عندما نتحدى الأيام "2" ..!!
-7-
انقلاب .....
انتهت الإجازة سريعا وكان مايسليني فعلا هو أن زيارات مها وسارة تكررت كثيرا وأصبحنا لاننفك في الحديث عن كل شيء وكان جدتي قد أعجبت بزميلاتي قائلة لي انهن من عائلات طيبة ..
عدت لهذا الصف الأخير عازمة على أن تكون هذه السنة الدراسية أفضل مايكون .. وقررت أن أتعب في مقابل أن أحصل على مجموع يؤهلني لاختيار مستقبل مناسب لي ..
كنت أسير بين أروقة المدرسة وسارة على يمني ومها على يساري .. وعفراء إلى جانب سارة .. التي صرحت
" أريد عمل شيء .. جنوني .."
قالت عفراء باستغراب " بعد كل مافعلته ؟؟ لازلت متشوقة لعمل شيء جنوني "
"لم أفعل شيء اليوم ..."
قالت مها بهمس " لا أعرف من رمت لتوها بحجر على نافذة المديرة .. ولا أعرف من التي صرخت بكلمة جبناء عند باب الصف العاشر وكان في الداخل مدرسة الرياضيات التي لاترحم ."
قالت سارة بصدق " لا أذكر من فعلت هذا ؟؟ "
قلت ساخرة " يبدو أنك مصابة بانفصام بالشخصية أو بفقدان الذاكرة "
قالت سارة بثقة " لايهم .. المهم أني أتوق لفعل شيء مجنون .."
أمضينا آخر خمس دقائق من الإستراحة في التجول .. وما إن رن جرس الحصة حتى صادفنا نورة برفقة مجموعتها الجديدة ..
قالت نورة ساخرة كعادتها " من أرى أمامي ؟؟ المجنونة برفقة البدينة والمعقدة !"
توجهت عفراء إلى الصف بسرعة معلنة رغبتها في عدم التدخل ..
قالت مها باستهزاء "انظروا من يتكلم ... الحمقاء بعينها!"
غضبت نورة " اني لا أسمع هل سمعتم طنين بعوضة ؟؟ "
ضحكت زميلاتها مكن حولها وشعرت أن الموقف لن يتوقف عند هذا الحد فصرخت بنورة " كفـــى ... لايعني أنك انضممت لهن أن لك الحق في القدوم والسخرية منا "
ادعت نورة الخوف وصرخت " يا إلهي .. انها من الجوع ستأكلني البدينه لا "
شمرت سارة عن كميها وبدت نظرة سعادة على ملامحها ..سألتها قلقة " ماذا تفعلين ؟؟"
قالت بابتسامة مطمئنة " قلت لك أني أتوق لعمل شيء جنوني اليوم .. وها حان الوقت "
انطلقت سارة تجاه نورة ودفعتها بقوة وخلال ثواني استحال عراكهما إلى قتال بين الجميع و تجمهرت الفتيات وهن يشجعن سارة بقوة فقد تأذين بالفعل من نورة .. دخلت في هذه المعركة محاولة أن أفك بين الجميع .. لكن على مايبدو أني لا أنفع اطلاقا في عقد معاهدات السلام !!!
بعد نصف ساعة كنت أكتم ضحكتي وأنا أرى أشكال الفتيات ذوات الشعر المنتوف والملابس الممزقة والكدمات الخضراء والزرقاء والشفة المنزوعة .. ضحكت سارة بانتصار .. لم تستطيع كبت ضحكها مع دموع الفتيات الأخريات ..
صرخت المديرة في وجهنا بقسوة " ماهذا ؟؟ من أخبركن أننا ندير حلبة للمصارعة ؟؟ هذه مدرسة محترمة من أرقى المدارس في الدوحة .. وقد شهدت قتالكن للتو أحد الموجهات القديرات في الوزارة ... ماذا أقول ؟؟ ماذا أقول ؟؟ صبية .. لستن فتيات محترمات .. للأسف خاب ظني في الكثير منكن .. "
قالت الجملة الأخيرة وهي تنظر لي ولسارة ولمها .. التي كانت تضع ثلجا على أنفها المكسور .. كانت نورة هي التي تلقت الضرب الأكثر .. فقد كسر أنفها و استقرت كدمة زرقاء تحت عينها و وفمها مليء بالدم .. لقد أدت سارة واجبها تماما كما أرادت ولم يطلها سوى بعض الخدوش من أظافر نورة ..ومزق كم قميصها .. أما أنا فلم أتعرض سوى لكدمة سيئة على عيني من مرفق سارة عندما حاولت أن أفكها عن نورة .. نظرت إلى سلمى التي طالتها الكدمات والخدوش على وجهها .. وكانت تقف بقربها بنة التي
كانت قد امسكت بخصلات من شعرها بين يديها ...
"قرار فصل تأديبي لكل منكن .. ولا تدخلن هذه المدرسة سوى برفقة ولي أمركن ."
وقعنا جميعا على هذا القرار .. وكان عدد المفصولات هو ثمان
طالبات .. أنا ومها وسارة من طرف وسلمى ونورة وبنة وفتاتان
الطرف الآخر ..
قلت معلقة وأنا أحمل شنطتي وعباءتي
" فعلت ما أردت يا سارة .. وارتكبتي الجنون بعينه !!"
ضحكت سارة قائلة " منذ علمت أن نورة انضمنت لسلمى وأنا اتشوق لهذه اللحظة .. "
قلت وقد تذكرت للتو " ماذا أقول لوالدتي؟؟ كيف سأقول لوالدتي؟؟ "
قالت مها بروح مرحة " أمامك اسبوع .. فكري كما تريدين.. أما أنا عن نفسي سأخبر أمي منذ الآن .. فهي تسأل عني دائما لدى المديرة .. لكني أخبرتها عن تصرف نورة أتمنى أن تعذرني .. ولاتعاقبني .. "
قالت سارة بلا مبالاة " ليست المرة الاولى بالنسبة لي .. "
-8-
مواجهه ..
قضيت أول ثلاثة أيام في غرفتي لم أخبر أحدا بشيء .. كنت أقضي الصباح في النوم والليل في الدراسة .. وأما بعد الظهر كنت أتكلم في الهاتف مع سارة أو مها .. وكانت هذه الحادثة الأخيرة قد جعلتنا قريبات جدا من بعض ..
