بسام السيد
مفكرة الإسلام: تثار العديد من الشكوك حول مؤتمر "السلام" الدولي الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في 15 يوليو الماضي في سياق حديثه المطول عن تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط خاصة القضية الفلسطينية، حيث كان لافتاً أن الإعلان عن المؤتمر، المقرر أن يعقد في الخريف القادم، جاء هكذا عاماً ومن دون الكثير من التفاصيل.
*المؤتمر وتغير الموقف الأمريكي:
والشكوك التي أثيرت حول هذه الدعوة ترجع - بجانب عدم المصداقية الأمريكية خاصة عندما يتعلق الأمر بـ"إسرائيل" - لاختلافها عما تبنته الإدارة الأمريكية سابقًا تحت قيادة بوش من رفض التدخل الدولي في حل هذا الملف، فمنذ تولى بوش الرئاسة تبنى سياسة عدم الاقتراب من هذا الملف، على اعتبار أنه لن يستطيع أن يفعل أكثر مما فعله الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" بجانب أن إدارة بوش تبنت أكثر من أية إدارة أمريكية سابقة وجهة النظر "الإسرائيلية"، حيث استطاعت "إسرائيل" أن تفشل خطة "خريطة الطريق" وحصل شارون قبل أن يدخل في غيبوبته الطويلة على خطاب ضمانات من بوش عام 2004، أطلق يد شارون تمامًا في التعامل مع القضية الفلسطينية, وهو الأمر الذي دفع للاعتقاد بعدم جدية بوش في التعامل بجدية مع هذا الملف.
كما أن الإدارة الأمريكية رفضت عام 2005 مقترحًا روسيًا لعقد مؤتمر دولي في موسكو لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، ووقفت واشنطن عقبة حالت دون انعقاد هذا المؤتمر.
هذا التغير المفاجئ في موقف الإدارة الأمريكية ، يوحي بوجود مكاسب ستحصدها الأطراف المشاركة في هذا المؤتمر وعلى رأسهم الولايات المتحدة وربيبتها "إسرائيل" وهو ما دفع بوش لتغيير موقفه.
أولاً المكاسب الأمريكية من المؤتمر:
1- محاولة التغطية على إخفاقات الإدارة الأمريكية:
فهذا المؤتمر يأتي في سياق المحاولات التي تقوم بها إدارة بوش، لتحقيق إنجاز قبيل مغادرة هذه الإدارة للبيت الأبيض، للتغطية على فشل سياساتها في أكثر من مكان، في العراق وأفغانستان وغيره، وبوش أحوج ما يكون إلى نجاح ولو شكلي للتقليل من الانتقادات الكثيرة التي توجه له.
2- تلميع صورة واشنطن في المنطقة:
هذه الصورة التي اهتزت بفعل الانحياز الأعمى والدعم المطلق للاحتلال الإسرائيلي، هذا الانحياز سبب لواشنطن العديد من المشاكل حتى في أوروبا، حيث حازت الولايات المتحدة نصيبًا كبيرًا من كراهية شعوب العالم الغربي فضلاً عن العالم العربي والإسلامي، وهذا المؤتمر قد يجمل من صورة الولايات المتحدة المشوهة باعتبارها راعية المؤتمر وأنها تسعى لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.
3- تحقيق مكاسب انتخابية داخلية للحزب الجمهوري:
فالبعض يرى أن دعوة بوش للمؤتمر تهدف لتحقيق مكاسب انتخابية في الداخل فضلاً عن المكاسب الدولية وأنها محاولة من جانب إدارة "بوش" لتحقيق إنجاز ما يحفظ لها ماء الوجه ويغطي على فشلها في العديد من القضايا، لاسيما مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية القادمة وتراجع شعبية هذه الإدارة وشعبية الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه.
4- المساعدة للنجاح في الملف العراقي:
فالنجاح في الملف العراقي يتطلب تهدئة الملف الفلسطيني وفتح أفق سياسي يقنع العرب بالتعاون مع الإدارة الأمريكية لإنهاء الأعمال المسلحة في العراق، ويشير بعض المراقبين في هذا الصدد أن واشنطن قد ترى أن المساهمة في التوصل لحل للقضية الفلسطينية وسيلة لإقناع الدول العربية بالمشاركة في توفير غطاء لهزيمتها في العراق، وذلك بأن تحل الجيوش العربية محل الجيش الأمريكي، والقبول بتقسيم العراق.
