قال تعالى:
{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } (الأعراف:33).
فإن أصول المفاسد في الأرض الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة، وهي:
1-2- الفواحش الظاهرة، والباطنة.
3- الإثم.
4- البغي بغير الحق.
5- الشرك بالله.
6- القول على الله تعالى بدون علم.
إن الفساد في الأرض عامته ناشئ عن هذه المفاسد الستة التي تضمنتها هذه الآية المباركة الكريمة، ومن هنا كان على المصلحين أن يبتدئوا دعوتهم الإصلاحية بمحاربة هذه المفاسد الستة والقضاء عليها؛ فإن هم نجحوا في ذلك فقد نجحوا فيما عداه، والله المستعان.
شرح الآية :
بين يدي تفسير هذه الآية ينبغي أن يُعلم أمران: الأول أن التشريع بمعنى وضع قوانين يكمل بها الإنسان ويسعد عليها في بدنه وروحه وفي كلتا حياته الأولى والآخرة؛ هذا التشريع خاص بالله تبارك وتعالى وحق له دون غيره؛ لأنه رب الإنسان والعليم بما يضره وما ينفعه، ويدخل ضمن التشريع التحليل والتحريم؛ فليس من حق أحد غير الله تعالى أن يحرم على الإنسان أو يحلل له؛ إذ هذا من شأن الرب المربي، ومن مقتضيات التربية الشاملة للروح والجسد.
ومن هنا أنكر الله تعالى على المشركين ما حللوا أو حرموا من الأنعام ركوبا وأكلا وانتفاعا، والزينة من اللباس وغيرها لبسا وتجملا، فقال تعالى منكرا عليهم: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ }؟ وهو الأمر الثاني، وقد تضمن سبب نزول هذه الآية فساعد على فهم معناها والحمد لله.
إنه لما أنكر تعالى على أهل الجاهلية ما حرموه بدون علم، وهو نافع غير ضار أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم ما حرمه تعالى على عباده لما فيه من الضرر والشر والفساد، فقال: { إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ.. } الخ لا ما حرمتموه أنتم بأهوائكم بدون علم.
وصيغة القصر الدال عليها حرف (إنما) لا تعني أن الله تعالى لم يحرم غير ما ذكر بعدها، وإنما تعني أن ما حرمه المشركون ليس حراما وإنما الحرام ما حرمه الله تعالى، كما أنه بالنظر إلى أن ما حرمه تعالى في هذه الآية يعتبر أصولا للمفاسد يدخل تحتها كل فساد وشر، كان كأنما المحرم كله محصور في هذه المحرمات الستة، فهذا وجه القصر في الآية.
شرح الكلمات:
- {حَرَّمَ}: يقال حرم الشيء يحرمه إذا حضره ومنعه فلم يأذن فيه.
- {الْفَوَاحِشَ}: جمع فاحشة، وهو الفعلة أو الخصلة الذميمة القبيحة التي اشتد فحشها وقبح، وأعظم الفواحش: فاحشة الزنا واللواط، وقريب منها البخل، وسؤال غير المحتاج للتكثر.
- {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}: أي فهي محرمة سواء ما فعل منها سرا أو جهرا، خفية أو علانية.
- {الإِثْمَ}: كل ضار فاسد من اعتقاد أو قول أو عمل، فمتى وجدت في الشيء صفة الضر أو الفساد فهو إثم، وقد يكون الشيء ضارا غير فاسد كالإسراف في الأكل والشرب، وقد يكون فاسدا غير ضار كالتبذير للمال، وقد يكون ضارا وفاسد في آن واحد كالغيبة والنميمة وكثير من المحرمات، كالسرقة والخيانة وخلف الوعد والغش والحسد والرياء والكبر مثلا.
- {الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}: الاعتداء على الغير، وذلك بمجاوزة المرء حقه إلى حق غيره، أو ما هو له إلى ما هو لغيره من سائر الحقوق والأمتعة والمنافع.
