في عينيها يشاهد المرء امامه صورة حية لدولة مزقتها الحروب طوال فترة زادت على 23 عاما قتل خلالها 1.5 مليون شخص وشرد 3.5 ملايين آخرون ،
يعيشون الآن كلاجئين بعيدا عن وطنهم انها امرأة افغانية تدعى شربات جولا، لاتدري هي نفسها عمرها الحقيقي فهي تبلغ اما 28 او 29 او 30 عاما. فهي تعيش في احدى بقاع الارض التي لاتعرف شيئا عن سجلات المواليد ولا اي شيء اخر سوى الحرب والحرب فقط: افغانستان، التي يقول عنها احد تجارها انه «ما من عائلة افغانية الا وقد ذاقت مرارة الحروب». فمن هي تلك المرأة التي تعطي تجسيدا حيا للمعاناة الافغانية؟ منذ 17 عاما ذهب احد مصوري مجلة «ناشيونال جيوجرافيك» لالتقاط صور حية لاحد معسكرات اللاجئين في باكستان الذي كان عبارة عن مجموعات من الخيام يعيش فيها آلاف من اللاجئين الافغان الذين شردتهم ويلات الحروب الاهلية ودفعت بهم خارج وطنهم.
وبينما كان المصور يقوم بعمله جذبت انظاره تلك الفتاة بعينيها الخضراوين المليئتين بكل اشكال الحزن والاسى واقترب منها وشعر بخجلها الشديد يزيد من نبض قلبها ولكنه فوجيء بانها تحدثه قائلة: «ايمكن ان تلتقط لي صورة» قالت تلك العبارة بالبشتونية التي كان قد تعلم المصور قدرا منها حتى يتسنى له انجاز عمله، ويقول المصور مستدعيا ما خالجه من شعور، عندما طلبت الفتاة منه هذا الامر: «لم اعتقد ان صورة تلك الفتاة ستكون مختلفة عن اي شيء قمت بتصويره في ذلك اليوم غير ان الصورة بالفعل كانت مختلفة كل الاختلاف. فالصورة التي التقطها المصور ستيف ماكيري عام 1984 اصبحت من اهم الصور التي يشار اليها عند الحديث عن المعاناة الافغانية وذلك عقب نشرها على غلاف المجلة عام 1985 وعرفت في الاوساط الاعلامية بأنها «الفتاة الافغانية» غير ان احدا لم يعرف اسمها، وظل اسمها هذا غير معروف طوال 17 عاما حتى يناير الماضي عندما قرر تلفزيون ناشيونال جرافيك ارسال المصور مرة اخرى للبحث عن الفتاة ذات العينين الخضراوين لمعرفة تأثير ما جرى في افغانستان عليها.
قام فريق البحث باصطحاب صورة الفتاة معهم وذهبوا الى معسكر ناصر باغ الواقع بالقرب من مدينة بيشاور الباكستانية والذي كانت تتواجد فيه الفتاة اظهروا صورتها للمقيمين في المعسكر حتى توصلوا الى شخص قال انه يعرف تلك الفتاة فقد كان يعيش بجانب اسرتها في المعسكر وقال انها رجعت الى افغانستان منذ عدة سنوات والآن تعيش في الجبال قرب تورا بورا. وقال انه يستطيع ان يذهب ويأتي بها وبالفعل وصلت الفتاة التي غدت امرأة بعد ثلاثة ايام فالقرية التي كانت تقطن بها تقع على مسافة ست ساعات بالسيارة اضافة الى ثلاث ساعات اخرى يحتاجها المرء كي يتسلق الجبال الواقعة على الحدود بين باكستان وافغانستان للوصول اليها وعندما دخلت الحجرة التي كان موجودا بها فريق البحث والمصور تيقن ماك كيرى انها هي بعينيها الخضراوين.