5- تهيئة المنطقة لحرب محتملة على إيران:
فالمشكلة النووية الإيرانية تأتي على رأس المشاكل التي تواجه الإدارة الأمريكية لما تشكله من تغير في موازين القوى في المنطقة، هذا الهاجس يؤرق الإدارة الأمريكية ويزيد من احتمالية توجيه ضربة لإيران، وفي هذا السياق تسعى واشنطن لتهيئة الأجواء الإقليمية لهذه الضربة وهنا تبرز القضية الفلسطينية باعتبارها الأهم التي يتوجب حلها أو في أقل التقديرات إعطاء انطباع بجدية النوايا الأمريكية تجاهها من خلال الدعوة للمؤتمر، ويشبه البعض المرحلة التي تمر بها المنطقة والتصعيد الأمريكي ضد طهران بمرحلة بداية التسعينيات من القرن الماضي وتحديداً أزمة الخليج الثانية على اعتبار أن إعادة هيكلة المنطقة وتحالفاتها كان تمهيدًا منطقيًا لحرب الخليج الثانية.
ثانيًا المكاسب "الإسرائيلية" من المؤتمر:
غني عن البيان أنه في كل مؤتمر أو مبادرة للبحث عن حل للقضية الفلسطينية كانت "إسرائيل" تحقق مكسبا على حساب الطرف الفلسطيني الذي يبادر في تقديم تنازلات بسخاء ، حدث هذا بدأ من مؤتمر مدريد وأوسلو وواي ريفر وكامب ديفد، وخريطة الطريق وتفاهمات شرم الشيخ وحتى وقتنا الحاضر.
غير أن "إسرائيل" تسعى من خلال هذا المؤتمر الأخير لتحقيق عدد من المكاسب بجانب التنازلات التي ستحصل عليها من الطرف الفلسطيني:
1- مساعدة الحكومة الإسرائيلية على الخروج من أزمتها الداخلية:
جاءت فكرة المؤتمر لتطيل عمر الحكومة "الإسرائيلية" بقيادة "إيهود أولمرت" الآيلة للسقوط بسبب نتائج حرب الصيف الماضي وبسبب تقرير فينوغراد الذي أدان جميع المستويات السياسية والأمنية والعسكرية ونتج عنه استقالات كثيرة، ومن ثم سعى أولمرت من خلال الموافقة على فكرة هذا المؤتمر لتحويل أنظار المجتمع "الإسرائيلي" نحو اتجاه آخر، خاصة وهو يرى خلافات الفلسطينيين بمثابة فرصة له للتحكم بمسارات التسوية وحدودها، على الجبهة الفلسطينية.
2- تعميق الانقسام في الصف الفلسطيني:
ثمة إدراك "إسرائيلي" متزايد لحقيقة أن إضعاف الفلسطينيين يجب أن يمر بتجزئتهم، على الطريقة الاستعمارية التقليدية الشائعة "فرق تسد". وفي إطار هذا السعي "الإسرائيلي" إلى إحداث قطيعة بين حماس والسلطة الفلسطينية، جاءت الدعوة لعقد مؤتمر دولي جديد للسلام في الشرق الأوسط لفرض مزيد من الحصار على حركة حماس، وتقديم الدعم لحركة فتح، وبالتالي فالمؤتمر برمته هو محاولة لتعميق حالة الانقسام الفلسطيني وليس محاولة من بوش لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.
3- محاولة لتفكيك النظام العربي:
يفرض هذا المؤتمر مزيدًا من التشرذم والتفرق داخل الساحة العربية نتيجة لتباين المواقف من المؤتمر تجسيداً لما نادى به بوش في السنوات الماضية، حول "محور الخير ومحور الشر"، وحالة الانقسام الناتج عن تباين المواقف اتضحت بجلاء خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة ؛ حيث رحب البيان الختامي للاجتماع بدعوة "بوش" إلى عقد هذا المؤتمر الدولي، الأمر الذي تحفظت عليه سوريا بشدة، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية وانسحب مندوبها من الاجتماع.
4- تحسين صورة الكيان الصهيوني:
من خلال تسويق "إسرائيل" لصورتها بين دول العالم بأنها حريصة على حضور مؤتمر السلام وتحقيق المصالحة في المنطقة لإنهاء الصراعات المحتدمة وتوفير الأمن والسلام العالمي.
