.
بسم الله الرحمن الرحيم
الاسم (
مختار واسا ) اندونيسي مسلم
من قرية تقع في طرف أرخبيل الجزر الأندونيسية .
انتقل إلى جاكرتا ، فعاش في ضواحيها ، فيما يسمى مدن الصفيح .
في مناسبات كثيرة ، تحدث مختار عن (
البانتشيلا ) ، وعن بلده أندونيسيا.
البانتشيلا ، كما يقول ، مجموعة طروحات نظرية ، تتألف من مزيج من القيم
والعــــقائد ، الوثنية المحلية والنصـرانية ، وبعض المبادئ الإســـلامية
التي (
خلطت ) بشكل عجيب ، لتمثل إطاراً فكرياً .. بصبغة وطنية
يتم من خـلاله إعـادة صياغة ، وتشكيل المجتمع الأندونيسي المسلم .
هي باختصار ..
(
أسلوب آخر من أساليب إقصاء الإسلام في مجتمعات المسلمين ) .
مثلها تماماً مثل (
الليبرالية ) ، وبقية الطروحات العلمانية
التي تروج في العالم العربي ..
حيث الإسلام هو الخصم
والنموذج يستورد من (
الخارج ) ..
والجماهير تدغدغ بشعارات كاذبة .
قصة البانتشيلا ومختار ، فصل آخر من فـصول الحزن
في رواية ألم ، تعيشها هذه الأمة . .
التي ابتليت بكل صنـوف الممارسات القمعية
واخترق بنيانها الأساسي ، طابور خامس
يعيث تمزيقاً في نظامها القيمي . .
ونسيجها الاجتماعي ..
ويتواطأ مع الأجنبي ضد الأهل .
في يوم بارد من عام 1987م ، شاهدت (
مختار ) مهموماً
لقد كان غير الذي أعتدت أن أراه .
لم تكن البانتشيلا وحدها ، هي التي كدرت صفوه
وأحكمت الحصار على بريق عينيه .
في مطعم (
وكر الصقر ) في مبنى اتحاد الطلاب في جامعة كنساس .
جلس قريباً من نافذة ..
أعتم زجاجها ، بسبب طبقة بخار رقيقة غشيتها . .
صنعتها الأنفاس المنبعثة من الطلاب ، الذين يرتادون المطعم . .
لقد كانت صبيحة يوم من أيام يناير ، كل شيء يوحي بالصقيع . . .
الثلج الأبيض ، تراكم على حواف زجاج النوافذ . . .
والندى تجمد على أطراف أوراق الشجر .
أخذت مقعداً إلى جانبه.. وقلت مازحاً ، وأنا أشير إلى النافذة :
- الرؤية غائمة من هنا.. لا تساعد على استشراف المستقبل ..!
- دائماً ثمة غمام ، حين يكون هنا مستقبل .. لكننا لا نغير الزاوية لنبصر ..!
- ما الأمر يا مختار ؟ أهـي البانــتشيلا مرة ثانية .. ؟
- لا .. بل قـضـية أخـرى . إنـها (
جيماتا ) قريتي الوادعة
التي تستقر على طرف جزيرة سومطرة . يحضنها السهل ويهدهدها الأذان . .
عند مغيب كل شمس . ذراعاها في الوادي ، وتغمس قدميها في ماء المحيط . .
في جيماتا مسجد واحد ، بناه والدي وبعض رجال القرية ، من القصب والقش .
كنا نتوضأ من جدول صغير ، يخترق القرية من طرفها الجنوبي
منحدراً من مرتفعات ليست بعيدة . يعمل الرجال في الحقول ، وتجمع النساء الثمار ..
ونؤوب في المساء ، ليحدثنا إمام المسجد قصصاً عن أســلافنا ..
وجـهـادهم ضد الهولنديين والبرتغاليين ، وقصة أول تاجر (
حضرمي )
وطئت قدماه أرض جزيرتنا ، ابتسم وقسم الغلة بالتساوي بين عماله
ثم اسـتقبل مكة ليصلي ، فاصطف القرويون وراءه .. فأسلمت اندونيسيا كلها .
قبـل عـدة سنوات قامت جمعية تبشيرية تسمي نفسها :
(
جمعية الثقافة الإنسانية ) ، بإقامة (
مركز للفلكلور ، والرقص الشعبي )
أعلى السفوح التي ترقد جيماتا عند أطرافها .
وقتـذاك .. قاوم والدي وبعض رجال القرية المشروع بشدة .
لكن .. ! !
لوقوف بعض أصحاب (
النفوذ ) وراءه ، تم اقناع رجال القرية
بأهميته الاقتصادية لجيماتا ..
حيث سيجلب السياح الأجانب ، والعملة الصعبة كما يقولون .
فضلاً عن أنهم أكدوا ، أنه سيكون خاصاً بهؤلاء الناس ..
المتنفذين ، الذين سيتعاملون مع السياح
ولن يكون له تأثير على مجتمع جيماتا المحافظ .. كما قيل آنذاك .
