كان للصحابة كنوز من الكلمات المباركات الطيبات، التي علمهم إياها صفوة الخلق صلى الله عليه وسلم.
وكل كلمة عند أحدهم خير من الدنيا وما فيها، ومن عظمتهم معرفتهم بقيمة الأشياء ومقادير الأمور.
أبو بكر يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء، فقال له: (قل: رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم).
ويقول صلى الله عليه وسلم للعباس : (اسأل الله العفو والعافية). ويقول لـعلي : (قل: اللهم اهدني وسددني).
ويقول لـعبيد بن حصين : (قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي).
ويقول لـشداد بن أوس ( قل: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وشكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسالك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب)
ويقول لـمعاذ : (قل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).ويقول لـعائشة : (قولي: اللهم إنك عفوٌ تحب العفو، فاعف عني).إن الجامع لهذه الأدعية: سؤال رضوان الله عز وجل ورحمته في الآخرة، والنجاة من غضبه، وأليم عقابه، والعون على عبادته سبحانه وتعالى وشكره. وإن الرابط بينها: طلب ما عند الله، والإعراض عما في الدنيا. إنه ليس فيها طلب أموال الدنيا الفانية، وأعراضها الزائلة، أو زخرفها الرخيص.
((وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ))
إن من تعاسة العبد، وعثرة قدمه وسقوط مكانته: ظلمه لعباد الله، وهضمه حقوقهم، وسحقه ضعيفهم، حتى قال أحد الحكماء: خف ممن لم يجد له عليك ناصراً إلا الله.
ولقد حفظ لنا تاريخ الأمم أمثلة حية في الأذهان عن عواقب الظلمة.
فهذا عامر بن الطفيل يكيد للرسول صلى الله عليه وسلم، ويحاول اغتياله، فيدعو عليه صلى الله عليه وسلم، فيبتليه الله بغدة في نحره، فيموت لساعته، وهو يصرخ من الألم.
وأربد بن قيس يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسعى في تدبير قتله، فيدعو عليه، فينزل الله عليه صاعقة تحرقه هو وبعيره.
وقبل أن يقتل الحجاج سعيد بن جبير بوقت قصير دعا عليه سعيد وقال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي. فأصاب الحجاج خُرّاجٌ في يده، ثم انتشر في جسمه، فأخذ يخور كما يخور الثور، ثم مات في حالة مؤسفة.
واختفى سفيان الثوري خوفاً من أبي جعفر المنصور ، وخرج أبو جعفر يريد الحرم المكي وسفيان داخل الحرم، فقام سفيان وأخذ بأستار الكعبة، ودعا الله عز وجل أن لا يدخل أبا جعفر بيته، فمات أبو جعفر عند بئر ميمون قبل دخوله مكة . وأحمد بن أبي دؤاد القاضي المعتزلي يشارك في إيذاء الإمام أحمد بن حنبل فيدعو عليهم فيصيبه الله بمرض الفالج فكان يقول: أما نصف جسمي، فلو وقع عليه الذباب لظننت أن القيامة قامت، وأما النصف الآخر، فلو قرض بالمقاريض ما أحسست.
ويدعو أحمد بن حنبل أيضاً على ابن الزيات الوزير، فيسلط الله عليه من أخذه، وجعله في فرن من نار، وضرب المسامير في رأسه.
وحمزة البسيوني كان يعذب المسلمين في سجن جمال عبد الناصر ، ويقول في كلمة له مؤذية: أين إلهكم لأضعه في الحديد ؟
تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فاصطدصت سيارته -وهو خارج من القاهرة إلى الإسكندرية - بشاحنة تحمل حديداً، فدخل الحديد في جسمه من أعلى رأسه إلى أحشائه، وعجز المنقذون أن يخرجوه إلا قطعاً ((وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ)) ، ((وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)).
وكذلك صلاح نصر من قادة عبد الناصر ، وممن أكثر في الأرض الظلم والفساد، أصيب بأكثر من عشرة أمراض مؤلمة مزمنة، عاش عدة سنوات من عمره في تعاسة، ولم يجد له الطب علاجاً، حتى مات سجيناً مزجوجاً به في زنزانات زعمائه الذين كان يخدمهم.
((الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)).
(إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، (واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).