فتح الباب بقوة ودخل والدي بغضب كنت أمسك بكتابي بين يدي أحل بعض المسائل التي شرحتها لي عفراء عبر الهاتف ..
لأول مرة منذ وقت طويل يدخل والدي لغرفتي ..
" فاطمة .. "
" نعم يا أبي .. "
" قال لي السائق أنك لم تذهبي للمدرسة منذ ثلاثة أيام ؟؟ مالسبب ؟"
شعرت كأني قلبي توقف .. نظرات أبي النارية تطلب جوابا سريعا وأنا لا أعرف ماذا أقول ؟ ... عجزت التنفس عدة دقائق ..
" أنا .. آآآآآآآآ..... "
" أنت ماذا ؟؟ لن أتسامح في ترك المدرسة .. منذ الغد تعودين لمدرستك .. أسمعتي؟؟ "
" لللل...كن .."
"لكن ماذا ؟؟ "
قلت وقد شعرت أن شجاعتي قد خانتني .. "
"لااستطيع " "
" ماذا ؟؟ ارفعي صوتك ؟؟ "
" لا أستطييــ....ــع.."
" لماذا .؟؟ ""
كان والدي غاضبا جدا ... وقد شعرت للحظة أن عينيه اشتعلت نارا .. وقررت قول الحقيقة .. قلت بصوت منخفض
"تم فصلي لمدة اسبوع "
"ارفعي صوتك لماذا تهمسين ؟؟""
"تم فصلي لمدة اسبوع "
قلت جملتي الأخيرة التي صدمت والدي كثيرا .. وأمسك بأذني بقوة ..
"لمــأذا؟؟ "
قلت بسرعة وأنا أرجف ,,,
" تعاركت زميلتاي وكنت أباعد بينهما فحسبتني المديرة معهما !"
ترك والدي أذني ومسح على رأسي .. قال بنفاذ صبر
"هل تعلم والدتك بالموضوع ؟؟"
هززت رأسي بلا ..
"توقعت هذا .. "
تركني أبي وخرج .. بعد عشر دقائق سمعت صراخا في الخارج وبدأت في الإرتجاف .. ثم فتح باب غرفتي بقوة وكانت والدتي في قمة انزعاجها وغضبها
" أصحيح ماقاله والدك ؟؟ "
" أجل "
كان كل طرف فيني يرتجف بشدة .. هذه اللحظة التي كنت أنتظرها
منذ أيام .... انفجار أمي وغضبها ..
" فصلت من المدرسة فاطمة ؟؟ فصل ؟؟ والسبب عراك ؟؟ ولم تخبريني ؟؟ ألهذه الدرجة تكرهيني لتجعلي والدك يستهزأ بي وبتربيتي لك ؟"
في تلك اللحظة توقفت عن الإرتجاف .. وقد أدركت حقيقة غضب والدي .. فقلت مصرحة وقد فاض بي الكيل
" لماذا لم تخبريه أن جدتي هي من قامت بتربيتي لا أنت "
نزلت يد والدتي على وجهي وكانت للمرة الأولى في حياتي تمد يدها وتضربني ..
" أتشكيكين بتربيتي لك أيتها العاقة ؟؟ بعد كل هذ العمر ؟؟ أتجرأين ؟؟ ألا يكفي أني تحملتك وأنت بهذا الشكل ؟؟ ألا يكفي أني كنت أصرف عليك كل مالي ؟؟ "
كانت كلماتها غير منطقية بالمرة بالنسبة لعقلي وقلبي اللذان قررا مواجهتها بحقيقتها
" أنا لست بعاقة . وأنا لا أعتبرك أمي .. فلم أر فيك أي شيء من هذه الكلمة .. استمعي إلى نفسك .. لا توجد أم في هذه الدنيا تكلم أبناءها كما تفعلين إني أكرهك !"
أغلقت الباب بعد أن دفعتها إلى الخارج وأقفلت الباب وانخرطت في بكاء مرير .. طرق الباب كثيرا من عدة أشخاص لكني لم أبه لأحد .. رن هاتفي الخاص كثيرا لكني كنت في حالة نفسية سيئة جدا .. بعد عدة ساعات فتح الباب من الخارج ..
كانت جدتي التي تبدو حزينة جدا
" ارتدي ملابسك سنخرج أنا وأنتي .."
لم أمانع وهذا ماكنت أحتاجه .. أن أخرج من قوقعتي ودموعي .. أخذتني جدتي إلى البحر ولم تتكلم طوال الطريق .. لكني أخيرا ارتميت في حضنها وبكيت كثيرا .. كما لم أبك في حياتي اشتكيت لها سبب حزني .. وقلت لها كل آلالامي وأحزاني .. وكانت تطيب خاطري بكلماتها الطيبة ...
" سأذهب معك إلى المدرسة في الاسبوع القادم..وإن تكرر هذا الموقف لاتخبري احدا فقط إلجأي إلي ... أسمعتي ؟ "
" أجل "
بقينا حتى الغروب عند شاطئ البحر.. ثم أخذتني جدتي إلى منزل عمتي ...
" سنام الليلة هنا .. "
لم أمانع .. بالعكس .. وجدت بين يدي عمتي وبنات عمتي مالم أجده بين يدي والدتي .. الإهتمام ... أخبرتهن باستمتاع ماحدث بالضبط وانخرطن في ضحك شديد عندما تخيلن وجوه الفتيات كما أصفها .. وعندما ذهبت لغرفة صافية ومنى ..
منى " لنسهر الليلة .. ونتحدث .. "
قلت متسائلة " نتحدث في ماذا ؟؟ "
قالت صافية " لنخرج إلى الخارج .. فالليل في سبتمر بارد قليلا .. لنجلس ونحمل معنا أكواب القهوة ونتبادل الحديث .. "
عدت وسئلت " الحديث عن ماذا ؟؟" "
وشعرت أني غبية إلى حد ما .. قالت منى بنفاذ صبر " عن الحياة فاطمة .. لا تقولي لي أنه ليس لديك فكرة عن ذلك ؟؟"
كدت أن أجيبها بأجل لكن ابتسمت في المقابل .. وارتديت حجابي وخرجت معهن .. كانت السماء صافية يضيئها القمر ..
