السلام عليكم
الجزء الثاني من تاريخ بادية حوران والبادية الاردنية وهجرة القبائل من نجد وتاريخ
قبيلة طيء وبنو لام وبنو عقيل والسردية والصقر وغيرها من قبائل حوران وعلاقتها مع المماليك اولا
ومن ثم العثمانيين
ابو محمد السردي
كانت طىء تمتلك جبلي أجا وسلمى " جبلي طىء" وفي حوالي القرن السادس أو السابع الهجري برز فرع منها يدعى بنو لام وهم بنو لام بن عمر بن عليه بن مالك ألي طىء وكنز هذا الفرع حتى ضرب به المثل " يشبع بنو لام " فهاجم المدينة وأجلى عنها أفناء من حرب ثم تركت المدينة وانساحت في نجد في فترة ضعف القبائل ثم نزحت تحت ضربات القبائل القادمة من الحجاز فهاجرت إلى العرق والشام 1.
ولام هو لام بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء من أشراف طيء في الجاهلية وأفذادها الشجعان كان سيداً مطاعاً حليماً عفيفاً، وهو جد بنو لام المعروفة والمنتشرة في الأمصار 2.
وجاء في أنساب العرب هو لام بن عمرو بن ظريف بن عمرو بن مالك بن عمر بن ثمامة بن مالك بن جدعان بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن جديلة بن سعد بن فطرة بن طيء قال الحمداني ومنازل بنو لام بالجبلين إلى المدينة وينزلون أكنز أوقاتهم مدينة يثرب ثم كنزوا وتفرقوا فافترقت بطونهم من حارثة بن لام وابنه أوس ومن بطون بني لام المغيرة وآل سميط والفضول وآل غزي والكنزان وبنو خالد وآل بطنان وأجود وآل دعيج وآل ظفير 3.
ويروى أن العرب اجتمعت عند النعمان بن المنذر فدعا بحلة من حلل الملوك وقال إني ملبس هذه الحلة أكرمكم واختص بها أوس بن حارثة بن لام الطائي 4.
ولقد كانت طيء تنقسم إلى فرعين هما جديلة والغوث فاقتتلا فقتل قائد بني جديلة أسبع بن عمرو بن لام عم أوس بن خالد بن حارثة بن لام، ثم تجهز أوس للحرب وأخذ في جمع جديلة للأخذ بالثأر من الغوث وبلغ الغوث جمع أوس بن لام لها فأوقدوا النار على رأس جبل "أجا " وذلك أول يوم توقد عليه النار فأقبلت الغوث كل قبيلة وعليها رئيس منهم زيد الخيل وحاتم.
وأقبلت جديلة مجتمعة على أوس بن حارثة بن لام وعرف هذا اليوم بيوم " اليحاميم" وانهزمت جديلة، فدخلوا بلاد كلب فحالفوهم وأقاموا معهم 5.
وتشير أكنز المصادر إلى وجود قبائل بني لام في أطراف الشام وشرقي الأردن في العهد المملوكي وأن منازلهم تمتد من الكرك إلى برية الحجاز 6.
ويبدو أن بني لام والمفارجة قد اتجهوا إلى حوران ونواحي دمشق ففي عام (907هـ-1501م) تعاون نائب دمشق وناصر الدين بن الحنش في كبس العربان بالقرب من بحيرة الهيجانية والظاهر أن هذه الخطوة جاءت كتأديب للعرب من المفارجة وبني لام الذين هاجموا أطراف دمشق ونهبوا وخربوا بلدان كثيرة 7.
