عن جرير رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) رواه البخاري و مسلم .
في الحديث: إثبات رؤية المؤمنين لربهم تعالى في الآخرة، وتمثيل رؤيتهم لربهم في الصفاء والوضوح برؤيتهم للقمر، وليس المعنى مشابهة القمر لله عز وجل، تعالى الله عن ذلك، وفيه أن من الأسباب المسهلة لهذه الرؤية الصلاة ومن أجلها صلاة الفجر، وصلاة العصر، وفيه من حافظ على البردين دخل الجنة، والبردان هما الفجر والعصر لأنهما في وقت نوم وكسل، وفيه أن الأعمال الصالحة سبب لكل خير، وأن رؤيته سبحانه من أعظم النعيم عسى الله أن يرينا وجهه الكريم.
90- عن بعض أزواجه صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تروا ربكم عز وجل حتى تموتوا) رواه مسلم .
في الحديث: دلالة واضحة على أن الله عز وجل لا يرى في الدنيا بل رؤيته سبحانه في الآخرة، يراه عباده المؤمنون ويحجب عنه أعداؤه الكافرون، وفيه رد على من أنكر رؤيته سبحانه في الآخرة من أهل البدع لأنه أثبت الرؤية للمؤمنين بعد موتهم.
91- عن أبي سعيد الخدري :(أن ناساً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟
وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب؟
قالوا: لا. يا رسول الله! قال: ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد، كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب، إلا يتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب (1) . فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟
قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله . فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟
قالوا: عطشنا. يا ربنا! فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟
فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً. فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى . فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟
قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله . فيقال لهم: كذبتم. ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟
فيقولون: عطشنا. يا ربنا! فاسقنا. قال فيشار إليهم: ألا تردون؟
فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً. فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟
تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا! فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. لا نشرك بالله شيئاً (مرتين أو ثلاثاً) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟
فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق. فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود. ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة. كلما أراد أن يسجد خر على قفاه. ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة. فقال: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم. وتحل الشفاعة. ويقولون: اللهم! سلم سلم. قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟
قال: دحض مزلة. فيه خطاطيف وكلاليب، وحسك تكون بـنجد فيها شويكة يقال لها السعدان. فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب. فناج مسلم. ومخدوش مرسل. ومكدوس في نار جهنم. حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده! ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله، في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا! كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم. فتحرم صورهم على النار. فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه. ثم يقولون: ربنا! ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا. ثم يقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً. ثم يقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها خيراً.
فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون. ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط. قد عادوا حمماً. فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة. فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر. وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟
فقالوا: يا رسول الله! كأنك كنت ترعى بالبادية؟
قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم. يعرفهم أهل الجنة. هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه. ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربنا! أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: يا ربنا! أي شيء أفضل من هذا؟
فيقول: رضاي. فلا أسخط عليكم بعده أبداً) رواه البخاري و مسلم واللفظ له.
في الحديث: إثبات رؤية المؤمنين لربهم تعالى يوم القيامة وإثبات الساق على ما جاء به الخبر من غير تشبيه ولا تمثيل ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))، وفيه ضلال كل من اتخذ من دون الله إلهاً آخر، وأن عصاة الموحدين لا يخلدون في النار وأن أهل الكبائر قد يعذبون إن لم يغفر لهم ربهم.
وفيه خطورة الرياء، وأنه النفاق الأصغر، وأن عمل المرائي حابط ولو صام وصلى وحج، وأن أعمال الدنيا وأحكامها على الظاهر والله يتولى السرائر، وفيه إثبات شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين، وفيه إثبات رضا الله وسخطه، وأنه يرضى عن أوليائه ويسخط على أعدائه، كما يليق بجلاله، وفيه إثبات الصراط على متن جهنم، وأن العبور عليه على قدر العمل، وفيه إثبات صورة له سبحانه على ما يليق به لا تشابه صور المخلوقين، وفيه ضرب الأمثال مما يعرفه الناس في حياتهم لأمور الآخرة والغيبيات
[/color]