قالت صافية حالمة " ماهي أحلامك فاطمة ؟؟"
قلت بعد لحظة تفكير صادقة "لا أعرف ... "
منى " لا تعرفين ؟؟ ألاتطمحين لشيء ؟؟ "
" لا .. لا أعرف مالسبب .. لكني لا أفكر في شيء محدد .."
قالت منى حالمة " أتمنى أن أتزوج .. وأن أعمل في وظيفة مستقلة ..ويكون لي من الأولاد ستة .."
قالت صافية "أما عني أتمنى أن أحج إلى بيت الله برفقة والدتي ..من حر مالي أنا .. أتمنى هذا فعلا قبل الزواج .. لاني متأكده بأنني سأنسى وتشغلني الحياة والوظيفة .. ولا أنفذ حلمي هذا .."
علقت بدوري " أتمنى ذلك أنا أيضا ..أتمنى أن أذهب للحج برفقة جدتي .. "
قالت صافية " اذا .. لنرتب لهذا الأمر هذه السنة ... "
"لكني ثانوية عامة .. لا أستطيع .."
قالت صافية " أجل ,, نسيت .. "
"ماذا نسيتي؟؟ "
التفت ورائي لتلاقي عيناي عينا شاب وسيم .. اعتدلت في جلستي ..قالت صافية " عبدالعزيز أهذا أنت ؟؟ "
" أجل ومن غيري ؟؟ ماذا تفعلن في هذه الساعة ظننت أنكم لصوص"
"نتبادل الحديث عبدالعزيز هذه فاطمة .. أخبرتك عنها .. "
قال بلهجة لطيفة " أجل كيف حالك ؟"
"بخير ..وأنت ؟"
"بخير ... عن ماذا تتحدثون ؟؟ "
بدا عبدالعزيز شابا محترما واثقا .. واجتماعيا نوعا ما .. فقد ارتحت اليه من أول كلماته ..
" كنت أقول لفاطمة أني أرغب في الذهاب للحج برفقة والدتي قبل أن أتزوج وأخبرتني أنها ترغب في مرافقة جدتي أيضا للحج .. فأخبرتها لما لا نذهب معا ؟؟ لكن تذكرت أن هذه السنة هي النهائية "
" لابأس اذهبا السنة القادمة .. فزواجك بعد سنتين أليس كذلك ؟"
"بلى .. فكرة جيده ... "
التفت لي عبدالعزيز وسألني " كيف هي الدراسة؟ "
قلت بعفوية "بداية جيدة .. فصلت لأسبوع ...بسبب مشكلة .. والقادم أفضل !"
ضحك ببساطة .. وقال مستغربا " لم تبدأ الدراسة بعد . مالذي كنتي تفكرين فيه؟"
أجبت بصدق "لاشيء .. كوفي عنان ربما .. "
ضحكت صافية ومنى .وسألهما عبدالعزيز عن سبب ضحكهما فقالت صافية " فصلت لأنها أرادت أن تهدئ الأمور بين فتاتين متخاصمتين .. "
ابتسم عبدالعزيز .. "كوفي عنان يبدو أن لك مستقبلا واعدا في السياسة "
" أحب القراءة عن الشخصيات السياسية ومؤخرا أعارتني زميلة لي مذكرات للرئيس الأمريكي السابق .. بيل كلينتون ..كان الكتاب جيدا .."
ابدى عبدالعزيز اهتماما وقال " يبدو أن طموحك كبير .. "
فعلقت صافية "بالعكس .. أنها إلى الآن لم تحدد طموحاتها أو حتى أمنياتها .."
"حقا "
" أجل .. للأسف لست ممن يقررون بسهولة .. "
قال وهو يقف على قدميه " أتمنى أن أراك في المستقبل دبلوماسية معروفة .. تصبحون على خير .. "
انسحب من بيننا ونظرت منى إلى بابتسامة خبيثة
"بالنسبة لابن عمتك الذي لام تقابليه أبدا .. كانت بدايتكما جيده .."
لكن خانني لساني الذي قال " شاب مثله ينظر إلي أنا ؟؟ استيقظي يا منى من أحلامك ..."
غضبت منى وقالت "ومابك ..فتاة جميلة .. مثقفة .. ذكية .."
هززت رأسي وقلت " يبدو أن القمر مضيء كثير اليوم .."
لم تعلق أي منهما على تغييري للموضوع .. واستمرت صافية في التحدث عن مشاريعها وخططها لزواجها في المستقبل ...
يتبع ..
ســــهر اللـــــــــــــيالي 84
_9_
طيف قديم
انتهى الأسبوع سريعا .. وسريعا مانسيت والدتي ماحدث بيننا ..للأسف لم أنسى أنا .. للأسف .. هل ظنت والدتي أن اهاناتها لاتؤثر بي ؟؟ ربما ..لأنه تصرفت كأنما لم توجه لي كلمة .. وكأنما لم تضربني .. ذهبت جدتي معي إلى المدرسة وبطريقة ما بدأت المديرة تعتذر منها وتشيد بسلوكي وتمتدحني ...لا أعرف ماقالت جدتي لكن على مايبدو أن مفعول كلماتها قوي لدرجة أن المديرة ارتبكت لهذه الدرجة ..
عدت إلى الصف ووجدت سارة كالعادة تجلس في الآخر تخربش على ورقة ما .. جلست إلى جانبها ...
" مالأخبار؟"
"لاشيء جديد .. والدتي تعودت على قرارت الفصل فلم تتفاجأ بالموضوع فقط حرمتني من التلفاز لمدة أسبوعين .. "
"أين مها "
"لا أعرف "
دخلت مها إلى الصف ورمت بحقيبتها إلى الكرسي ودعست عباءتها في الدرج ...
"كانت اجازة رائعة "
كان تصريحها قد أغضبني " أيعني هذا أنني الوحيدة التي لم أستمتع بقرار الفصل هذا ؟؟ "
ضحكت سارة ..لكنها صمتت عندمما نظرت إلينا المعلمة غاضبة وقالت بلهجة ساخرة
" الثلاثي المرح .. .توزعوا ."
