أزمة الشعوب ومعاناتها ترتبط حاضراً ومستقبلاً بتخلف مستوى التربية والتعليم فيها، وهذه حقيقة لا جدال فيها أثبتها الواقع المعاش في دنيانا الحاضرة، وعرفها دارسو تاريخ الشعوب والبلدان والأمم.
* منذ أن كنت معلماً في معهد إمام الدعوة بالرياض وأنا أستشعر الأهمية القصوى لبدء العام الدراسي، وأذكرُّ زملائي وطلابي بأن يتأملوا المعنى العظيم لتوجه ملايين الطلاب والطالبات إلى المدارس والجامعات والمعاهد. يستقبلهم فيها المعلمون والمعلمات والأساتذة الجامعيون من أجل إعدادهم لتحمل مسؤولية استمرار النماء والنهوض بالوطن، إنها مناسبة فريدة تمر علينا كل عام وعلينا أن نُذَّكر بأهميتها وبمعانيها ومضامينها.
-- -- --
لذا فإنه يحلو لي في هذه المناسبة بوصفي - مواطناً، وأباً، وجداً، ومختصاً، ومن الذين على يقين بالأهمية القصوى للتعليم في كل المراحل الدراسية وأثره على حياة الأفراد، إني - بهذه الأوصاف كلها - أتوجه بالنداء إلى الطلاب والطالبات وإلى أولياء الأمور (آباء وأمهات)، وإلى كل من يتصدى للعملية التربوية أحثهم فيها على استذكار هذه المناسبة وأننا في زمن (قوة العلم وعلم القوة)، في عصر العولمة التي لا يكاد يصدها حائط ولا حصن ولا باب، إلا قلب مؤمن سليم، وفكر ناقد بصير.
-- -- --
أوجه النداء إلى أبناء هذا الوطن معبراً عن شعور لا بد أن يكون عند كل واحد ممن يعتز بالانتماء إلى المملكة العربية السعودية وطناً له، إنه شعور بالمسؤولية الكبرى حين لا يغيب عن البال أن قلوب الملايين من كل أنحاء الدنيا تهفو للأماكن المقدسة التي نتشرف جميعاً - وعلى هاماتنا قادة مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده - بوجودها جزءاً غالياً من وطننا، عالم بأسره يأتينا من كل فج عميق، أفواجاً إثر أفواج تتوحد مناسك الجميع، وحركاتهم ودعاؤهم.
-- -- --
علينا ومعنا أجيالنا الحبيبة التي نتواعد معها اليوم أن ندرك الموقع الفريد الذي نشغله، في بؤرة للقوة الروحية لا يُعءرَف لها نظير، بؤرة انطلق منها شعارنا الرفيع:
اقرأ..
اقرأ..
اقرأ ولكن "باسم ربك الذي خلق).
لذا بنينا حضارة لم تعرف الاستعلاء والاعتداء في عنفوان قوتها، فسجلها التاريخ بأحرف من نور.
فأعلينا جانب الحرية والعدالة وإعمال العقل.. ولم نبغ الفساد في الأرض، فدخلت شعوب وأمم وقوميات في دين الله أفواجاً دون إعمال لسيف أو تهديد بسلاح!
واختارت دين الفطرة بمجرد أن رفعنا عنها بتوفيق الله الإصر والأغلال التي كانت عليها.
-- -- --
إن القائمين على التعليم بكل مراحله عليهم أن يدركوا عظم مسؤوليتهم في تربية أجيالنا إدراكاً عميقاً ومدى ترامي عناصر تلك المسؤولية، ذلك لأن أمانة "تربية" و"تعليم" الأجيال، هي التي تحدد مكانة كياننا السعودي خاصة "وأمتنا العربية والإسلامية" بعامة في الحاضر وفي المستقبل.
-- -- --
على مجتمعنا أن يعلم أن للتربية صلة وثيقة بالقدرة على المنافسة الدولية القائمة على الركنين المحددين للقوة.
الأول: القدرة على التعلّم، وتعلّم كل جديد!!
الثاني: القدرة على التفوق فالابتكار فالثراء فالتمكن!!
