جمعة حماد بن جهامة الترابين
(1923-1995)
ولد جمعة حماد سنة 1923م في عوجا/حفير منطقة بئر السبع في فلسطين. أنهى دراسته الثانوية في غزة سنة 1942. وفي أوائل الأربعينيات من هذا القرن التحق بقوات الأمن الفلسطينية، وعمل في جهاز اللاسلكي في بئر السبع، واشترك في قيادة حملة واسعة نجحت في إنقاذ الأرض الفلسطينية من مخالب الصهيونية، وأحبط مساعي سماسرة اليهود للاستيلاء عليها.
أسهم في تأسيس جبهة شباب بئر السبع لمقاومة الغزو الصهيونينة 1946م. وعندما تفجّر الصراع المسلّح لم يستطع التوفيق بين عمله في قوات الأمن، وواجبه الوطني، فانضمّ إلى صفوف المجاهدين في منطقة بئر السبع، وخاض حرب عصابات في الثورة الفلسطينية الشاملة واضطرّه التضييق والمطاردة وتلفيق التهم للرحيل إلى الأردن.
شارك في عدد من المنظمات والمؤتمرات الوطنية، وأسهم في جمعيات تطوعية خيرية مثل: جمعية البرّ بأبناء الشهداء في أريحا عام 1954، وعمل مديراً لمكتب "المؤتمر الإسلامي في بيت المقدس) في القدس 1954، وعُين عضواً في مجلس الأعيان سنة 1971، وكان نائباً لرئيس المجلس، وأعيد تعيينه في المجلس لعدة دورات. عُيّن أميناً عاماً للاتحاد الوطني العربي سنة 1973، وعضواً في المجلس الوطني الاستشاري عام 1978م، وعضواً في لجنة الميثاق، ثم عُيّن وزيراً للثقافة سنة 1994م.
عرف جمعة حمّاد بوصفه مفكراً إسلامياً، وعَلَماً من أعلام الأدب في مجال القصة، ورائداً من روّاد الصحافة، وأطلقت عليه ألقاب تعبّر عن جهوده في الميدان الصحفي منها: عميد الصحافة الأردنية، وشيخ الصحفيين الأردنيين، وأبو الصحافة، ومعلّم الأجيال في الصحافة. كان له الفضل في إنشاء عدّة صحف في الضفتين منها: جريدة "المنار" اليومية في القدس، وهي جريدة تهتم بالتراث العربي والفكر الإسلامي، وكان مديرها ورئيس تحريرها منذ سنة 1962. وعن دار المنار صدرت مجلة "الأفق الجديد" في القدس سنة 1961 لمدّة خمس سنوات. وشارك جمعة حمّاد في تأسيس جريدة "أخبار اليوم" في عمّان سنة 1961. وبعد قرار دمج الصحف صدرت جريدة "الدستور" نتيجة اندماج جريدة "فلسطين" و"المنار" في 8/2/1967م وتسلّم رئاسة تحريرها من 1968 حتى 1972م. وفي السنة اللاحقة شغل منصب المدير العام، ورئيس مجلس الإدارة في المؤسسة الصحفية الأردنية التي تصدر عنها جريدة "الرأي" باللغة العربية وجريدة "جوردان تايمز" باللغة الإنجليزية، وظلّ في هذا المنصب حتّى سنة 1986م. وقد أسهم في تأسيس نقابة الصحفيين الأردنيين.
نشر مقالته الأولى في مجلّة "الغد" التي كانت تصدر في مدينة الخليل، وجرفتها سيول الأحداث الدامية في فلسطين، ثم نشر مقالات في جريدة "الدفاع" المقدسية، ودأب على النشر فيها وفي جريدة "فلسطين" وجريدة "الجهاد" ونشر مجموعة من التراجم المختارة في مجلّة "المسلمون" الدمشقية، ونشر مقالات أخرى كثيرة في الصحف والمجلاّت التي أسهم في إنشائها أو في إدارتها، وفي صحف أخرى مثل صحيفة "اللواء" وجريدة "المجد". وكان ينشر مقالاته وخواطره باسمه الصريح، أو باسم مستعار، هو "سويلم" كما فعل في زاوية "وجهة نظر" في جريدة "الدستور".
نال جمعة حمّاد عدداً من الأوسمة منها: وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، ووسام النهضة من الدرجة الأولى، ووسام القدس للآداب.
توفي يوم الخميس 17/3/1995 في مدينة العريش في مصر، ودفن فيها.
