
نجيب الزامل
.. أبدأ بطرفةٍ أرجو ألا تعتبروها استهلالا غير مناسب لموضوع أمني غذائي مصيري هو الخبز. وأرجو ألا تعتقدوا أن خلو إفطاري هذا الصباح من الخبز هو الذي أثر على ذائقتي في تلمس المواضيع. فنحن نجمد الخبز تأكيدا على أواصر قديمة تربطنا به، فلا نفرط بالفتات. والناس الآن لا يكادون يجدون الفتات لأن الخبزَ صار سلعة نادرة أو في طريقها كي تتوج قريبا.. أرجو من ربي ألا يوضع على قرص الخبزة هذا التاج أبدا..
الطرفة تقول:ان مفتشا طبيا مسئولا، دخل لتفقد مستشفى للأمراض العقلية، فسأل مدير المستشفى كيف تعرفون الفرق بين المجنون ومن أصبح عاقلا؟ فقال المدير، نعطي كل مريض ملعقة صغيرة وجردل ونطلب منه أن يفرغ بانيو ممتلئا بالماء.. فرد المفتش على الفور: «هاه، فهمت. فمن يستخدم الملعقة ما زال مريضا، وأما العاقل فهو الذي سيستخدم الجردل».. تنحنح المدير، وقال: «لا يا سيدي من يستخدم الملعقة أو الجردل ما زال مريض العقل.. العاقل من ينزع سدادة البانيو!!»
لا نعلم ما الذي حدث للمفتش بعد ذاك، فقد يكون الآن يتعرض للفحص في نفس المستشفى، ولكنك ترى سياسة الملعقة والجردل في كثير من تصريحات بعض المسئولين الذين من المفروض أن يكونوا كبارا في كل شيء، ثم تخرج منهم تصريحات متسرعة فيظهرون أمامنا وهم يفرغون الحوض المليء بالملعقة أو الجردل.. ونقول دائما إن نزع أي شيء نهائيا هو من جذوره، فالسن الملتهب يقلع من جذوره، والشجرة العطِنَة تُنزع من جذورها، وكل مشكلة يجب أن تـُنزع من جذورها.. أي بأن يُفرّغ الحوضُ بنزع السدادةِ وليس بالغـَرْفِ منه بالملعقة.. خصوصا لما يكون الصنبورُ مازال الماءُ يتدفق منه فيفيض والملعقة ما زالت تعمل!
الأزمة ضربت البلاد والعباد، ودارت على المدن بالعدل والقسطاس، فمخابزُ بأعدادٍ كبيرة تقفل الرتاجَ وراء أبوابها لأن لا دقيق، أو لأن الأسعار شطحت للغلاف الجوي محدثة ثقبا آخر بجوار الثقب العتيد، ثقب الأوزون. حدث ذلك في الرياض وفي المدينة وفي مدن الشمال والجنوب.. وفي مكة. أما مكة فهنا قصة..
يعلن مدير المؤسسة العامة للصوامع في منطقة مكة، أن الأزمة غير حقيقية، يعني ليس الصحيح أن لا خبز في المدينة، وأن المشكلة كلها هي من الموزعين، أما الكميات المنتجة فهي كافية.. وهنا ترى حوضا مليئا.. وما الحل؟ الملعقة! ثم يقول ان المخابز صحيح أقفلت ولكن الصغيرة منها لأنها تأخذ من الموزعين الذين رفعوا أسعارهم، بينما ازدهرت المخابز الكبيرة لأنها تأخذ مباشرة من الصوامع بالسعر المدعوم. هاه.. فلنقف هنا قليلا. يقول الأطباء ان تشخيص الحالة هو أول دواء.. فإن كان الموزعون هم السبب فلم البكاء إذن؟ امنعوهم لمدة فورا مهما كانت النتائج (أقول لو كان الاتهامُ صحيحا) واطلبوا من المخابز أن تستلم كمياتها إما مباشرة أو عن طريق المخابز الكبرى التي ( يقول المسئول أنها تزدهر) وفي الأزمات يجب أن يتعاون أصحاب المهن المتشابهة، ليوم أو يومين أو شهر .. وسيأتي الموزعون زحفا يقدمون الوعود والضمانات بعدم التلاعب.. يعني يجب نزع السدادة. أما إن كان الأمرُ مشوشا عند المسئول أو غير دقيق ( ملاحظة:لا أقصد الدقيق الخاص بالخبز هنا!) فالمسئول هنا لا يغرف فقط الماءَ من الحوض بملعقة، بل سيتبين أنه يغرفه بالملعقة من حوضٍ.. آخر! أما أجمل ما قاله المسئول: «لا، أبدا لن نستورد من الخارج»، وكأنه يهددنا. كل ما يريده الناس أن يأكلوا الخبز.. كان حريّا به القول: «تأكدوا ، سنطلب الخبزَ للناس لو نفد من عندنا.. ولو من الصين.»
طيب.. المؤسسة بجهازها الرئيس بالرياض، لم تصرح بما صرح به مسئول منطقة مكة، ولم تأت على ذكر الموزعين في آخر تصريح قرأته، وشاركته أن الأزمة مختلقة، أما السبب هذه المرة طبعا من الناس، وليس للصوامع أي علاقة بدم يوسف، فهي تقول حسبما قرأت: « أن الأسباب التي أدت إلى شحّ «مادة» الدقيق بأسواق المملكة تعود إلى استخدام الدقيق في تعليف المواشي».. لماذا؟ «لأن الدقيق المدعوم أرخص من الشعير.. « همم .. من المذنب الآن؟ هل هم الموزعون؟ المواشي؟ أم أنه الشعير؟
والآن أنا في منتهى الجد وبمنتهى الحرص، بعيدا عن الملعقة والجردل والمطالبة بفحص مدى عقلانية التصريحات، أقول: لا يعبثن أحدٌ بالخبز.. اقرأوا التاريخ.
التاريخ يقول: الخبزُ مجبولٌ بالدم!