مسقط راشد البلوشي : كم تمني لو أن الله عز وجل خلقه سويا يبصر الأشياء ويتمتع بنعمة البصر، ولكن مشيئة الله سبحانه وتعالي أنه يخلق ما يشاء ويقدر، ولا اعتراض علي حكم الله، محمد حسن عبد السميع ابن السادسة والعشرين ربيعا من جمهورية مصر العربية جاء الي سلطنة عمان.
الراية الاسبوعية التقت به في عمله بجريدة الشبيبة العمانية وهو منهمكا في عمله كمصحح لغوي أمام جهازه الحاسب الآلي.
تحاورنا معه وسبرنا سر نجاحه ووصوله الي سلطنة عمان وكيف التحق بالعمل وما هي هواياته فتحدث إلينا بكل حرية ومصداقية وشفافية.
يقول محمد عن بداية حياته انه ولد بمدينة الإسكندرية وكنت أول طفل كفيف في عائلتي ولكن بفضل من الله،أهلي احتووني جيدا ونشأت طفلا عاديا فقد كنت ألعب وأخرج مع أولاد عمي وأقربائي بدون مشاكل والحمد لله. ثم التحقت بمدرسة النور وهي مدرسة خاصة بالمكفوفين حيث إن جميع الملتحقين بها إما مكفوفون تماما أو ضعاف البصر. إلا أنني بعد أن وصلت الصف السادس أو السابع وجدت أنه لابد من أن أتعامل مع بقية المجتمع خارج مجتمع العائلة والمدرسة فبدأت أكون مجموعة من الصداقات مع الأشخاص المبصرين وبدأ ذلك عن طريق المحافظة علي الصلاة في جماعة فبدأت اتعرف علي ناس جدد من خلال المسجد. ثم حصلت علي الثانوية العامة وقد وفقني الله وأحرزت المركز الثاني علي مستوي المحافظة بالنسبة للمكفوفين.
في مجتمع الجامعة
يتابع محمد حكايته فيقول التحقت بجامعة الإسكندرية وبخاصة بدأت أدرس في قسم اللغة العربية بكلية الآداب إلي أن حصلت علي الليسانس في عام 2002.م وبعد تخرجي بدأت أبحث عن عمل حيث إنني أؤمن أنه لا يمكن الجلوس بدون عمل فبدأت الاهتمام أكثر بدراسة الحاسب الآلي واتخذت ذلك كعمل لي. فقد عملت كمدرب للحاسب الآلي لكل من المكفوفين في مركز تابع لجامعة الإسكندرية وأيضا في جمعية "رسالة" للأعمال الخيرية وكذلك درست للمبصرين في نفس الجمعية. كما عملت أيضا في مجال الحاسب الآلي ويشمل ذلك صيانة الأجهزة الداخلية وكذلك تحميل البرامج وغيرها من الأمور وطبعا هذا ليس بالأمر الصعب فالكفيف يستطيع بكل سهولة أن يتحسس بيده مكان كل شيء ويضع كل قطعة في مكانها.كما أنني عملت أيضا كمدرس للغة العربية.
الدورات:
حاصل علي دورة تدريبية لتدريب المدربين من شركة I p m وكذلك علي دورة تدريبية من مركز إبصار التابع لمجموعة مستشفيات المغربي .وقد حصلت علي مراكز متقدمة في مسابقة الألمبياد المصري في الحاسب الآلي لمدة ثلاث سنوات متتالية 2004 و2005 و2006.م.
الشبيبة سلطنة عمان
عملي كمصحح لغوي في قسم التصحيح بجريدة "الشبيبة" العمانية فكانت طبعا في بدايتها صعبة فقد انتقلت من بلدي إلي بلد جديد وغريب عني لكن لا أنسي فضل الله أولا علي ثم فضل جميع الناس من حولي وعلي رأسهم قريبي الحاج كمال دياب -بارك الله له في عمره وأولاده وأسرته- فقد فتح بيته لي وما زال يفتح بيته لي وكذلك لا أنسي فضل جميع فريق العمل بجريدة الشبيبة فطبعا أنا كنت في مصر أعرف اتجاهات البلد فقد كنت أنزل وأخرج وأركب المواصلات العامة وغيرها حيث إن عملي في صيانة الحاسب الآلي كان يتطلب مني التحرك من بيت إلي بيت أما في السلطنة فكان الوضع مختلفاً فلا أعرف أي مكان ولكن شيئا فشيئا بدأت اتخطي هذه المرحلة وبدأت أتعرف علي البلد وبدأ الناس يساعدونني علي التحرك وإن كنت لا أنكر أنني في البداية تعبت نفسيا كثيرا من الغربة فهي أكيد صعبة علي أي إنسان لا سيما إن كان كفيفا.
