المنافذ الرئيسة التى يتعلم بها ومن خلالها الطفل هى الحواس التى وهبها الله عز وجل له ، فالطفل فى قابل حياته يتعلم عن طريق السمع والبصر واللمس والشم والتذوق ، وكلما كانت المفاهيم التى يتعلمها الطفل من الواقع المحسوس الملموس كان التعلم أثبت وأقرب وأوضح .
والرسول المعلم صلى الله عليه وسلم عندما كان يعلم الصحابة أمور دينهم – كبارا كانوا أو صغرا – كان يستخدم معهم ما يقرب الفكرة إليهم وذلك بتجسيد هذه الفكرة فى ضوء الواقع المحسوس والملموس للصحابة وكان صلى الله عليه وسلم يتدرج فى استخدام هذا الأسلوب .
وكان يمر بمراحل تتناسب مع احتياج المتعلم وقدراته وإمكاناته فكان صلى الله عليه وسلم يبدأ معهم باستدعاء الخيال من ضرب مثل من الواقع المشاهد ، وأحيانا يوضح لهم الفكرة عن طريق رسوم توضيحية أو يطبق بنفسه صلى الله عليه ما يريد أن يعلمهم كالصلاة والوضوء ، وعندما تحين الفرصة ينتهزها صلى الله عليه وسلم ليوضح لهم ما يريد أن يعلمهم .
وفيما يلى أمثلة من حياته صلى الله عليه وسلم توضح هذا الأسلوب وكيف استخدمه .
أ – استدعاء الخيال بضرب المثل :
كان عليه الصلاة والسلام يستعين على توضيح مواعظه بضرب المثل مما يشهده الناس بأم أعينهم ، ويقع تحت حواسهم وفى متناول أيديهم ، ليكون وقع الموعظة فى النفس أشد ، وفى الذهن أرسخ !!..
روى النسائى فى سنته عن أنس رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة (فاكهة تشبه البرتقال) ريحها طيب وطعمها طيب ، مثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ، ، ومثل الفاجر الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ، ومثل جليس السوء كصاحب الكير (كمثل الحداد النافخ فى النار) إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه\" .
وفى هذه التشبيهات النبوية أبلغ ترغيب فى الخير ، وأزجر تحذير عن الشر ، بأوضح أسلوب يدركه المخاطبون
ب – التمثيل بأجزاء الجسم
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يؤكد أمرا مهما يمثل بكلتى يديه إشارة منه إلى الأمر المهم الذى يجب أن يهتموا به ويمتثلوه ...
روى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك قال رسول الله بين أصابعه\" .
روى البخارى عن سهل ابن سعد الساعدى (رضى الله عنهم) قال : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين\" ، وأشار بالسبابة والوسطى .
وروى الترمذى فى سنته عن سفيان ابن عبد الله البجلى رضى الله عنه قال : قلت يا رسول الله حدثنى بأمر أعتصم به قال : \"قل ربى الله ثم استقم\" \"قلت : يا رسول الله ما أخوف ما تخاف على؟ فأخذ عليه الصلاة والسلام بلسان نفسه ثم قال : (هذا) .
والأمثلة على هذا فى السنة كثيرة – كثيرة ومستفيضة .
جـ – رسوم على سبورة النبوة :
وكان صلى الله عليه وسلم يخط أمام أصحابه خطوطاً ليوضح لهم بعض المفاهيم المهمة ، ويقرب إلى أذهانهم بعض التصورات المفيدة ..
روى البخارى فى صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا ، وخط خطا خارج منه ، وخط خطوطا مغايرة إلى هذا الذى فى الوسط من جانبه الذى فى الوسط ، فقال : \"هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به ، وهذا الذى خارج (أى عن الخط) أمله ، وهذه الخطوط الصغار والأعراض هى الحوادث والنوائب المفاجئة ، فإن أخطأ هذا نهشه هذا ، وإن أخطا هذا نهشه هذا ، وإن أخطأه كلها أصابه الهرم) .
فبين لهم عليه الصلاة والسلام بما رسمه على الأرض كيف يحال بين الإنسان والآمال الواسعة بالموت المباغت أو الحوادث النازلة ، أو الهرم المضنى المقعد ... وهذا توضيح جميل من المعلم الأول عليه الصلاة والسلام .
وروى الإمام أحمد فى مسنده عن جابر رضى الله عنه قال : كنا جلوسا عند النى صلى الله عليه فخط بيده فى الأرض خطا – هكذا – فقال : هذا سبيل الله وخط خطين عن يمينه ، وخطين عن شماله ، وقال : هذه سبل الشيطان ، ثم وضع يده فى الخط الأوسط ثم تلا هذه الآية : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) (1)
فبين لهم عليه الصلاة والسلام بما رسمه لهم على الأرض أن منهج الإسلام هو الصراط المستقيم الموصل إلى العزة والجنة، وأن ما عداه من المبادئ والنظم والأفكار ... هى سبل الشيطان، وطرقه الموصلة إلى الدمار والنار ...