-- -- --
ولعله لا يغيب عن البال دائماً بأن ما يفوق ذلك في الأهمية تحصيل "القوة المعنوية" أو حيازة "الإيمان والروح" التي يمكن أن "تولّد" و"تحرّك" طاقات التعلّم وتشعل رغبة المتعلم في التفوق، بل التي تغني البيئة الوطنية كلها من آباء وأمهات، ورجال فكر، وإعلام، وأعمال، فتموج حياة المجتمع كلها بالرغبة في العلم والتفوق، وتندفع تلك الروح في عروق الأجيال المتعلمة من بنين وبنات، فتأتي إلى المدارس والجامعات والمعاهد وقد استيقظ النائمون وسما الخاملون إلى المكارم وذرى المجد.
-- -- --
دعونا نسأل:
لماذا أسند الله إلى الرسل مهمة تربية الشعوب وتعليمها؟
ولماذا كان الرسل معلمين من البداية إلى النهاية؟!
-- -- --
أقول: إنها لحكمة بالغة، فقد اقتضت صفات هؤلاء المعلمين ألا يكونوا معنّتين أو متعنّتين، ولكن الله بعثهم "مبشرين ميسّرين". لأن الروح الإنسانية تستقبل مشرقة باليسر ما ترفضه بالفظاظة فتنغلق دونه أبواب العقل والقلب، وتقبل بالحوار والإقناع ما لا تقبله بالإكراه والقيود!! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف". ويقول تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضَّوا من حولك).
-- -- --
إن "شفرة انشراح صدر المتعلم" يوضحها سر بعثة الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم كما تجلت في مفردات الرحمة الواردة في كتاب الله من نحو قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
وقوله تعالى في وصف القرآن: (قل إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).
وقوله تعالى: (وننِّزلُ من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين).
-- -- --
وقد استخلص العلماء من هذا المنهج معالم يقرؤها طالب العلم تحت عنوان: "حقوق الأبناء على الآباء والمعلمين" فهي حقوق تؤدَّى لتصل كاملة غير منقوصة، وإلا كان المكلَّف آثماً أباً كان أو معلماً بقدر ما انحرم صاحب الحق من حقه..!
وإذن فهي ليست مجرد أقوال!!
إن التربية على "القسوة" ودون استماع لوجهة نظر المتعلم هي: "تربية أقنان وعبيد" تسهم في صناعة خاسرة تقدم للمجتمع "أجيالاً قليلة الجدوى والنفع".
-- -- --
لقد أدركت منذ أن اخترت ميدان التربية والتعليم مجال تخصصي لماذا لا يمكن أن يحمل فرد أو جماعة أو وزارة واحدة مهما اتسعت إمكاناتها مسؤولية التربية والتعليم، أدركت أن التربية شأن من الشؤون التي يتقاسم أبناء الوطن جميعاً فيها المسؤولية، ويتحمل المجتمع بأسره مسؤولية تحريكها وتعظيم شأنها، وتجويد نوعيتها.
-- -- --
وسوف يلاحظ المتأمل أنه مع أن صفة الرسل الربانية بوصفهم معلمين، ومع وجود الزاد السماوي في مواجهة الصعوبات والمواقف، فقد اقتضت حكمة الله وجود سنن جماعية للمسؤولية التربوية في الأمم المتعاقبة، منها:
- أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم "صحابة".
- وأن يكون لكل نبي حواريون، قال رسول صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي بعثه الله في أمة إلا كان له من أمته حواريون يأخذون بسنته ويقتدون بأمره..".
- وأن يكون لموسى عليه السلام أخوه هارون، ردءاً ومدداً فصيحاً يشد أزره في تبليغ الرسالة!
- ولذا فقد حُقَّ لمن يعمل في مجال هذه الأمانة الثقيلة، ويحمل مفاتيحها التي تنوء بالعصبة أولي القوة أن يدعو الله سبحانه بمثل هذا الدعاء:
(رب.. لا تذرني فرداً.. واشدد عضدي بإخواني..).
