بسم الله الرحمن الرحيم
محمد الدرّة... بعد 8 سنوات
ناجي طاهر الحياة - 25/06/2008م
«
محمد الدّرة حي؟»، هكذا عنونت مجلة «فوكوس» الألمانية الأسبوعية
مقالها في عددها الصادر في 2 حزيران (
يونيو) 2008.
محمد الدرة لا يزال على قيد الحياة، هذه الحقيقة الجديدة التي تخرج بها المجلة الألمانية
على الجمهور بعد مرور ما يقارب الثماني سنوات على جريمة قتل محمد الدرة
(حذفت كلمة، «
و والده»، لأن والده لم يُقتل بعد) في 30 أيلول (
سبتمبر) 2000 في غزة.
تستند «
فوكوس» في مقالها في شكل أساسي على دراسة خبير فيزيائي في علم الجنائيات.
وتقول بعض المصادر إنه ينفّذ بحثه في هذا الموضوع لحساب الجيش الإسرائيلي، في حين
يـــردّ هو بأنه تطـــوع من تلقاء نفسه لكشف خبايا هذه القصة، منطلقاً من فرضية رئيسية
مفادهـــــا أنه لم يكن بإمكان الجنود الإسرائيليين من الموقع الذي كانوا متواجدين فيه أن يصيبوا محمد الدرة
وأن النيران كانت تُطلق أيضاً من مركز تابع للسلطة الفلسطينية
في تلك النقطة.
سبع سنوات كاملة أمضاها ناعوم شاحاف في العمل على هذه الفرضية
جمع خلالها عشرات الأدلة والمعطيات التي خلص في نتيجتها الى تأكيد نظريته.
يُذكر أنه كان سبق لشاحاف أن شكك في شريط الفيديو الذي يصور اغتيال رابين.
وكادت فرضية شاحاف أن تخفت ويطويها النسيان لولا أن مواقع إعلامية أخرى
راحت تتبناها خصوصاً بعدما بثت قناة
ARD الألمانية في 2002 فيلماً وثائقياً
لأستير شابيرا بعنوان «
ثلاث طلقات وطفل ميت»، يتبنى فرضية شاحاف.
وفي 21 أيار (
مايو) 2008، خسر شارل أندرلين مراسل القناة الفرنسية الثانية التي بثت
شريط مقتل الدرة دعوى تشهير كان قد رفعها ضد فيليب كارسنتي، الذي كان اتهمه بفبركة شريط الدرة.
غير أن محامي القناة «
فرانس 2» عوفير تال، قال إن أية محكمة إسرائيلية
أو أجنبية لم تخلص الى يومنا هذا الى ان صور التحقيق مفبركة بل على العكس تم الحكم
على المدعين «
بتهمة التشهير» اربع مرات امام محاكم فرنسية، وما زالت إحدى الدعاوى
في الاستئناف.
ورفع فيليب كارسنتي مدير شركة «
ميديا رايتينغز»، دعوى ضد قناة
«
فرانس 2»، الفرنسية كونها القناة التي بثت الشريط المصور لمشهد إصابة الدرة ومقتله
للمرة الأولى، معتمدة على مصورها الفلسطيني طلال أبو رحمة.
وقد طالبتها المحكمة الفرنسية بعرض الشريط كاملاً ومدته 27 دقيقة.
فيما المقطع الذي بثته القناة وتناقلته وسائل إعلامية عالمية كثيرة، تبلغ مدته حوالى الدقيقتين.
ولم تشاهد المحكمة سوى 18 دقيقة من الشريط فيما قال المعنيون في القناة
إن الدقائق الأخرى أتلفت لأنها لم تكن تتعلق بمشهد مقتل الدرة.
وقد بيّن الشريط إضافة الى المشاهد التي عُرضت على الشاشات مشهد رشق الحجارة
وإطلاق الرصاص المطاطي ثم الحي.
وينتهي الشريط بصورة الفتى جثة هامدة، لكن المشهد الأخير من الشريط
يبين محمد الدرة رافعاً يده وينظر الى الكاميرا، الأمر الذي حدا بكارسنتي للقول
ان الشريط مفبرك، هذا ولم تنتهي فصول القضية عند هذا الحد، إذ ذهب باتريك
ميزونوف محامي كارسانتي الى حد القول إنه لا يوجد أي دليل على أن الطفل قد قُتل.
ويبدو أن المطالبين بإفراج التلفزيون الفرنسي عن اللقطات المزعومة التي بحوزته
يعتقدون بأن هذه اللقطات ستبرئ ساحة قوات الاحتلال الإسرائيلي من حادث مقتل الفتى
الفلسطيني.
في حين أن العشرات بل مئات الحوادث المروعة المماثلة قد شهدتها
الساحة الفلسطينية وسقط جراءها المئات بل ولربما الالآف من أمثال محمد الدرة
وأحياناً من هم أصغر سناً منه.
وعلى رغم هذا لم تحظ حالاتهم بكل هذا الاهتمام والبحث، ولعل السبب في ذلك
أن هذه المشاهد بُثت من قبل تلفزيون أوروبي (
حكومي)، وتناقلتها وسائل إعلامية
أخرى عبر العالم.
أي أنها نجحت في اختراق الساحة الإعلامية الغربية، تلك الساحة التي غالباً
ما تشهد تعتيماً وتقنيناً شديداً لكل ما من شأنه أن يثير التعاطف مع الأخبار الواردة
من الأماكن الحارة في العالم، وتحديداً من منبع النزاعات والصراعات المستديمة
أي من الشرق الأوسط. ولا يجد المرء تفسيراً أبلغ لهذا الاهتمام المتزايد بهذه القضية
أفضل من قول بعض نشطاء إسرائيل أنفسهم في الغرب، إن فيلم مقتل الدرة هو من أكبر
الضربات الإعلامية التي تلقتها الدولة العبرية على الإطلاق.
ويبدو أن الجدل سيطول حول هذه القضية، وسيبقى ما حدث يوم 30 أيلول 2000م
محل إشكال وجدال، لكن بالنسبة الى والد محمد الدرة، لن يغير الأمر شيئاً من قناعته
أو من قناعة غالبية الفلسطينيين، أن الجنود الإسرائيليين هم مَن قتل محمد الدرّة
وأن الاحتلال هو سبب معاناة ومآسي الشعب الفلسطيني.
المصدر
جريدة الحياة ( السعودية )