ذهبت مها إلى كرسي قريب .. وانتقلت سارة إلى كرسي أمامي .. وبقيتا تنظران إلي بعينان ضاحكتان .. وبقيت غاضبة نوعا ما .. وعندما انتهت الحصة توجهتا إلي وقالت مها برقة
"لقد تعودنا على هذه المواقف .. لكن أنت بطريقة ما كنت مسالمة
..فقرار الفصل هذا هو الثالث لي والسابع لسارة .. والسبب الذي يجعل المدرسة تتغاضى عن سلوكنا هو درجاتنا ..وحقيقة أن والدتي ووالدة سارة تعملان في السلك الدراسي "
قلت محاولة تبرير موقفي " لقد تعرضت لتوبيخ عنيف من والدتي "
قالت سارة بايتسامة خبيثة " لكل شيء مرة أولى ستعتادين !! المرة القادمة لن تكون بهذا السوء "
قلت برب " أتنوين اعادة هذه المعركة ؟؟"
هزت رأسها بعفوية " حسب الظروف ان أزعجتني نورة مرة أخرى لن أمرر الأمر بسلام .. "
استنكرت الأمر وقلت بسخرية
"لكنها كانت صديقتنا المقربة منذ شهر !!"
قالت سارة لمها "هل ستقولين لها أنت أم أنا ؟؟ "
قالت مها "لم تكن صديقتنا يوما ! لكن كوننا نشأنا معا اعتدنا على سخريته وكثيرا ماكانت سارة ونورة تتجادلان وينتهي الأمر بخصام فأصلح بينهما .. لكن نورة .. أنت تعرفينها .. دائما تتنمر على الطالبات المسكينات .. ودائما تتفوه بمالايجب أن يقال .. وكان انضمامها لسلمى القشة التي قصمت ظهر البعير .. فقد استحملناها قدر استطاعتنا .. لكن أن تنضم لسلمى , لا .. اتصلت بها أنا وسارة وأخبرناها اننا لن نستمر معها .. وهكذا .. نشأت المشاكل وطوال العطلة الصيفية كنا نتلقى منها اتصالات غاضبة .. "
لم أعلق .. واكانت هذه آخر مرة تكلمنا فيها عن مشاعرنا تجاه نورة ..
عدت للمنزل ودخلت لغرفة جدتي التي اتضح أنها لم تكن لوحدها .. وجدت عمي خالد هناك .. وكما هي الحال في عائلتنا لم أكن قد رأيته منذ سنة .. ألقيت التحية عليه وسألني عن أخباري .. ثم قال لي أنه يدعونني مع جدتي إلى قضاء نهاية الأسبوع في مزرعته .. لم أمانع .. وتشوقت لهذه الرحلة خصوصا أنني لن أصحب سوى جدتي ..
صعدت إلى غرفتي ووجدت ابراهيم في طريقي ..
"مرحبا "
قال لي بلهجة غريبة " أهلا .. فاطمة أريد منك أن تنادي لي جدتي "
قلت مستغربة "لماذا لا تنزل وتلقي التحية على عمي خالد .."
تنهد وقال "لا أريد .. سيسألني عن ابنه حسن .. ولا أريد فتح أي موضوع عن حسن الآن .. "
"وأين هو حسن ؟؟"
"لماذا هذا التطفل والفضول ؟؟ لم السؤال ؟؟ ... "
استغربت غضبه " لم انفعلت هكذا ؟؟ "
"لاشيء .. فقط نادي جدتي .. "
عدت للأسفل .. فكرت للحظة أن أرتكب نذالة في حق ابراهيم وأقول لجدتي أنه يريدها أمام عمي .. لكني تراجعت .. فازت نزاهتي على نقطة النذالة التي أملكها .. .
ناديت جدتي بحجة أن تساعدني في أمر ما ..وأوصلتها لابراهيم ثم ركبت السلم واتجهت لغرفة والدتي التي كانت نائمة .. ذهبت لغرفتي .. وبعد ان غيرت ملابسي اتجهت لألبي نداء معدتي المتضورة جوعا ..
**
رن هاتفي ليوقظني من قيلوتي فتحت عيناي بصعوبة وأنا أشتم وألعن .. كنت قد حذرت سارة ومها من الاتصال بي في وقت قيلوتي التي تمتد من الساعة الثالثة عصرا إلى الخامسة ..
رفعت الهاتف وقلت غاضبة "نعم ."
جاءني صوت غريب "فاطمة ؟؟"
"نعم !"
" أنا مريم ! .."
لدقيقة لم أستوعب .. مريم ؟؟ مريم صديقة الطفولة التي رحلت ولم تذكرني باتصال؟؟....
"مريم ؟؟"
"أجل يا فاطمة .. أنا مريم .."
"مريم ؟؟"
لا أعرف مالذي دهاني لأكرر اسمها هكذا .. لكني لم أصدق أذني ..
"مريم .. مريم التي...مريم أمريكا ؟"
سمعت ضحكتها على الطرف الآخر " أنا نفسي لا أصدق , فاطمة مضى وقت طويل .. "
قلت محاولة استجماع نفسي والنهوض من سريري
"وقت طويل بالفعل !"
"عدت منذ يومين .. وسأتي غدا للمدرسة .. كنت أريد سماع صوتك ..استغرقني طويلا البحث عن رقم هاتفك "
أكثر من سنتان مرت منذ سمعت صوت مريم للمرة الأخيرة ..
"جيد .."
"أراك غدا ؟؟ "
"هذا أفضل ..."
"إلى اللقاء .."
"إلى القاء "
ليس سهلا أن تحاول أن تتكلم مع شخص كان قريبا جدا لقلبك وانقطع عنك لمدة طويلا .. شعرت أن هوة كبيرة بيني وبينها ..رغم أني كنت دائما أتذكرها واشتقت إليها فعلا .. بقيت في سريري محاطة بأسئلتي ياترى كيف ستكون ؟؟ هل تغيرت ؟؟ ما آخر أخبارها ؟؟ ...
مر اليوم صعبا جدا اتصلت بمها لأخبرها بماحدث ...وكانت مها فتاة رائعة في الإصغاء .. لم تعلق سوى أن الغد سنحل كل شيء ..