-- -- --
وأظن أن الناس، كل الناس، كل فرد حسب قدرته، عليه مسؤولية المشاركة الفعالة في حمل أمانة العملية التربوية التعليمية، أني أراها مشاركة واجبة، وهذه المشاركة المجتمعية هي التي حققت تفوقاً في مجتمعات معاصرة، ولقد وجدت ذلك في بلدان بلغت ذروة التطور والنماء حيث يسهم كل فرد في تقديم العون مؤازراً للمدرسة بعلمه وخبرته وبماله وفكره.
إنني أراها أمانة ملزمة بوصفها من واجبات الدفاع عن الوطن.
والسؤال: هل ثمة دفاع دون التزود بكل علم عصري في مجتمع يسعى لإثبات وجوده؟
-- -- --
إن عملية التعليم والتعلّم، مسؤولية مجتمعية تبادلية، وهي تتجلى في ذلك القول المترع بالحكمة التربوية للرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
- "ما بال أقوام لا يفقّهون جيرانهم ولا يعلّمونهم ولا يعظونهم ولا ينهونهم".
- وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقّهون ولا يتّعظون؟
- والله.. ليعلّمن قومٌ جيرانهم ويفقّهونهم ويعظونهم ويأمرونهم.
وليتعلّمنّ قومٌ من جيرانهم.. ويتعظون أو لأعاجلّنهم بالعقوبة.
وقد كان هذا الدفع "للتعليم والتُعلُم" ضمن برنامج زمني صارم محدد المدة، وقد أمهل الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء المقصرين "تعليماً وتعلماً" عاماً واحداً لتطبيقه كما ورد في إحدى الروايات.
- وما سمعت بمثل هذا القول الجليل الحكيم من قبل في أي إرث تربوي لأمة من الأمم، يسرع بها جماعياً إلى المعرفة والتربية في آن واحد "فإذا البيوت مدارس"، وإذا بالقرار النبوي يصدر فتتحول الأمة إلى فريقين متلازمين ومتحابين:
أحدهما: معلمون والآخر: متعلمون، وفي نطاق الجوار يثبت القول: "كلُّ مسؤول عن جاره - يعلّمه ويعظه - والآخر يسعى سعياً ليتعلم ويتفقّه ويتّعظ".
-- -- --
- ينبغي هنا أن أوجز القول: إن جوهر أي أزمة تمر بالمجتمع أو بالشعوب تربوية وتعليمية، أزمة قيمة ومعلومة، وترتيب للأولويات.
- إن وعي الشعوب والأمم بهذه القضية ينبغي أن يكون بالحد الكافي حتى يعدوا للأمر عدته.
-- -- --
ولا بد من التأكيد على أن أزمة الشعوب ومعاناتها ترتبط حاضراً ومستقبلاً بتخلف مستوى التربية والتعليم فيها، وهذه حقيقة لا جدل فيها أثبتها الواقع المعاش في دنيانا الحضارة، وعرقها دارسوا تاريخ الشعوب والبلدان والأمم، وكذلك انفراج الأزمة والخلاص من التخلف يرتبط بتبني الأمم تربية فاعلة تكون لها أولوية استراتيجية، ويتقلد مؤسسات التعليم عامة والعالي منه خاصة الدور الأصيل بأن تكون المؤسسات متبوعة لا تابعة، مؤسسات تتمتع بالانعتاق مما يؤخر مسيرتها، وتحتضن بين جنباتها علماء حكماء كل واحد منهم شغوف برسالته حريص على الأداء المتميز والمتقن، ومجتمع يُعزٌ أهل العلم ويكرم المعلمين، ويشعرهم بأهميتهم ومكانتهم.
ومتى تحقق ذلك تحتل الأمم الذروة وتتخلص من الكبوات.
-- -- --
هنيئاً لكم أيها الأبناء بعودتكم من إجازاتكم إلى معاقل العلم، وإني على يقين من أن كل الآباء والأمهات يقولون معي من الأعماق لكم أيها الأساتذة والمعلمون والمعلمات شكر خالص وامتنان كثير لعنايتكم بفلذات أكبادنا (بنين وبنات).
أضرع إلى الله أن يكون عامنا الدراسي عاماً دراسياً سعيداً، عاماً حافلاً بالنجاح، وكل عام وأنتم بخير.
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.
محمد بن أحمد الرشيد (( وزير التربية والتعليم السعودي السابق ))