
وأهل العلم والإيمان وسط في مسائل الطيبات بين من غلا وجفا، فمن الناس من غلا في مسألة الطيبات من الطعام والشراب والزواج؛ فمنهم من ترك هذه الطيبات زهداً وورعاً منه حتى أضر بنفسه وأضر بعبادته وحرم ما أباح الله له -سبحانه وتعالى-، وبعضهم كان يتمدح أنه ما أكل التمر في حياته، وبعضهم أثنى على نفسه أنه ما أكل اللحم، وبعضهم أقسم ألا يتزوج، فخالفوا سنة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرته العطرة صلى الله عليه وسلم، فلبسوا الخشن، وتركوا ما أحل الله لهم من الجميل، ومن الطيب، ومن المباح الحلال، والله سبحانه وتعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا))، وقال تعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ))، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال) ، وأنكر عليه الصلاة والسلام على رجل لما رآه شعثاً متبذلاً غير متطيب، وكذلك نهى صلى الله عليه وسلم رجلاً كان يقوم في الشمس ولا يتكلم ولا يأكل الطعام، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يجلس في الظل، وأن يتكلم، وأن يتم صومه.
وأتى أناس فجفوا في هذا الباب فبذروا وأسرفوا وخالفوا النصوص في ذلك، فلبسوا أفخر وأغلى الملابس، وتفننوا فيها وأفنوا أعمارهم في التأنق والتلذذ في أنواع المطاعم، والتوسع في المساكن، والله سبحانه وتعالى يقول: ((وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ))، وقال سبحانه وتعالى: ((وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ))، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في ذلك في أحاديث كثيرة، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (البذاذة من الإيمان) وهو القصد والتقشف وسلوك الوسط.
وتوسط أهل العلم والإيمان في هذه المسالة فأخذوا ما أباح الله لهم وما أحل، وأكلوا بقصد، ولبسوا بقصد، وأخذوا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل واشرب والبس من غير سرف ولا مخيلة) ، وهذه هي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإنهم كانوا لا يتكلفون مفقوداً، ولا يردون موجوداً، ويلبسون ما أباح الله لهم، ويتجنبون ما يضر بالجسم في الطعام وفي اللباس، وما يشهر صاحبه بالزهد؛ وهما لباس الشهرتين الغالي الثمين الملفت للنظر والرخيص المزري بالإنسان، واجتنبوا أيضاً ما حرم الله للرجال من الذهب والحرير، والإسراف والانهماك في ملاذ الجسم التي تعطل صاحبها عن مراقي الصعود في سلم العبودية، وعن السير في طريق الربانية، وأخذوا ما احتاجوا إليه تحت مظلة الحلال، فالحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله، الحلال بين والحرام بين، فتركوا المشتبهات وهجروا ما يقدح في الدين وجانبوا ما يشهرهم، سواء في مسألة السكن أو اللباس أو الطعام، وتوسطوا في هذا الباب، وخير الأمور أوساطها:((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) .
