فعرضت الصين مبادلته بمئات الأسرى الأمريكيين الذين وقعوا في أيدي الصينيين أثناء الحرب الكورية، فوافقت أمريكا، وعاد هذا العالم الذي يقول العلماء الأمريكيون إنه كان يتلاعب بنظرياتهم كما يلهو الطفل باللعب، إلى بلاده، ليبدأ فيها برنامجا صاروخيا من لا شيء، ولولا تسيان، لكانت الصين متخلفة في برامجها الصاروخية ما يزيد على ربع قرن عن وضعها الآن.
وقضية تسيان تطرح أمامنا عملية الاستنزاف الخطيرة التي تمارسها الدول الغربية ضد دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية، بإغراء العلماء بالهجرة إلى الغرب، فمعظم العلماء الذين استثمرت مصر مبالغ كبيرة لتأهيلهم هاجروا إلى الغرب، والعلماء العراقيون إما هاجروا أو تعرضوا للمطاردة، وعندما نرى أحمد زويل يحصل على جائزة نوبل في العلوم، وفاروق الباز يحتل مركزا رئيسيا في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) ويشرف على الرحلات الفضائية بكل تفاصيلها، والدكتور مايكل دبغي، اللبناني الأصل الذي يقيم في بريطانيا، يصنع قلبا من الخلايا الجذعية من المتوقع أن يدخل الخدمة في عالم الطب خلال السنوات المقبلة، ومئات المهاجرين العرب يحتلون مراكز مرموقة في كل مجال من مجالات الحياة في الغرب، لا نملك إلا أن نتصور أن هؤلاء، لو بقوا في بلادهم، لساهموا في نهضتها ونقلها إلى مصاف الدول الحديثة.
وقضية تسيان تشير إلى أن المهاجرين الآسيويين لا يمكن أن يحسوا بالأمن مهما قدموا من خدمات للمجتمعات الغربية، وها هو إدوارد حنانيا، وهو من أصل لبناني، هاجر والده إلى أمريكا في مطلع القرن، وخدم الأب وابنه في الجيش الأمريكي، يتعرض لمضايقات كثيرة لمجرد أن شكله شرق أوسطي. وحنانيا يكتب تعليقا يوميا ساخرا تنشره عدة صحف أمريكية في وقت واحد، ويقدم برنامجا ساخرا في التلفزيون، وقد نشر قبل مدة كتابا بعنوان “أنا سعيد لأنني إرهابي” يسخر فيه من الذين يحددون هوية الإرهابي من لون شعره وسمرة جلده.
أطفالنا والرسوم المتحركة
في منطقة أسوان في مصر، دفع طفل في العاشرة من العمر حياته ثمنا لتقليد بطل مسلسل الرسوم المتحركة التلفزيوني “هرقل”. ولدى التحقيق في هذه الحادثة التي ضج لها الشارع المصري، تبين أن الطفل اتفق مع صديق له في مثل عمره على تعليق نفسه في حبل ربطه في سقف الغرفة، لكي يحضر بطل المسلسل ويضرب الحبل بسيفه البتار وينقذه. ولكن البطل لم يحضر، ومات الطفل شنقا. وفي الولايات المتحدة، حاول طفل وضع شقيقته الصغيرة في الثلاجة تقليدا لمشهد رآه في حلقة من حلقات توم وجيري، وفقأ آخر عين صديقه لأنه رأى توم يفعل ذلك، وألقى ثالث نفسه من شرفة منزله اعتقادا منه أنه سيطير مثل السوبرمان.
والطفل يجد صعوبة في التفريق بين الخيال الذي يراه على شاشة التلفزيون، وحقائق الحياة التي يعيشها، بل إن الدراسات أثبتت أن الكبار يمرون بحالات من هذا النوع، إذ إن الجانب المتعلق بالمنطق في أدمغتهم يتوقف عن العمل عندما يجلسون أمام التلفزيون، فهم لا يحاولون إخضاع ما يرونه للمنطق، بل يتقبلونه كما هو، على أساس أنه حقيقة. وأذكر أننا عندما كنا صغارا ونشاهد قطارا على شاشة السينما يتجه نحو الجمهور، كنا نختبئ تحت المقاعد لكي لا يدوسنا القطار، وفي التجارب التي أجراها العلماء تبين أن مشاهدة حادث سيارة على شاشة التلفزيون تنشط في دماغ المشاهد نفس المناطق التي تنشط عندما يشاهد هذا الحادث في شارع عام.
وأفلام ومسلسلات الرسوم المتحركة تضخ كميات هائلة من العنف والخيال والسحر وتشويه العقائد وتعليم الأطفال الانتقام والسرقة وكل ما يفتح لهم آفاق الجريمة. ويتلقى أطفالنا كل هذه الأشياء وينشأون عليها باعتبارها حقائق في الحياة. وفي الكثير من المسلسلات وأفلام الكرتون تكريس للسحر والشعوذة، حيث الأبطال يوقفون الزمن ويتنقلون بين الماضي والحاضر والمستقبل بغمضة عين، ويتجولون في الفضاء ويتعاملون مع الجن والملائكة ويستخدمونهم في الصعود والهبوط بين السماء والأرض وغير ذلك من المفاهيم التي لا تتناسب مع التوجيه الذي نريده لأطفالنا.