وتعتبر قبيلة بني لام أحد قبائل الكرك وترد الأخبار عنها عند اعتدائها على قوافل الحجاج ففي سنة (900هـ-1494م) هاجمت قوافل الحجاج وأخذت ركب الحج الشامي بالقرب من الكرك، ونهبوا الحجاج عن آخرهم وكان عدد الركب ثلاثة عشر ألف جمل لم يسلم من ذلك سوى ستة عشر جملاً 8، وجاء في أحداث سنة (906هـ-1500م) أنه كنز قطع الطريق من كنزة العرب من المفارجة وبني لام خارج دمشق وأطرافها وكنز الظلم والاختلاف بين الناس 9، ونتيجة لذلك وصل وفي سنة (911هـ-1505م) إلى دمشق الأميران مسلم كبير بني لام وعساف كبير آل مري وطلب منهما بعد أن حلفا أن يقوما بما عليهما من حفظ الحجاج والطرق وأشهدوا عليهما بذلك جماعة 10.
وجاء في كنز الأنساب ومجمع الآداب أن بني لام في إمرة آل ربيعة في عرب الشام وهم ثلاثة بطون (مغيرة) و (كثير) و (فضل) فآل مغيرة كانوا في القرن التاسع والعاشر الهجري في عالية نجد يرأسهم (عجل بن حنتيم) وسكن وادي الشعراء، وله قصر له آثار يعرف بقصر (ابن حنتيم) أما آل كثير، وآل فضل فيرأسهم (ابن عروج) ومساكنهم في أسافل نجد وكان لبني لام شوكة في القرن العاشر الهجري، وأواخر القرن التاسع الهجري 11.
ومن عربان بني لام المفارجة آل جليدان وهم طوائف آل قني منهم : آل فواز، وآل حسن، وآل حقر، منهم : آل دغيمان، وآل طليحة منهم: آل حمادة وآل واصل وآل واجد، وهؤلاء معروفون في القرن التاسع الهجري وأول العاشر 12، والمفارجة من آل مغيرة من بني لام من طيء 13.
ويعتبر بنو لام من أحلاف آل مرا بن ربيعة الطائية والتي كانت ديارهم من بلاد الجيدور والجولان إلى الزرقاء والضليل إلى بصرى، وشرقا إلى حرة كشت قريباً من مكة14.
وينقسم آل مرا إلى آل حجي، وآل مسخر، وآل نمي، وآل بقرة وآل شما، وديارهم حوران وممن يضاف إليهم ويدخل في إمرة أمرائهم لام وآل ظفير، والمفارجة، وآل مغيرة وآل أبي فضيل، وعدوان، والزراق 15. وكان أمير آل مرا عام (902هـ-1496م هو الأمير جانباي المري والذي سجن في قلعة دمشق فقام جماعته بقطع الطريق على الحج بمدينة أذرعات وأخذوا جمال الوفد حتى يطلق لهم النائب أميرهم جانباي 16، وفي سنة (907هـ-1501م) جاء الخبر إلى النائب في دمشق أن الأمير جانباي أمير آل مري قد كسره أعداؤه فأرسل النائب بأن على جميع عسكر الشام أن يلاقيه في الكسوة 17، ويبدو أن العلاقة بين آل مرا والنائب بين مد وجزء تتحكم بها المصالح، وجاء أن شيخ بلاد اللجاه نصار قد قتل ولده وعلق رأسه في رقبته وذلك من عمل يونس بن القواس وأنه عمل ذلك لأجل جانباي أمير آل مري من العرب فنصار من أصحابه، وجانباي عدو يونس فازداد الناس حزناً عليهما فقام النائب وجبر خاطر الشيخ نصار وخلع عليه، ووعده بأخذ دية ولده18.