5- التطبيع "الإسرائيلي" مع الدول العربية:
الرئيس الأمريكي "جورج بوش" طالب في خطابه، أواسط يوليو الماضي، كل الدول التي ستشارك في المؤتمر بالاعتراف بوجود "إسرائيل"، والتنكر للعنف، والتعهد بتأييد الاتفاقات السابقة، والشروط الأمريكية هذه للدول المشاركة في المؤتمر تهدف إلى تطبيع العلاقات بين الدول العربية وعلى رأسهم دول الخليج و"إسرائيل"، ومن هنا نفهم التركيز "الإسرائيلي" الكبير على حضور المملكة العربية السعودية، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والعديد من الدول الأخرى، وحتى الآن لا يمكن القول: إن الرياض حسمت موقفها من حضور المؤتمر، إذ ثمة تصريحات كثيرة في هذا السياق، بعضها أقرب إلى الرفض.
6- تشديد الحصار المفروض على حماس:
من خلال تعميق الانقسام بينها وبين السلطة الفلسطينية، بجانب أخذ التعهدات على الدول العربية المشاركة في المؤتمر وقف أي دعم أو تعاون مع حماس، باعتبار أنها حركة رافضة للسلام وتعطل المشاريع التي سيتم الاتفاق عليها.
7- القدرة على مواجهة الأزمات التي قد تعصف بالمنطقة:
"إسرائيل" تدرك تمامًا أن هزيمة أمريكا في العراق باتت قريبة, الأمر الذي سيكون له آثار مدمرة على مستقبلها، وفي هذا الصدد تحدثت صحيفة ""يديعوت أحرونوت" عن وثيقة وصفتها بأنها "بالغة الخطورة"، تعلقت بسيناريوهات ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق. وأشارت إلى أن الوثيقة قدمت إلى وزير الدفاع "إيهود باراك"، الذي استنفر طاقم وزارته لدراستها، وذكرت أن إعدادها استغرق ثلاثة أشهر، وأن فرق عمل من خمس جهات شاركت في الإعداد، وهذه الجهات هي: وزارة الدفاع - شعبة الاستخبارات العسكرية - قسم التخطيط في الجيش - مجلس الأمن القومي - وزارة الخارجية، وكان السؤال الأساسي الذي طلب من الجميع الإجابة عليه هو: كيف سيؤثر الانسحاب الأمريكي من العراق على المصالح الاستراتيجية لـ"إسرائيل"؟ وكانت الإجابة كالتالي: إن الانسحاب سوف ينتج عنه تشكل شرق أوسط جديد بكل معنى الكلمة، إذ سيكون الانسحاب بمثابة "تسونامي" يضرب المنطقة، لأنه سيسفر عن تغيرات جذرية سيكون لها تأثيرها السلبي على كل حلفاء أمريكا في المنطقة، ولكن "إسرائيل" ستكون الأكثر تضررًا، وقدرت الوثيقة أن واشنطن حسمت أمرها فيما يتعلق بالانسحاب المبكر من العراق. ودللت على ذلك بقرار الإدارة الأمريكية رفع المساعدات الأمريكية لـ"إسرائيل" بشكل كبير، بحيث تصل في غضون عقد من الزمان إلى ثلاثين مليار دولار بواقع ثلاثة مليارات كل عام".
إلى جانب ذلك فالمنطقة تشهد كذلك خطر الهجوم الأمريكي على إيران وتحول هذا الهجوم إلى حرب إقليمية تشمل دول الخليج والعراق وسوريا ولبنان و"إسرائيل"، الأمر الذي يدعو "إسرائيل" لتكوين تحالف مع ما تسمى بدول الاعتدال العربي ويكون هذا المؤتمر بداية انطلاقه، ما قد يساعد "إسرائيل" في مواجهة الأزمات المرشحة لأن تعصف بالمنطقة.
هذا عن مكاسب الولايات المتحدة وربيبتها "إسرائيل" من الدعوة لهذا المؤتمر, فهل هذه المكاسب حقيقية أم موهومة؟ وماذا عن مكاسب الأطراف العربية المشاركة في المؤتمر؟ هذا ما سنتناوله في حلقة قادمة.