وحتى في الحالات النادرة التي تقدم فيها قيماً وأخلاقاً حميدة للأطفال، تفعل ذلك من خلال بيئة بعيدة كل البعد عن البيئة التي يعيش أطفالنا في كنفها. ومثال على ذلك إن الثقافة الغربية التي تنتج هذه الأفلام تشجع الفردية والحرية الشخصية ولا تؤمن بوصاية الوالدين على الأطفال، وحقهما في التربية والتوجيه، الأمر الذي يخلق في نفوس أطفالنا دوافع نفسية متناقضة بين ما يتلقونه على الشاشة، وما يعيشونه داخل أسرهم وبيئاتهم ومجتمعاتهم، فيكون ذلك بداية الانحراف لديهم. يضاف إلى ذلك أن هذه المسلسلات تكرس الحياة الغربية في الملبس والمأكل والسكن وأسلوب العيش، ما يورث الطفل إحساساً بالدونية، وبضرورة التمرد على حياته إلى درجة تصل أحيانا إلى الانسلاخ عن واقعه، وارتباطه بالمجتمعات الغربية، خصوصاً وأن “القدوة” التي تقدمها هذه المسلسلات له تحمل اسما غربيا وملابسها وعاداتها غربية.
وأخطر ما في المسلسلات الكرتونية التي تقدم لأطفالنا هي أنها تبرر ما تقدمه من عنف وثقافة مشوهة، لأن “بطل المسلسل” هو الذي يرتكبهما، والبطل مسموح له بأي شيء، في نظر الطفل، كما أن الجريمة تمر دون عقاب. وفي دراسة أجرتها شركة ميديا سكوب الأمريكية خلال التسعينات تبين ان 73% من مشاهد العنف التلفزيوني تتجاهل تماما عقاب المجرم.والعنف أصبح هو الثقافة الأكثر رواجا لدى الأطفال. ويروي أحد الباحثين أن طفلة في الرابعة من عمرها علمت بوفاة والد صديقتها، فكان السؤال الأول الذي طرحته هو: من قتله؟ لأن التلفزيون علمها أن القتل هو السبب الوحيد للموت.
تعاونيات مدرسية لمكافحة الجريمة
كل الوسائل جربها الأمريكيون لاحتواء أعمال العنف واستخدام الأسلحة والمسدسات في المدارس، من تركيب كاميرات تلفزيونية لمراقبة الطلاب في قاعات الدروس وأثناء الفسحة على مدار الساعة، إلى استخدام اجهزة كشف المعادن عند الباب الرئيسي في كل مدرسة، ومطالبة الطلاب بالمرور عبر هذا الباب لمعرفة من يحمل منهم سكينا أو مسدسا في جيبه أو حقيبته، إلى إجراء دراسات ميدانية لتحديد الطلاب الذين يمكن أن يلجأوا إلى العنف في المستقبل، ومراقبتهم وإرشادهم.
وبعد حادث مدرسة كولمبين الذي أطلق فيه طالبان النار على زملائهما من الطلاب وقتلا وجرحا ما يزيد على 16 طالبا، قال علماء النفس إن الطالبين يعانيان من اضطراب نفسي، ولكن الفحوص التي أجريت لهما كشفت أنهما لا يعانيان من أي اضطراب من هذا النوع، وبعد هذا الحادث بفترة بسيطة ضبطت إدارة إحدى المدارس مسدسا بحوزة طالب في الحادية عشرة من العمر أحضره معه إلى المدرسة لقتل مدرِّسته لأنها وبّخته أمام الطلاب. وتشاء الصدف أن يعترف هذا الطالب لأحد زملائه بما ينوي فعله، فأبلغت إدارة المدرسة الشرطة التي حالت دون حدوث الجريمة.
وقبل مدة صدر كتاب في الولايات المتحدة عن هذه القضية بعنوان “لم يتبق من نكرهه، تعليم التعاطف بعد كولمبين” من تأليف إليوت أرينسون أستاذ علم النفس في جامعة ستانفورد التي تعتبر من بين الجامعات الأمريكية الراقية، ويقول المؤلف في كتابه إنه من الخطأ القول إن أعمال العنف التي تجري في المدارس سببها انحراف بعض الطلاب ومعاناتهم من ندوب نفسية، لأن من يقومون بهذه الأعمال أصحاء من الناحية النفسية، ولكن البيئة المدرسية دفعتهم للانحراف بسبب غياب الرقابة والتوجيه.
ويقول أرينسون إن الشباب في سن المراهقة من طلاب المدارس الثانوية غالبا ما يعانون من “الغرور العضلي” ويميلون إلى السخرية من بعضهم بعضا، وإذلال بعضهم بعضا، وتكوين “شلل” تحمي أفرادها وتعتدي على الطلاب، ويتم ذلك أمام أعين وآذان المدرسين الذين يغضون البصر عن الكثير من تجاوزات طلابهم تفاديا للمشاكل، فلا يجد الطلاب الذين يتعرضون للعنف والإذلال في جو مدرسي يتسم بالعداء وعدم التسامح إلا الانتقام، وحيث إن خبرة الطالب في الحياة لا توفر له الكثير من الخيارات، فإنه يلجأ للانتقام باستخدام الأسلحة.
ويقول أرينسون إن السبيل الوحيد للقضاء على أعمال العنف في المدارس هو خلق بيئة مدرسية أكثر تسامحا، بتعويد الطلاب على الواجبات الجماعية بحيث يشعر كل واحد منهم بأن نجاحه يعتمد على تعاونه مع الغير، ويطالب بتغيير مفهوم التدريس في المدارس الأمريكية لكي يصبح “تدريسا تعاونيا” لتغيير المناخ المعادي في المدارس إلى مناخ تكون علاقة الطلاب فيه مرتبطة بروابط من المودة.
ولكن، هل المدارس بيئة خاصة جاءت من الفضاء الخارجي، وهل يجدي التدريس التعاوني فيها، إذا كان كل ما في المجتمع يشجع على الجريمة ويفرض عدم التسامح واستغلال الآخر والنيل والسخرية منه؟