أمضيت الصباح مستغرقة في اعداد نفسي للحظة اللقاء .. تخيلتها مرارا وتكرارا .. كيف سألتقيها .. هل مازالت كما هي أم تغيرت ؟؟ ذهبت إلى المدرسة محملة بتساؤلاتي .. نزلت وتوجهت إلى الصف دون أن أبحث عنها فهي لن تأتي منذ الصباح الباكر في أول يوم دراسي لها .. دخلت الصف ورميت بحقيبتي على الكرسي .. وبحثت عن مها وسارة لألقي التحية عليهما ..
لم أجدهما .. استغربت أين اختفتا .. بقيت في مكاني ... وجدت أغراضهما في مكانها .. ياترى هل تسببتا بمشكلة جديدة ؟؟ ..
دخلت مها وهي تنادي باسمي "تعالي فاطمة تعالي بسرعة "
قلت وكنت متأكده أن شكوكي قد تأكدت قد تورطتا في مشكله "اوووه لا .. لاتقولي .."
خرجت أتبعها .. لكن وجدت سارة تقف وبقربها فتاة مألوفة أنيقة جدا .. انكمشت عيناي شكا ..
"سارة ؟؟"
قالت سارة "فاطمة .. ألم تتعرفي على مريم ؟؟ ..."
صدمت فعلا بهذه المفاجأة ... مريم ؟؟ نظرت إليها باحثة عن الأرطال الزائدة التي تشاركناها معا ذات يوم .. عن همومنا المشتركة .. لم أجد شيئا .. نظرت إلى فتاة خارقة الجمال أنيقة بجسد رشيق و ابتسامة جميلة .. وعادت إلي بطريقة ما طريقة تكرار الاسم ..
"مريم ؟؟ "
"فاطمة "
"مريم ؟؟ مريم ؟؟؟ ...."
اتجهت نحوي وتعانقنا .. قالت بلهجة حنونة "اشتقت لك .."
نظرت إلها بذهول .. ربمات تغير شكلها .. لكن .. في نقطة ما داخل عارضة الأزياء هذه تقبع مريم .. حبيبة قلبي رفيقة دربي ...
نظرت إليها غير مصدقة .. قالت سارة كاسرة حاجز الصمت بيننا "لما لانذهب إلى الحديقة ؟؟ "
هززت رأسي موافقة .. تبعت سارة ومها وجلسنا في الحديقة على الكراسي الحديدية وتجاهلنا الحصص ببساطة ..
" ما أخبارك .؟؟"
كان سؤال مريم مفاجأ لي .. قلت بتردد
" جيدة .. "
ابتسمت مريم قائلة "أتذكرين عندما كنت أسألك ما أخبارك بما كنت تجيبيني ؟؟ "
ابتسمت لها قائلة " كان عشاء الأمس رائعا .. "
ضحكت مريم .. لكنها بكت في الوقت نفسه .. انسحب مها وسارة بهدوء .. وبقيت لوحدي معها ..
"لم البكاء مريم .."
"لاتعرفين كم كنت أصبر نفسي بتذكر أحاديثنا ..لطالما أردت أن أحادثك .. لكن لم أملك الشجاعة .. "
قلت وقد بكيت بدوري " لاتعرفين كم كانت الأمور عصيبة بالنسبة لي أيضا ..:"
قاتلت مريم بكآبة .." لم أستمتع بوقتي كثيرا .. كرهت فكرة الدراسة هناك .. الفتيات لئيمات جدا ...جدا .. كانت أول سنة صعبة جدا .. كنت أنهار كل ليلة وأشتكي لأبي وكان يقول لي سأرسلك الآن إلى الوطن لكن كنت أرفض .. وكان يقول لي اطلبي ماتريدين .. لكني لم أرد شيئا سوى تحدي الوضع الذي كنت أعاني منه .. ان المدرسة التي انضممت لها من الطبقة الراقية .. لذا كان صعبا جدا الخطأ .. "
بقيت أتكلم مع مريم طوال اليوم .. قد انزاحت فجأة الهوة التي بيننا .. تكلمت عن سنواتها الماضية وكيف أنها فقدت الشهية وخسرت الكثير من الوزن وأصبحت هيكلا عظميا فأدخلت لمدة شهران مصحة غذائية .. وتحسن حالها .. وكيف عادت وتحسنت علاقتها بوالدتها وشقيقاتها الثلاث ..
-10-
حب ...من أول نظرة ..
كان اسبوعا رائعا , عودة مريم أعادت لي شيئا من ثقتي بنفسي .. وكانت قريبة جدا مني .. جدا ..
أخيرا ركبت السيارة برفقة جدتي واتجهت إلى مزرعة عمي ..كنت مرتاحة نوعا ما .. نظرت إلي جدتي وقد استغربت ارتياحي ..قالت لي " ماسبب هذه الابتسامة على شفتيك ؟؟ "
قلت مبتسمة " أشعر بالحماس .. أتمنى أن تكون نهاية أسبوع رائعة .. "
قالت جدتي بثقة "ستكون كذلك ..بإذن الله .. لكن أخشى أن تعكر زوجة عمك الجو بالكلام عن حسن .."
هذا الاسم سمعته للمرة الثانية .. سألت جدتي بفضول
"مابه حسن ؟؟ ماقصته ؟؟ "
قالت جدتي بعد تنهيدة عميقة " غبي .. يقضي وقته في السفر والسهر .. ترك المدرسة منذ وقت طويل .. ويعيش عاطلا عن العمل .. ومؤخرا تشاجر مع والده .. وطرده والده من المنزل .. "
"إلهذه الدرجة الوضع متأزم في بيت عمي ؟"
هزت جدتي رأسها ... كانت المزرعة تقع في احدى الروضالت الخضراء .. ولم تكن مزرعة بمعنى الكلمة بل استراحة كبيرة توجد بها منزل صغير واسطبل خيل وحمام وجلسات رائعة ..
