أين يكمن العفن؟
علي سعد الموسى
أكاديمي وكاتب سعودي
العرب ظاهرة صوتية بلاشك، ولولا أن الله تقدس في علاه أقام لهم ديناً ودنيا وبعث فيهم الطاهر المطهر - صلى الله عليه وسلم - ليعلمهم ويزكيهم ويحولهم إلى ميدان "وقل اعملوا" وينهاهم عن "القيل والقال" فيما لا طائل من ورائه لاستمرت ظاهرتهم الصوتية ضاربة بصداها العقيم في عوالم العدم.
إلا أن تركة التاريخ الطويل لأمة العرب بما فيها من إضاءات وعتمات تأبى إلا أن يكون لها ورثة للسمين كما للغث..
ففي حين ذهب القادة والعلماء وأرباب الفكر بسائر شؤون الحياة استأثر الصوتيون بالنعيق، وبئس الوارث والموروث.
تعلو صيحات هؤلاء المتشنجين معبرة عن مرضهم الاجتماعي العضال إزاء مفردات العمل والفعل التي تشعرهم بالإعاقة، وتجعلهم جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. يتواصون فيما بينهم بمقاطعة تلك المطبوعة، وينادون بالإنكار على المجلة الفلانية، ويدعون بالهلاك والثبور على كاتب ذاك العمود، وتستمر حشرجة النعيق لتسمي الأشياء بغير مسمياتها، وترى صروح البناء مشوهة بأعينها المملوءة بالقذى، ألم تسمعوا بقصتهم مع "العفن"؟ ألم تسمعوا بـ"خضراء الدمن" ذات نعيق غابر؟ لاحظوا - ألم تسمعوا - فهؤلاء لا يجيدون الكتابة لأنها عمل، والعمل عدوهم اللدود.
ترتفع درجة حمى الحبال الصوتية فترسل سيلاً من اللعنات في صورة بشعة لا إنسانية لإقصاء الخصم، ولكن هيهات.. فدرس المرحلة الابتدائية مازال محفوراً: ما أسهل الكلام وما أصعب العمل.
في موقع إلكتروني مملوء بفحيح الأفاعي هاجم الصوتيون مؤخراً قامة إسلامية شابة، نافحت عن الدين والوطن بأسلوب حضاري، فماذا فعلوا؟ تسللوا إلى معاجم الأنساب والبلدان لشتمها، وتجريح مسيرتها، وانتهكوا أول بديهية إسلامية تقرر كرامة الجنس الإنساني أياً كان دينه أو دمه، فكيف به إذا كان مسلماً.. إنها عقلية شعب الله المختار التي حرمت استخدام الإنترنت يوماً ما، ثم عادت لتحاربنا من خلاله.
منذ أن زاول قلمي عمله ويقيني يطرد بأن هؤلاء يكرهون العمل التنويري، ويكرهوننا، لأننا نهدم بيوتهم العنكبوتية، ونعري أجسادهم المنتنة، لأننا نكشف زيفهم ونلغي مفعول الأراجيف الملغومة في عقولهم قبل أن تدمر الجميع، لأننا نقطع حبالهم الصوتية في وضح النهار.
رأيت صوتياً ينادي مريديه بمقاطعة صحيفة معينة، ودار الزمن دورته لأراه وهو يوثق معلومة رقمية من أوراق تلك المطبوعة على مريدين آخرين.. لا تعجبوا، فطبقات الصوت تريد استقطاب أكبر عدد من الجمهور، حيث يحل العمل هنا، ويحرم هناك.
تناقض ما لنا إلا السكوت له.......
أيها الصوتيون: إن كانت أعينكم لا ترى إلا السواد فعيون الآخرين تعشق الألوان، وإن كانت حناجركم تحب النشاز ففي مسامعنا متسع للأصوات الرخيمة.
أيها العدلانيون:
قولوا لنا بالله عليكم.. أين يكمن العفن؟
أين يكمن العفن؟ يكمن في الحناجر الغليظة، فالبكتيريا لا تعيش في الأحبار. يكمن في الأسماء المستعارة فالواثقون من صحة ما يعتقدون، والمؤمنون بالمبادئ لا يخافون عليها من الاسم الصريح. الحرباء فقط هي من تتلون. وعندما تشاهد من يرفع عقيرة صوته بالوعيد والتخويف حد الصراخ فإنما يرفع صوته تغطية لضعف حجته. هؤلاء لا يعلمون أن العقل يستقبل عبر أضعف الشرايين فالعقول ذاكرة بالغة الإحساس وهؤلاء يظنون أن العقل يعيش في المسافة ما بين الحنجرة وطواحن الأسنان: تلك هي بالضبط المسافة التي تستوطنها بكتيريا العفن وفيروسات الحمى. هؤلاء الذين يظنون أن الحناجر الغليظة قد تغسل الأدمغة، هم بحاجة ماسة إلى غسيل أسنان. هؤلاء بحاجة إلى أن يقرؤوا رسائل علي الوردي كي يعرفوا دورة الاجتماع وكي يتعلموا أن مسافة الحروف مع التنوير لا تتأخر خطوة واحدة مكتسبة، هؤلاء عليهم أن يتعلموا حقيقة واحدة: الفعل الماضي لم ولن يسبق بسين أو سوف المستقبل. كنت رمزياً نعم. بعض العفن تمحوه مجرد الإشارة برمزية.