الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله :
الهجر الشرعى نوعان أحدهما بمعنى الترك للمنكرات و الثانى بمعنى العقوبة عليها
فالأول هو المذكور فى قوله تعالى : "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "
وقوله تعالى "وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا "
فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم وقوم دعوا الى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم وأمثال ذلك بخلاف من حضر عندهم للانكار عليهم او حضر بغير اختياره ولهذا يقال حاضر المنكر كفاعله وفى الحديث "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر" وهذا الهجر من جنس هجر الانسان نفسه عن فعل المنكرات كما قال المهاجر من هجر ما نهى الله عنه
ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق الى دار الاسلام والايمان فانه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين لذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به ومن هذا قوله تعالى "والرجز فاهجر".
النوع الثانى الهجر على وجه التاديب وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها كما هجر النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر ولم يهجر من أظهر الخير
وان كان منافقا فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير
والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعى الى البدع المخالفة للكتاب والسنة واجماع سلف الامة التى ظهر انها بدع
وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة ان الدعاة الى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية لأن الداعية اظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فانه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم الى الله مع علمه بحال كثير منهم ولهذا جاء فى الحديث ان المعصية اذا خفيت لم تضر الا صاحبها ولكن اذا اعلنت فلم تنكر ضرب العامة وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال "ان الناس اذا رأوا المنكر فلم يغيروه اوشك ان يعمهم الله بعقاب منه"
فالمنكرات الظاهرة يجب انكارها بخلاف الباطنة فان عقوبتها على صاحبها خاصة
وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين فى قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فان المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله فان كان المصلحة فى ذلك راجحة بحيث يفضى هجره الى ضعف الشر وخفيته كان مشروعا وان كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر
والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ولهذا كان النبى يتألف قوما ويهجر آخرين كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من اكثر المؤلفة قلوبهم لما كان أولئك كانوا سادة مطاعون فى عشائرهم فكانت المصلحة الدينية فى تأليف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين والمؤمنون سواهم كثير فكان فى هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم وهذا كما أن المشروع فى العدو القتال تارة والمهادنه تارة وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب الاحوال والمصالح
وجواب الائمة كأحمد وغيره فى هذا الباب مبنى على هذا الأصل ولهذا كان يفرق بين الأماكن التى كثرت فيها البدع كما كثر القدر فى البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة وبين ما ليس
كذلك ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم واذا عرف مقصود الشريعة سلك فى حصوله أوصل الطرق اليه
واذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هى من الاعمال التى أمر الله بها ورسوله فالطاعة لابد أن تكون خالصه لله أن تكون موافقة لامره فتكون خالصة لله صوابا فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به كان خارجا عن هذا وما اكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله
والهجر لأجل حظ الانسان لا يجوز اكثر من ثلاث كما جاء فى الصحيحين عن النبى انه "قال لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام".
فلم يرخص فى هذا الهجر اكثر من ثلاث كما لم يرخص فى احداد غير الزوجة اكثر من ثلاث وفى الصحيحين عنه أنه قال" تفتح أبواب الجنة كل أثنين وخميس فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئا الا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا".
فهذا الهجر لحق الانسان حرام وانما رخص فى بعضه كما رخص للزوج ان يهجر امرأته فى المضجع اذا نشزت وكما رخص فى هجر الثلاث
فينبغى ان يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه
فالأول مأمور به و الثانى منهى عنه لأن المؤمنين أخوة وقد قال النبى فى الحديث الصحيح "لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخوانا المسلم أخو المسلم"
وقال فى الحديث الذى فى السنن "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال اصلاح ذات البين فان فساد ذات البين هى الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين".
وقال فى الحديث الصحيح "مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
وهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية فهو من جنس الجهاد فى سبيل الله وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هى العليا ويكون الدين كله لله والمؤمن عليه أن يعادى فى الله ويوالى فى الله فان كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وان ظلمه فان الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية:
قال تعالى "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ". فجعلهم أخوة
موجود القتال والبغى والأمر بالاصلاح بينهم
فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وان ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وان أعطاك وأحسن اليك فان الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه والاكرام لأوليائه والاهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه
واذا اجتمع فى الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع فى الشخص الواحد موجبات الأكرام والأهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته
هذا هو الأصل الذى اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس لا مستحقا للثواب فقط ولا مستحقا للعقاب فقط وأهل السنة يقولون ان الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن
له فى الشفاعة بفضل رحمته كما استفاضت بذلك السنة عن النبى والله سبحانه وتعالى أعلم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مجموع الفتاوى : 204-211/28
.