وجاء أيضاً أن النائب قد انتصر على عرب مهنا بن مقلد – بني عقيل – ثم انكسروا بعد ذلك وعلا عليهم العرب ثم دخل بعد ذلك الحج الشريف لدمشق بعد أن قام الأمير مسلم أمير بني لام وأمراء آخرين بحراسة الوفد الشريف إلى الحسا فتلقاهم نائب القدس وجانباي أمير آل مري فأوصلوهم إلى عند نائب الشام 19، وجاء في حوادث سنة (893هـ-1487م) أن جانباي المري أمير آل مري في حوران قام بمحاربة عامر بن مقلد والتقى الجمعان في غوطة دمشق وانكسر عامر بن مقلد وهرب إلى عند آل علي أقرباء آل مرا بالمرج فخرج آل علي بأميرهم بحر على جانباي المري فقتلوا من جماعته وردوه إلى حوران مكسوراً 20، يلاحظ في هذه الفترة أن الصراع كان على أشده بين قوتان في حوران تتصارعان على الزعامة هي جانباي أمير آل مرا وعامر بن مقلد أمير بني عقيل، وفي عام (894هـ-1488م) خرج نائب دمشق بجيشه إلى حوران لأجل العرب العصاة، وحماية لحوران منهم ونصرة لأمير آل مري جانباي على عامر بن مقلد – بني عقيل – 21 وفي عام (903هـ-1507م) صالح النائب بين جانباي أمير آل مرا، ومهنا بن عامر بن مقلد، وقسم البلاد بينهما وكتب ثلاثة نسخ مع النائب واحدة ومع مهنا واحدة ومع جانباي واحدة وخلع عليهما 22.
وفي هذه السنة أغار النائب على طائفة الأمير مشلب (مسلم ) أحد أمراء بني لام الذين أخذوا الحاج مراراً وأخذ منهم مالاً كثيراً 23.
وجاء في أحداث عام (906هـ-1500م) أنه كنز قطع الطرق من كنزة العرب المفارجة في هذه النواحي 24، ثم بعد أيام رحل العرب المفارجة وقل شرهم وفي عام (907هـ-1501م) بلغ النائب أن جانباي أمير آل مري قد كسره أعداؤه بعد أن نزل عليه في حوران وذهب لملاقاة الحاج فأعلن النائب النفير وطلب من العسكر ملاقاته في الكسوة وساعد هذا على سلامة الحاج والذين دعوا لأمير العرب جانباي أمر آل مرا 25.
وفي عام (911هـ-1505م) شاع بدمشق أن النائب قد انتصر على عرب مهنا بن مقلد ولم يصح الخبر ثم جاء أمير بني لام مسلم وأمراء آخرون بالحج إلى أن أوصلوهم إلى الحسا فتلقاهم نائب القدس، وجانباي المري، فأوصلوهم إلى عند نائب الشام 26، وفي سنة (913هـ-1507م) جاء نذير من جماعة ابن ساعد – أمير عجلون – يعلمه بأن عرب آل قني موجودون في المنطقة، فركب النائب إليهم فلحق بآخرهم بعد رحيلهم فقتلوا منهم جماعة وأخذوا منهم جمالاً 27 ، وعرب آل قني من عربان جليدان المفارجة من بني لام من طيء28، وينتسب السردية إلى (آل قني) وينتخون بالقنوة ويلاحظ أن المفارجة (آل قني وآل دغيم) كانوا ضد حكام دمشق في تلك الفترة وكانوا يغيرون على حوران ويقطعون الطريق على قافلة الحجاج وأن آل مرا بن ربيعة مع حكام دمشق ويقيمون بدرك الحاج وحمايته من القبائل الأخرى.
وفي سنة (915هـ-1509م) يوم السبت الحادي عشر من صفر دقت البشائر في دمشق لعدة أيام، وذلك بسبب قيام نائب دمشق بقتل كبار آل دغمان (آل زعمان) وهرب الباقون وأخذوا حريمهم، وإبلهم، وأولادهم. ونودي بالزينة فوضعت بدمشق يوم الأحد ثاني عشر من صفر ثم قامت جماعة من عرب المقتولين من آل دغمان (آل زعمان) بالهجوم على أمير العرب بن جانباي البدوي أمير آل مرا فهرب منهم إلى دمشق 29، وآل دغمان هؤلاء هم آل دغيم من عرب جليدان المفارجة من بني لام من طيء 30، وهم من أجداد عشائر السردية والصقر كما سنبين.