طبيعة العمل
الإخوة والأخوات المحررين بالجريدة يعدون لي المواد المكتوبة علي الحاسب الآلي ثم أقوم أنا بأخذها علي جهازي الذي قمت بتثبيت برنامج "قارئ للشاشة" عليه وهذا البرنامج يقوم بدوه بقراءة كل ما هو مكتوب علي الشاشة بالصوت ومن ثم أسمع أنا المادة المكتوبة فإذا سمعت أي خطأ نحوي أو مطبعي فأقوم بتصحيحه فهذا البرنامج وعن طريق لوحة المفاتيح- يمكنني من الوصول لأي جزء في النص فاستطيع أن أصل لأي فقرة معينة أو أي سطر أو أي كلمة أو حتي أي حرف ومن ثم أقوم بمحو أي حرف واستبداله بالحرف الصحيح أو بإضافة حرف ناقص أو كلمة ....إلخ.
استغراب الكفيف مني
لكن مع كل ما سبق كل ما ضايقني هو نظرة بعض المكفوفين لي فحينما زرت إحدي الجمعيات الخيرية لم أجد استغرابا من الموظفين العاملين بالجمعية والذين من المفترض أنهم يتعاملون مع المكفوفين بصفة شبه يومية فحسب بل وجدت أيضا استغرابا من المكفوفين أنفسهم فقد قالوا لي كيف تقوم بالتصحيح؟ وكيف تجلس في بلد من دون أهلك؟ وكيف تدبر شؤونك؟ وكأن ما أفعله أمر مستحيل!!! ومن هنا أتساءل إن كانت هذه هي نظرة المكفوفين لي فكيف ستكون نظرة بقية المجتمع لي؟؟!!!
صيانة الحاسب الالي
يحدثنا محمد عن هواياته فيقول بجانب الحاسب الآلي -بل وقبل الحاسب الآلي- فهي عديدة ومنها أنني أهوي صيانة الأجهزة الإلكترونية مثل "أجهزة التسجيل وأجهزة المذياع والهواتف" وغيرها وطبعا كنت أعمل بالصيانة بمعاونة الآخرين فطبعا توجد بعض الفنيات التي تحتاج إلي نظر بالدرجة الأولي كما أنني أهوي العمل بمجال الصوتيات "تجسيم وتحسين الصوت" وقد خدمني في ذلك المجال الحاسب الآلي كثيرا فهناك العديد من البرامج التي تعمل علي تحسين الصوت وعمل المنتاج وأتعامل بفضل من الله مع كثير منها بكفاءة طيبة كما أنني أهوي القراءة في جميع المجالات وأيضا استعين بالله أولا في هذا المجال ثم بالحاسب الآلي فكما قلت سابقا البرنامج الناطق يقرأ كل شيء فبإمكانه قراءة أي نص ويمكن أن يكون هذا النص كتابا ويمكن القيام بذلك باستخدام "الماسح الضوئي" وإن كانت البرامج الناطقة ما زالت تواجه قصورا في هذا الجانب وخاصة في الكتب المكتوبة باللغة العربية ومن هنا فأنا أناشد الشركات المصممة لهذه البرامج أن تهتم بهذا الجانب أكثر حتي يتسني للكفيف قراءة أي كتاب بكل يسر كما أنني في مجال القراءة استعين ببعض الإخوة والأخوات من الأصدقاء أو المتطوعين أو المتطوعات الذين أدين لهم بالفضل الكبير والذين يجودون بأوقاتهم ويعاونون المكفوفين بدون أي مقابل فجزاهم جميعا خيرا عني وعن غيري من المكفوفين وتقبل الله منا ومنهم صالح الأعمال.