كنت متحمسة فعلا .. نزلت من السيارة وهناك .. التقت عيني بمن احتل قلبي من أول نظرة .. شعرت بأن أحدا ما خطف أنفاسي مني .. لم أستطع سوى التحديق بتلك العينان .. وكان يحدق بي بالمقابل ..مستغربا من أكون ... كان واقفا هناك ليساعد جدتي على النزول من السيارة .. لا أعرف مالذي سكن أطراف جسدي فجأة .. ماهذه الأحساسيس التي ولدت في تلك اللحظة ؟؟ اسند جدتي ونزلت جدتي .. وكأنها لاحظت التغير الذي اعتلاني فجأة .. قالت لي مؤنبة "أنزلي الأغراض يافاطمة لم تقفين هنا ؟؟ "
هززت رأسي وأنا أحاول أن ألتقط أنفاسي .. أنزلت الحقيبة الصغيرة بينما تطوع هو قائلا "أنا سأنزل الأغراض .. فقط اتبعي جدتي "
تبعت جدتي وأن أشعر أن قلبي قد انقبض .. لم أجرؤ على النظر إلى الخلف .. دخلت إلى المنزل الصغير .. وكان الجميع يجلسون مجتمعين قال عمي مرحبا " أهلا وسهلا لقد تأخرتم كثيرا "
قالت جدتي " الطريق بعيد كما أن فاطمة عادت من المدرسة متأخرة .."
نظرت عبر الباب الزجاجي إلى ذلك الشخص الذي أسر قلبي .. رأيته يأمر يمينا وشمالا على السائقين .. ومن ثم اتجهه إلى الإسطبل .. لم أسمع أي شيء من حولي .. كنت مشغولة بالجزيئات التي تدب في قلبي .. لم أكن قد رأيته من قبل .. أيكون ابن عم لي ؟؟
لا ...لكنه قال جدتي .. اذن هو ابن عم لي .. أيعقل ان يكون ابن عمي خالد ؟؟ لم لاينضم إلينا ؟؟ ..
دخلت إلى غرفة مخصصة لي ولابنة عمي خالد هيا البالغة من العمر عشر سنوات .. أذكر أن لي بنات عم كبيرات .. حمده ونوف ..وهن تقريبا يكبرنني بعام أو عامين .. لم لم يأتين .؟؟
استفردت في غرفتي .. متسائلة أن كان ماشعرت به حقيقة أو خيال ؟؟ نظرت من فتحة صغيرة من النافذة .. دققت النظر لم أجده .. كان هناك شابين فقط يتبادلان الحديث ضاحكين .. ثم استقلا سيارة وغادرا .. ارتديت تنورة سوداء وقميصا أسود .. ونظرت إلى نفسي في المرآة .. أخرجت قلم الكحل وخططت عيناي ..
لفتت شيلتي السوداء حول رأسي وخرجت ..
قالت جدتي عندما رأتني " حضري لي شايا "
نظرت اليمين واليسار لم أجد أي شاي .. فقالت جدتي "من المطبخ أنه في الخارج "
خرجت من الباب الزجااجي واتجهت إلى المطبخ ..
عدت وكان كوب الشاي في يدي ودخلت لأفاجأ أن الشاب ذاته يجلس مع جدتي .. انتفض قلبي بداخل جوفي وبدأ بالخفقان بسرعة أعطيت جدتي الكوب وارتبكت كثيرا .. قالت جدتي تعرفني على الشاب " ألم تعرفي ابن عمك ؟؟ "
استغربت وهززت رأسي بلا ..
قالت " هذا فيصل ابن عمك سالم رحمه الله .. "
قلت باقتضاب "كيف حالك " ..
" الحمدالله "
ابن عمي سالم .. الذي توفي منذ زمن بعيد .. كانت جدتي تتكلم وفاته حتى قبل أن أولد .. كانت تقول دائمة أن الموت خطفه باكرا تاركا ولديه يتيمين "
لم أجرؤ على النظر إلى فيصل .. لكن مجرد فكرة أنه بجانبي شعرت أنني قد أجن .. هل وقعت في الحب ؟؟؟ ... لا أعرف . لكن أعرف أن هذا الشاب حرك داخلي شريانا ووضعه في غير محله ..
استأذنت من جدتي ودخلت للغرفة وقد رأيت وجنتاي لأول مرة تتخضب باللون الأحمر .. التقطت أنفاسي بصعوبة استلقيت على سريري ..سألتني هيا ببراءة ..
" هل كنت تجرين ؟؟ "
"لا .. لماذا "
"تتنفسين كأنك كنت تجرين .. "
ابتسمت لهذا التعبير .. قلت لنفسي أن قلبي كمن يجري خائفا من شيء .. سألتها بخبث "أتعرفين فيصل "
قالت ببراءة "أجل .. انه صديقي .."
"صديقك ؟؟ أخبريني عنه .."
قالت بشكل حالم " انه يعيش مع والدته بالقرب منا . يأتينا كل يوم ويجلس معي ويخبرني النكت والقصص المضحكة .."
سألتها وقد تركزت في بالي صورته وهو يضحك ..رغم أني لم أرى ضحكته بعد ..
"كم عمره ماذا يعمل ؟"
قالت ببراءة "لا أعرف .. لكنه يعمل في مكتب والدي بالحكومة .."
"ماعمله ؟؟"
"مدير .."
فكرت انه مدير مكتب عمي على مايبدو .. نظرت إلى الطفلة وأيقنت جهلها التام بما أفكر به .. أغمضت عيناي وهاجمني النوم سريعا .. فقد تعبت ولم أنم منذ الصباح ..
فتحت عيناي لأفاجأ أن المصباح مطفأ والغرفة مقفلة .. دخلت إلى الحمام الجانبي وفزعت من مظهري .. كان الكحل قد سال .. ووجهي قد انتفح عشرة أضعاف ..
غسلت وجهي وغيرت ملابسي وخرجت نظرت إلى حقيبتي الصغيرة لم أرى بها سوى ماسكارا وعطر وقلم كحل .. ندمت لأني لم أجلب عدتي كاملة .. ارتديت ثوبا جميلا باللون الأزرق ولفتت شال الثوب حول رأسي وخرجت .. كانت الجميع مجتمع .. ورائحة القهوة نافذه إلى أنفي .. قال عمي "هل نمت جيدا ""
أجبته "أجل .."
"تعال إلى جواري "
"حاضر "
كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساء .. كان فيصل يجلس إلى قرب جدتي ويتكلم معها بموضوع يبدو أنه مهم ..