وفي سنة (918هـ-1512م) قام نائب دمشق بنصب الصنجق بالجامع الأموي على العادة إعلاماً بالتهيؤ لأمر الحج هذه السنة ولاجتماع شروط السفر من ضبط مشايخ العرب من بني لام والأمراء وابن ساعد أمير عجلون 31.
وفي عام (922هـ-1516م) وقع انتصار العثمانيين على المماليك واستلم ولاية دمشق جان بردي الغزالي والذي أصبح يدير شؤون المماليك المنهزمين وأصبح أمير البقاع ناصر الدين بن الحنش في مركز قوة خلال الفترة الانتقالية بين حكم المماليك وحكم العثمانيين32، وقام الغزالي بإلباس خلعه لصهر ابن الحنش الأمير ابن جانباي البدوي أمير آل مرا ودركه بلاد حوران والمرج 33.
ولقد اصطدم الغزالي بالبدو بسبب اهتمامه بتأمين سلامة الحاج في المناطق التي سيطروا عليها ولم يكن الغزالي الأمير الفعلي للحج الشامي، إلا أنه كان مسؤولاً عن سلامته بصفته حاكماً على دمشق مكان تجمع الحجاج، ووالياً على ولاية الشام التي كانت تواجه البادية حيث يتعرض الحجاج لغارات البدو، وفي السنة الأولى من ولايته غادر الغزالي دمشق في ذي الحجة (924هـ-4 كانون أول 1518م) متجهاً نحو الجنوب لحماية الحاج من البدو في المنطقة الممتدة بين حوران، وعجلون وكان بدو آل دغيم قد تعرضوا للحاج بعد خروجه من تبوك ولكنهم صدوا عنه فتحاربوا مع الحجاج نهاراً ثم انتصر عليهم الحجاج وأخذوا ثلاثة من أعيانهم وعاد الغزالي إلى دمشق في سنة (925هـ-1519م) 34، وآل دغيم هم من عرب جليدان المفارجة من بني لام من طيء 35.
وفي هذه السنة قام الغزالي بحملتين على بدو حوران الأولى في (17 - ربيع الأول / 19 – آذار ) وقد أسر أحد أمراء البدو ويسمى مجلماً والثانية في (29-شعبان/26-آب) سافر النائب إلى حوران لأجل القبض على أمير العرب المسمى (جغيمان) الذي هدد الحاج ولكنه هرب من الغزالي ولتلافي ثأر جغيمان وهجومه على الحاج قرر الغزالي إرسال قافلة الحاج عن طريق غزة لتأمين سلامتها، والجدير بالذكر أن هذه الطريق الفرعية بين دمشق وغزة الذي يعرف بالطريق الغزاوي كان أكنز أمناً، لأنه يشكل جزءاً من الطريق التجاري المؤدي إلى مصر وكان الحاج يذهب في هذه الحالة من غزة باتجاه الكرك والشوبك حيث يتصل بالطريق الرئيسي الذي يذهب رأساً من دمشق إلى الحجاز والذي عرف بالطريق السلطاني36.
ووصلت أنباء إلى نائب الشام في عام (925هـ-1519م) تفيد بأن أمير العرب المعروف باسم (جغيمان) قد أقام في معان للهجوم على قافلة الحج أثناء عودتها فبادر نائب الشام بموازرة نائب القدس بالإعداد لمباغتة أمير العرب وعندما علم جغيمان بوصول النائب قرب معان هرب بعربه إلى بلاد الجوف إلا أن النائب تمكن من أسر بعض أتباعه وأحد أقربائه المسمى (دويعر) زويعر واستولى على بعض متاعه وعاد إلى دمشق في عام (926هـ-1520م) 37، وبعد دخول النائب إلى دمشق ومعه قريب أمير العرب جغيمان ويدعى دويعر راكباً على جمل في رقبته (زنجير) وإلى جانبه على جمل آخر عبد جغيمان وهو من الموصوفين بالشجاعة وأمامها نحو العشرة من العرب مشاة، وهجم أهل دمشق على (دويعر) وأسمعوه ما يكره ولولا النائب لرموه بالحجارة 38.