مؤلفاته:
-المقالات:
7- العرب واليهود في ساحة الصراع: سلسلة من المقالات التحليلية، نشرت في جريدة "اللواء" 1973-1974. وجمعت مع غيرها من المقالات والتحليلات السياسية في كتاب، نشره سنة 1974 باسم مستعار هو صحافي قديم.
-الرواية:
7- بدوي في أوروبا: طبع أربع طبعات، الأولى في المؤسسة الصحفية الأردنية / الرأي 1977 والطبعات اللاحقة في دار البشير-عمّان 1986م.
2- إشارات على طريق العمل الإسلامي: نشرت في جريدة "اللواء" ثم جمعت في كتاب، نشرته دار اللواء للصحافة والنشر-عمّان 1982م.
3- الوفاق الدولي والصراع العربي الصهيوني / إطلالة على التحوّلات العالمية الجديدة – عمّان 1989م.
4- قضايا في الفكر والحياة: يتضمّن مقالات مختارة له، أغلبها يدور حول الوطن والعقيدة، طبعت بمناسبة مرور سنتين على وفاته، في مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية / الرأي، نشر دار البشير للنشر والتوزيع – عمّان 1997م.
-السيرة:
7- قصّتي مع الصحافة: قبل حوالي سنة من وفاتهن بدا يكتب سيرته مع الصحافة، وينشرها في جريدة "المجد" الأسبوعية: العدد الأول 11/4/1994، والثاني 18/4/1994م.
2- رحلة الضياع / ذكريات لاجئ: مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية / الرأي 1986م.
من مراجع ترجمته:
7- حدّاد (نبيل):جمعة حمّاد بين الصحافة والأدب، دراسة مقدّمة إلى ندوة "الصحافة في الأردن – قراءة في تجربة الرجال والمؤسّسات" المركز الأردني للدراسات والمعلومات، عمّان 1997م.
2- الساريسي (عمر عبد الرحمن): مقالات في الأدب الإسلامي، دراسة بعنوان: العناصر الفنية والتعبيرية في قصّة "بدوي في أوروبا" دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمّان 1996 (بدعم من وزارة الثقافة).
3- العجلوني (إبراهيم): في عبقرية البساطة: جولات في فكر وأدب جمعة حمّاد – مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية / الرأي 1995م.
4- مجلّة صوت الجيل – ملف العدد: الراحل جمعة حمّاد- وزارة الثقافة، عمّان/أيلول 1995م.
5- مجموعة كُتّاب: في وداع جمعة حمّاد – مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية / الرأي 1995م (كتاب صدر بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته).
6- مجموعة كُتّاب: جمعة حمّاد: ذكرى ووفاء، مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية / الرأي 1996م (كتاب صدر في ذكراه السنوية الأولى).
7- مجموعة مؤلفين: جمعة حمّاد حياته وفكره، منشورات وزارة الثقافة، عمّان 1998م (الكلمات والأوراق والأبحاث المقدّمة في حلقة البحث التي عقدت في المركز الثقافي الملكي، بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته).
***
نداء العذراء
في "شيبانة" يلتقي سهل رفح، وسهوب الشيخ "زويد" مع السهول الممرعة القادمة من الشرق "الفارعة" و"القرين"، و"خبو الجباري"، لتعانق جميعها كثبان الرمل المتدفّق من "العجرة"، معقل قبيلة الترابين الشهير، ومرابع أنعامهم، هناك كانت لأجدادي بقايا أرض تتكوّن تربتها خليطاً من هذا العناق بين الكثيب والسهل، بين الطين والرمل، ليصبح أديماً بهذا التركيب ليّناً رخواً، يلذّ النوم فيه، والمقام عليه.
إلى هذه البقايا المنسيّة من أراضي أجدادنا، وفي الصيف التالي لصيف النكبة، تحوّل والدي وأعمامي وتجمّعت عليهم فيها بقايا العشيرة من شتّى الأركان.
وعلى هضبة قريبة من البيت كنت أجلس طويلاً في ذرا شجرة كبيرة من "الرتم"، أو في ظلّها، لقرأ، أو أحفظ سور القرآن الكريم، لأعيدها خطباً ومواعظ على الناس، ولا أذكر وقعها في قلوبهم، بقدر ما أذكر جرسها في أعماق نفسي، وقد كنت خطيباً مبجّلاً في اعينهم، ولكني كنت مهزوز الفكر في عين نفسي.. لقد كانت وشوشة الرمال عندي مع نسيم العصاري صفير سخرية مؤلمة، وكان الصمت والهدوء مع نسيم الصباح كلمات طويلة من اللوم والعتاب الشديد!
