كتب أ. ممدوح إسماعيل*
28/11/2007
"إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، فقد خدمت الأمة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلن أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أبداً، وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدوني إلى سلانيك فقبلت بهذا التكليف الأخير هذا وحمدت المولى وأحمده أأنني لم أقبل أن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشىء عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين ..."
--------------------
تسارعت الدول العربية جميعها للهرولة نحو أنابوليس ورغم كل ما قيل عن أنه مؤامرة لخيانة القضية الفلسطنية وحقوق الفلسطنيين وبيع فلسطين والقدس والأقصى إلا أن الدول العربية لم تهتم حتى سوريا التى شنفت الآذان بالصمود والتصدى هرولت هى الأخرى، والتساؤل لما يهرلون هل كما قال كاتب القومية العربية هيكل على قناة الجزيرة: إنهم لن يجدوا في أنابوليس غير السمك اللذيذ الذي تشتهر به أنا بوليس.
ورغم كل التحذيرات والتنبيهات لخطورة مؤامرة أنابوليس إلا أن العرب جميعهم ذهبوا للمؤامرة ولا يسعنا غير أن نذكرهم بموقف مر عليه ما يقرب من مائة عام لمسلم اجتمعت عليه وعلى دولته المؤامرات من كل اتجاه؛ إنه السلطان عبد الحميد.. له موقف تاريخي ورسالة هامة للعرب فدعونا نقف أولاً مع رسالة السلطان العثماني عبد الحميد آخر خلفاء الدولة العثمانية وموقفه الرائع ثم نعود للعرب.
فعندما نقلب صفحات التاريخ نجد فى بداية أطماع اليهود في فلسطين صورة مشرفة لمواجهة خيانة فلسطين قدمها لنا السلطان عبد الحميد آخر خلفاء الدولة العثمانية. ورغم أن أيامه شهدت محن واضطرابات وثقل ديون وضعف وأحداث كثيرة كانت كلها تصب في ضعف شديد لدولته وحكمه إلا أن الرجل كان شريفاً عزيزاً وذلك عندما قام اليهود بمحاولة خسيسة مع السلطان فأوفدوا إليه الثري اليهودي قره صو لمقابلته وفي المقابلة قال قره صو للسلطان: (إني قادم مندوباً عن الجمعية الماسونية لتكليف جلالتكم بأن تقبلوا خمسين مليون ليرة ذهبية هدية لخزينتكم الخاصة ومائة مليون كقرض لخزينة الدولة بلا فائدة لمدة مائة سنة على أن تسمحوا لنا ببعض الامتيازات في فلسطين فلم يتم قره صو كلامه حتى نظر السلطان عبد الحميد إلى مرافقه بغضب وقال له: هل كنت تعلم ماذا يريد هذا الخنزير؟ فارتمى المرافق على قدمي السلطان مقسماً بعدم علمه فالتفت السلطان إلى قره صو وقال له: أخرج من وجهي يا سافل) فأرسل إليه ثره صو برقية تضمنت أن رفضك سيكلفك مملكتك وأنت شخصياً فلم يهتز السلطان عبد الحميد.
ولقد حاول اليهود مرة ثانية عن طريق هرتزل اليهودي الذى حاول رشوة السلطان مقابل امتيازات لليهود في فلسطين فرفض السلطان في إباء وشموخ وعزة وكبرياء ندر أن نجدها في هذا الزمان ولقد كتب هرتزل – الموقف في مذكراته فقال: (ونصحني السلطان عبد الحميد أن لا أتخذ أية خطوة أخرى في هذا السبيل لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين إذ هي ليست ملكاً له بل هي لأمته الإسلامية التي قاتلت من أجلها وروت التربة بدماء أبنائها كما نصحني أن يحتفظ اليهود بملايينهم، وقال: إذا تجزأت امبراطوريتي يوماً ما فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون لي من أن أرى فلسطين قد بترت من امبراطوريتي وهذا أمر لا يكون).
ولقد حاول اليهود عن طريق حزب الاتحاد والترقى (يهود الدونمة) ولقد ذكر السلطان تلك المحاولة في رسالة هامة لشيخه في مذكرات نسردها للعظمة والتأمل والاستفادة التاريخية يقول السلطان: (إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا عليَّ بأن أصادق على وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين) ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف وأخيراً وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة ذهبية إنكليزية فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي:
"إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، فقد خدمت الأمة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلن أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أبداً، وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدوني إلى سلانيك فقبلت بهذا التكليف الأخير هذا وحمدت المولى وأحمده أأنني لم أقبل أن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشىء عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين ..."
انتهى كلام السلطان عبد الحميد بموقف مشرف عظيم سطره التاريخ بحروف من ذهب وللأسف لم يسطر التاريخ بعد عبد الحميد من يرفض بيع فلسطين وموقف السلطان عبد الحميد رسالة هامة للعرب المجتمعين في أنابوليس ولكن هل يعي العرب الرسالة أشك في ذلك فقد دخلت الخيانة لفلسطين من أوسع الأبواب نعم فالخيانة سلاح قديم خسيس عرفته البشرية قديماً واستخدمته الدول والحكومات والجماعات والقوى المختلفة لإحداث نكاية سريعة وحاسمة بالطرف الآخر المعادي لها عن طريق تجنيد أفراد بتغيير انتماءهم لدينهم أو لوطنهم أو لمعتقداتهم أو مجتمعهم وهؤلاء الأفراد يستعملون كيفما شاء عدو دينهم أو وطنهم أو مجتمعهم لإحداث نكاية مؤثرة بأهلهم وبلدانهم.
وقد عرف التاريخ خيانة لأفراد شغلوا أماكن مختلفة في بلادهم من حكام إلى وزراء إلى ضباط إلى أفراد من عامة الشعوب.
وللأسف من يخون فلسطين عربياً باع الحق والمقدسات والأرض والدماء والأعراض من أجل كرسي ومنصب زائل لا محالة وقد دخل العرب جميعاً نفق الخيانة المظلم في أنابوليس فهل يستطيعون الهروب منه ولو بعضهم أو أحدهم يعي رسالة السلطان عبد الحميد ويتخذ موقف بطولي للتاريخ ولفلسطين أم أن السمك اللذيذ في أنابوليس سوف يلهيهم جميعاً ويشبع بطونهم فلا يستطيعون الحركة أو الكلام ويكتفون بالإشارة على بيع فلسطين موافقون موافقون.