وقفة عند بوابة السفر
د. عواد الخالدي
هَبّني تركتك والجراح بلا ضماد
مشردا, متغربا في كل واد
إذ ذاك ما بقيت بصدري فسحة للصبر
تكفي للجِلاد
ولأجله بعت القصائد والقوافي, ذكرياتي
كل ما أثقلني حتى الوداد
لكنّني ما بعتُ حبََّة خردلٍ - أسفي لمن باعوا
لكنّّّني ما بعت حبََّة خردلٍ
للواقفين على الحدود - لمن أراد
فمزقوا ثوبي, وظلّوا يبحثون.. ويبحثون
ظنّوا لفرط غبائهم
أني أماكس فيك كي يعلو المزاد
وضعوا قيودا في يدي
احضروا المشرط, داسوا فوق ظهري
قلبوني, بضعوا حتى عيوني
فتشوا كل الزوايا, نهبوني
سرقوا صوتي
فصاحت في فضاء الصمت أحلامي "جهاد
هذه أشلاء جسمي, هل تراها ؟
رغم هذا
لم أبعْ حبة خردل
أسفي لك بغداد
أسفي لمن باعوا دروب الاعظميةْ وقبة النعمانْ
أسفي لمن باعوا حضرة الجواد والكاظم
أسفي لمن باعوا أبا نواس والمستنصرية
وتحذلقوا الكلمات و الخطب اليتيمة والفعال "العنتريّة"
يا ويحهم؛ باعوا لجامَ الخيلِ
واتخذوا سواد الليل منجى مِ الاعاد
أسفي لك بغداد
بكت السيوف بغمدها ؛ لما تولوا مدبرين إلى الجحور
هُبِلوا لسوء فِعالهم
من يجمع الكتب التي بيعت بأسواق الطيور
من يقتني الدرر النفيسة والجواهر
من يصدر الأمر النصوح إذا تسيدت الأصاغر
من يكتب الكلمات لو بطشت بهجمتها الأباعر
ترغوا الرجال - ولا أقول سوى ترغوا الرجال
كما ترغوا أم بوٍّ في المحاجر
يا سيدي عُدنا
عدنا نطأطئ رأسنا لشموخك الجبار
عدنا نلوذ بصمتنا , قبل احتضار العشق والأنهار
جئنا نقبل كاحليك وساعديك ومقلتيك
فأسمح لتربك أن يكحِّلِ مقلتينا
واسمح لمائك؛ أن يطهِّر ما جنينا
واسمح لسعف نخيلك الميمون أن يحنوا بظلته علينا ؛
جئناك من بلد الضياع نبوس نعليك اللذين يشرفان ألمخبرينا
انا نقر بذنبنا وبما جنينا
إن شئت فأغفر ذنبنا أو تُبّْ علينا
أو شئت عاقبنا بما كسبت يدينا
يوم ارتحلنا كان جرحك نازفا يبكي علينا
وبرغم كل شخوبه, قد كان شيعنا إلى منجىً يقينا
حتى اطمأن به النوى
انا عبرنا, لم يعد للسيف سلطان علينا
إذا ذاك عاد إليك يبكي الظاعنينا
ولذا نقرُّ بان صَفّحك موطني
يا سيد الأوطان
يكبرنا, أردنا أم أبينا
ولذاك يطمع في سماحتك الذين تغافلوا
وكأنهم لم يعرفوك
ولذاك يطمع في مروءتك الذين تسددت طعناتهم في خاصريك
وكذاك تطمع في شهامتك السكاكين التي قطعت يديك
ولَأَنت أكبرهم جميعا
ولأنت أشرفهم جميعا
ولأنت لو جُمعت حلوم الأرض لآبتدرت تقبل راحتيك
فاصفح, فأنت ربيعنا وشتاؤنا وخريفنا ومصيفنا
فإذا هربنا منك مفزعنا إليك
انا بنوكَ ؛ ومخبروك بحالنا لما مشينا
قدماي ؛
تدفعني اليمين إلى المسير وأختها تمشي الهوينا
عيناي ؛
واحدة على قدمي أخي تصبو واخرى بالتفاتتها ابتلينا
اذناي ؛
واحدة تحسس حولها ؛ وتمنت الاخرى صدى "إرجع إلينا "
ووجيب قلبي اسمع الأحجار شجوا دافئا ثم أنينا
وقطعتُ أنفاسي لعل نسيمك الغربي يبقى في شراييني دفينا
وعجمتُ بالكلمات حتى لا يقول الآخرون
هذا المشرد من بلاد ساسها الغلمان
- فانقضوا عليه- ويرجعونا
رحماك يا بلد المساجد والجوامع
انا ظلمنا النفس في ارض التعري والمنازع
فاغفر لنا, أو تبْ علينا
أو شئت عاقبنا بما كسبت يدينا
لكننا جئنا لحضنك وارتمينا
امسح برفق فوق هامتنا براحتك الطهور
يا سيدي
لولا اعتقادي انك العفُّ الصبور
لمّا تلاقينا إلى يوم النشور
فاكتب إلى الجيران أو فآصدح بصائتك الجهور
هذا انا البلد المكبل بالقيود
هذا انا البلد المقطع بالسيوف
هذا انا بلد العراق
كل الذين تشردوا أو هاجروا
عادوا ومَنْ , مَنْ لم يعد
حضني لكم يمتد حدَّ المشرقين
وعفوت عن فقديكم الزمن الهصور
حتى يعود الخائفون إليك جذلى
وتعود من سفر إلى أوكارها الأطيار فرحى
تب علينا
امسح برفق فوق هامتنا براحتك الطهور
حتى نثوب لرشدنا
ونُكبِّر اسم الله, بسم الله, في كل المآذن
لا للغزاة ولن نهادن
يا سيدي عُدنا
الله اكبر, أنها نفس الحدود!!
أيان أضحى أخوتي عُمرٌ و سورانٌ ومرقصُ والأمين؟
وبنو عمومتنا المثنى والمعنى والحسين
بل أين عثمان وطلحة
أين أحفاد البطين
يا سيدي هذا الذي عملت له الأوغاد
أن يحرقوا بغداد
فإذا علا دخانها وغدت تمور
فآلحَقْ بركب السائرين إلى القبور