أعلم انه طويل لكن ماذا افعل خشيت ان تملوا فأتيت بالباقي مرة واحدة
الزمان : بعد سبع سنوات
المكان: مستشفى الحياة العام
عيادة العيون
رائحة المطهرات تعج في المكان .. ولوحات العين التشريحية تملأ جدران الغرفة .. و أجهزة الفحص قد انتشرت في أرجاء العيادة..
أما طاولة الطبيب فقد استقرت هي الأخرى في أحد الأركان و وُضِعَ أمامها مقعدان..
وإليها جلس طبيب يبدو في منتصف العقد الرابع من عمره ، زحف الصلع على معظم رأسه .. و خطت بعض شعيرات الشيب عارضيه
- أين ملفات المرضى؟
هكذا سأل بصوت هادئ الممرضة التي تساعده في عيادته
أتاه جوابها حين وضعت أمامه بعض الأوراق لثلاثة مرضى قلب الأوراق بين يديه ..
كان أحد الملفات لرجلٍ مُسن يدعى .....
والثاني لسيدة تدعى .........
أما أخرها فكان يخص صبيا عمره 4 سنوات وقرأ الاسم على غلاف الملف ..!!!
أصابه الاسم حين قرأه بشعور غريب لا يدري كنهه ..!!!
ليست هذه بالمرة الأولى التي يقرأ فيها اسمًا كاسمه ....." ســـامــي"
انتهى من فحص المريضين الأولين
ثم أمر الممرضة أن تستدعي المريض الثالث الطفل وأمه
لكن الطفل حين دخل إليه .. دخل وحيدًا .. كان خائفـًا يقف مترددًا في منتصف الغرفة .. إلا أن الدكتور سامي لاطفه ببعض الكلمات التي كان من شأنها أن تبعث الطمأنينة في روح الصغير ؛ فتقدم ليرتقي احد المقعدين أمام الطاولة
التفت الدكتور سامي إلى الممرضة ..
- إذن؟
ألم تقولي انه برفقة أمه ؛ فأين هي الم تطلبيها ..
- حسنا
"يا لأمهات آخر الزمان "
عادت إليه الممرضة بعد قليل وهي تقول:
- أن أمه ترفض الدخول
انقبض قلبه حين سمع ذلك .. لماذا ؟! لا يعلم........!!
" تستطيعين القول انه إحساس خارج عن إرادتي"
التفت على الصغير الذي كان يقف بكامل طوله على المقعد
لماذا يبدو وجه هذا الصغير مألوفا
وسأله:
- ما اسمك يا صغيري؟
- سامي
- .......
كان يريد أن يسأل الصغير السؤال الذي أما أن يقوض بنيان ذلك الشعور الغريب في نفسه أو يدعَمه
لذا أمر الممرضة أن تذهب إلى العيادة المجاورة كي تحضر بعد الأدوات...
- و ما اسم أمك يا سامي؟
كان يرقب شفتيه بنفاذ صبر
" حتى انه وجد رائحة عطرها المميز "
- إنها نورهـــان ... نورهــــان يا سامي
طبعا لم يكن ذلك صوت الطفل ؛ بل صوت المرأة التي تستند إلى باب العيادة
التفت نحوها بحركة مفاجأة .. ووجهه يحمل ملامح عدم التصديق
إنها هي يا سامي هي بشحمها ولحمها !!!!!!!
هرع الصغير يركض نحوها
- ماما.. ماما
حينها اتكأ الدكتور سامي بمرفقيه على زجاج الطاولة .. ودفن وجهه بين راحتيه
* * *
- أظن أن الأيام ستتكفل بذلك
- لن أدعها تفعل ....."
* * *
- يجب أن أغادر حياتك
- محال ...!!
* * *
- هــــل تتــــزوجـــــــــــــنـــي؟
* * *
- إني أعدك إني سأسمي باسمك احد أبنائي
* * *
- أما أنا فاقسم أني لن أنساك...
* * *
- ومن قال لك أني أريد أن أنساك..!!
* * *
جلست على المقعد أمامه
واحترامًا للحظات صمته .. لم تنبس ببنت شفة
أراح ساعديه على الطاولة ، وشبك بين أصابعه ...وهو مطرق برأسه..
أخذت تتأمله .. تتأمل كفيه ..
لك الله يا هاتين الكفين لكم لثمت أطراف أناملها ذات يوم ..
وساعته .. هي ذات الساعة التي كان يرتديها آخر مره رأته فيها
ورفع رأسه فرأت شفتيه .. الشفتين التي طالما أسمعتها كلمات ليسك كالكلمات..
ورأت على جانب الطاولة قلما قد تشوه أعلاه
* * *
سأذكر كم قلمـًا أوسعته عضـًا بين شفتيك ....
* * *
" يا ساتر " لماذا؟
* * *
الهي... إنك مجنونة بحق ..؟!
* * *
من يدري ؟
فلربما التقيا ذات يوم
* * *
ماذا تظنين ؟ طبعًا كما هي العادة ...
* * *
ولمَا رفعت بعدها اصطدمت بعينيه المعبرتين
* * *
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عيناي في لغة الهوى عيناك...
* * *
- ما لذي جاء بك يا نورهان ؟! لماذا عدت ؟
أعادها سؤاله إلى عالم الواقع .. السؤال الذي سيكون جوابه معروفـًا لو كان موجهًا لغيرها وفي موقف آخر
عاد يتكلم كأنما يحادث نفسه ، وهو يحرك رأسه يمينـًا وشمالا :
- أكان يجب أن تعودي بعد كل هذه السنوات يا نورهان ..؟
لمــــاذا ؟ لمــــــــــــــــــــاذا؟
- ..........................
منذ التقينا آخر مرة وأنا أحاول النسيان
لكنك الآن تعودين ...