وإلى الشرق منّي، على بعد كيلو متر واحد، وضعت "اللجنة المشتركة" من العرب واليهود والأمم المتّحدة علامات الحدّ الفاصل بيني وبين فلسطين، وهناك إلى الشمال الشرقي كانت تبدو من بعيد كروم "الشعوث" و"أبو كوارع" ، وقبّة "الشيخ نوران"، لا يختلف لونها كثيراً عن الأرض المحيطة بها، كلّها ظلال قاتمة، الأشجار الخضراء، مع الأعشاب التي جفّت، دون ترعاها غنم قومي وجمالهم، ولكنّ هذه الجمال العجماء لا تعترف بالحدّ، والأغنام التي نظّفت بقعتنا الضيّقة من المرعى تندفع في إصرار عبر خطوط الهدنة، رغماً عن رعاتها، لتلتهم العشب الطويل الطري.
كأنّي أرى آثار أقدامي الصغيرة بين تلك الأشجار البعيدة، وأعدّ العصافير التي اصطدتها، والثمار التي قطفتها، والخيل التي ركبتها.. والعين تنتقل من كرم إلى كرم، ومن هضبة إلى أخرى، ثم ترتدّ مسيرة حزينة عندما تصل إلى البيوت التي تلمع إلى جانب كرمنا، وأكشاك المستعمرة الجديدة البيضاء التي أقيمت في قلب أرضنا.. ترتدّ العين كسيرة حزينة، إلى كلمات المصحف المفتوح بين يديّ، فيثور هذا التناقض المدمّر في أعماقي، وأحسّ بالتفاهة، وأشعر بالوجود المزيّف، وأرفع على كتفي أعلام الجبن.. وهل بعد الموت من نهاية حياة؟ وهل بعد الشهادة من جزاء عظيم؟!
ولكن مع كل هذا كنت أفلح دائماً في العودة بفكري إلى "الأمر الواقع" وكان واقعنا في تلك للحظات يثير في نفسي "اليوم" المرارة والضحك معاً، كانت عربنا في ذلك الحين خليّة نحل تدور حول نفسها، وحول "التعويضات..."!!
فقد جاءنا من "رفح" أنّ لجنة خاصّة تطالب اللاجئين جميعاً بقوائم عن ممتلكاتهم المنقولة التي خسروها في الحرب الفلسطينية، أو التي استولى اليهود عليها لتعويضهم عنها.. وقيل: إنّ ذلك هو الدل الذي سيفرض على اليهود فرضاً، وهو في الوقت نفسه "العتبة" التي سنقفز منها إلى الوطن الحبيب.. ولمعت في الأفق آمال، ولاحت في النفوس بشائر، وأرسلنا إلى "رزم" من الأوراق البيضاء أسوّدها إلى رجال عشيرتي واحداً بعد الآخر، وبين الحين والحين يسأل أحد الحاضرين والدي: هل "نزوّد" يا شيخ حمّاد؟
فيقول الشيخ: إيّاكم يا ناس/ لئلا يأكل الحرام الحلال، إيّاكم والزيادة، قولوا الحق، ولا شيء غير الحق..!
و"المقعد" عامر، ورجالنا حاضر أكثرهم، والشمس تهبط في غفلة منّا إلى البحر، وظلّ بيت الشعر، يمتدّ في سرعة الشرق ليستر الجبال البعيدة عبر الأفق شرقي بئر السبع، وأنا أجمع الأوراق أمامي على قدر نحاس مكفأ، كنت أستخدمه "طاولة" للكتابة. وإذا بصراخ من الشرق قريب من خطّ الهدنة، يثور مع نباح كلاب، وحركة سيّارات، ثم شوط من الطلقات السريعة، مع صوت رصاصات متقطّعة، ويقف الرجال جميعاً، ويهرول بعضهم إلى العوالي ممسكاً بسلاحه، واندفعت مع البعض الآخر لمقابلة الرعاة، ومن بعيد سمعناهم يصرخون "نهبوا غنم أبي سنجر"!
***
لم يكن للرجل أولاد، وكان له بنت في الثامنة عشرة، هي التي ترعى غنمه، فانضمّ إلينا مهرولاً في الحال، ولمّا اقتربنا سأل الرعاة بأعلى صوته "سلمى يا أولاد..؟" قالوا: "والله ما ندري، الغنم وحدها هي التي رأينا اليهود يسوقونها نحو المستعمرة"!