وهو بمعنى الظلم؛ إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه والبغي منه، إلا أن الظلم لا يقيد بلفظ (بغير الحق) كما قيد البغي به؛ إذ لا ظلم يكون بحق بخلاف الاعتداء فقد يكون بحق، كمن اعتدى على إنسان بأخذ ماله؛ فإن له أن يعتدي عليه بأخذ ما أخذ منه قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.
- {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ}: أي تجعلوا له شركاء من الخلق تعبدونهم معه أو دونه، وذلك بدعائهم والذبح والنذر لهم، وتعظيمهم بالحلف بهم، والرغبة فيهم والرهبة منهم، أو بطاعتهم بقبول ما يشرعون لكم من تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم.
- {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}: السلطان الحجة والبرهان، التي يذعن لها الإنسان ويسلم بالحق من أجلها.
ولا يدل هذا القيد في تحريم الشرك أن الله تعالى قد يأذن في الشرك به أو يأمر به، فينزل بذلك قرآنا يتلى فيشرك به عندئذ، لا، لا! وإنما هذا من باب فرض المحال؛ لأن الشرك من أبطل الباطل وأمحل المحال، فكيف ينزل الله تعالى حجة تبيحه، أو سلطانا يجيزه به، وإنما هو من باب التنزل مع الخصم فقط، أي: لو كان الله تعالى قد أذن في الشرك لما عبنا عليكم شرككم ولما أنكرناه عليكم، وعلى سبيل المثال نقول: إنه لما أذن الله تعالى في تقبيل الحجر الأسود بالكعبة قبله الموحدون ولم ينكر عليهم؛ لأن الله تعالى أذن فيه، وهذا سر الإتيان بقيد: ما لم ينزل به سلطانا؛ إذ العبادات أغلبها غير معقولة المعنى، وإنما تفعل بأمر الله تعالى بها وإذنه فيها، فإذا كان هناك حجة من كتاب أو سنة على قول أو عمل صح قوله أو عمله وإن تصور بصورة الشرك لوجود الإذن فيه، وقيام الحجة عليه.
- {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} : القول على الله هو الكذب عليه عزّ وجلّ، بنسبة شيء إليه هو بريء منه، فكل من قال: قال الله تعالى كذا، أو حرم كذا، أو لله تعالى كذا، أو صفة الله تعالى كذا، أو كره الله كذا أو أحب كذا، والله عزّ وجلّ لم يقل ولم يحرم، ولم يكن له ذلك ولم تكن تلك صفته، ولم يكره ولم يحب ما نسب إليه كرهه أو محبته؛ فقد قال على الله تعالى ما لم يعلم، وكذب على الله عزّ وجلّ، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا؟
معنى الآية الكريمة:
لما ادعى المشركون تحريم بعض ما أحل الله عزّ وجلّ لعباده من الزينة، والطيبات من الرزق أنكر الله تعالى ذلك عليهم، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا لهم مبينا ما حرم الله تعالى على عباده من المعتقدات والأفعال والأقوال لضررها وفسادها، وهي سائر الفواحش: وهي كل ما قبح واشتد قبحه من اعتقاد الباطل وقوله وفعله كالكفر والكذب والزنا، وكل قبيح فاحش القبح، وسواء في ذلك ما أعلنه فاعله أو ستره وأخفاه، والإثم: وهو كل ما كان فاسدا ضارا من اعتقاد أو قول أو عمل فيندرج تحته كل ما حرم الله تعالى من المعتقدات الباطلة والأقوال السيئة والأعمال الفاسدة، والبغي: هو الاعتداء على الناس في أجسامهم أو أعراضهم أو أموالهم، بغير حق يسوغ ذلك الاعتداء ويجوزه.
والشرك بالله تعالى: وهو اعتقاد وجود من يكون مثل الله تعالى، أو يشبهه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، كما هو - أي الشرك بالله تعالى - عبادة غير الله تعالى معه بأن يدعو من يعتقد أنه يجلب له نفعا أو يدفع عنه شرا، أو يستغيث به عند الشدة، أو يستعيذ به عند الخوف، أو يتقرب إليه بذبح أو نذر أو ركوع أو سجود، أو يعظمه بحلف أو بطاعة في غير طاعة الله تعالى بأن يحل له الحرام فيحله، أو يحرم عليه الحلال فيحرمه إلى غير ذلك من صرف العبادات له.