غير انها لم تعد الفتاة التي قابلها كيري منذ 17 عاما فالاسى والحزن اللذان نتجا عن سنين الحرب الفائتة والحالية تمكنا من وجهها بشكل اكبر واصبحت المعاناة هي السمة الرئيسية التي تعلو محيا هذه المرأة التي كانت لاتزال طفلة عندما وقعت بلادها اسيرة الغزو الروسي، ولم تكن قد تعدت السادسة من عمرها عندما تسبب القذف الصاروخي الروسي في قتل ابويها امام عينيها ثم جاءت الحرب الاخيرة لتفتح فصلا جديدا من الحزن والاسى في حياتها.
ولم تأت المرأة وحدها فقد اصطحبها اخوها الذي بدأ سرد قصة عائلتة قائلا: «لقد غادرنا افغانستان هربا من الحرب.. فالروس كانوا في كل مكان يقتلون كل من يجدونه.. لم يكن لدينا خيار آخر سوى الهرب». وكانت العائلة وقتذاك تتألف من اربع فتيات شقيقات وأخ والجدة والاب والام قبل ان يلقيا حتفهما.
وكان الامر صعبا حتى بعد وصول العائلة للمعسكر الذي كان يشكل معاناة اخرى لجميع افراد العائلة لاسيما الفتيات وظلت شربات واخواتها هناك حتى منتصف التسعينيات حيث انتهزت فرصة الهدوء النسبي للاوضاع وقررت ان ترجع مرة اخرى الى قريتها في سفح الجبال المغطاة بالثلوج فمهما تكن صعوبة الرحلة والاقامة في القرية التي علاها الدمار كان الوضع افضل بالنسبة لها من ان تظل في المعسكر وبعد التدمير الذي اصيبت به القرية، كان على شربات ان تبدأ من الصفر حتى توجد لنفسها حياة فلم يكن هناك سوى بعض الاشجار وبعض الاراضي التي يمكن ان تنبت لها ارزا وقمحا تسد به رمقها ورمق عائلتها حيث كانت قد تزوجت من بيشاور وانجبت ثلاث بنات.
كانت تستيقظ في الصباح قبل شروق الشمس ثم تصلي ثم تذهب لاحضار الماء من الاغادير ثم تذهب لتحضير الطعام اليومي وتنظيف ملابس بناتها.
زوجها رجل بسيط يعمل في بيشاور في احد المخابز لا يكسب في اليوم اكثر مما يعادل دولارا واحدا لم تستطع شربات ان تتحمل العيش معه في بيشاور فقد كانت قد اصيبت بالسل بسبب سوء المناخ في المعسكرات وبالتالي كان من الصعب عليها العيش في الطقس الحار والملوث الذي تعرف به بيشاور وبالتالي قررت ان تقضي بقية حياتها في الجبال.
وتفتخر شربات كثيرا بزيها الاسلامي والبرقع الذي تضعه على وجهها اينما ذهبت حيث لايراها احد سوى زوجها عندما يرجع من عمله. وعلى نحو غريب ادهش الحاضرين قالت ان الحياة تحت حكم طالبان كانت افضل بكثير من الوضع الحالي «على الاقل كان هناك نظام وكل شيء كان تحت السيطرة» على حد قولها. لا تستطيع شربات القراءة ولكنها تستطيع كتابة اسمها وتقول ان املها هو ان تعلم اطفالها فالتعليم على حد وصفها «هو» النور الذي تستطيع من خلاله ان ترى العين». ولكن لم تكن تدري طوال اللقاء لماذا تم احضارها كيف احدثت صورتها هذا التأثير الكبير عند نشرها على غلاف المجلة وكانت تعبيراتها دائما تتسم بالحدة ولم تبتسم طوال اللقاء فلم يبق منها طوال تلك السنين سوى المعاناة والعينين الخضراوين وعندما سئلت كيف استطاعت ان تواصل الحياة على الرغم مما لاقته من اهوال ومصاعب اجابت بقولها: «انها مشيئة الله».
سمعت بأن هناك فتاة ذات عيون ساحرة وقصتها شبيهة بما نقلتِ
لكن لم اكن أعلم بأن هذه هي نفسها
قصة مؤلمة فعلاً
وأعتقد أن شربات ليست إلا نموذج بسيط لمعاناة شعبٍ بالكامل .