لم تكن إلا سنوات قليلة ، حتى وقع في مصيدة المركز
كثير من أبناء وبنات جيماتا ، وصاروا معاول هدم لنسيج جيماتا الاجتماعي
بما اكتسبوه من قيم وثقافة دخيلة .
لم يتعلم أبناؤنا كيف يقدمون ثقافتهم باعتزاز
بل لم يتعلموا.. حتى الفلكلور والرقصات الشعبية
لقد غرس فيهم الشعور بدونيّة شعبهم ، وتخلف ثقافتهم المحلية .
لقد أدركنا متأخرين أن جمعية (
الثقافة الإنسانية ) ، لم تكن إلا فخاً
قَـبِـلنا جميعاً أن نضع أعناقنا فيه ، كالطيور الساذجة .
قال أبي وشيـوخ القرية : إن كنا لم نـدرك .. إلا متأخرين
حـــقيقة هذه (
الجرثومة ) التي زرعت بيننا
بعد أن لوثت بعض أطرافنا ، إلا أننا لن نسمح لها بأن تنتشر .
سنحاصرها ونقاتلها .. حتى نجتثها .
رغم أن جمعية الثقافة هذه ، لها امتدادات خارجية غامضة
إلا أن ارتباطها ببعض أصحاب السلطة في بلدنا..
منحها حصانة ، ضد أي مساءلة ..
لكن ذلك ، لم يضعف من إصرار والدي وشيوخ القرية ، على التصدي لها .
مات أبي قبل أن يتحقق له ما يريد .
شد على يدي وهو على فراش الموت ..
وقال : يا مختار .. حينما جاءوا بمشروع (
مدرسة الرقص ) .. واجهناه
وكانت الضغوط كالعاصفة .
كانت هناك أصوات ترتفع من بيننا ، تدعي التحلي بالحكمة ..
يقولون : إذا جاءت العاصفة عليك أن تنحني ، حتى تمر ..
لكي لا تأخذك معها . انحنينا ..
ثم جاء الإعصار في إثر العاصفة
فلم نستطع رفع الرؤوس .. التي تعودت على الانحناء .
 |
|
 |
|
يا مختار من ينحني مرة ، ينحني أخرى .
يا مختار من يحني رأسه للعاصفة ، لا يستطيع الوقوف أمام الإعصار .
يا مختار .. إذا جاءت العاصفة .. قاوم بكل وسائلك . قاوم ثم قاوم .
قـف شامخاً .. وقاوم ، لا تدعها تأخذك ولا تنحني . .
فليس كل من قاوم العاصفة اقتلعته .
لكن .. من ينحني للعاصفة ، يصعب عليه مواجهة الإعصار .
من يحني رأسه مره.. لا ينهض أبداً . |
|
 |
|
 |
ذرفت عينا مختار .. ثم واصل حديثه
وهو يرى عيني متسمرتين في وجهه ، تنتظران تفسيراً للهم الذي غير مزاجه ..
يقول مختار :
- جاءوا الآن بمشروع جديد . يريدون إقامة منتجع سياحي ، على شاطئ جيماتا .
يكررون كل ما قالوه سابقاً .. من أن هذا كله ، من أجل مصلحة جيماتا ..
ويضيفون : هذا سيجعل ثقافتنا أكثر انفتاحاً على (
الآخر ) ..
وسيجعله أكــــــثر تفهماً لنا .
الجديد في الأمر ، أن جمعية الثقافة الإنسانية ، ليست في الواجهة .
الذي يتصدر المشروع ، ويروج له ، هم (
نتاج مدرسة الرقص )
الذين صنعتهم جماعة الثقافة الإنسانية على عينها ، من أبناء وبنات جيماتا .
يا صاحبي .. لقد قررت ألا أنتظر الإعصار .. قررت أن أقاوم .
فـــصل الشتاء الدراسي .. كان قد بدأ .
افتقدت مختار في الأيام الأولى ، فلم أعد أراه بين القـــاعات
ولا في مبنى اتحاد الطلاب .. يحتسي قهوته
أو يأكل طبق السلطة المفضل ، قرب النافذة ، في مكانه المعتاد .
سألت عنه ، فعلمت أنه أعتذر عن الفصل الدراسي ، وعاد إلى بلاده .
لقد قرر أن يواجه العاصفة .. قرر ألاّ ينحني .
في الفترة الماضية ، استعدت من الذاكرة حديثي مع مختار
فتذكرت (
نتاج مدرسة الرقص ) ..
أصحاب الثقافة الإنسانية ، دعاة (
الحرية) ، وتذكرت كلام أبيه :
" من يحني رأســـه .. لا ينهض أبداً . إذا جاءت العاصفة ..
قاوم بما تملك ، قاوم بكل وسائلك ..
قف شامخاً .. وقاوم . لا تدعها تأخذك ، ولا تنحني .
من ينحني مرة ، ينحني أخرى .. لأن في إثر كل عاصفة إعصار " .
كتبه
د. محمد الحضيف
هذه صورة مسـجـد صمد أمام إعصار (
تسونامي )
.