ثم يظهر أن النائب استطاع القبض على جغيمان المذكور (دغيمان) ثم أطلق سراحه بعد أن ضمنه الأمير أحمد بن قاسم بن بقر المعروف بأبي الشوارب وأرباب الدولة وذلك في (15-صفر 926هـ-1520م) 39، وفي الواقع أن جغيمان لم يلقى القبض عليه أبداً ويبدو أن الذي أطلق هنا هو قريبه (دويعر) (زويعر) 40.
ويبدو أن العلاقات بين أمير العرب جغيمان ونائب الشام قد تحسنت بعد إطلاق سراح قريبه (دويعر) ففي (21-ربيع الأول 926هـ-2 مارس 1520م) حضر ابن أمير العرب جغيمان والذي يدعى القاضي نعيمان، وهو شاب لطيف مبعوث عوضاً عن والده إلى دمشق وعن طريق الأمير ابن بقر والأمير زويعر ثم خلع عليه النائب 41.
ولقد تجدد في وقت سابق من هذه السنة القتال فلقد دعم نائب دمشق الغزالي (ملحم) منافس جغيمان وذلك للحد من قوته، وتحركت قوتهما معاً ضد جغيمان والتي باءت بالفشل ثم توجه الغزالي شخصياً لمحاربة جغيمان على رأس قوة والتي كانت على ما يبدو مهمة ناجحة وعند عودته استقبل استقبال حاشد من أهل دمشق 42.
وعلى ما يبدو أن العلاقات بينهما قد تحسنت لاحقاً لأنه في (17-شوال-926هـ-1520م) تجهزت قافلة الحج للسفر والتي لم ير أعظم منها منذ سبعين سنة ولقد سافر بالحج لهذه السنة ابن جغيمان أمير العرب وذلك لحماية القافلة ثم جيء بأمير العرب ملحم مربوطاً إلى النائب الغزالي فأودعه السجن 43، وأمراء العرب جغيمان وملحم هم من شيوخ المفارجة من بني لام وكانا يتنافسان على مشيخة المفارجة وعلى أخذ الصرة من دمشق وذلك مقابل حماية قافلة الحجاج.
ولقد كانت قوافل الحجاج تتعرض للهجوم من قبيلة المفارجة ولقد نجح الغزالي في إخضاعهم مقابل صر تدفع لهم نظير عدم اعتدائهم على القافلة، وفي عام (926هـ-1519م) كان زعيمهم سلامة بن فواز والملقب بـ (جغيمان) قد قابل الحج قرب الزرقاء وتكلم مع قائد القافلة دون أن يؤذيهم وفي وقت لاحق من نفس العام قام سلامة بن فواز (جغيمان) ومعه (000ر10) من أتباعه بمهاجمة قافلة الحج المصرية بالقرب من الأزلام ولقد استطاعت القوة المرافقة للقافلة الدفاع عنها بقوة النيران ولقد وعد (جغيمان) بأن يعطي (1000) دينار كل عام ومدى الحياة مقابل عدم التعرض للقافلة، وحمايتها وكفل ذلك صهره عمر بن عمير بن داود أمير بني عقبة والذي كان يساند (جغيمان)، وفي عام (931هـ-1524م) فشل قائد القافلة في دفع الصرة لجغيمان الذي هاجم بدوره القافلة ولاقى دفاع عنها من قبل القوة التي تحميها بعد هذا الهجوم أرسل حاكم دمشق قواته لملاقاة القافلة في منطقة الأزلام في العلى، وفي عام (937هـ-1530م) قام ملحم أحد زعماء المفارجة بالهجوم على القافلة في ضاحية الحج في منطقة تبوك فمات معظم القافلة والبقية أخذت طريق غزة دمشق44.
