«ناجي محمد» الفتى ذو الثمانية عشر ربيعا، الذي وقف ضد الصعاب والخذلان وحيدا شامخا وهو المشلولُ نصفيا، والمسلوب القدرة على الكلام.. لم يضعف يوما. رغم سنه الصغيرة، رغم القيود التي تحسبه يرسف بها إلا أنه كان ماردا بقلبه، عملاقا بتصميمه، بازغا بقوة عقله.. درس مع الأصحاء وتفوق عليهم، ولم تقبله الجامعة رغم لمعان شهادته وذكائه، طـُرد من العمل فقط لأن مديره لم يرق له أن يرى معاقا وهو يدخل كل صباح فيفسد شهيته، ثم صار يرسم ويبيع لوحاته وكأنه يسلخها من جلده.. حتى أخبره الطبيبُ أنه يموت بمرضٍ عضالٍ يأكل الدمَ حتى الفناء..
وليلة يحتضر، وهو يقابل الموت، يشاغل اللحظة النهائية ويشاغلها، كتبَ إليَّ أروع ما يكتبه إنسانٌ وهو متجردٌ من أكسيةِ الحياة الباليةِ صافيا طاهرا مجرَّدا استعدادا لرحلة الخلود، وعناق الأبد.. في لحظة التجلي تلك عرف أنه يجب أن يعنون الرسالة لي، ولما اختارني - والله لا أدري كيف أنقلها لكم، وأعذروني- وكأن السماء شاركته الاختيار.
.. ثم انقطع عني ناجي محمد، ولم أصل إليه، فوجهتُ نداءً عبر مقالةٍ إلى كل من يعرف عنه شيئا.. وصلتني رسائلٌ من المستشفى التخصصي ومن رئيس مدينة الملك فهد الطبية، ومن المستشفى العسكري، وغيرهم لأني طلبت من مستشفيات العاصمة ومن أي قارئ يعرف عن ناجي أن يبلغني.. ولا خبَر!
كانت أمنيتي أن أقبل رأسَه قبل النهاية، ولكن يبدو أن ما قاله هو الذي تحقق، وليس الذي تمنيتُ أنا، فقد قال الحبيبُ «ناجي» كلاما وهو يحتضر أعرف أنه أصدق ما قيل لي حتى يومي هذا:» عمي نجيب، كانت أمنيتي أن أقبل يدك في هذه الحياة، ولكن يبدو أنه لن يتسنى لي ذلك إلا في الحياة الأخرى».. يقبل يدي؟ يالعجزي وخطيئتي.. ألم أقل لكم: بهِ قبـَسٌ من السماء.
ثم جاءتْ الأخبار..
عشرات الرسائل تقاطرت علي وتنقل معها أخبارا بها ريح السموم، ولكن تشم بها وردَ الجنة.. أول رسالةٍ كانت من القارئة الرائعة سارة تميم. ثم انهمرت الرسائل، فعرفت ناجي محمد جيداـ الشاعر العبقري، الرسام الملهم، العبقري المقعد.. كائنٌ شفافٌ مثل صفاء الماء الزلال، عاش بيننا زهرة منسية، تحاول النهوضَ لنشر أريجها لنا، فتدوسها الأقدامُ الكبيرة القاسية، حتى رحلت لتزرع بإذن خالقها عطراً أبديا في تراب الفردوس.
وشعر ناجي يفيض بمعاناة الواقع. ولكن ما أفرز الرفضُ له إلا قصيدة من أجمل ما تقرأ عزما وعاطفة، وكأنه صدَفة البحار التي كلما تأذت تجمعت داخلها الأذية لتنبع منها لؤلؤة شديدة الصلابة ونقية البياض. فبقصيدةٍ عنوانها (معاق) يبدأ ناجي محمد القصيدة بقوله: «كتبتُ هذه القصيدة مواساة لقلبي الحزين بعد أن تم طردي من العمل..»
لا تبتئسْ قلبي ..
فـما ضرّوكَ إذ قالوا «مُعاقْ» ..
يوماً سَـتُبهرُ كلَّ هاتيكَ العقولْ ..
سَـتفيضُ كلُّ قلوبهم بـِدمِ العَجَبْ ..
وسَـُيخبَّرونَ عن اثنتين،
- يتحسرونَ عليهما - :
«ناجي» و «أمجادُ العَرَبْ» !
و بُعيدَ أيامِ الجفاءْ ..
يوماً ، سَـيدعوكَ الزمانُ إلى عِناقْ ..
لا تكتئبْ قلبي ..
عهداً ، سـَأدعو - صامداً - كلَّ الخيولْ ..
وأقولُ : «حيَّ على السِبَاقْ..!»
سَـأقولها ..
كُن واثقاً: سـَيفوزُ خيلكَ بالسباقْ ..
وسـَيعجبونَ لـِفعلِ جبَّارٍ عظيمْ ..
