في بحر الخزر جزائر مقابلة لساحل جرجان ، يصاد منها نوع من البُزاة البيض ، وهذا النوع من البزاة أسرع الضواري إجابة ، وأقلها معاشرة ، إلاّ أن في هذا النوع من البزاة شيئا من الضعف ، لأن الصائد يصطادها من هذه الجزائر فيغذيها بالسمك ، فإذا أختلف عليها الغذاء عرض لها الضعف ، وقد قال الجمهور من أهل المعرفة بالضواري وأنواع الجوارح : إنّ البازي إذا كان الى البياض في اللون ، فإنّه أسرع البزاة وأحسنها وأنبلها أجساماً ، وأجرؤها قلوبا ، وأسهلها رياضةً ؛ وإنه أقوى جميع البزاة على السمو في الجو ، وأذهبها الصعداء وأبعدها غاية في الهواء ؛ لأن فيها من حرف الحرارة وجراءة القلب ماليس في غيرها من جميع انواع البزاة ، وإن إختلاف الوانها لإختلاف مواضعها ، وإن من أجل ذلك خلصت البياض لكثرة الثلج في أرمينية وأرض الخزر وجرجان وماوالاها من بلاد الترك .
وقد وصفت الحكماء والملوك البزاة ، وأغربت في الوصف ، وأطنبت في المدح ، فقال خاقان ملك الترك : البازي شجاع مريد وقال كسرى انوشروان : البازي رفيق يحسن الإشارة ولا يؤخر الفرص إذا أمكنت ، وقال قيصر : البازي ملك كريم إن إحتاج أخذ وإن أستغنى ترك ، وقالت الفلاسفة حسبك من البازي سرعة في الطلب وقوة على الرزق وفي السمو إذا طالت قوادمه وبَعُدَ مابين منكبيه فذلك أبعد لغايته وأخف لسرعته ، ألا ترى الى الصقور لاتزداد في غاياتها إلاّ بعداً وسرعة وقوة على التكرار ، وذلك لطول قوادمها مع كثافة اجسامها ، وإنما قصرت غاية البازي لقصر جناحيه ورقة جسمه ، فإذا طالت به الغاية أخره ذلك حتى تشتد نفسه ، ولا تؤتى الجوارح إلاّ من قصر القوادم ، ألا ترى إنّ الدراج والسمان والحجل وأشباهها حين قصرت قوادمها كيف قصرت غاياتها ؟ وقال ارستيجانس : البازي طير عاري الحجاب ، وما يفوته في كسوره يزيده في أخمصه ورجليه ، وهو أضعف الطير جسماً ، وأقواها قلبا وأشجعها وذلك لفضله على ساءر الطير بالجزء الذي فيه من الحرارة التي ليست في شئ منها ، ووجدنا صدورها منسوجة بالعصب لالحم عليها وقال جالينوس مؤيدا لما ذهب اليه ارستيجانس : إن البازي لايتخذ وكرا إلاّ في شجرة لفّاء مشتبكة بالشوك مختلفة الحجوم بين شجر خشن طلبا للسكن ودفعا لألم الحر والبرد ، فإذا أراد أن يفرخ بني لنفسه بيتا وسقفه تسقيفا لايصل اليه منه مطر ولا ثلج إشفاقا على نفسه وفراخه من البرد .
المصدر : مروج الذهب للمسعودي المتوفي 346 من الهجرة
المجلد الأول