وسلامة بن فواز والملقب بجغيمان وأمير العرب هو من أجداد عشائر السردية وهو أحد شيوخ آل دغيم وآل قني من عرب جليدان المفارجة من بني لام وكان ينافسه ملحم على زعامة قبيلة المفارجة ولقد بدأت هذه القبيلة بالتحرك من جبلي طيء من عند قبيلتها الأم بنو لام شمالاً إلى أطراف الهلال الخصيب حتى وصلت إلى معان، والزرقاء، ثم حوران. وكان ذلك في نهاية القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي وبداية القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي.
وفي عام (965هـ-1557م) قام نعيم بن سلامة بن فواز شيخ المفارجة بصد الكثير من الجنود والذي أرسلوا للقبض عليه ولم يقم بالهرب فقط بل قتل الكثير منهم والذين أرسلوا من دمشق، وفي نفس العام قام نعيم بن سلامة بن فواز بوضع عوائق صخرية في أحد الممرات الضيقة على طريق الحجاج بالقرب من الأخيضر ولم يستطع أمير الحج أن ينظف الممر من الصخور خوفاً من غارة مفاجئة من قبل نعيم بعد ذلك قام السلطان سليم في عام (1559م) ببناء قلاع في عجلون، والقطارنة، ومعان، وضاحية الحج، وتبوك. وزودها بقوة من الجنود للتحكم في هذه القبائل وإبعاد خطرها عن قافلة الحج 45، ونعيم المذكور هو القاضي نعيمان 46، بن سلامة بن فواز الملقب بـ (جغيمان) أمير العرب 47، وشيخ قبيلة المفارجة.
وعلى أثر ذلك تم تعيين أمير عجلون قانصوه كأمير للحج للحفاظ على سلامته، وواجه هذا التعيين معارضة قوية من قبل نصر الله وسلامة بن نعيم زعيما المفارجة، وقانصوه هو الأمير قانصوه بن مساعدة بن مسلم الغزاوي ظهر في منطقة عجلون والكرك في النصف الثاني من القرن السادس عشر فاعترف العثمانيون بسلطته بعد أن رأوه قد وطد نفوذه وتعهد بالطاعة وتقديم أموال الميري بانتظام، واستخدموه لموازنة قوة غيره من الأمراء المحليين وقد عين قانصوه أميراً على الحاج مدة خمسة عشرة سنة بدءاً من حوالي عام (980هـ-1572م-1573م) وخلفه في الإمارة ابنه أحمد 48.
أما نصر الله فهو أحد زعماء المفارجة وكتب عنه تقرير للحكومة العثمانية باعتباره أحد زعماء البدو المتمردين والذي قام في عام (1552م) بالتجارة بالأسهم والنبال ثم سلم نفسه لحاكم دمشق في وقت لاحق وعفا عنه وفي عام (1567م) تم إصدار أمر إلى والي دمشق بالقبض عليه وعلى زعماء آخرين من المتمردين 49، أما سلامة بن نعيم فهو زعيم عشيرة السردية من قبائل المفارجة 50، ولقد قال الغزي عن عمل قانصوه كامير للحج إن هؤلاء الذين ذهبوا مع قافلة الحج في أيامه كانوا يتمتعون برفاهية، ولقد كان البدو يطيعونه ويخافون منه وكانت القافلة آمنة في عهده 51، وفي عام (978هـ-1570م) طالب زعماء البدو المحليين في فلسطين أن يصبحوا أصحاب درك الحاج وبالمثل قام سلامة بن نعيم شيخ المفارجة في حوران بإرسال عريضة يقول فيها أنه من منطلق مكانته كزعيم سوف يكون مسؤولاً عن كل التعليمات التي تصدر من حكومة دمشق وتطبيقها في حالة منحه فرصة لنفسه ولأحفاده كما طالب بحقه وذلك أنه وأبوه من قبله كانا مسؤولين عن درك نقل وحماية الحجاج، وعلى أثر ذلك أمر السلطان حاكم دمشق أن يعمل تحقيق متعلق بجدارته ولكن على ما يبدو أنه لم يكن هناك مرجعية ترى إذا كان موقعه يسمح بذلك 52.
