ها هو قادمٌ يمشي نحو ذلك الركن القصيِ من المشرب .. يقصد فيه طاولة بعينها .. طاولة لو أنه جاء يومًا و وجدها غير شاغرة فإنه سيعود أدراجه ولن يجلس إلى أي طاولة أخرى ..
وما أن وصلها حتى ألقى بمعطفه الأسود على أحد مقاعدها .. وسحب مقعدًا آخر وجلس..
لقد جاء قبل الموعد بخمس دقائق .. إنه دومًا يريد أن يكون كذلك مُنتظِرًا لا مَنتظرًا..
أشار إلى النادل الذي جاءه مسرعًا أن يعود فلن يطلب شيئًا الآن..
انتهت الخمس دقائق وانقضت بعدها دقيقتان؛ كان ذلك حين أبصرها تتجه نحوه قاصدة ذات الطاولة فهي تعرف الطريق إليها حتى ولو كُفَ بصرها..
- مساءَ الخير..
- مساءُ الخير..
وسحبت المقعد المقابل له وجلست .. بعد أن ألقت بمعطفها على معطفه ، و وضعت حقيبة الجلد الحمراء الصغيرة وكيساً صغيرًا بجانبها و أمسكت منظارها الأسود بين يديها وهي تقول:
- أعرف إني متأخرة دقيقتين .. واعلم أنك هنا قبل الموعد بخمس دقائق وتمنيت أن أسبقك ولو لمرة واحدة .. وان كانت الأخيرة..!!
- ماذا...؟!
متجاهلة أياه .. قالت وهي تخلخل بأناملها خصلات شعرها :
- أراك لم تطلب لنا شيئا بعد ..
أجابها مبتسمًا:
- وكيف لي أن اعرف ما تريدين..؟؟
- يا سلام ؛ قل انك لا تريد أن تكون فاتورة الحساب عليك ....
قالتها ؛ وهي تلتفت بجسدها تبحث عن النادل..
نظر إليها سامي لوهلة ..... إنه يحب صخبها وجنونها
- هيه .. أنت ماذا تريد أن تشرب؟
أفاق من تفكيره
- ماذا تظنين .. طبعًا كما هي العادة..
* * *
- دعينا من المزاح واخبريني ... لقد فهمت من رسالتك انك تريديني لأمر مهم أحقا أنت كذلك ؟ أم إنها حيلة جديدة كي تريني .؟!
اختفت بواقي ابتسامةٍ وكانت عالقة بوجنتيها المتوردتين و وضعت كوب " الموكا " الشوكلاتة الساخنة من يدها ولعقت بواقيها العالقة هي الأخرى بركن فيها .. ساهمة نظرت إلى الكوب ...
ودون أن ترفع عينيها قالت بصوت كالهمس:
- ســوف أتــــزوج .............................!!
رفع الكوب إلى فمه .. وأخذ رشفة منه ثم أعاده ..
كل ذلك وهي ترمقه بتوجس .. لا تعلم كيف سيكون وقع الخبر عليه
لاحت على شفتيه ابتسامه لا تدري مغزاها ثم قال بهمس كهمسها :
- أعلم ذلك..!!
فاجأها بعبارته ؛ فأدنت وجهها منه حتى انه وجد رائحة عطرها المميز ..
- تعلم ؟؟ تعلم ماذا ؟!
- أعلم أنك ستخبريني أنك سوف تتزوجين ... أحسست ذلك منذ رأيت رسالتك في هاتفي المحمول ، لقد فكرت ما لذي يدعو نورهان إلى رؤيتي وأنا الذي لم أرها منذ شهرين...!!!!
وأين تريد أن يكون ذلك ؟!
وفي هذا المكان ؟!
لماذا ؟!
ولأمر مهم ؟! ....
" وتستطيعين القول انه إحساس خارج عن إرادتي .. "
كانت عيناها ركزتان على شفتيه كأنها تراقب الكلمات وهي تخرج منها
- يا لاستنتاجاتك المخيفة .. وإحساسك المرعب .. ثم هل سنعود لهذين الشهرين ؟؟ أنت تعلم ما الذي يمنعني من رؤيتك..... ولكن دعنا في الأمر المهم..... لقد تقدم رجل لخطبتي من أبي ووافق أبي عليه.
- و أنتِ ...؟!
- أنا لا ادري.......
سكتت قليلا ثم قالت:
- اسمع يا سامي ... تذكر حين سألتك ذات يوم هل تتزوجني ؟ّ
وأجبت بالنفي .. ، منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا .. لم تخبرني العكس .. أتدري لماذا؟
لأنك صادق
إنك لم تعدني بزواج كما يفعلون
لم تكن بك حاجة إلى وعد كاذب به تخادعني كي استمر معك واني الآن أسالك ذات السؤال
هل تـــتــزوجـــنــــي...........؟!
* * *
لبرهةٍ ران الصمت بينهما.............
كانت ترقب شفتيه .. كأنها كانت تملك صورة من قرار.. بيد أنها تريد الأصل منه فلربما يطرأ عليه بعض التعديل ...
ارتجفت شفتاها من فرط انفعالها ورأى يديها تقلبان المنظار الأسود بعصبية وتوتر واضحين
أخذت نفسًا عميقًا تبدد به عبرات تصارع للخروج ثم قالت :
- يبدو أن لا مفر لديَ عن الموافقة ...
لقد تعلقت بأخر قشة أن تغير رأيك ...................!!
لكن يبدو أن نصيبك مع غيري ونصيبي مع غيرك
وإذا كان الأمر كذلك فلتعلم " إني أبدًا لن أنساك..."
سأظل أذكر سامي
وأذكر طيبته
ومزحه
وسأذكر ضحكته وبكاه
سأذكر كم تجمعنا .. وكم ليل سهرناه
سأبيت اذكر كل حركاتك وسكناتك ....سوف لن أنسى أي جزئية تتعلق بك....
قاطعها وهو يرفع كفيه في وجهها:
- رويدك .. رويدك أن الأمر لا يحتمل .....
اثنان سيفترقان هذا كل ما في الأمر ..!! ثم إنهما سيفترقان على وئام وليس لأجل أنهما متخاصمان..!! ومن يدري فربما التقيا ذات يوم..؟!
اشربي .. - وبرفقٍ دفع كوبها نحوها - ستبرد الموكا وأنتِ تلقين خطبتك ..
كانت معتادة هذا الأسلوب منه والذي يبغي منه الهرب من الموقف ؛ هو هكذا دومًا لا يحتمل مثل هذه المواقف..
لكنها ستعرف كيف تعيده إلى حديثها .. ورغمًا عنه..
أخذت من الكوب رشفه ثم أعادته وهي تقول:
- أتعلم؟
- ماذا ؟
- أظن إني لن استطيع نسيانك؟
- " يا ساتر" .. ولماذا؟
*******
يتبع>>>>>>
________________________________________
كل المحطات بحياتي تترك أثر واعبر الطريق وتبقى ذكرى بخاطري أمرها أو أغض الطرف عنها إلا محطة غيابك أوقفتني ,, حروفك ولونك وردك ,, لا ذكرت بعدك محطة ولا قبلت بغيرك مودة 00
((