نظرة المجتمع الي الكفيف
وعن نظرة المجتمع الي الكفيف يقول أما إذا تحدثنا عن نظرة المجتمع بصفة عامة للمكفوفين فمن خلال تعاملي مع الناس فهم في البداية -في معظمهم طبعا وليس جميعهم- يكونون في حالة رهبة من التعامل مع الكفيف فهم لا يعرفون كيف يتعاملون معه وكيف يتحركون معه بل وكيف يتحدثون معه فهم يخافون أن يقولوا له أي كلمة تضايقه وفي هذا الصدد أقول لهم الكفيف ما هو إلا إنسان عادي يتقبل الكلام والمزاح ويستطيع أن يمشي ويتحدث ويعيش حياته الطبيعية ولكنه لا يقبل من أي إنسان أيا من كان أن يجرحه ويشعره بإعاقته أو بأنه غير قادر علي فعل شيء ما وإن كان طبعا يحتاج للناس في بعض الأشياء فهو يحتاج لمن يقرأ له ورقة ما ويحتاج لمن يعاونه في عبور الشارع وغيرها من الأمور التي تحتاج إلي رؤية بالدرجة الأولي.
كلمة الي الكفيف
يقول محمد أوجه كلمة للكفيف أيضا فلا بد لي ككفيف أن أدرك أن الإنسان العادي يجهل التعامل معي وذلك قد يكون لقلة الثقافة في وسائل الإعلام عن كيفية التعامل مع الكفيف أو لأنه لم يقابل كفيفا من قبل وعلي ذلك فلا بد أن أكون أنا متفهم لذلك بل ويجب أن أسعي لأن أعرف الإنسان المبصر، من أنا وما هي قدراتي وما هي احتياجاتي بكل رفق حتي يستطيع التعامل معي بكل سهولة ولا ينفر مني.
كما أطلب من المكفوفين أيضا أن يخرجوا للمجتمع أكثر وأكثر وأن يبرزوا أنفسهم ويظهروا إمكانياتهم حتي يفرضوا أنفسهم علي سوق العمل فهم طاقة كامنة تحتاج للإبراز.كما أنني في نهاية حواري معك هذا أريد أن أوجه همسة للمجتمع بصفة عامة ولأصحاب الشركات والمؤسسات بصفة خاصة فأقول لأصحاب الشركات والمؤسسات: إنك لن تخسر شيئا إذا تعاملت مع الكفيف علي أنه إنسان عادي ووضعته تحت الاختبار فإن نجح في الاختبار فوظفه عندك فهو أكيد سيفيدك بما لديه من علم وخبرة وإن فشل فأنت لم تخسر شيئا فكأنه إنسان مبصر تقدم لوظيفة وفشل وهنا لا يفوتني شكر إدارة جريدة الشبيبة وعلي رأسهم الشيخ عيسي الزدجالي رئيس مجلس إدارة دار مسقط للصحافة والنشر فقد استقبلوني وأعطوني فرصة التجربة وبعد أن نجحت في فترة الاختبار -بفضل من الله- عينوني بقسم التصحيح فالشكر موصول إليهم جميعا وإن كان ليحزنني أن أقول أن كثيرا من رجال الأعمال يرفضون خوض تجربة مثل هذه من البداية أصلا ولماذا ذلك؟؟!! لا أدري.
أما همستي للمجتمع بصفة عامة فأقول فيها كفانا نظرة الشفقة والاحتياج التي ينظرها المجتمع للكفيف فالكفيف اليوم استاذ جامعي ومبرمج حاسب آلي ومعلم وكاتب وأديب ، فقد يكون الكفيف محتاجا للمال -مثله مثل أي شخص في المجتمع- ولكن هذا ليس كل المكفوفين وبدلا من أن أعطيه مالا أسعي لإيجاد فرصة عمل له فهذا أفضل حتي لا يكون عالة علي المجتمع ويكون منتجا وأقول لهم أيضا إذا وجدتم كفيفا في الشارع مثلا فبدلا من أن -تمصمصوا- الشفاه ساعدوه في عبور الشارع مثلا أو في أي شيء آخر أو اتركوه وشأنه فهذه -المصمصة- تؤذيه جدا.
الانسان إراده وعزيمه واصرار احيه على تحديه للعاقه بصراحه
الساهره