و سَـيندمونَ لـِقولهم عنكَ : «المُعاقْ»!
ناجي محمد 2007م
أرأيتم؟ أشعرتم بهذا التيار يجري بنخاع العظام، ويصعق بُنية الأعصاب، هذه الانتفاضة الباسلة من روح جسور حين يقول: «وبعد أيام الجفاء، سيدعوك الزمانُ إلى عناق»، وكأن الموتَ هو عناقُ حبِّهِ الأخير، وخلاصهِ الأخير.. ويا الهي، إنه الآن في خلاصه وانعتا قه.. إنه في ملكوت أقداسك.
اسمه الكامل، ناجي بن محمد عبد الله الأحمد، من مواليد مدينة الخبر 25 مارس 1989م، وهو حافظٌ للقرآن الكريم، وخريج ثانوي علمي بمعدل 99.3%.. وشاعرٌ و رسام، مبدع في المجالين .. شارك في عدد من المسابقات وفاز بمراكز متقدمة
تعرض للحادث الذي تسبب في إعاقته عام 2003م وأقام بفترة في بيروت للعلاج، عصاميٌّ ومستقل جداً، تنقل في السكن ما بين الرياض والخبر والظهران سعياً وراء العمل، توفي بعد معاناة مع سرطان الدم فجر يوم الجمعة 5 أكتوبر 2007م في مدينة الرياض ودفن فيها. يعني أنه مات بعد ساعاتٍ من وصول رسالته إلي.. فكانت آخر عمل له في الحياة.
عجيب تأثيرك يا ناجي، حركتَ القلوبَ، وأبكيتَ العيون.. وصلني ما لا يعد ولا يحصى من الرسائل والمكالمات كلها وكأنها كتبت بصيغةٍ واحدة، وبنفـَسٍ واحد، كلها تريد أن تفعل شيئا من أجل ناجي حيا أم ميتا.. الإداري الكبير خالد الكاف رئيس موبايلي يوزع آلاف الرسائل لمنتسبي شركته ليقول لهم أنه تعلم من ناجي المثابرة وعدم اليأس وأنه أبكاه كم لم يبك قبل. لم يبق رجل أعمال ولا مسئول في الدولة يعرف هاتفي إلا واتصل يريد أن يقدم أي شيءٍ لناجي، وفي وهران الجزائرية أقيم منتدى باسم ناجي محمد تحت إدارة الطبيبة سعدة الفرواني، وفي فرنسا «رياض علاقي» يقيم في موناكو برنامجا علاجيا أطلق عليه اسم ناجي محمد لمعالجة المرضى بالسرطان من أطفال العرب.. مفكرٌ عربي من مصر معروف بشعره وصمّم ألا أذكر اسمه يكتب قصيدة عن ناجي ويعنونها: «ولكن الإرادة لا تموت..» ويقول لي أنه سيوقعها تحت اسم: (شاعرٌ أيقظ عربيٌ صغير روحه..)
وكتبت الشاعرة السعودية نعمة النواب قصيدة بالإنجليزية، من أجمل روائعها بعنوان «ناجي ونجيب».. كيف عرفتْ أنه اسمه يعكس جمالا على اسمي؟
طلب مني ناجي أن أعده ألا يتعرض أي شخص من هذه الفئة التي حُبس بها عضوٌ مادي بالجسد، لحبسٍ عقليٍّ أو روحي، طلب مني أن أعِده أنه يجب أن يزف الوقتُ الذي نسمح لعقولهم بالتحليق، وأرواحهم بالتريض في فسوحات الدنيا، لأن بهم قدراتٌ كامنة، وناجي يريد أن يقول لنا كلنا: «لو تعلمون، فأن بهم قدراتٌ كامنة، حين يُسمح لها بالظهور ستنفعكم أنتم قبل أن تنفعهم هم..»
ساعدني يا ربي كي أنفذ أمنية ناجي الأخيرة، أمنية من يشاهد الموتَ ينتظر بالجوار.. وقد أمهله حتى كتب الرسالة.. « أنهيت الرسالة يا عمي نجيب، ولقد ارتحتُ الآن، وإن وصلتك فهذه هي غاية ما أتمنى»..
والرسالة وصلت.. وتعدت يا ناجي.
اللهم حان الوقت أن يرتاح هذا الصغير، وأن يبتسم في قبره، اللهم صار حرا في عالم يُطلق قيودَ القلوبِ المؤمنة.. وهو الآن بإذنك طيرٌ يجول بلا حدود ولا يعرف سوى فرحا خالدا لنفس لم يهزمها الشقاءُ، ولم يغلبها الألم.. بل بقيت حكمة وتجربة ومثالا.
ولأبيه الصابر نسأل اللهَ له رسوخ الإيمان، ومغالبة الأحزان.. ولعل ناجي بمشيئة المولى ينتظره جميل مضيئ جذِل على بوابات الفردوس..
نعم.. يا ناجي: فاز خيلـُكَ بالسباق!