بعودتك يا نورهان تبعثين الذكريات توقظينها ...توقظين ذلك المارد الجاثم في قمقم النسيان..........
كان يتكلم وهو يعبث بالقلم بين يديه ...
في هذه الأثناء عادت الممرضة تحمل بين يديها الأدوات التي كان قد طلب منها أن تحضرها ، فوضعتها بجانب سرير الفحص ..
- لقد أحضرت ما طلبت مني يا دكتور
كان يريدها أن تغيب وقتا أطول ؛ لذا أمرها أن تعيد سجلات المرضى الذي تم فحصهم وحينها حملت السجلات وخرجت ...
كان وقت تواجدها فرصة لنورهان كي تلتقط أنفاسها .. ووقتا كافيـًا أيضًا ليتجول المنديل الذي تعصره بين يديها إلى منشفة من الدمع ..
و لما رأت إنها تستطيع الكلام .. قالت:
- لقد صدقت بنبؤتك يا سامي أم أقول يا" دكتور سامي"؟
رمقها بنظرة عتاب حانية إلا إنها لم تنتبه إليه فادت تكمل:
- حين قلت في ذلك اللقاء
من يدري ؟ فلربما التقيا ذات يوم
من كان يدري حينها ؟!
ولماذا نعود فنلتقي بعد كل هذه السنين .؟!
أيضًا من يدري؟!
حين سمعت صوتك ينادي على الممرضة .. ..و بالمناسبة.. ألم تجد ممرضة غيره هذه؟
قال وهو يبتسم بركن فمه:
- لماذا ؟ ألانها جميلة
- لا ولكني لا ارتاح إليها
- ...................
- أقول إني حين سمعت صوتك أحسست أن الأرض تميد بي و تساءلت ..!!!
هل يعقل أن يكون هذا الصوت هو صوت سامي؟
لا ، لا يمكن
الم يكن يقول بأنه يدرس طب العيون حين ذاك .....!!
إذن فمن المفترض أن يكون الآن طبيبـًا ..!!
لكن لا .. أي صدفة ستسوقني إليه
لكنني في النهاية أيقنت أنه صوتك ..... صوتك الذي استطيع أن أميزه بين مئات الأصوات
صوتك الذي لم انسه أبدًا......
حينها .. لم أكن أريد أن ادخل .. بل إني لم استطع أن افعل لكنني تحاملت على نفسي فدخلت إليك
إنني أم انسك أبدا يا سامي
كيف لي أن أنساك واكبر تذكار ها هو يلهو أمامك .. ابني سامي . ذلك الوعد الذي وعدتك به يومًا
* * *
أعدك إني سأسمي باسمك أحد أبنائي
* * *
- حقـًا... أنت مجنونة....
- صحيح إني متفانية في خدمة زوجي وابني وابنتي.. لكني لم انسك أنت أيضًا
الطفل ، نعم الطفل
انتبه الدكتور سامي إلى انه لم يفحص الطفل بعد فنهض إليه يجري الفحص
- يبدو انك ماهر في مهنتك؟
- هل أبدو لك عكس ذلك ؟!
- تؤ ......
* * *
تـــؤ
* * *
لما سلَمها وصفة العلاج .. كان ذلك ايذنـًا بانتهاء اللقاء ..
حينئذ نهضت من على مقعدها
نظرت إليه في حنان وابتسمت ابتسامه صفراء حزينة:
- اعرف أن وقتك ليس ملكا لك ..
لكن .. ألن نلتقي أخرى يا سامي ..؟!
نظر في عيين عسليتين بعد العهد بهما ثم قال:
- من يدري؟
لمَ لعله من الأفضل لنا أن لا نلتقي مرة أخرى... فأنت متزوجة ولديك طفلان ..ولن اسمح لنفسي أن افسد حياتك الزوجية بلقاءاتي
- أتظنني استطيع يا سامي ... يا آآآ " دكتور سامي "
ولبرهة صمتت ثم أكملت:
- حسنا سنرى..
وأمسكت بيد سامي الصغير وخرجت ...
إنها مجنونة يعلم ذلك ..ويعلم أيضا أن هذا اللقاء لن يكفيها منه ..........
ما أن خرجا حتى كانت الممرضة لتستأذن للدخول :
- ما بال هذه السيدة يا دكتور؟
- ما بالها ؟
- لقد كانت تبكي .. عسى ألا يكون ولدها مصابـًا بمرض ٍ خطير
تنهد بارتياح وقال:
- لا ولكنك تعرفين الأمهات .. وكم يشفقن على أبناءهن
- نعم.. نعم.. إني اقدر ذلك
أما هو فكان يعلم لماذا كانت تبكي تلك السيدة ....
لذا فلم يكن آخر النهار يأتي إلا وكان قد عقد العزم على أن ينتقل من هذا المستشفى بأسرع وقت ممكن
فمن يدري لربما عادت ذات يوم تبحث عنه .. إنها مجنونة بحق..!!!
* * *
لقد أحببتك واقسم على ذلك حبا لم أحبه احد من العالمين
* * *
إنه يعلم أن هذا اللقاء لن يروي ظمأ روحها إليه
حتمًا ستعود...
ولربما عادت قبل أن يتمكن من الانتقال
من يدري ...!؟
فلا يعلم ..
إلا من كان يعلم لم عادتْ إليه نورهان بعد كل هذه السنوات ..........!!
العباد يتقلبون بين أحوال ثلاثة : النعمة - البلاء - الذنب .
فالنعمة تحتاج إلى شكر ، و البلاء يحتاج إلى صبر ، و الذنب يحتاج إلى استغفار
فمن شكر و صبر و استغفر فقد نال السعادة ، أسأل الله ان يجعلك منهم ..