وعلى اثر التنافس بين المفارجة وقانصوه على إمارة قافلة الحج الشامي لم يتم تعيين قانصوه كأمير للحج في عام (978هـ-1570م) وذلك لأن سلامة بن نعيم ونصر الله زعيما قبيلة المفارجة كانا على خلاف معه 53، وعلى أثر ذلك قام حاكم دمشق بتعيين قريب لسلامة بن نعيم – شيخ عشائر السردية – يدعى عقاب كأمير للحج وذلك عام (978هـ-1571م)54.
هذا التعيين قوبل بالمعارضة من قبل القبائل الأخرى والتي كانت تخاف من أن يؤدي هذا التعيين لزيادة نفوذ، وأهمية عشيرة السردية الفرع من المفارجة على حسابهم وفي نفس الوقت أعيد قانصوه إلى سنجق الكرك والشوبك وأمر أن يعمل على التحكم بالقبائل البدوية وحماية قافلة الحاج الشامي من اعتداءاتهم هو وابنه محمد وعليهم أيضاً استقبال القافلة في عودتها من الحج 55.
ولقد قدم محمد بحري أمير آخر للحج حول هذا الموضوع تقرير للسلطان في عام (978هـ-1570م) وأوضح أن قانصوه ينتمي للجناح القيسي (الأحمر) وسلامة – بن نعيم بن سلامة بن فواز – ينتمي للجناح اليمني (الأبيض) وأكد على أن هناك (35) محطة على طريق مكة ثلاثة فقط منها قيسية والبقية يمانية وأكد على أنه من الأفضل أن يكون أمير الحج يماني 56.
وعلى كل حال فإن قانصوه لم يقبل بهذا التنزيل الواضح لمكانته بعد تعيين عقاب كأمير للحج والذي ظهر على أنه لا يستطيع القيام بواجبه كأمير للحج على أكمل وجه والظاهر أن السبب يعود لسوء نية قانصوه والذي يجب أن يتعاون مع عقاب من أجل الإعداد لأمن وحماية القافلة 57.
ولقد قام البدو بالحشد مع قانصوه والذي يعتبر من خارج حلفهم العشائري ضد عقاب أمير الحج وقبيلة المفارجة وبالنتيجة تم إلغاء تعيين عقاب كأمير للحج 58.
وعلى أثر ذلك قام السلطان بتعيين رضوان سنجق غزة كأمير للحج وأعاد تعيين قانصوه سنجقاً للكرك والشوبك 59، وقام السلطان أيضاً بإعطاء سلامة بن نعيم المشيخة في حوران كتعويض له وقام باستعجال والي دمشق ليصلح ويسوي الخلاف بين سلامة وقانصوه وأن يتجنب الفوضى والاضطراب الذي سيحصل بينهما وكان ذلك عام (978هـ-1571م)60.
وفي رسالة للسلطان وصف قانصوه الحالة في ولاية الكرك والشوبك وقال أنه أعطى هذه الولاية لإعادة القانون والنظام إليها ولكننا وعند محاولة جني الضرائب لم نجد فيها محصولاً كافياً ولقد كان السكان المحليون في حالة تمرد وعصيان ولقد كان البعض منهم يملك قطع أراضي صغيرة في أعالي الجبال وذلك لسد النقص المستمر الحاصل لأهل البلد في المحاصيل ولقد كان من الصعب عليه أن يخضعهم بالقوة في هذه الحالة ولأنهم كانوا غير مستقرين في مكان واحد وجوالين دائماً 61.