جلست إلى جوار عمي الذي داعبني قليلا وقال " أتناولت شيئا ؟؟"
قلت وقد تذكرت أني لم أتناول شيئا منذ خرجت من المدرسة
" لا .. ليس الآن "
وطوال الجلسة العائلية حاولت أن أتحاشى النظر إلى فيصل .. لكن شيئا ما كان يجعلني أدير رأسي .. وأنظر تجاه ذلك الرجل الطويل الأسمر ذو العينين الرائعتين ...
يتبع .
_11_
ابتعاد ..
لماذا بقيت أفكر به ليلا ونهارا ؟؟ .. هل معقول أني وقعت صريعة لحبه ؟ لا أعرف ما أعرفه .. أنني نسيت الأكل لمدة ثلاثة أيام .. وبات وجهي شاحبا .. ولاحظت صديقاتي العزيزات شحوبي وصمتي ... لكني لم أبح لأحد ماحصل معي .. فقد احتفظت لنفسي بهذه الافكار والمشاعر .. أو ربما هناك شيء داخلي أوحى لي بفكرة أنني لا أستحق أن أحب .. أو ربما لا يوجد هناك من ينظر إلي فخفت نظرة زميلاتي لي ... خفت من ضحكهم وشفقتهم علي ..
"بما تفكرين ؟"
نظرت إلى مريم ..لاتي سألتني . وتخيلت أنها هي من تستحق الزواج بفيصل .. ليس أنا .. فقد تخيلتها تقف هناك بفستان أبيض إلى قربه .. لم أستطع تخيل الصورة .. لفتت وجهي بعيدا وأجبت سؤالها "لاشيء "
ابتسمت مريم .. "كل هذا الشرود .. ولاشيء ؟؟ لم أقتنع "
وقفت وقلت لها بهدوء " سأذهب لشرب الماء "
أردت الابتعاد عنها .. لسبب ما شعرت أنها السبب في افكاري القاتمة .. والسبب في تعاستي .. السبب في كل دمعة تسقط من عيني .. لا أعرف لماذا اتخذت هذا الموقف منها .
وخلال الايام التالية كأنها شعرت بشعوري نحوها فآثرت الابتعاد .. فلم نتبادل سوى كلمة صباح الخير .. ولسبب ما استغربت عدم رغبتها في معرفة السبب .. واحترت لتناقضي الغريب ... لكني ارتحت لفكرة الابتعاد قليلا .. فقد خفت أن أوجهه لها كلمة .. فتكون في غير محلها .. أصبحت أجلس كثيرا لوحدي .. وفي يدي مسجلتي الصغيرة التي أخفيها تحت قميصي .. وأستمع إلى صوت ام كلثوم وخالد عبدالرحمن وعبدالحليم .وبطريقة ما .. غرقت في ألحانهم وكلماتهم الرائعة عن الحب ..
وأكثر النظر إلى ساعتي .. خوفا من أن أنسى نفسي وأفوت الحصة التالية .. وحدث لي ذات مرة موقف مضحك .. كانت حصة اللغة الانجليزية .. وكانت المدرسة ضعيفة الشخصية .. والفتيات يضحكن ويرمين بالاشياء والمدرسة من قلة حيلتها كانت توجه حديثها إلى فتاتين فقط يرغبن في الدراسة .. لم أشعر برغبة في الحديث .. وضعت السماعتين على أذني .. واستمعت إلى أغاني ذكرى الرائعة ... واندمجت فيها إلى حد كبير .. ثم قلت بصوت عادي والسماعات في اذني وكنت واثقة أن صوتي لايسمع وسط ازعاج الفتيات ولعبهن ..
" اخبروني ان وجهت لي المدرسة أي سؤال "
ضحكت الفتيات .. سحبت السماعات من على اذني لتقول لي الفتاة التي بقربي أنني عندما قلت جملة تلك كانت الفتيات جميعا صامتات .. نظرت إلى المدرسة التي كانت تنظر إلي باستغراب .. فقلت لها مبررة " اني اشعر بصداع .. لاأستطيع التركيز ؟؟!!"
اكتفت بنظراتها الساخطة وعادت إلى حديثها .. فهي لاحيلة لها ولاقوة .. شخصيتها ضعيفة لاترهب الفتيات .. ولاتستطيع أن تأتي بالاخصائية أو المديرة كل يوم في حصتها فتهز من صورتها وطريقة تدريسها أمامهما .. وضعت رأسي على طاولتي .. .. وفكرت بتعب .. بلاشيء........بعينا فيصل
عدت إلى المنزل فرحة بنهاية الاسبوع .. لم أتحدث كثيرا إلى أي من سارة ومها ومريـم .. وشعروا برغبتي في الوحدة هذه الفترة ..
عدت لأرى حقيبة عند الباب .. استغربت .. ناديت الخادمة ... وسألتها باستغراب " حقيبة من ؟"
ردت بعصبية " بابا حسن .."
حسن ؟؟ توجهت لغرفة جدتي .. طرقت الباب فسمحت لي جدتي بالدخول .. قبلت رأسها .. وجلست بقربها ..
"ما أخبارك يا فاطمة ؟"
"أنا بخير .. وأنتي كيف حالك ؟ "
"ارتفع ضغطي اليوم .. "
"ماذا .. سلامتك ماذا حدث ؟"
تنهدت جدتي وقالت بحسرة " كنت في منزل عمك خالد .. وأتى حسن من السفر .. وحدث مشادة بينهما فطرد عمك الصبي .. فأتيت به معي ..لم أرد أن يذهب إلى أي من أصدقاءه .. فأويته هنا وأعطيته الغرفة القديمة التي بقرب المجلس الكبير .. وأتى والدك .. ورحب به .. لكن .. "
قلت مقاطعة حديث جدتي "والدتي لم تفعل "
تأففت جدتي كثيرا .. وقالت بحزن " لايهمني رأيها .. لكني أخاف بعد أيام تؤثر في والدك وتجعله يغير رأيه ."
