من أنواع الأحاديث الضعيفة ... الحديث المدلس ... واليكم تفصيله
التدليس قسمان :
أحدهما : تدليس الإسناد ، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه
، موهماً أنه سمعه منه . أو : عمن عاصره ولم يلقه ، موهماً أنه
قد لقيه وسمعه منه . ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر .
ومن شأنه أن لا يقول في ذلك أخبرنا فلان ولا حدثنا وما أشبههما .
وإنما يقول قال فلان ، أو : عن فلان ونحو ذلك .
مثال ذلك : ما روينا عن علي بن خشرم قال : كنا عند ابن عيينة ،
فقال : قال الزهري ، فقيل له : حدثكم الزهري ؟ فسكت ، ثم قال :
قال الزهري ، فقيل له : سمعته من الزهري ؟ فقال : لا ، لم أسمعه
من الزهري ، ولا ممن سمعه من الزهري ، حدثني عبد الرزاق ، عن
معمر عن الزهري .
القسم الثاني : تدليس الشيوخ ، وهو : أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه
منه ، فيسميه ، أو يكنِّيه ، أو ينسبهُ ، أو يصفهُ بما لا يَعرف
به ، كي لا يُعرف .
مثاله : ما روي لنا عن أبي بكر بن مجاهد ، الإمام المقري : أنه
روى عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني فقال : حدَّثنا
عبد الله بن أبي عبد الله . وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن
النقَّاش المفسر المقري ، فقال : حدثنا محمد بن سند ، نسبه إلى
جدٍ له ، والله أعلم .
أما القسم الأول : فمكروه جداً ، ذمَّه أكثر العلماء ، وكان شعبة
من أشدهم ذماً له . فروينا عن الشافعي الإمام ، رضي الله عنه أنه
قال : التدليس أخو الكذب . وروينا عنه أنه قال : لأن أزني أَحبُ
إليِّ من أن أُدلَّس . وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في
الزجر عنه والتنفير .
ثم اختلفوا في قبول رواية من عرف بهذا التدليس : فجعله فريق من
أهل الحديث والفقهاء مجروحاً بذلك ، وقالوا : لا تُقبل روايته
بحال ، بَّين السماع أو لم يبِّين .
والصحيح التفصيل : وإن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبِّين فيه
السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه . وما رواه بلفظ مبين
للاتصال ، نحو سمعت ، وحدثنا ، وأخبرنا وأشباهها فهو مقبول مُحتج
به .
وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير
جداً : كقتادة ، والأعمش ، والسفيانين ، وهشام بن بشير ، وغيرهم
.
وهذا لأن التدليس ليس كذباً ، وإنما هو ضربُُ من الإبهام بلفظ
محتمل .
والحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبِّين قد أجراه الشافعي رضي
الله عنه فيمن عرفناه دلَّس مرة ، والله أعلم .
وأما القسم الثاني : فأمره أخف ، وفيه تضييع للمروي عنه ، وتوعير
لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته .
ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه ، فقد يحمله
على ذلك كون شيخه الذي غَّير سمته غير ثقة ، أو كونه متأخر
الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه ، أو كونه أصغر سناً
من الراوي عنه ، أو كونه كثير الرواية عنه فلا يجب الإكثار من
ذكر شخصٍ واحدٍ على صورةٍ واحدةٍ .
وتسمح بذلك جماعة من الرواة المصنفين ، منهم الخطيب أبو بكر ،
فقد كان لهَجِاً به في تصانيفه ، والله أعلم .