والقول على الله تعالى بدون علم بأن ينسب إلى الله تعالى ما نفاه عن نفسه من الزوجة والولد والشريك، أو ينسب إلى الله تعالى قولا لم يقله، أو عمل لم يعمله أو يصفه بصفة لم يكن تعالى متصفا بها، ومن ذلك أن ينسب إليه شرعا لم يشرعه، أو تحريم شيء لم يحرمه، أو تحليل شيء لم يحلله.
وكل هذا يدخل تحت الكذب على الله تعالى، ومن أكبر أنواع الظلم حتى إنه لا يوجد أظلم ممن يفتري الكذب على الله، قال تعالى في غير آية: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}؟ والاستفهام هنا للإنكار والنفي معا، أي ينكر تعالى نافيا أن يكون هناك بين الناس من هو أشد ظلما ممن يكذب على الله عزّ وجلّ.
هداية الآية:
إن لكل آية من كتاب الله تعالى وإن قصرت هداية خاصة بها تحملها لأهل الإيمان والتقوى، وهداية هذه الآية المباركة الكريمة تتلخص فيما يلي:
1- التحريم والتحليل ووضع الشرائع التي يكمل بها الإنسان ويسعد عليها من حق الله تعالى، وليس من حق أي أحد، والرسول وإن حرم أو حلل فإنما يحرم ويحلل بإذن ربه تعالى.
2- بيان أصول المفاسد وأمهات الذنوب: هي الكذب على الله تعالى، والشرك به عزّ وجلّ، والبغي بغير الحق، والإثم وعلى رأسه الخمر وسائر المخدرات، والفواحش وعلى رأسها فاحشتي الزنا واللواط.
والدعوة إلى ترك هذه المفاسد ومقاومتها، وتطهير المجتمع الإسلامي والإنساني منها إذ لا فلاح معها ولا فوز في الدنيا ولا في الآخرة والعياذ بالله تعالى.
3- الدعوة إلى أن تحل محل هذه المفاسد أصول الإصلاح المضادة لها، وهي التوحيد بعبادة الله تعالى وحده بحيث لا يبقى أي مظهر من مظاهر الشرك بين الناس فتتحد القلوب وتتحد الأعمال والغايات والأهداف، وتسير البشرية إلى كمالها التي خلقت مستعدة له، وإلى سعادتها التي ما برحت تنشدها طوال الحياة.
كما هي الاستقامة على طاعة الله ورسوله فعلا وتركا، أداء للواجبات والسنن واجتنابا للمحرمات والمكروهات، إلى جانب إقامة الحدود، ورفع علم الجهاد رفرافا عاليا، وغازية تخرج وأخرى تعود إلى أن يعبد الله وحده دون من سواه، ويتم تحرر الناس كل الناس من جور السلطان وعسف الطغيان وعبادة الشيطان، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله!!.
ما في الآية من أحكام:
لقد تضمنت الآية الكريمة حكما شرعيا واحدا، وهو تحريم الفواحش والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله تعالى والقول على الله بدون علم، وهي أصول المفاسد كلها.
هذا، وإن واجب المسلم - كي تتم استقامته على منهاج الله فيكمل ويسعد - أن يتعلم ويُعلّم ويدعو إلى ذلك بقوله وعمله، وهذا هو جهاد النفس، الذي هو فرض عين على كل فرد من أفراد أمة الإسلام، وليس في استطاعة الفرد المسلم أن يبلغ الكمال إلا عليه، كما ليس في إمكان أمة الإسلام أن تنهض من كبوتها وتتخلص من محنتها إلا بالتزام هذا المبدأ، مبدأ جهاد النفس بالعلم والتعلم والدعوة إلى ذلك.
وأنت أيها القارئ الكريم وقد عرفت ضرورة الالتزام بمبدأ العلم والتعليم والدعوة، فهل يراك ربك تعالى بعد علمك هذا ناهضا بهذا الواجب قائما بهذا الجهاد إزاء نفسك؟ اللهم حقق لي وله ذلك؛ إنك على كل شيء قدير.
الشيخ أبي بكر الجزائري