كان الرجل في الخمسين من عمره بلحية خالطها الشيب، وجسم قد ركبه قليل من الشحم، تبدو عليه آثار النعمة، وكنت أهرول بجانبه، فسمعت "تنفّسه" يتلاحق ليصبح كضبح الخيل، ونحن نقصّ الآثار خلف الرعاة، نفتّش فيها عن آثار أقدام "سلمى". وإذا بشيء أسود كالعباءة الملقاة تبدو لنا في بقعة مفروشة بالرمل الأبيض ومحاطة بشجيرات "الثّمام"، فوسعت خطوي، وتقدّمت الرجل، وفجأة رأيت ما لم أستطع إعادة النظر إليه، وما لم أستطع معه أن أتقدّم خطوة إلى الأمام!.
كانت الفتاة قطعة ساكنة لا تتحرّك، وكان ساقها الأيمن مثنيّاً على فخذها، وقد انحسر عنه الثوب الأسود، فبدا الفخذ وكأنّه قد امتصَّ من نور الشمس الغاربة ما يميّزه عن الرمل الأبيض من حول..
قلت: مكانكم أيّها الرجال! تقدّم يا عم عيد.. فاندفع الرجل إلى ابنته، ونشر عليها عباءته، وصنعوا منها شبه نعش، وحملوها كلّ يمسك بطرف، وانطلقت أمامهم، فلما وصلت البت نبّهت أمي لكي تذهب إلى بيت أمّ سلمى لتهيّئها النسوة إلى رحلة القبر!
ومع قافلة الجنازة في سواد الليل إلى مقبرة الشيخ "زويد" بعيداً إلى الغرب، كنت أركب على جمل واحد مع أمّي، قلت لها وأنا أسوق الجمل ناحية، لا بدّ أنّ المجرمين قد انتهكوا عرضها يا أماه؟
قالت: والله ما أعرف يا ولدي؛ لأنّ الطلقة، (وهمهمت بكلام فهمت منه أن الإصابة كانت في موضع حسّاس من جسمها!).
قلت: يا إلهي، طلقة في ... !؟
قالت: نعم، وهي مصابة كذلك بطلقتين في نهديها..! وتجمّع في ذاكرتي كل ما قرأته عن هؤلاء الأعداء، وما سمعته عنهم من حقد ضدّ البشرية جمعاء، ومن احتقارهم "للغويين" بلا تمييز، وخيّل إليّ أنّهم لم يلمسوها، وأنّهم آثروا –عن وعي وتصميم- أنّ تذوق الموت من حيث ما يمكن أن تشعر باللذّة، وأن تنزف دمائها من حيث ما تعطي البقاء لأجيالنا القادمة..!
وحططنا الرّحال بين أشجار الأثل الطويلة على حدود المقبرة، وفي دقائق معدودة كان القبر معدّاً، والرجال ينادونني "الصلاة واجبة يا خطيب"!!
ووقف "الخطيب" أمامهم والجثّة أمامه وبدأت أكبّر، فلمّا وصلت في قراءتي إلى الدعاء المأثور: "ونقّها من الخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض.." أحسست أنّ الجثّة قد تحرّكت، وأنّ الفخذ قد انحسر عنه الثوب ليشعّ منه النور في غبش الليل، وأحسست بنداء في صوت "بدويّة" ملهوف: "يا طلاّب الثأر.. جاي، يا أولاد الحلال جاي.."!
ولا أذكر ما حدث لي بعد ذلك، ولكنّي كنت أسمع همساً متقطّعاً... "أصابته الشمس، مع البرد والتعب" واجتزت أيّاماً من الحمّى، كنت خلالها أعدّ الجيوش، وأقتل اليهود بدون حساب، والرصاص يمزّق جسدي في كلّ معركة، فأتحسسّ العرق الصبيب، دماء تسيل، والصوت على حاله يتماوج في رأسي بين القوّة والضعف.
وفي فترة من سكون الحمّى، ومع حبوب "الأسبرو" وقف رجل من قومي "الله يشفيك يا فلان، اكتب لي إن كنت تقدر، قبل أن يفوتني التعويض"!، وهزّ الرجال من حولي رؤوسهم "يجوز"!! فتناولت الورقة والقلم، وأخذت أكتب الأمتعة التي أحرقت، والغلال التي تركت، والأنعام التي نهبت وناولت ورقتي للرجل، وقذفت بنفسي على الوسادة والنداء يجلجل في رأسي "يا طلاّب الثأر جاي...!"
***