ثم شرح قانصوه أسباب خلافه ونزاعه مع سلامة بن نعيم – شيخ عشائر السردية من المفارجة – وقريبه الآخر نصر الله وقال أن كل منهم قد طلب ثمناً باهظاً مقابل الجمال التي يقدمونها لقافلة الحج وأضاف أنه خلال (35) سنة من عمله في خدمة قافلة الحج أنه كان جدير بكسب ثقة القبائل وأن يجد سعراً للجمال أقل من ذلك وفعلاً استطاع ذلك وأنه خلال عمله هو وابنه محمد في عجلون والكرك استطاع أن يوفر الكثير من الذهب سنوياً للحكومة العثمانية، ولقد كان يطمح أن يحصل على ولاية دمشق أيضاً نظيراً لإخلاصه 62، وفي عام (984هـ-1576م) استقبل قانصوه حاكم دمشق وحاكم صفد والقدس واللجون، والذين أمروا من قبل السلطان العثماني أن يساعدوا قانصوه في إخضاع قبيلة المفارجة المتمردة 63.
وعلى الرغم من هذا لا تعتبر عائلة الغزاوي بدوية ولقد كان زعماء البدو يقولون عن أحمد بن قانصوه الغزاوي أنه كان فلاح وحضري أي من المدينة، وليس بدوي. وفي القتال الذي كان يدور بين عمرو بن جبر السقري كبير الطائفة الثانية من المفارجة ورشيد بن سلامة نعيم كبير الطائفة السردية من المفارجة في عام (1022هـ-1613م) كان الأمير حمدان بن قانصوه أمير بلاد عجلون إلى جانب عمرو وكانت الكسرة على عمرو وكان الأمير ناصر الفحيلي من أمراء آل مري مع رشيد بن سلامة السردي فرأى الأمير حمدان هارباً فقال له: إلى أين يا فلاح؟ إلى أين يا حضري؟ قف حتى أدركك 64.
وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر قام قانصوه وعمر بن جبر أحد زعماء المفارجة بمهاجمة الشيخ سلامة بن نعيم شيخ السردية والذي كان ينافس عمر بن جبر على مشيخة حوران وعندما وصلت هذه الأخبار إلى سنان باشا والي دمشق أرسل إليهم جيش الانكشارية وهزم قانصوه وعمر بن جبر، ولقد فر قانصوه من ولاية دمشق وذلك في عام (999هـ- 1590م) 65.
وكان أمير الحج في تلك الفترة هو رضوان بن مصطفى سنجق غزة ثم عين رضوان بعد ذلك سنجق على غزة وفي عام (979هـ-1572م) عين على غزة الأمير أحمد بن رضوان بن مصطفى باشا وحكمها ثلاثين سنة تولى خلالها إمارة الحج الشامي عدة مرات بعد الأمير قانصوه الغزاوي 66.
وتقول الرواية الشعبية لدى عشائر السردية (أنه عند اختلاف زعماء المفارجة على مشيخة حوران اجتمع وجهاء المفارجة وطلبوا من زعيميها أن يرحل كل منهما إلى جهة معينة وعلى أفراد القبيلة أن يختاروا اللحاق بمن يرغبون وذلك منعاً لإراقة الدماء وفعلاً انفصلت القبيلة إلى قسمين وسمي القسم الأول أو الطائفة الصغرى بالسردية، ) فأصبحوا يدعون بالسردية الذي قاموا بدورهم بطرد القسم الآخر من حوران بعد معارك دامية، والسردية هم آل قني من آل جليدان المفارجة والقسم الآخر هم آل صقر من آل جليدان المفارجة، وكان ذلك كله بسبب الصراع على مناطق النفوذ في حوران وما يجاورها من مناطق.
وفي عام (1001هـ-1593م) بعد أن جرد أحمد قانصوه من منصبه كسنجق وأمير للحج أصبح متمرداً على السلطة كوالده فقام هو وقبيلة المفارجة والذين كانوا على تحالف مع عائلته بالاجتماع مع قواتهم من البدو في الجبل ووصولا إلى حوران عازمين على قطع الطريق والإغارة على قافلة الحج الشامي فوصلت هذه الأنباء إلى استانبول فأرسل على الفور والي دمشق على رأس قوة كبيرة للإمساك بهم وإنهاء التمرد والتأكد من سلامة القافلة والكتابة بذلك إلى استانبول 67.