قلت لها مواسية "ان كان هناك شيء يحب والدي فعله . فهو معاندة والدتي .. لاتخافي يا جدتي .. فصحتك هي ما تهمني .. ولا أستطيع تخيل المنزل من دونك "
**
شعرت بأن ملابسي بدأت في الوسع .. هل فقدت شيئا من وزني ؟؟
ذهبت في نهاية اليوم إلى منزل عمتي .. رغم رفضي في البداية لكن جدتي أقنعتني .. جلست برفقة عمتي .. فلم تكن منى وصافية موجودتان .. تكلمت جدتي وعمتي عن أشياء كثيره ..لاتهمني ! ..استأذنت وقلت لهما بأني أرغب في التجول .. فحديقة منزلها كبيرة جدا.. وأحب المشي فيها .. حيث أنها مليئة بالأشجار العالية والخضراء .. وبطريقة بارعة كان هناك حوضا من الأزهار الجميلة ومن بينها زهرتي المفضلة .. زهرة الربيع ..
قطفت زهرة من الحوض وأخرجت مفكرتي الصغيرة التي تحتوي كل مواعيدي وأرقام الهواتف ووضعتها بين أوراقها .. أخرجت من حقيبتي المسجلة الصغيرة .. وبدأت بالاستماع لكن هذه المرة إلى الراديو .. أحب سماع شيء مختلف بين فترة وأخرى .. بدأت بالتجول .. مستمتعة بالجو الهاديء ونسمة الهواء التي تداعب خصلة شعري .. لقد اقترب الشتاء .. وأنا أحب الشتاء .. فشتاء دولتنا ليس بالشتاء القاسي .. بل هو أشبه بربيع بارد طوييل ...
بعد عشر دقائق رأيت ضوء سيارة اقترب .. عدلت حجابي .. ونزعت الراديو من أذني .. وأعدته لحقيبتي .. فتح الباب ودخل عبدالعزيز إلى البيت .. ابتسمت له .. وابتسم لي .. اقترب إلي وقال "أرى أنك هنا .. كيف حالك؟"
"بخير .. وأنت "
" بخير .. هل أتيت مع جدتي ؟؟ "
نظرت إلى خلفه توقعت لثانية أن أرى صافية ومنى .. لكني لم أرهما ..
" جدتي هنا .. أين ..صــ.. "
"تركتهما في منزل جدي .. لقد تمسك بهما وقال أنه يجب أن تبقيا عنده الليلة .. "
فهمت .. جده لأبوه ... نظر إلي وكأنه شعر بخيبة أملي ..
"لم اعرف .. أنـ.. .. سأدخل وأسلم على جدتي .. ألن تدخلي ؟"
هززت رأسي بلا ..
" الجو جميل سأبقى خارجا قليلا .. ثم سأدخل . "
دخل إلى الداخل .. وبقيت خارجا .. و بعد عدة دقائق شعرت بالملل فدخلت لى المنزل ..
كانت جدتي تحكي لهما ماحصل في منزل عمي صباحا ..
قالت عمتي بغضب " انه ابنه كيف يطرده هكذا ؟.. ألا يكفي أن الولد بهذا الانحراف أيريد له أن يعيش في الشارع لتصبح سمعتنا على لسان أي كان ؟"
هدأ عبدالعزيز والدته وقال له " أتوقع أن عمي خالد كان يريد حسن أن يعتبر ويحسن من سلوكه .. "
قالت جدتي بحزن " لكن حسن ليس بحساس ولا بعاقل ليؤثر به طرد والده .. بل بالعكس .. كان يريد أن يتخلص من عتب والده ولومه .. كان ينتظر هذه الفرصة .."
التزمت الصمت وانا اراهم يناقشون الموضوع بغضب ..قالت جدتي لعبدالعزيز
" خذ فاطمة واخرجا .. "
لم يفهم عبدالعزيز فعقد حاجبيه ..
قالت جدتي مبررة "أريد التحدث إلى ابنتي بموضوع خاص اخرجا للحديقة .. "
قال عبدالعزيز لوالدته " أخبريني لاحقا بما تقول "
ضحكت والدته .. بينما قلت لهم بسخرية " اذا سأخرج وحدي .."
ضحكوا .. وفتح عبدالعزيز الباب وخرج وأمسكه لي ..
كانت لفته جميلة منه لكنها أحرجتني .. جلسنا على الكراسي الخضراء في الحديقة .. لبرهة قصيرة بقينا صامتين .. نظرت إليه كان يحدق في السماء .. لم أحب أفتح مجال الحديث معه . ..لا أعرف لماذا .. شعرت بأنه غير لائق .. فجأة لاحت أمامي صورة فيصل .. كتمت تنهيدة عميقة .. نظرت إلى النجوم بدوري .. كانت السماء صافية جدا والجو شاعري .. وكان صمتا غريبا ..
ابتدأ هو الحديث " عما سيتكلمان ؟؟ ألديك فكرة ؟؟ "
هززت رأسي بلا . فتابع " أليس لديك فضول ؟؟ "
قلت بمرح "لست فضوليه .. "
"عجبا ..."
جاءت كلمته مليئة بالدهشة .. لم أستطع أن أتجاهلها ..
" ماذا ؟؟ عجبا ؟؟ ولم العجب ؟؟"
قال بثقة "أنت أول امرأة أراها خالية من الفضول .."
قلت معقبة بمرح
" للحظة بدا لي أنك تقول خالية من الكوليسترول ؟؟ "
ضحك قليلا .. ثم قال بمرح " لا . لا أعتقد انك كذلك .. "
شعرت باهانة منه .. نظرت إليه نظرة المعاتب .. أيحسبني غبية ؟؟ ..لا لست غبية ...بل أنا غبية فأنا من وضعت نفسي في هذا الموقف .. شعرت بضيق .. أدرت وجهي بعيدا وكتمت دمعتي .. تنحنح .. ثم استأذن وغادر بعدما أدرك أن مزحته كانت ثقيلة جدا ..
لكني بقيت هناك .. وبكيت .. أحسست باهانة .. بقيت هناك فترة طويلة ...حتى خرحت جدتي واعلمتني بمغادرتنا .........لم أصدق أذني .. وقفت وحملت أغراضي .. وكنت أشعر باختناق كبير .التفتت لألتقط نفسا بعيدا عن عيني جدتي ونحن في طريقنا إلى السيارة .. لأفاجأ بعينان تنظران إلي من خلف ستائر إحدى الغرف .. كانتا عينا عبدالعزيز .. أنا متأكدة من هذا .. أرأتني وأنا أبكي طوال الوقت الذي مضى ؟؟ ربما ..
عدت لغرفتي .. واستسلمت للنوم فورا ..
يتبع >>>
